تحليل: هدير مسعد عطية …
الاستلهام المكاني والاستيعاب النصي للهوية وطبقات الانتماء تأتي عبر بعض العلامات البصرية، كالخريطة التي تلعب دورا مهماً في بناء الذات الجماعية والتماسك الجمعي حول فكرة سياسية واحدة لكيان طبوغرافي واحد أو على الأقل ذو سمت جمعي. وكما كانت الحدود والعلامات التحديثية دلائل على وجود كيان متماسك لمفهوم الدولة والجماعة السياسية والثقافية، تأتي الخريطة هنا كمفتاح لاختزال كل هذا في إيقاع محدد، يجري استخدامه كدال هوياتي للإحساس بالتمايز. في هذا تمتلك الخرائط السياسية القدرة على التأثير في مخيلتنا حول أماكن وجود الأقاليم والدول في العالم لأن الخرائط تُعتبر موضوعية وعلمية، وهي قوية في جعل الأفكار “المبنية” تبدو “طبيعية”. إنها تشكيلات خطابية ثقافية وسياسية تمثل التصورات والخطابات الأيديولوجية والتطلعات. والسرديات التي تقدمها الخرائط تخلق العدسات التي نرى ونفهم ونفسر من خلالها “الإقليمية” (Territoriality)، والتي تُفهم في هذه الدراسة على أنها العلاقة بين الناس والإقليم. تستمد الخرائط قوتها من انغراسها في سرديات الأمة والهوية. إن مفاهيم الأمة والهوية والإقليمية، وكيفية تحديدها للواقع السياسي وقواعد شرعية الدولة، تتغير بمرور الوقت؛ وتداعيات معانيها المختلفة في فترات متباينة تؤثر على كيفية إدراكنا للخرائط السياسية، سواء كانت قائمة بالفعل أو منشودة. يتخيل الكرد والغرباء الوطن الكردي من خلال المعايير المعاصرة المتعلقة بالأمة والإقليمية، وتحديداً “تقرير المصير”. هذا المعيار، رغم ضبابيته وقابليته للتغير، أثر على السياسة الوطنية، وكذلك على تصور كردستان وخريطتها، بطرق مختلفة عبر الزمن.
ربما لم ترتبط جماعية إنسانية بالخريطة كما ارتبط الكرد بها تخيلا ومصيرا وإعادة تأسيس لمفهوم الأمة والمصير والاستقلال، في كل هذا لعبت الخريطة دورا محوريا في صياغة الإدراك الكردي السياسي والثقافي والهوياتي. وقد لعبت الخريطة دورًا محوريًا ومتعدد الأبعاد في بناء تاريخ الكرد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث تجاوزت وظيفتها كأداة وصفية لتتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الوعي القومي، وأداة للسيطرة الاستعمارية، ورمزًا أيديولوجيًا في الصراع السياسي. وحين نتحدث عن الكرد والخريطة، نجد أنفسنا أمام معادلة بالغة الخصوصية، لأن شعباً يُعدّ من أكبر الشعوب في العالم من حيث العدد ظلّ يفتقد خريطةً يستطيع أن يقول أمامها: هذه أرضي المعترف بها دولياً. وهذا الغياب لم يكن مجرد فراغ بصري، بل كان فراغاً في المخيال الجمعي، وثغرةً في السردية التاريخية، وضعفاً في القدرة التفاوضية، وجرحاً في الهوية لم تستطع لا السياسة ولا الثقافة وحدهما أن تردما. ومن ثم، تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف الدور الذي أدّته الخريطة — بوصفها فعلاً بصرياً وسياسياً وثقافياً في آنٍ واحد — في تشكيل المخيال الكردي والسردية الكردية عن الذات والمكان والتاريخ، ابتداءً من القرن التاسع عشر حين بدأ الكرد يدخلون دائرة الخرائط الأوروبية الحديثة، مروراً بالقرن العشرين الذي شهد أعمق عمليات التفتيت الجيوسياسي، ووصولاً إلى القرن الحادي والعشرين الذي فتح أمام الخريطة الكردية أبعاداً جديدة في الفضاء الرقمي وفي جغرافيات الشتات. والخريطة في هذا السياق ليست موضوعاً فرعياً للتاريخ الكردي بل هي إحدى أعمق مفاتيحه التفسيرية.
أحدثت الدراسات الكارتوغرافية النقدية في العقود الأخيرة تحولاً جذرياً في الطريقة التي ننظر بها إلى الخريطة. لم تعد الخريطة تُفهم بوصفها مرآةً موضوعية للواقع الجغرافي، بل باتت تُفهم بوصفها نصاً ثقافياً وسياسياً تُمارس فيه علاقات السلطة والمعرفة بأشكال مرئية. ويمكن القول أن كل خريطة تنطوي على “رهانات سلطة” مُضمَّنة في الاختيارات التي يقوم بها رسّام الخريطة: ماذا يُدرَج وماذا يُحذف، أيّ الأسماء يُعتمد، أيّ الحدود يُرسم بخط صلب وأيها بخط متقطع، ما مقياس الرسم المُعتمد، وفي أي مركز يُوضع العالم. هذه الاختيارات تبدو تقنية بحتة لكنها في العمق قرارات أيديولوجية تُشكّل تصوّر القارئ للمكان وللشعوب التي تسكنه. وفي حالة الكرد، تتّضح هذه المعادلة بشكل صارخ. حين رسم الضباط البريطانيون والفرنسيون وعلماء الجغرافيا الألمان خرائط الشرق الأوسط في القرن التاسع عشر، كانوا يُمارسون سلطة تسمية وسلطة حدود في آنٍ واحد. إدراج اسم “Kurdistan” كإقليم على خريطة أوروبية كان في حدّ ذاته فعلاً سياسياً ذا وزن — إذ اعترف بوجود جماعة ذات هوية مميّزة ومرتبطة بمكان محدد. لكن غياب هذا الاسم أو تقليص مساحته أو تشتيت حدوده من خريطة إلى أخرى كان بدوره فعلاً سياسياً مضاداً يزرع الشك في إمكانية قيام كيان كردي متماسك. الخريطة إذاً ليست تسجيلاً للواقع بل مشاركة في إنتاجه.
المخيال البصري — بالمعنى الذي يستخدمه بينيديكت أندرسون في حديثه عن “الجماعات المتخيَّلة” — ليس مجرد مجموعة من الصور والرموز، بل هو البنية العميقة التي تُمكّن الأفراد من تصوّر انتمائهم إلى جماعة لن يلتقوا معظم أعضائها وجهاً لوجه. الخريطة في هذا السياق ليست مجرد أداة معرفية بل هي من أقوى الوسائل التي ينتج بها الانتماء الجمعي، لأنها تُعطي الجماعة شكلاً مرئياً في الفضاء وتجعل الحدود التي تفصلها عن غيرها شيئاً يُرى لا مجرد شيء يُشعر به. وهذا تحديداً ما افتقده الكرد طويلاً — خريطة تُعلَّق على الجدار في المدرسة وتُنشر في الصحيفة وتوضع في مقدمة الكتاب المدرسي، خريطة تقول للطفل الكردي: هذه أرضك، هذا شكلك في العالم، هكذا تبدو هويتك حين تُرسم. خلق هذا الغياب البصري ما يمكن تسميته “أزمة التصوّر الذاتي” في الثقافة الكردية. الهوية التي لا تجد لها شكلاً مرئياً ومتفقاً عليه في خريطة مستقرة تظل هوية قلقة تبحث عن إثبات مستمر. ولا يعني هذا أن الهوية الكردية كانت ضعيفة أو غير موجودة، بل يعني أنها اضطرت إلى أن تُثبت نفسها بوسائل بديلة — الشعر والملحمة والنسب القبلي واللباس والموسيقى — وهي وسائل حافظت على الهوية لكنها لم تُنتج “رؤية مكانية” موحّدة تصلح مرجعاً لمطالبات سياسية.
الكرد في عصر الخريطة الحديثة
هنا محاولة لتتبع التصوّرات الغربية لكردستان في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. كان لهذه التصوّرات أثر بالغ في سعي النخب السياسية الكردية آنذاك إلى نيل الشرعية القومية، ولا تزال تؤثر في السياسة الكردية حتى اليوم. وثمة عدد من الأسئلة التي يبدو طرحها منطقياً في هذا الإطار من قبيل: ما الأفكار المؤسسة للتصوّرات الاستشراقية والغربية عن الكرد في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؟ وكيف أثّرت هذه التصوّرات في تفاعل النخب السياسية الكردية مع الفاعلين الدوليين ومع الدولة العثمانية؟ وكيف شكّل هذا التفاعل الحركات السياسية الكردية ومساعيها إلى الشرعية السياسية؟ ومن خلال تناول هذه الأسئلة، يظهر الارتباط بين أنشطة القوى الإمبريالية الغربية في الأراضي العثمانية، وبين تشكّل الهوية القومية الكردية وتطوّر السياسة الكردية منذ ذلك الحين. ويُظهر أن الخرائط الإثنوغرافية التي أعدّها جغرافيون غربيون للمنطقة قد اعتُمدت واستُخدمت من قبل القوميين الكرد في مطلع القرن العشرين وما بعده، وأصبحت مصادر أساسية لرسم خرائط كردستان.
اتّسمت التصوّرات الاستشراقية عن الشعوب غير الغربية بعدساتٍ جوهرانية حضارية راسخة. وقد استندت هذه التصوّرات إلى دراسات وملاحظات جغرافيين غربيين وضباط عسكريين وروّاد أعمال اقتصاديين ومبشّرين خلال أسفارهم وتفاعلاتهم في الأقاليم غير الغربية. وغدت الأقاليم الشرقية من الدولة العثمانية محور اهتمام الدول الإمبريالية الغربية في أواخر القرن التاسع عشر، لأسباب اقتصادية وسياسية جزئيًا (مثل طرق التجارة وتزايد النفوذ الروسي في المنطقة)، فضلًا عن وجود تجمعات سكانية مسيحية. وقد أثّرت الدراسات الجغرافية والإثنوغرافية التي أنجزها الرحّالة الأوروبيون، وكيفية توظيفها في سياسات القوى الإمبريالية في المراحل السابقة للحرب العالمية الأولى وأثناءها وبعدها، تأثيرًا كبيرًا في معظم عمليات ترسيم الحدود في الشرق الأوسط وفي المصير السياسي للكرد. ومع ذلك، فإن التسويات السياسية والإقليمية التي نتجت عن تلك المرحلة تشكّلت أيضًا بفعل المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية للقوى الإمبريالية وبفعل تنافسها فيما بينها.
ومن اللافت أن الدراسات الإثنوغرافية الأوروبية والتمثيلات الخرائطية لشعوب المنطقة، بما في ذلك الكرد، أسهمت بدرجة كبيرة في تصوّرات الهوية القومية الكردية للإقليم وفي السبل التي بُني بها تصور «الوطن» الكردي. فالاستعمار الأوروبي وضع بالفعل الأسس للعالم المعاصر، وفي هذا المسار التاريخي أدّت الجغرافيا دورًا محوريًا، إذ «لا أحد منّا خارج الجغرافيا أو متجاوز لها». وقد امتلك علم الخرائط في القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين قوة هائلة، لأنه أتاح «تحقيق الهيمنة الأيديولوجية على الفضاء». وتعكس الخرائط الخطابات الأيديولوجية والسياسية الأوسع، وهي نتاج تواصل بين رسّامي الخرائط وأهداف دراساتهم والمكاتب السياسية والمجتمع الأوسع. ولا يمكن التعامل مع الإقليم ولا مع تمثيلاته الخرائطية بوصفهما كيانين ثابتين ولا تاريخيين. فالخرائط مكوّنات من «لغة بصرية» تنقل مصالح واستراتيجيات وأيديولوجيات. وحتى حين لا يكون الهدف من إنتاج الخريطة دعائيًا، فإنها تعكس تحيّزات وافتراضات غير واعية متجذّرة في القيم والأيديولوجيات والمصالح السياسية للمنتِج وللمؤسسات والسياقات التاريخية التي ينتمي إليها. ولا يمكن الفكاك من الجغرافيا ولا من القيم والمصالح السياسية والاقتصادية التي تشكّل تمثّلاتها وتخيّلاتها.
كان لدراسات وملاحظات الضباط والرحّالة الأوروبيين حول شعوب الأقاليم الشرقية من الدولة العثمانية، بما في ذلك الكرد، أثرٌ بالغ في الطريقة التي صيغت بها السياسات الغربية تجاه الدولة العثمانية وشعوبها أثناء الحرب العالمية الأولى وما بعدها. وقد تراوحت هذه الرؤى بين الإشادة والنقد للنخبة السياسية الكردية وللمجتمع الكردي القائم على البنى القبلية. وكان هذا المنظور المنحاز بدرجة كبيرة عاملاً مهماً في ترسيخ التصوّر القائل بأن الكرد غير مستعدين لنيل الدولة. فعلى سبيل المثال، نظرت الدراسات التي أنجزها ضباط استعماريون ورحّالة بريطانيون زاروا الأقاليم الشرقية من الدولة العثمانية—ومن بينهم كتّاب وأنثروبولوجيون ولغويون وجغرافيون—إلى المناطق التي استكشفوها من هذا المنظور، كما في أعمال مارك سايكس «القبائل الكردية في الدولة العثمانية» (1908)، وفرانسيس مانسيل «كردستان» (1894)، وفريدريك ميلينغن «الحياة البرية بين الكرد» (1870). ناقش ميلينغن على نحو موسّع دور الثارات القبلية والحروب بين القبائل، وأشار إلى ما اعتبره ثقافة بدائية لدى الكرد. كما أفاد كلٌّ من مانسيل وسايكس بوقوع اقتتال بين القبائل الكردية، ولا سيما تلك التي شكّلت أفواج الحميدية، وبالآثار السلبية لذلك على أمن المنطقة. وتناول هؤلاء الكتّاب أيضاً اضطهاد فرسان الحميدية للأرمن؛ إذ كتب مانسيل مثلاً أن الكرد متعصّبون ويخوضون نزاعات دائمة مع المسيحيين.
أسهمت استكشافات الرحّالة الأوروبيين وأنشطتهم ودراساتهم في الأقاليم غير الأوروبية خلال القرن التاسع عشر في تشكيل الطريقة التي مارست بها دولهم السلطة لإعادة رسم التقسيمات السياسية للشرق الأوسط في مطلع القرن العشرين. فقد تشكّلت التصوّرات الاستشراقية للجغرافيا بفعل القيم السياسية والثقافية السائدة في السياق الأوروبي، وبفعل مصالح الدول، ومصادر المعلومات المختلفة—متضمنة المخبرين المحليين والتصوّرات البينية بين الجماعات على الأرض—وهو ما أثّر في تحيّزات الرحّالة الغربيين. ومن ثم، هنا محاولة لقراءة تخيّلات الفاعلين الغربيين للأقاليم الإثنية في محاولاتهم رسم خرائط الشرق وشعوبه، وإنتاج حدود سياسية جديدة أثناء تفكّك الدولة العثمانية وما بعده. فقد شكّلت الأفكار الكامنة خلف الدراسات الجغرافية الغربية ورسم الخرائط للأقاليم والشعوب غير الغربية في تلك الحقبة هذه التخيّلات. وأسقط المنظور الغربي فهماً للأمّة—كما عُرفت أو اعتُقد أنها عُرفت في أوروبا—على جماعات متمرّدة أو جماعات ذات ثقافات وعادات مميّزة. وترافق ذلك مع الرؤى الاستشراقية والاستعمارية للهوية القومية والإقليمية، ومع فكرة مفادها أن القدرة على تشكيل وحدة قومية حول هوية محدّدة وعلى إقليم مرسوم تتطلّب مستوى معيّناً من «التحضّر».
تغيّرت العلاقة بين رسم الخرائط وبناء الأمّة أو الشعب عبر التاريخ، إذ تُؤطَّر في كل حقبة بتشكيلات القوة العالمية والإقليمية وبالأفكار السائدة عن العالم آنذاك. فعمليات وبُنى الفترات التاريخية الطويلة، والنظام الدولي الذي تُنتجه، تؤطّر الافتراضات والأيديولوجيات والتصوّرات والمصالح التي تقوم عليها التخيّلات الإقليمية. كما توفّر الخطابات السياسية والأيديولوجية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية السياق الداعم لإنتاج المعرفة الجغرافية. وهذا يعني أن معنى الدولة الإقليمية (الكيان السياسي) يختلف باختلاف النظم الدولية التي قد تمتلك فيها الدول بنى اقتصادية متميّزة وديناميات مختلفة للعلاقات بين الدول.
عزّز الفكر السوسيولوجي الأوروبي في القرن التاسع عشر فكرة الدولة الإقليمية السياسية. وأسهمت العلوم الاجتماعية والجغرافيون في ترسيخ «الجغرافيات السياسية المتمركزة حول الدولة»، التي قدّمت الدولة القومية الحديثة بوصفها طبيعية وتقدّمية. وكان يُعتقد أن للقومية أو الهوية القومية جوهراً وأصلاً تسعى النخب القومية لإحيائهما. وتبلورت في أوروبا ثلاثة افتراضات جغرافية: (1) ثبات أقاليم الدول كوحدات سيادية؛ (2) ترسيخ ثنائيات مثل وطني/دولي أو داخلي/خارجي؛ (3) النظر إلى الدولة باعتبارها سابقة على المجتمع وحاوية له. وأدّى الربط بين الأقاليم المحدّدة سيادياً وسيادة الدولة إلى «فخ الإقليمية»، وتحوّل تجزئة العالم إلى دول إقليمية إلى مبرّر لهذا الفخ. وهكذا غدا تصور الدولة بوصفها حاوية للمجتمع «بديهياً»، وأنتجت السيادة الشعبية على إقليم مأهول علاقةً بين الشعب والإقليم بات فيها الإقليم يعرّف الشعب. امتلأ هذا النموذج المثالي للدولة بقيم التقدّم والليبرالية والتنمية و«التحضّر». وقد أسّست هذه القيم تصوّرات القوى الاستعمارية للآخر، وطريقة انخراطها في السياقات غير الأوروبية، وكيفية تفسيرها لنتائج استكشافاتها ودراساتها. فالشعوب التي لا تبدو «تقدّمية» أو «ليبرالية» أو «متحضّرة» عُدّت غير مؤهّلة لنيل صفة الأمة وإقامة دولة. وأسهمت هذه القيم في تصوّر الدول الغربية ووكلائها لمستقبل الشرق الأوسط والكرد بما ينسجم مع مصالحهم الاستراتيجية ومع تشكيلات التنافس الإمبريالي المتصاعد قبيل الحرب العالمية الأولى وبعدها.
كانت الدراسات الجغرافية الاستشراقية في هذه الفترة معقّدة ومتعدّدة الأبعاد. فقد شكّلت الفلسفات الأوروبية حول أنسب أشكال الحكم والوحدات السياسية «الأكثر تقدّماً» جزءاً لا يتجزأ من الجغرافيا الاستعمارية ورسم الخرائط. وقدّمت الكارتوغرافيا الغربية أوروبا بوصفها متحضّرة وقوية وفي مركز العالم، مقابل تصوير بقية العالم بوصفه غير متحضّر وضعيفاً. ففي خرائط القرنين السابع عشر والثامن عشر، وُضعت أوروبا في موقع مركزي مهيمن، وأحياناً صُوّرت على هيئة ملكة تمدّ «أذرعها» عبر العالم الخاضع لها. وقد جسّد هذا الخيال الذاتي أوروبا «قوية، متحضّرة، مكسوّة ومثقّفة»، في مقابل عالم «مُخضع، غريب، متوحّش، شبه عارٍ وبدائي». خفّ حضور هذه الأيقونوغرافيا في خرائط القرن التاسع عشر بفعل التحوّل إلى خرائط «علمية» وتقدّم تقنيات المسح، غير أن المنظور الاستشراقي ظلّ قائماً في كتابات الرحّالة.
في العصر الاستعماري، انصبّ اهتمام القوى الأوروبية ووكلائها على تشييء العالم وتصنيفه ورسمه. وكان المستكشفون والضباط والمهندسون والجغرافيون والأنثروبولوجيون يسعون إلى إنتاج معرفة «عقلانية» و«كونية». لذلك حاولت أعمال رسم الخرائط والدراسات الجغرافية—حتى لأغراض استكشافية أو اقتصادية بحتة—تحديد مؤشرات هوية جامعة أو مهيمنة كاللغة والعادات والدين عند دراسة شعوب الشرق الأوسط في الأقاليم العثمانية والإيرانية. وغالباً ما صُوِّر غير الغربيين بوصفهم متخلّفين وغير متحضّرين وقبليين وبدائيين، ومن ثمّ غير مستحقّين لتقرير المصير القومي، بما يبرّر الاستعمار. وفي الشرق الأوسط، استُهدف غير المسيحيين على نحو خاص؛ إذ صُوِّرت الجماعات المسيحية—كالأرمن والآشوريين والنساطرة—بلغة أقل تحقيراً. أمّا الكرد، فقد وصفهم بعض الرحّالة بإيجابية نسبية مقارنة بالعرب والتركمان، وأرجعوا تخلّفهم إلى الحكمين العثماني والفارسي، بينما وصفهم آخرون بغير المتحضّرين، وعدّوهم أدنى من المسيحيين من حيث «الذكاء» وحاملين لسمات «وحشية».
الكرد وكردستان في نظر الرحّالة الغربيين
زار الرحّالة والكتّاب الأوروبيون المناطق ذات الغالبية الكردية بوصفهم وكلاء دول أو ضباط جيش أو علماء أو صحافيين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأنتجوا تعريفات وتمثيلات خرائطية عديدة لكردستان. وقد تأثّرت نتائجهم وأدوات بحثهم بدوافعهم، التي بدأت اقتصادية ودينية، نظراً لموقع كردستان على طرق اتصال وتجارة مهمّة. فكتبوا تقارير وخرائط لأغراض اقتصادية تضمّنت ملاحظات عن الكرد وكردستان. وكان التجّار الإيطاليون من أوائل الرحّالة، واهتموا بطرق التجارة وبإمكانات المنطقة الاقتصادية. وكتبوا أقدم الحسابات الأوروبية، بما في ذلك أول كتاب في قواعد اللغة الكردية وقاموس عام 1789، إضافة إلى مؤلفات عن البنى السياسية والموقع والخصائص الجغرافية. كما كتب الألمان عن كردستان منذ القرن الثامن عشر، وازداد انخراطهم مع الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وأسهموا بنصيب كبير في تمويل مشروع سكة حديد بغداد (1903) المارّ بكردستان. واهتم البريطانيون بالتجارة أيضاً—وكانت شركة الهند الشرقية نشطة في المنطقة—كما كان للفرنسيين روابط اقتصادية واسعة وبنوا خطوط سكك حديدية في الأراضي العثمانية، وامتلكوا 40% من مشروع سكة بغداد. وقدّم الروس أقدم الحسابات عن طرق التجارة.
كما انخرطت دول غربية—ولا سيما إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، ثم بريطانيا—في نشاط تبشيري كثيف، ركّز خصوصاً على الجماعات المسيحية. ونشر المبشّرون الأمريكيون دراسات عن الكرد منذ مطلع القرن التاسع عشر، كما كتب المبشّرون الكاثوليك الإيطاليون والفرنسيون عن جوانب من الحياة والدين والجغرافيا الكردية، خاصة في ولاية الموصل. وأسهم هذا التركيز في تشكيل نظرة سلبية للمسلمين والكرد، وفي تدهور العلاقات البينية. وميّز الغربيون بين المسيحيين والمسلمين، معتبرين الأوائل «أكثر تحضّراً»، مع احتفاظهم بنظرة ازدرائية عامة للسكان المحليين. وكرّس الروس والفرنسيون اهتماماً خاصاً بالأرمن في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ما زاد التوتّر بين الكرد والأرمن. وفي المقابل، رأى مثقفون أرمن أن الكرد «غير متحضّرين»، لكنهم جادلوا بأن مصلحة الأرمن تكمن في مساعدة الكرد على التطوّر.
وقد اعتمدت الخرائط والتقارير الأوروبية أساساً على ملاحظات الرحّالة، مع احتمال اطّلاعهم على أوصاف أقدم لكردستان لدى مؤرخين ورحّالة مسلمين مثل شرفخان وعبد الله أفندي (أوليا جلبي) وكويي. غير أن الإنتاج المحلي في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين كان محدوداً، ما يعني أن الدراسة الكارتوغرافية الأوروبية اعتمدت إلى حدّ كبير على منظور استشراقي ومنهجيات استعمارية أسقطت جوهراً ثابتاً على موضوع الدراسة—مثل تبنّي أسطورة نسب الكرد إلى الميديين رغم غياب الدليل التاريخي. ومع تصاعد التنافس الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين، لعبت المصالح الاستراتيجية دوراً حاسماً في تفسير السياق المحلي. وزاد مشروع سكة بغداد من أهمية المنطقة وحدّة التنافس. كما وسّع الروس اهتمامهم بالقوقاز وجنوبه، وهو ما عدّته قوى أخرى تهديداً. وأسهم هذا التنافس في رسم مستقبل المنطقة، وفي إحباط الطموح القومي الكردي بالدولة بعد الحرب العالمية الأولى.
أنتج الرحّالة الأوروبيون عدداً من الخرائط لكردستان؛ من أوائلها خريطة كلوديوس ريتش في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، ثم خريطة إثنوغرافية ألمانية عام 1854، وخريطة قبائل كردية أعدّها الضابط الروسي كارستوف عام 1896. أمّا أول خريطة ركّزت تحديداً على كردستان فأعدّها مانسيل عام 1892، وقدّمت تفاصيل عن الجغرافيا والتوزّع السكاني. واعتمدت الحكومة البريطانية على إسقاطاته الإثنوغرافية في تخطيطها قبل الحرب العالمية الأولى. كما عكست خريطة وزارة الخارجية البريطانية لعام 1919—المعتمدة على بيانات سابقة للحرب—موقفها من الامتداد الإقليمي للسكن الأرمني، في سياق سعي الحلفاء لإضعاف المطالب العثمانية. وتدخّلت القوى الاستعمارية مباشرة في ترسيم الحدود منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولا سيما في الحدود العثمانية–الفارسية التي حدّدتها معاهدة زهاب (1639) على نطاق واسع يضم قبائل كردية عديدة، ولم تُحسم نهائياً إلا في العقد الثاني من القرن العشرين بمشاركة أوروبية كبيرة. وقد منح ذلك الكرد قدراً من الاستقلالية، لكنه جعلهم أيضاً عرضة للتلاعب الإمبريالي. ولعبت خرائط تلك الفترة دوراً محورياً في رسم الحدود قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.
اُستخدمت الدراسات والتقارير الأوروبية لصياغة سياسات الدول تجاه الكرد قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها وبعدها. والمفارقة أن هذه المادة الكارتوغرافية والأنثروبولوجية نفسها شكّلت لاحقاً أساس القومية الكردية في القرن العشرين؛ إذ أعاد القوميون الكرد إنتاج تلك الخرائط أو تطويرها لتخيّل الوطن الكردي. ومن ذلك خريطة شريف باشا المرفقة بمذكرته المطالِبة بحق تقرير المصير عام 1919 في مؤتمر باريس للسلام، والتي استندت إلى خرائط الرحّالة والجيوش البريطانية والألمانية. ورغم كثرة الوفود، لم تُمنح جميعها جلسات رسمية، ومنها الوفد الكردي. وقد طالب شريف باشا بدولة كردية حرّة، ساعياً إلى دحض المطالب الأرمنية بإظهار أن المناطق المتنازع عليها تقع ضمن كردستان التركية، محذّراً من الفوضى إن أُلحقت بأرمينيا. غير أن القوى الأوروبية—وخاصة بريطانيا—لم تعدّه ممثلاً شرعياً للكرد، كما عارضه زعماء كرد محليون، وتلقّى المؤتمر برقيات ترفض تمثيله وخريطته. واستقال شريف باشا في نيسان/أبريل 1920، ومنذ ذلك الحين تعامل البريطانيون مباشرة مع القيادات المحلية.
تسوية ما بعد الحرب العالمية الأولى والكرد
في مطلع القرن العشرين وما بعده، واصلت الدول الغربية انخراطها مع الكرد لتنفيذ مهامها وتحقيق مصالحها في المنطقة، غير أنها لم تقدّم دعماً كاملاً لفكرة إقامة دولة كردية. فقد أسهم إسقاط الضباط الاستعماريين والرحّالة الأوروبيين لفهمٍ أوروبيّ للأمّة، ورؤيتهم لشعوب الدولة العثمانية من خلال هذه العدسة، في ترسيخ الاعتقاد بأن الكرد يفتقرون إلى خصائص «الأمّة»، ولم يُنظر إليهم بوصفهم جماعةً شرعية تستحق التحرّر القومي، بسبب ما اعتُبر «تخلّفاً» بنيوياً في المجتمع الكردي القائم على القبلية والانقسام. وتُعدّ النقاشات التي دارت حول الكرد خلال الحرب العالمية الأولى مؤشّراً واضحاً على هذه التصوّرات. وبخاصة البريطانيون—الذين أدّوا دوراً محورياً في تشكيل المصير السياسي للكرد في تلك المرحلة—نظروا إلى تعدّد الأصوات الكردية وتشرذمها، وإلى التنافس بين القيادات المختلفة، بوصفه عائقاً يحول دون قيام دولة كردية. فقد كتب لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني بين عامي 1916 و1922، أن «لا كردياً واحداً بدا ممثّلاً لغير عشيرته الخاصة». وقد عُدّ هذا على النقيض الصارخ من الحركة الأرمنية المتماسكة والأقوى والأكثر وحدة، والمدعومة بتمثيل أرمني مؤثّر ومنظّم تنظيماً جيداً. واستمرّت تصوّرات الانقسام الكردي وعدم الجاهزية لتشكيل دولة خاصة بهم في تشكيل الخطاب السياسي حول الكرد حتى اليوم. كما شوّهت صورة الكرد لدى الفاعلين الغربيين أدوارُهم في قمع الأقليات ومعاملة الأرمن إبّان الحكم العثماني، ولا سيما عبر انخراطهم في أفواج الحميدية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وهو ما أضعف الحجج الداعية إلى قيام دولة كردية.
خلال مؤتمر باريس للسلام، تقرّر تقسيم الأراضي العثمانية بين البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين واليونانيين. غير أن لهذه الأطراف الخارجية توقّعات وخططاً متباينة تجاه تلك الأراضي، وقد جعلت المنافسات والديناميات فيما بينها من الصعب حسم الحدود الإقليمية للكيانات السياسية المحتملة. إذ سعى كل طرف إلى تشكيل كيانات جديدة تخدم خططه الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في المنطقة. وفي نهاية المطاف، ظلّ النفوذ الأوروبي في الأقاليم الشرقية من الدولة العثمانية محدوداً، رغم أن الأقاليم الواقعة جنوبها—ومنها ولاية الموصل ذات الكثافة السكانية الكردية—قُسّمت ووُضعت تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي (العراق وسوريا لاحقاً). وأظهرت أحكام معاهدة سيفر المتعلقة بالكرد أن الرؤى السائدة في القرن التاسع عشر، التي اعتبرت الكرد غير جاهزين للإنجاز القومي، ظلّت تؤثّر في تفكير القوى الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى. فقد وُقّعت المعاهدة في آب/أغسطس 1920 بين الدولة العثمانية والقوى المنتصرة (من دون أن تُصدّق)، ونصّت على شروط تقسيم الأراضي العثمانية، وتناولت المواد 62–64 منها وضع الكرد. وغالباً ما تنظر الكتابات القومية الكردية إلى معاهدة سيفر بوصفها ضمانة قانونية لإقامة دولة كردية، وتجادل بأنه لو طُبّقت لكانت الدولة الكردية قد قامت. غير أن قراءةً أدقّ لنص المعاهدة تُظهر أن هذا «الضمان» كان أكثر التباساً مما يُفترض. إذ تشير المادة 64 إلى «قدرة» الكرد على الاستقلال، بما ينطوي على افتراضات تتعلق بالتحضّر والإنجاز القومي والاستعداد لتشكيل دولة:
«إذا ما تقدّم الشعب الكردي، خلال سنة واحدة من دخول هذه المعاهدة حيّز النفاذ، في المناطق المبيّنة في المادة 62، إلى مجلس عصبة الأمم بطريقة تُظهر أن أغلبية سكان هذه المناطق ترغب في الاستقلال عن تركيا، وإذا رأى المجلس حينئذٍ أن هذه الشعوب قادرة على هذا الاستقلال وأوصى بمنحه لها، فإن تركيا توافق بموجب ذلك على تنفيذ هذه التوصية والتنازل عن جميع حقوقها وألقابها على هذه المناطق».
وكان البريطانيون قد تخلّوا عن فكرة إنشاء دولة كردية خلال مؤتمر باريس 1919، ولم تكن مواد معاهدة سيفر ذات الصلة مقتصرةً على فتح احتمال محدود لقيام دولة كردية فحسب، بل لم تُنفّذ أصلاً. والمنطقة الوحيدة التي طُبّق فيها مبدأ تقرير المصير للكرد—بصورة إجرائية ومحدودة للغاية—كانت شمال بلاد الرافدين، حيث أنشأ البريطانيون عام 1918 إدارةً إقليمية شبه ذاتية باسم السليمانية، انسجاماً مع مبادئ النقطة الثانية عشرة من نقاط الرئيس ويلسون. غير أن هذه الإدارة لم تدم طويلاً، إذ تمرّد رئيسها محمود البرزنجي على البريطانيين.
إذن، كان القرن التاسع عشر هو القرن الذي اكتشف فيه الأوروبيون الكرد من خلال الخريطة تقريباً بالقدر ذاته الذي اكتشفوهم فيه من خلال الرحلات والنصوص التاريخية. وقد أفرزت موجة الاستكشاف الأوروبي لمنطقة الشرق الأوسط الكبير — التي دفعت إليها دوافع استراتيجية واقتصادية وأكاديمية معاً —كماً هائلاً من الخرائط التفصيلية التي رصدت لأول مرة التضاريس الكردية بدقة نسبية. البعثات العسكرية والجغرافية البريطانية والروسية والفرنسية أنتجت خرائط أدرجت فيها “كردستان” كإقليم جغرافي-إثني واضح المعالم، وإن تفاوتت في تحديد حدوده تفاوتاً يكشف أن هذه الحدود كانت في الغالب افتراضات مبنية على معطيات نسبية لا إجماعاً علمياً صارماً. إذن وفي خلال القرن التاسع عشر، لم تكن الخريطة مجرد تسجيل محايد للواقع، بل كانت أداة معرفية بامتياز ساهمت في ولادة “كردستان” ككيان جغرافي متصور، حتى قبل أن تتحول إلى كيان سياسي.
كان أكثر من دوّن المعلومات حول الشرق الأوسط في هذه الفترة هم المستشرقون الأوروبيون، الذين توجهوا عبر بعثات استكشافية واستخباراتية مدعومة من دولهم إلى المنطقة، خاصة خلال الربع الأخير من عمر السلطنة العثمانية. لم تكن هذه البعثات علمية بحتة، بل كانت تهدف إلى “نقل الصورة المتكاملة عن طبيعة المنطقة – ديموغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا” . ركزت هذه البعثات (الفرنسية والبريطانية والإيطالية لاحقًا) على رسم خرائط دقيقة على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي، ولم يستثنِ ذلك الجانب الاجتماعي، حيث ركزت على “نقل طبائع الناس واختلافاتهم وأماكن انتشار القبائل، وخلافاتهم البينية”. هذه المعلومات شكلت لاحقًا أساس التعامل مع المنطقة وإعادة تقسيمها.
وعلى الرغم من أن “كردستان” لم تكن كيانًا سياسيًا موحدًا، إلا أن الخرائط التي أعدها الجغرافيون الغربيون والمؤرخون العثمانيون ساهمت في ترسيخ مفهومها كمنطقة جغرافية محددة. فالبحث في الخرائط القديمة، مثل خريطة السيطرة العثمانية التي تعود لمطلع القرن السابع عشر، يظهر الدلالة على الوجود الكردي وتشكيله مجتمعًا شعبيًا، وجاء ذكر “السيطرة الكردية” باللغة التركية (Porus Curdi) لتشمل مناطق شاسعة. كما تظهر خرائط لاحقة (بعد عام 1450) المنطقة الكردية بوضوح تحت اسم “Kurdistan” ضمن مناطق سيطرة العثمانيين. بل إن الخرائط العثمانية السياسية والديموغرافية كانت “تعج بالكثير من الحديث حول كردستان وشعبها”، مما يؤكد أن السلطنة نفسها لم تكن تنكر الواقع الكردي، وكانت تعترف بحضورهم الكبير ضمن سجلاتها وخرائطها، واصفة إياهم بأنهم يعيشون “حالة شبه مستقلة ضمن السلطة الشكلية للعثمانيين”. هذا التوثيق الرسمي والغربي جعل من “كردستان” حقيقة تاريخية لا يمكن تغييبها بسهولة لاحقًا .
هذا الإنتاج الكارتوغرافي الأوروبي كان له تأثير مزدوج على الوضع الكردي. من ناحية، أعطى الكرد نوعاً من “الاعتراف الخارجي” الذي كانت الخرائط العثمانية والإيرانية أقل حرصاً على منحه. الخريطة الأوروبية التي تُثبت اسم كردستان كانت تُسبغ على الوجود الكردي شرعيةً في عيون القوى التي ستُقرر مصائر المنطقة لاحقاً. ومن ناحية أخرى، كان هذا الاعتراف في معظمه مصحوباً بمصالح استراتيجية واضحة — الكرد بوصفهم “قوة موازنة” في مواجهة روسيا القيصرية أو في مواجهة الهيمنة العثمانية — مما جعل الخريطة الكردية في المخيال الأوروبي دائماً خريطة وظيفية خادمة لأجندة خارجية لا خريطة حق يُراد إنصافه.
في الوقت الذي كان فيه الأوروبيون يرسمون الكرد من الخارج، كانت بعض الإمارات الكردية الكبرى تُطوّر وعياً جيوسياسياً متصاعداً يتجاوز الولاءات القبلية والدينية التقليدية. إمارة بابان في السليمانية وإمارة بوتان في جزيرة ابن عمر وإمارة هكاري كانت تُدار بمنطق سياسي معقّد يستلزم نوعاً من الوعي بالمكان والحدود والنفوذ. ومع تصاعد الضغط العثماني على هذه الإمارات في النصف الأول من القرن التاسع عشر — وصولاً إلى تصفيتها الواحدة تلو الأخرى — تصاعد معه وعي الكرد بأن غياب “الخريطة المعترف بها” يجعلهم عرضة لقرارات تُصدَر من أماكن بعيدة لا يصلها صوتهم. ومن المثير أن بدرخان بك، آخر أمراء بوتان الكبار قبل نفيه عام ١٨٤٧، كان يُراسل القناصل الأوروبيين بلغة تُظهر وعياً حاداً بأهمية “الموضع في خريطة المصالح الأوروبية”. لم يكن يطلب استقلالاً بالمصطلح الحديث بل كان يُقدّم إمارته كحائط صدّ وكقوة نظام في منطقة تفتقر إليه — وكأنه يرسم خريطة وظيفية لمكانته في النظام الإقليمي. هذه الطريقة في التحدث عن الذات — بلغة الموقع الخرائطي لا بلغة الحق العرقي فحسب — ستظل سمةً متكررة في الخطاب السياسي الكردي على مدى العقود التالية.
وفي غياب خريطة جامعة، أدّى الأدب الكردي الكلاسيكي دوراً شبه كارتوغرافي لافتاً. ملحمة “مم وزين” للشاعر أحمدي خاني — التي كُتبت عام ١٦٩٥ لكنها بقيت وثيقة الصلة طوال القرن التاسع عشر وما بعده — تنطوي على نداء صريح لوحدة الكرد ولضرورة أن يمتلكوا كياناً يجمعهم. خاني لم يرسم خريطة جغرافية بالمعنى التقني لكنه رسم “خريطة ثقافية” للمأساة الكردية من الانقسام والتشتت. وهذا النوع من الكارتوغرافيا الشعرية — التي ترسم حدود الانتماء بدل حدود الأرض — سيُصبح في القرن العشرين مصدراً أساسياً يعود إليه القوميون الكرد ليُثبتوا أن الوعي بالوحدة كان سابقاً للتحرك السياسي الحديث.
كانت الفترة المحيطة بالحرب العالمية الأولى نقطة تحول حاسمة. فبعد أن كانت الخريطة أداة توثيق، أصبحت أداة تقطيع وتقسيم، ثم تحولت إلى رمز للوعد الضائع. لقد لعبت الخرائط دورًا جوهريًا فيما يمكن تسميته “إعادة رسم خريطة” الشرق الأوسط من قبل القوى الاستعمارية الغربية. فقد قسمت اتفاقيات مثل سايكس-بيكو (1916) المناطق ذات الغالبية الكردية بين الدول القومية الناشئة. خريطة “كردستان الكبرى عام 1897” التي تظهر قبل هذه التغييرات توضح كيف تم “تشكيل كيانات جديدة في الشرق الأوسط من قبل مارك سايكس وجورج بيكو”. هذا التقسيم لم يلغِ وجود الكرد، بل جعل وجودهم موزعًا على عدة دول، مما خلق “قضية كردية” عابرة للحدود. ويمكن القول أن هذه الفترة مثلت “اللحظة التاريخية الحاسمة” في التاريخ الكردي الحديث، حيث انتقل الكرد من “وعد الدولة” إلى “إجهاضه”. كانت سيفر في مجملها إعادة هيكلة جذرية للجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، لكن ما جعل الكرد يستحضرونها إلى اليوم بمشاعر مختلطة من الحسرة والمرارة هو المادتان الثالثة والسبعون والرابعة والسبعون اللتان أقرّتا بحق الكرد في الحكم الذاتي وفتحتا الباب أمام إمكانية الاستقلال. الخريطة المرافقة لهذه المعاهدة، أو بالأحرى الخرائط التي أُعدّت في إطار المفاوضات، كانت تُظهر ملامح منطقة كردية محتملة تمتد عبر شرق الأناضول وشمال بلاد الرافدين. إن ما أعطته سيفر للكرد لم يكن الأرض فحسب — بل كان الصورة. لأول مرة في التاريخ الحديث، ظهرت كردستان على وثيقة دولية رسمية بوصفها كياناً جغرافياً ذا شأن يُعترف به في منظومة العلاقات الدولية. وهذه اللحظة البصرية — رؤية اسمك على خريطة المفاوضات الدولية — لها ثقل رمزي يصعب تقدير أثره الكامل على الوعي الجمعي لشعب ظل يرى نفسه محاطاً بخرائط تتجاهله. غير أن سيفر لم تُنفَّذ قط، وهذا ما أضاف إليها طابعاً شبه أسطوري في الذاكرة الكردية: خريطة كانت موجودة على الورق ثم اختفت — ليس لأن الأرض اختفت بل لأن القوى الكبرى غيّرت حساباتها.
مثلت معاهدة سيفر (1920) ذروة الآمال الكردية، حيث نصت على حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم. لكن معاهدة لوزان (1923) “نسخت” اتفاق سيفر، وأسست لواقع جيوسياسي جديد أهمل تمامًا الوجود الكردي، ومنحت تركيا الجديد السيطرة على أجزاء واسعة من كردستان التاريخية. هذا التحول الدراماتيكي من “كردستان على الخريطة” في سيفر إلى اختفائها الكامل في لوزان جعل من الخريطة قضية مركزية في الذاكرة الجماعية الكردية، وخلق “متلازمة” دائمة من المقارنة بين الوعد والواقع. اعتبارا من لوزان ١٩٢٣، بات واضحاً أن الخريطة التي رُسمت بالإمكانية ستُمحى بخطوط أخرى. اسقط انتصار مصطفى كمال في حرب الاستقلال التركية، الأساس الذي قامت عليه سيفر، وجاءت لوزان بخريطة جديدة للمنطقة لم تُورد ذكر الكرد من قريب ولا من بعيد. الجغرافيا الكردية وُزِّعت على أربع دول ناشئة — تركيا والعراق وسوريا وإيران — وأُدرج كل قسم منها في المشاريع القومية لتلك الدول التي لم يكن لمشروعية الهوية الكردية فيها أي مكان.
لم يكن المحور في لوزان مجرد قرار سياسي حُفظ في أدراج الدبلوماسية — بل كان فعلاً بصرياً ذا أثر تراكمي عميق. كل خريطة أُنتجت بعد ١٩٢٣ في إطار الدول الأربع كانت تُكرّس هذا المحو وتُرسّخه في أذهان أجيال جديدة نشأت على خرائط لا ترى فيها كردستان — لا بوصفها دولة ولا بوصفها إقليماً ذا اعتراف رسمي. وهذا الغياب المتراكم في المدرسة والمكتبة والخريطة الحائطية أنتج حالةً يمكن وصفها بـ”العمى الكارتوغرافي المفروض”: الكردي ينشأ في منطقة يسمّيها بقلبه كردستان لكنه لا يجد هذا الاسم على أي خريطة رسمية معتمدة. وبعد تأسيس الدول الأربع وتوطيد أنظمتها، تحوّلت الخريطة الرسمية في كل منها إلى سلاح أيديولوجي يخدم مشاريع التجانس القومي. في تركيا الكمالية، خضعت الخريطة لمسح شامل جرى فيه استبدال الأسماء الجغرافية الكردية والأرمنية والسريانية بأسماء تركية، في مشروع ممنهج استمر عقوداً. هذا التحويل اللغوي على الخريطة كان جزءاً من مشروع “التتريك الطوبوغرافي” الذي أراد أن يجعل التضاريس الجغرافية ذاتها تنطق لغة واحدة. حين يتعلّم الطفل في المدرسة أسماء جبال وأنهار وقرى بأسماء تركية لا يعلم أنها ذات يوم كانت تُنادى بأسماء أخرى، فإن الخريطة قد نجحت في قطع خيط الذاكرة بين الجيل وموروثه الجغرافي.
ومن المفارقات التاريخية أن القوى الكردية ساهمت بشكل غير مباشر في رسم الخريطة التي استبعدتها. فخلال الحرب، شكل الكرد العمود الفقري للجيوش العثمانية، وشاركوا في “حرب التحرير” التركية بقيادة مصطفى كمال، معتقدين أنهم يدافعون عن مستقبل مشترك. فقد “نجحت حركته بكسب الكرد إلى صفه وحشدهم ضد قوات الحلفاء واليونانيين فيما سمي ‘حرب التحرير’ أو ‘الاستقلال’ التي انطلقت فعليًا من ‘المجال الكردي'” . هذا التحالف حال دون قيام مشروع كردي مستقل تحت الحماية البريطانية، وساهم في انتصار القوى الكمالية التي تخلت لاحقًا عن وعودها للكرد. وفي العراق، اتّخذ التوظيف السياسي للخريطة أشكالاً مختلفة لكن الغاية كانت ذاتها. التقسيمات الإدارية التي رسمتها سلطات الانتداب البريطاني ثم كرّستها الحكومات العراقية المتعاقبة كانت في كثير من الأحيان مُصمَّمة لتشتيت الكثافة الكردية على وحدات إدارية مختلفة وتفادي تشكّل كتلة جغرافية يمكن أن تُشكّل ثقلاً استقلالياً. وفي ذروة سياسة التعريب في العهد البعثي، وصل الأمر إلى حدّ إعادة رسم حدود المحافظات لاستيعاب نتائج التهجير القسري والتوطين الجديد، فأصبحت الخريطة الإدارية وثيقةً موازية لوثائق الإبادة والتطهير العرقي.
الخريطة والمخيال.. تمثيلات كردستان الكبرى في السياسة الدولية
منذ أوائل القرن العشرين، تحدى الكرد الحدود والهويات الوطنية للدول التي يسكنونها. ولا يبدو هذا التحدي جلياً في أي مكان أكثر من ترويجهم لخريطة “كردستان الكبرى”؛ ذلك الوطن المثالي الموحد الذي يضم مساحات شاسعة من تركيا والعراق وسوريا وإيران، وجزءاً صغيراً من أرمينيا، في منطقة ذات تاريخ معقد من الخلفيات الإثنية والثقافية والسياسية. وتدعي الأطراف السياسية الكردية الرئيسية في كل دولة من هذه الدول نوعاً من الملكية أو السيطرة على جزء من أراضي الدولة، وعادة ما يحرصون على قصر مطالباتهم داخل حدود الدولة التي يقيمون فيها. لقد تعرضت كل “كردستانات” هذه للتهميش الجغرافي والاقتصادي والثقافي في كل دولة، وكانت تاريخياً بمثابة مناطق عازلة بين القوى الإقليمية والاستعمارية. وتأتي فكرة كردستان الكبرى لتجمع هذه المناطق وتضع “كردستان” في المركز بدلاً من الهامش.
إن خريطة كردستان الكبرى متجذرة في وعي أغلبية الشعب الكردي، سواء داخل المنطقة أو، ربما بشكل أقوى، في الشتات. إن الإقليم الذي تصورّه هذه الخريطة، “كردستان”، لم يكن يوماً دولة معترفاً بها ولا يملك قيادة سياسية موحدة. ومع ذلك، فإن مفهوم كردستان، بوصفه تجريداً ثقافياً وسياسياً، يصمد أمام الواقع ويظل قائماً في أذهان القوميين الكرد وداعميهم، وحتى أولئك الذين ينكرونه. يمثل الإقليم المرسوم على الخريطة جغرافيا غير متجانسة تسكنها مجموعات إثنية ودينية مختلفة مثل العرب والأتراك والفرس والآشوريين والأرمن والإيزيديين والمسيحيين وغيرهم. وتُسقط الخريطة استمرارية تاريخية لكردستان، متجاهلةً الادعاءات التاريخية المتضاربة، على سبيل المثال بين الأرمن والآشوريين والكرد. ولا يشكل الكرد مجموعة واحدة ذات ثقافة ولغة ودين وأهداف سياسية متماثلة؛ إذ تظل الانقسامات العشائرية مهمة، وأحياناً تفوق أهميتها “الكردوارية” (الهوية الكردية). وتواجه الأحزاب والمجتمعات الكردية في كل دولة مشكلات مختلفة نشأت نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية المتميزة للدولة التي يتواجدون فيها.
تُستخدم خريطة كردستان الكبرى بشكل متكرر في البرامج السياسية الكردية، وعلى أعلام الأحزاب، وجدران المنازل والمكاتب، بل ويُستخدم ظلها (Silhouette) على الإكسسوارات مثل سلاسل المفاتيح أو الدبابيس أو القلائد. والمثير للاهتمام بشكل خاص هو أن القوميين الكرد ليسوا وحدهم من يستخدم هذه الخريطة، بل يستخدمها الغرباء أيضاً لإظهار موقع الوطن الكردي أو لتوضيح الوجود الديموغرافي الكردي في المنطقة. ومن اللافت للنظر ذلك التطابق شبه التام بين التصوير الكارتوغرافي (الخرائطي) للديموغرافيا الكردية والخرائط التي تظهر التطلعات السياسية لكردستان. وبالفعل، فإن الخرائط غير السياسية التي تعرض التوزيع الديموغرافي للكرد لها حدود مشابهة، حيث يبدو الظل المنبثق من الأجزاء الملونة التي تشير إلى الوجود الكردي مشابهاً جداً للخريطة السياسية لكردستان. ورغم أن الخرائط التي تعرض التوزع السكاني الكردي من خلال صورة كردستان لا تسعى بالضرورة لتقديم طرح سياسي حول وجود إقليم كردي، إلا أن تشابه حدود الخرائط الديموغرافية والسياسية غالباً ما يتم تجاهله من قبل الغرباء الذين يستخدمون هذه الخرائط.
يثير هذا سؤالين جوهريين حول المشروع السياسي الكردي، وكلاهما له تداعيات مهمة على التفكير في تقرير المصير القومي وكيفية سعى القوميين (من غير أصحاب الدول) لتحقيقه: أولاً، لماذا وكيف أصبحت خريطة كردستان الكبرى صورة واسعة الانتشار؟ وثانياً، ما هي العلاقة الضمنية المتصورة بين الإقليم والشعب التي تعزز خريطة كردستان الكبرى؟ إن الاستخدام الواسع لهذه الخريطة لا يعني أن جميع الكرد يهدفون إلى إقامة دولة كردية موحدة في الشرق الأوسط، أو أن الغرباء الذين يستخدمونها يدعمون فكرة كردستان الموحدة. قد يزعم الكثيرون أن العلاقة مباشرة، بمعنى أن مثل هذه الخريطة تصور ببساطة الوطن الطبيعي والفعلي لشعب ما؛ وبالنسبة لمعظم الكرد، هذا هو الحال بالتأكيد. أما بالنسبة لداعميها، فإن خريطة كردستان الكبرى تثبت الحجة القائلة بأن الكرد أمة بلا دولة، وطنها مقسم بين أربع دول.
ومع ذلك، يجدر تجاوز مسألة واقعية أو إمكانية قيام كردستان الكبرى. فمن الواضح أن تصورات الأوطان هي “بناء اجتماعي وسياسي” وليست أمراً طبيعياً أو أزلياً، ويمكن قول الشيء نفسه عن أراضي الدول. وحقيقة أن للدول حدوداً معترفاً بها دولياً لا تجعل أراضيها أقل “بناءً” أو أكثر “طبيعية”. بدلاً من ذلك حري بأي دراسة في هذا، فحص متخيل وتمثيلات الوطن الكردي من خلال تصويراته الكارتوغرافية ضمن سياقات الديناميكيات الكردية الداخلية والإطار المعياري الدولي منذ القرن التاسع عشر. ولهذا، تُعد خريطة كردستان الكبرى والكرد حالة ملائمة لاستكشاف أسئلة أوسع حول الخرائط وتقرير المصير والإقليم. وتعتبر هذه الخريطة أداة مفيدة للملاحة عبر حقل زمني ومفاهيمي معقد تغيرت وتطورت فيه أفكار تقرير المصير والإقليمية، سواء في حالة القومية الكردية أو على المستوى الدولي. ومن خلال هذا التحليل، ترتبط السياسات المحيطة بالقومية الكردية بالسياسات على المستوى الدولي والإطار المعياري العالمي. إن تفاعل المجموعات القومية الكردية، سواء في المنطقة أو في الشتات، مع الفاعلين الدوليين لا يحدث ببساطة من خلال الدول الإقليمية التي يتواجدون فيها؛ بل إن تفاعلاتهم مع المجتمع الدولي للدول، والمنظمات متعددة الأطراف والدولية، والفاعلين من دون مستوى الدولة، تحدث في سياق معياري وسياسي يؤثر على الدول والفاعلين من غير الدول على حد سواء.
واحدة من أكثر العبارات شيوعاً التي تعرّف الكرد هي أنهم “أكبر أمة بلا دولة”، منتشرة في جغرافيا شاسعة تضم أجزاء كبيرة من تركيا والعراق وإيران وسوريا وجزءاً صغيراً من أرمينيا. وحتى لو كان الدعم العملي والمطالبة بين الكرد بقيام “كردستان موحدة” منخفضاً، فإن فكرة وجود أربع دول (خمس إذا شملنا أرمينيا) حالياً فوق ما هو “طبيعياً” إقليم كردي، لها صدى في أذهان الكرد وبعض الغرباء على حد سواء، كما يظهر من الاستخدام المستمر والواسع لخريطة كردستان الكبرى. لقد لعبت فكرة الوطن الإقليمي دوراً مهماً في ظهور وتطور القومية الكردية. وتعتبر الهوية الإقليمية مركزية لفهم أنشطة المجموعات القومية الكردية اليوم. ورغم ذلك، يظل الجانب الإقليمي للقومية الكردية مفتقراً للدراسة الكافية وغير مُمشكل (unproblematised) في الأدبيات الأكاديمية. إن الدراسات الموجودة تصور تاريخ المنطقة كأنه تاريخ كردستان، لكنها تفشل في استنطاق الأسس والافتراضات التي تدعم الزعم بأن قومية أقلية ما تملك ببساطة حقاً في التعبير الإقليمي. بعبارة أخرى، ترى معظم هذه الدراسات تاريخ كردستان مطابقاً لتاريخ القومية الكردية، مما يضفي طابعاً جوهرياً (Essentialising) على هذه الهوية الإقليمية ويقلل من شأن انتشار الادعاءات السياسية الكامنة وراءها.
الخريطة والسردية.. إعادة بناء الذات عبر الجغرافيا
مع نضوج الحركة القومية الكردية في مطلع القرن العشرين — من خلال الصحافة الكردية الأولى كجريدة “كردستان” التي أصدرها مقداد مدحت بدرخان عام ١٨٩٨ إلى التنظيمات السياسية التي تشكّلت في أعقاب الحرب العالمية الأولى — بدأت تظهر خرائط كردية “بديلة” تُنتجها الجمعيات والمنظمات الكردية. هذه الخرائط لم تكن خرائط طبوغرافية دقيقة بل كانت في معظمها خرائط “إثنية تاريخية” ترسم منطقة كردستان الكبرى بحدود تستند إلى التوزيع السكاني الكردي عبر التاريخ. وكانت هذه الخرائط تعمل على مستويين متزامنين: مستوى التوثيق الذي يُثبت الوجود، ومستوى المطالبة الذي يُؤسّس الحق. والطريف في هذا الإنتاج الكارتوغرافي القومي الكردي أنه كان دائماً يُواجه إشكالية تحديد “الحدود الحقيقية” لكردستان — وهي إشكالية ليست تقنية بل سياسية وهوياتية في الجوهر. أين تبدأ كردستان وأين تنتهي؟ هل تشمل مدناً مختلطة إثنياً كموصل وكركوك وماردين؟ هل تمتد إلى حيث توجد الكثافة الكردية الأكبر أم إلى حيث يمتد التاريخ الكردي الأبعد؟ هذه التساؤلات كانت تنعكس في تباينات واسعة بين الخرائط المختلفة، وكانت في حد ذاتها تعبيراً عن التنوع الداخلي للحركة الكردية وعن صعوبة تحديد مفهوم موحّد لـ”كردستان” يرضى عنه الجميع.
إن مفهوم “كردستان” يشير إلى فضاء أو مساحة أو منطق. فالفضاء هنا “هيكلي” وليس “إقليمياً”. إن التصور الإقليمي للفضاء يتعامل مع تمثيلاته كمسلّمات، وهو تصور سائد بوضوح في دراسات المجتمعات والسياسة. وفي المقابل، يقر التصور “الهيكلي” للفضاء بطبيعته السائلة والمتغيرة، وعلاقته بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى. وبناءً عليه، فإن استخدام مفهوم “كردستان” لا يعني بالضرورة أن المنطقة قد عُرِّفت تاريخياً بهذا الاسم، أو أن جميع سكانها كانوا كرداً، أو أن المنطقة كانت ذات حدود واضحة المعالم أو مساحة محددة. لا يشير مفهوم كردستان إلى مواقع أو أقاليم ثابتة وجودياً (أونطولوجياً) وخارجة عن التاريخ، بل يشير إلى السياق الجغرافي الذي تجري فيه التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهو في المقابل إقليم أو جغرافيا تشكلت بفعل هذه التفاعلات. وعادةً ما يُفهم “الإقليم” (Territory) بوصفه أمراً بديهياً أو جلياً بذاته. ولا تعمد المنظورات السائدة في العلاقات الدولية عادةً إلى تعريف الإقليم، بل تنظر إليه كإقليم دولة مُعرَّف بمصطلحات السيطرة الولائية (القضائية) على منطقة مادية والبشر الذين يعيشون فوقها. بهذا المعنى، تصبح “الإقليمية” (Territoriality) – وهي الرابط بين الإقليم والمجتمع – هي الشاغل الرئيسي هنا. إن الطريقة التي تم بها تأطير كردستان وخريطتها واستخدامهما وتفسيرهما عبر التاريخ اعتمدت على كيفية فهم العلاقة بين “الأمة” و”الإقليم” في كل حقبة. وقد لعب معنى ووظيفة “تقرير المصير” – وهو معيار دولي رئيسي يتعلق بشرعية السلطة السياسية في العلاقات الدولية – أدواراً تأسيسية في تشكيل العلاقة بين الشعب والإقليم. بعبارة أخرى، فإن التغيرات في معنى ووظيفة هذا المعيار الدولي قد غيرت بدورها الطريقة التي يُدرك بها الرابط بين الشعب القومي وإقليمهم “الخاص” – أي الإقليمية.
تؤكد القومية الكردية على مطالب تقرير المصير المتمثلة في الحكم الذاتي الإقليمي أو الاستقلال بناءً على هوية ثقافية وإثنية متميزة. وقد عمل الناشطون الكرد، لا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين، على نشر فكرة كردستان لدى المجتمع الدولي من خلال تأطير هذا الترويج بلغة حقوق الإنسان والديمقراطية وتقرير المصير. وفُعل ذلك لتعزيز شرعية مطالبهم أمام الدول الديمقراطية التي يسعون للحصول على تأييدها ودعمها. وقد نجح الكرد أكثر من مجموعات أصغر أخرى في الشرق الأوسط (مثل المسيحيين الآشوريين في تركيا وسوريا والعراق، أو التركمان والإيزيديين في العراق) في لفت الأنظار إليهم وتوليد الدعم والتعاطف مع قضاياهم في كل دولة ورغبتهم في الاعتراف بهم كشعب متميز. واليوم، يتمتع الكرد في العراق بحكم ذاتي رسمي بحكم القانون كإقليم ضمن عراق فيدرالي، ولديهم حكومتهم وبرلمانهم وإدارتهم وقواتهم العسكرية الخاصة. وفي الوقت نفسه، ورغم القمع الشديد في الماضي، استطاع الكرد في سوريا انتزاع حكم ذاتي واقعي في شمال البلاد، يطلق عليه الكرد اسم “روج آفا”. وفي تركيا، ثمة محاولات للوصول لعتبات السلام بعد أن تخلى حزب العمال الكردستاني عن هدفه بالاستقلال منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويسعى الآن إلى اللامركزية ضمن نظام يسميه “الكونفدرالية الديمقراطية”. أما في إيران، فيواجه الناشطون السياسيون الكرد صراعاً من أجل البقاء. وبالنظر إلى هذا المشهد، من الإنصاف القول إن كل منظمة قومية كردية تحدد عادة أهدافها ومشكلاتها بطريقة تقتصر على الدولة التي تقيم فيها، مع وجود أنشطة إقليمية يمارسها بشكل خاص حزب العمال الكردستاني (PKK)، وكذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) في العراق على مستوى أكثر محدودية. ولم يتقدم أي حزب قومي كردي معاصر في الشرق الأوسط حتى الآن بمطلب صريح لإنشاء “كردستان كبرى” توحد جميع الكرد الذين يعيشون في دول مختلفة ضمن كيان سياسي واحد جديد، ولكل حركة سياسية كردية فهمها الخاص لحدود الإقليم الذي ترغب في ممارسة سيطرة كاملة أو إدارية عليه. ورغم ذلك، اكتسبت خريطة “كردستان كبرى” صدىً في الخطابين الكردي والدولي، وهي أداة مؤثرة للغاية في دفع المطالب الانفصالية والسيادية الكردية قدماً.
يستخدم الكرد خريطة كردستان الكبرى منذ أوائل القرن العشرين لتصوير الوطن الكردي، مما أثار استياء الدول التي يتواجدون فيها. ويرى القوميون الكرد في هذه الخريطة انعكاساً كارتوغرافياً للإقليم الكردي. إن كردستان بوصفها وطناً وخرائطها تُستخدم بشكل شائع في خطاب معظم المنظمات القومية ومجموعات الناشطين الكرد، سواء في المنطقة أو في الشتات. وتدعي التأريخية القومية الكردية ملكية هذا الإقليم منذ عام 4000 قبل الميلاد. ومثلها مثل القوميات الأخرى، تتبنى رؤية ذاتية للوجود القومي تعود إلى “أزمنة سحيقة”، وتستخدم مصطلحات جغرافية وإدارية قديمة للترويج لفكرة أن الأمة الكردية وجدت منذ قرون. ومن خلال القيام بذلك، تربط التأريخية القومية الكردية المعاني ما قبل الحديثة لـ “كردستان” أو “الكردوارية” بالاستخدامات المعاصرة للهوية الوطنية والإقليمية والسياسية.
لقد أنتج الناشطون الكرد العديد من النصوص التاريخية والاجتماعية والسياسية لإضفاء الشرعية وإثبات الحق الكردي في الدولة، وقاموا بإنشاء وتوزيع خرائط متعددة لكردستان. والخرائط هي أدوات مفيدة لتقديم وجهات النظر القومية؛ فصورة كارتوغرافية لإقليم ذي حدود واضحة واسم يشير إلى شعب ما تعطي رسالة مفادها أن الإقليم والشعب الذي يسكنه مرتبطان. في الواقع، تجاوز هذا الاستخدام خطاب القوميين الكرد؛ فعلى سبيل المثال، طالب “بوب فيلنر”، عضو الكونجرس الديمقراطي عن ولاية كاليفورنيا، بالاعتراف بحق الكرد في تقرير المصير أمام الكونجرس الأمريكي في 1 مايو 1997. وكان المبرر الذي قدمه هو أن الكرد يحكمون المنطقة التي يسكنونها منذ عام 2000 قبل الميلاد، وأن الكرد (الجوتيين آنذاك) حكموا بلاد فارس وما بين النهرين قبل 4000 عام. وأعلن أنه رغم هذا الإرث التاريخي، فقد حُرم الكرد من الحق في القومية وتقرير المصير. كما طالب “فرانك بالوني”، عضو الكونجرس عن ولاية نيوجيرسي، في خطاب ألقاه أيضاً في 1 مايو 1997، بحق الكرد في تقرير المصير وطلب من الحكومة الأمريكية التوقف عن تقديم الدعم العسكري لتركيا وإبرام صفقات أسلحة معها.
أصبحت خريطة كردستان الكبرى واحدة من السمات والرموز البارزة للكرد، وصارت مرادفة لفكرة “كردستان” في أذهانهم، وميزة هامة في الخطاب القومي الكردي. لا تروج الأحزاب الكردية لهذه الخريطة أو تدرجها كهدف إقليمي في برامجها الحزبية، لكنها تستخدمها لتبرير الوجود الإثني للكرد على الإقليم الذي تصوره الخريطة. وهناك تشابه مذهل بين أوصاف القوميين الكرد وأوصاف الغرباء لكردستان؛ فقد ترسخت فكرة وجود رابط مباشر بين المساحة الممثلة في هذه الخرائط والناس الذين يعيشون فيها في كل من الخطابين السياسي الكردي والدولي. ومع النظر إليها كإقليم طبيعي، بدأت في “رسم الحدود وبناء كيانات تصبح بدورها واقعنا المعاش”.
تستمد الخرائط السياسية قوتها جزئياً من موضوعيتها وطبيعيتها المتصورة؛ فنحن نرى العالم من خلال الخرائط. يتكون العالم، من منظور العلاقات الدولية التقليدي، من أقاليم دول تؤطر الأمة والمساحة التي تسيطر عليها. إن الخريطة السياسية للعالم تجسّد فكرة عالم مقسم إلى مساحات سيادية داخلية للسيطرة والسلطة السياسية. وتُستخدم الخرائط السياسية على نطاق واسع في المكاتب الحكومية والمدارس والصحف والوسائل الإعلامية الأخرى والإنترنت والأعلام والمنشورات السياسية، مما يرسخ صورتنا عن العالم. وفي هذه العملية، تصبح مفاهيم معينة عن السياسة أو المجتمع أو العالم الذي تصوره الخريطة بمثابة “بديهيات”، كما لو كانت الخريطة تعكس الواقع بطريقة محايدة وشفافة. وبسبب التصور بأن الخرائط علمية، يظهر الشعور بالسيطرة الإقليمية وحدود الدول كموضوعي وطبيعي في آن واحد.
لقد تحدى الجغرافيون النقديون فكرة أن الخرائط تعكس معلومات كارتوغرافية موضوعية، وجادلوا بأن عملية رسم الخرائط هي التي تُنتج “الإقليم” و”هوية” الشعب الذي يعيش فيه. فالخرائط، بما في ذلك خرائط الدول، هي بناءات اجتماعية وسياسية تشكلها وتفهمها السياقات والخطابات الزمنية والاجتماعية والسياسية. والبناءات الاجتماعية هي أشياء نعتبرها بديهية لأنها تبدو وكأنها تعكس الواقع، مثل الأدوار الجندرية أو الهوية. وغالباً ما تعتبر المجتمعات البناءات الاجتماعية من المسلمات، كشيء طبيعي، ونادراً ما تتساءل عن أصولها. وفي حالة الخرائط، يُعتبر أولئك الذين يقعون داخل حدود الخريطة مشتريكين في هوية واحدة، تختلف عن أولئك الذين يقعون خارج تلك الحدود، متجاهلين حقيقة أن الحدود تتغير تاريخياً، وبشكل أكثر تكراراً مما يُفترض.
تستمد الخرائط السياسية قوتها أيضاً من الخطاب الذي نرى من خلاله الصور الكارتوغرافية؛ فهناك تفاعل بين الخريطة ومعرفتنا بالأفكار المشتركة والخطاب السائد. إن التداخل بين السرديات السائدة للهوية الوطنية والإقليمية – أي فكرة أن العالم يتكون من أمم وأقاليمها – هو مصدر قوة الخرائط السياسية. فمفاهيم الأمة والوطن تشكل السياق الذي نفهم من خلاله الخرائط. وتستند هذه المفاهيم إلى تصورات عن القومية والإقليمية تتغير بمرور الوقت، وتؤثر بدورها على الطريقة التي ندرك بها المعلومات الكارتوغرافية.
إن تصوراتنا عن الهوية الوطنية والإقليمية لا تشكل فقط كيفية رؤيتنا لخرائط الدول، بل وأيضاً خرائط “الأقاليم المنشودة”؛ أي الأوطان التي تطالب بها الأمم الطامحة. يُبنى النظام الدولي المعاصر على وحدات وطنية مُعرَّفة إقليمياً ودول قومية مُمثلة على خريطة العالم، والتي يُنظر إليها على أنها تمتلك سيادة معترفاً بها دولياً. ويستخدم القوميون الانفصاليون المنطق نفسه؛ فهم يستخدمون خرائط وطنهم المتخيل لإظهار موقعهم في العالم، وللإيحاء بأنهم يستحقون السيادة على إقليمهم بنفس الطريقة التي تمتلكها الكيانات السيادية المعترف بها. بهذا المعنى، يمكن أن تصبح الصور الكارتوغرافية أدوات سياسية ليس فقط للدول المعترف بها، ولكن أيضاً لأولئك الذين يسعون للاعتراف، مثل القوميين الانفصاليين ودعاة الحكم الذاتي. تصبح الخرائط أدوات لإظهار مفاهيم متنافسة للواقع الإقليمي على الأرض نفسها، مما يجعل الخرائط أداة تقسيم.
إن استنطاق الرابط بين “الأمة” و”الإقليم” ضرورة ملحة لتكوين فهم دقيق لتقرير المصير في الحالات الانفصالية. فالمسلمات التي تفترض وجود رابط جوهري بين الأمة والإقليم تعيق في الواقع النقاشات النظرية حول تقرير المصير وتبعات الانفصال أو الحكم الذاتي. لذا، فإن استنطاقاً نظرياً قائماً على أسس تجريبية لهذا الرابط يسلط ضوءاً جديداً على السجالات المحيطة بتقرير المصير والمطالبات بالسيادة. ويدرك القوميون الانفصاليون أو دعاة الحكم الذاتي حدودهم الوطنية بوصفها مغايرة للحدود القائمة للدولة التي يسكنونها. وتؤكد مطالبهم على أن الشعب المرتبط بإقليم ما يجب أن يتمتع بالحق في ممارسة السيادة عليه. ويعزز معظم الانفصاليين هذا المطلب بالتأكيد على امتلاكهم هويات ثقافية وإقليمية ولغوية متميزة، مجادلين بأن الطريقة الوحيدة لحماية هويتهم هي من خلال الحق الديمقراطي في السيادة على إقليم محدد. ينبثق هذا الحق من العملية التي يؤدي فيها استخدام الشعب لإقليم معين وسكناهم فيه إلى توليد هوية مُعرَّفة إقليمياً (أو هكذا يُعتقد). ومن هذا المنظور، يُنظر إلى الإقليم كضرورة مادية لإنفاذ القوانين والسياسات التي يمكن من خلالها حماية الهوية الوطنية أو الثقافية للشعب، وهو ما يتردد صداه مع فكرة أن “السياسي والوطني يجب أن يتطابقا”.
الخريطة كسرديّة مفتوحة
تظهر الرحلة البصرية الكارتوغرافية من القرن التاسع عشر إلى الحادي والعشرين، أن الخريطة في التاريخ الكردي لم تكن أبداً مجرد وثيقة جغرافية — بل كانت في كل لحظة من لحظاتها الكبرى حقلاً لتقاطع الرؤية والسلطة والهوية والذاكرة. حين رسم الأوروبيون كردستان لأول مرة في القرن التاسع عشر، كانوا يُعطون اسماً لجغرافيا بشرية قائمة لكنهم في الوقت ذاته كانوا يُشكّلون تلك الجغرافيا وفق منطق مصالحهم الاستراتيجية. حين محت معاهدة لوزان ذلك الاسم من الخرائط الرسمية، لم تمحُ الأرض ولا الشعب بل محت الاعتراف — وكان ذلك كافياً لإحداث أزمة هوياتية امتدت لعقود. وحين أعاد الكرد رسم خرائطهم الخاصة — في المنافي وفي مناطق الحكم الذاتي وفي الفضاء الرقمي — كانوا يُمارسون حقاً أعمق من حق التعبير: كانوا يُمارسون حق الرؤية.
وقد ظلت السردية الكردية، بوصفها نسيجاً يُنسج من الكلمة والصوت والذاكرة والجغرافيا، ناقصةً كلما غابت عنها خريطة مستقرة معترف بها. ليس لأن الهوية الكردية تحتاج إلى خريطة كي تكون حقيقية — فهي حقيقية وعريقة وراسخة بصرف النظر عن الاعتراف الدولي — بل لأن الخريطة هي اللغة التي يتحدث بها العالم الحديث حين يُقرر أي الهويات يُدرج في سرديته الكبرى وأيها يُقصي. والكرد، الذين علّموا أنفسهم أن يُقرؤوا هذه اللغة بدقة وأن يكتبوها بإصرار، يواصلون إلى اليوم رسم خريطتهم بأيديهم — قطعة بعد قطعة، واقتراف وعد بعد اقتراف. ومع تطور الحركة الوطنية الكردية في القرن العشرين، تحولت الخريطة من أداة خارجية (استعمارية أو توثيقية) إلى أيقونة داخلية في تشكيل الهوية القومية.
وعبر تخيل الوطن المفقود، أصبحت “خريطة كردستان الكبرى” التي تدمج المناطق الكردية في تركيا والعراق وسوريا وإيران في كيان واحد، رمزًا بصريًا للوحدة الوطنية المنشودة. تنتشر هذه الخريطة في الكتب والمطبوعات وعلى شبكات الإنترنت، وتشكل جزءًا أساسيًا من الوعي القومي الكردي، خاصة في أوساط الشتات. إنها تجسيد مكاني لـ “الأمة” التي يتخيلها القوميون الكرد، استجابة لتشتتهم السياسي في أربع دول. وأضحت الخريطة أداة للتوثيق التاريخي، ففي القرن العشرين، اعتمد المؤرخون والناشطون الكرد على الخرائط التاريخية (مثل تلك التي تعود للقرن التاسع عشر وما قبل) لبناء سردية تاريخية تثبت عمق الوجود الكردي وتبرر المطالبة بالحقوق. يتم إعادة تفسير الانتفاضات القبلية في القرن التاسع عشر (مثل انتفاضات أمراء بابان أو بهدينان) من خلال عدسة قومية، وتُستخدم الخرائط لإظهار هذه المناطق كمراكز قوة كردية سابقة. خريطة الأمم المتحدة لعام 1946، التي أعدت استنادًا إلى الوثائق المتوفرة حول “المناطق ذات الأغلبية الكردية”، تعتبر وثيقة هامة في هذا السياق، حيث تستخدم لتأكيد الحقوق التاريخية وتوثيق التغيير الديموغرافي الذي طرأ لاحقًا.
ومن المهم الإشارة إلى أن الخريطة ليست مجرد أداة كردية فحسب، بل هي أيضًا ميدان للصراع على السرديات التاريخية. فعلى الجانب الآخر، هناك سرديات قومية أخرى (تركية، عربية، فارسية) تستخدم الخرائط والحجج التاريخية لنفي الوجود الكردي أو تقليصه. نرى ذلك بوضوح في التعليقات على الخرائط التاريخية، حيث يزعم معلقون أن “الكرد في سورية هم سوريون بالمواطنة لا بالأصالة” وأن دخولهم إلى مناطق مثل القامشلي وعفرين تم في القرن العشرين فقط، متهمين إياهم بأنهم “لا يوجد لهم أي أثر تاريخي وحضاري في أي بقعة من سورية” . هذا الجدل يؤكد أن الخريطة ما زالت حتى اليوم ساحة معركة رمزية لإثبات أو نفي الحق في الأرض.
في النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم، تجاوز دور الخريطة كونه رمزيًا أو تاريخيًا ليصبح أداة يومية للسلطة والتفاوض، خاصة في سياقات الصراع المسلح. ففي سوريا والعراق، حيث تمكن الكرد من بناء كيانات ذات حكم ذاتي (الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وإقليم كردستان العراق)، أصبحت الخريطة تعبيرًا عن “السلطة عبر المكان”. فالتحكم بالمجال يعني التحكم بالناس والموارد والحدود. كما يقول المفكر الفرنسي إيف لاكوست، “الحدود خطوطُ قوة قبل أن تكون خطوطَ فصل”. ولا تقتصر الجغرافيا السياسية على الأرض فقط، بل على ما تحتها. يمتلك الكرد في شمال شرق سوريا أوراقًا اقتصادية قوية مثل النفط والغاز والقمح والمياه. السيطرة على هذه الموارد دون اعتراف سياسي كامل يجعلها ورقة ضغط مؤقتة، ولكنها أيضًا تجعل من هذه الجغرافيا موضوعًا للتنافس الدولي والإقليمي، حيث تتدخل قوى مثل الولايات المتحدة وروسيا وتركيا لحماية مصالحها أو تغيير موازين القوى على الأرض. ومن منظور براجماتي فإن الخريطة ليست مجرد خطوط حدود، بل هي أيضًا تعبير عن التركيبة السكانية. فالمناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية في سوريا تضم غالبية عربية، مما يخلق توترات داخلية حول التمثيل والسلطة. هذا التعدد يجعل الجغرافيا الكردية هشة وقابلة للاختراق من الداخل، ويجعل استمرارية “الخريطة الكردية” مرهونة بقدرتها على إدارة التنوع وليس فقط على فرض السيطرة.
ترى الجيوسياسة — بمعناها الأكاديمي كما طوّره هالفورد ماكندر وكارل هاوسهوفر —أن الجغرافيا تحدّد إمكانات السياسة وحدودها. وفي إطار هذا التحليل، عاني الكرد بوصفهم الشعب الذي لا تحمل أرضه اسمه على الخريطة الدولية من عجز هيكلي في قدرته على بناء مشروعية سياسية تُقرّ بها الأسرة الدولية. وخاضوا طوال القرن العشرين صراعاً من أجل ما يمكن تسميته “الوجود الجيوسياسي” — أي الحضور في خرائط المصالح والمخاوف الدولية بما يمنحهم وزناً تفاوضياً حقيقياً. وهذا الصراع لم يكن صراعاً مسلحاً فحسب، بل كان في بُعد مهم منه صراعاً كارتوغرافياً: أي صراع على الاسم والمكان والحدود في الخرائط التي ينتجها المحللون الاستراتيجيون والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات الدولية. وتمثلت المفارقة العميقة في هذه المعضلة، في كون الكرد كانوا دائماً حاضرين في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى — كورقة ضغط تارةً، وكقوة توازن تارةً أخرى، وكعامل زعزعة استقرار حين يكون ذلك في مصلحة طرف ما — لكنهم في الوقت ذاته كانوا غائبين عن الخريطة الرسمية التي تُحدّد الحقوق والالتزامات. هذه الازدواجية — حضور استراتيجي مع غياب قانوني — هي ربما التعبير الأدق عن حالة الكرد في الجيوسياسة الإقليمية: موجودون كثقل يُستخدم لكنهم غير موجودين كحق يُحترم.
وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ وما أعقبها من إعادة رسم دولية لخرائط الأولويات الاستراتيجية، وجد الكرد في العراق أنفسهم في موضع نادر: موضع الحليف الموثوق في منطقة تتآكل فيها الثقة. الحرب على العراق عام ٢٠٠٣ وسقوط صدام حسين أفضيا إلى دستور ٢٠٠٥ الذي أسّس أول كيان كردي ذي اعتراف دستوري رسمي في التاريخ الحديث: إقليم كردستان العراق. وفي الخرائط التي أُنتجت في هذه الحقبة بدأت المسافة بين “المناطق الكردية في شمال العراق” و”إقليم كردستان” تتقلّص لصالح المصطلح الثاني، وهو تحوّل بصري في الخطاب الجغرافي يوازي التحوّل السياسي في الواقع. غير أن هذا الكيان الجديد على الخريطة حمل معه تناقضاته الخاصة. إقليم كردستان العراق كان خريطةً في داخل خريطة — كياناً ذا حدود مُعلَّقة وغير مُرسَّمة نهائياً مع بغداد، وبذلك بقي رمزاً لإنجاز جزئي لا لحلٍّ كامل. ملف كركوك — المدينة التي يُسمّيها الكرد “قدسهم” ويُسمّيها دستور ٢٠٠٥ “منطقة مُتنازعاً عليها” — بقي التجسيد الأكثر إيلاماً لظاهرة الخريطتين: الخريطة الكردية وخريطة الدولة العراقية المركزية، كلتاهما تدّعيان السيادة على مكان واحد بلا حلٍّ في الأفق.
في عام ٢٠١٢، وفي خضم الفوضى التي اجتاحت سوريا، أعلن الكرد السوريون في شمال شرق البلاد عن مناطق إدارة ذاتية ستتطور لاحقاً إلى ما عُرف بـ”الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” أو روجافا. هذا التكوين الجغرافي الجديد كان أكثر من مجرد منطقة نفوذ — كان تجربةً في الكارتوغرافيا البديلة، كارتوغرافيا تُعلن أن الخريطة يمكن أن تُرسم من الأسفل لا من القمة، من الممارسة السياسية اليومية لا من معاهدة دولية. وجود خريطة روجافا — حتى حين ظلت خريطة غير معترف بها دولياً — كان حدثاً بصرياً وثقافياً وسياسياً في آنٍ واحد بالنسبة للكرد السوريين الذين لم يروا جزءاً من أرضهم مُعلَّناً وذا اسم على خريطة في حياتهم. في المناطق التي شهدت مراحل من الحكم الذاتي الكردي — كمناطق جمهورية مهاباد القصيرة في إيران عام ١٩٤٦ وإقليم كردستان العراق بعد ١٩٩٢ — كان أحد أولى الأفعال التأسيسية إدراج خريطة كردستان في المناهج التعليمية. هذا الفعل البسيط في ظاهره — وضع خريطة على الجدار في فصل دراسي — كان في عمقه فعلاً إنتاجياً للهوية الجماعية. الطفل الذي ينشأ على رؤية “شكل” أرضه منذ سنواته الأولى يحمل في ذاكرته البصرية ما يظل مرجعاً لانتمائه مدى الحياة. ولهذا كانت الأنظمة المعادية للكرد تحرص بالقدر ذاته على إقصاء الخريطة الكردية من الفضاء التعليمي — لأن غيابها يُساهم في تشويش صورة الجيل القادم عن هويته المكانية.
من منظور علم الأعصاب المعرفي، تُشير الدراسات إلى أن الذاكرة المكانية تتكوّن في مرحلة مبكرة من العمر وتبقى من أكثر الذكريات ثباتاً ومقاومةً للنسيان. الخريطة التي يراها الطفل الكردي — سواء كانت خريطة تُثبت وجوده أو خريطة تُغيّبه — تُلقي بظلالها على علاقته بهويته المكانية على المدى الطويل. وهذا يجعل الصراع على الخريطة التعليمية الكردية صراعاً على اللاوعي الجمعي لأجيال كاملة. في المحافل الدولية وأروقة الدبلوماسية، اضطلعت الخريطة الكردية بدور الحجة المرئية. كل وفد كردي يُقدّم مذكرة إلى عصبة الأمم في عشرينيات القرن العشرين أو إلى الأمم المتحدة في مراحل لاحقة كان يُرفق مطالباته بخريطة تُثبت الامتداد الجغرافي للحضور الكردي. وهذا التوظيف الوثائقي للخريطة يُؤسّس لعلاقة جديدة بين الشعب وأرضه: علاقة لا تُبنى على القصيدة والسرد الشفهي فحسب بل على الدليل القابل للنقاش بلغة القانون الدولي وعلم الجغرافيا السياسية. الخريطة في هذا السياق تُحوّل المطالبة العاطفية إلى مطالبة إجرائية — وهي خطوة ضرورية وإن لم تكن كافية.
رؤية الذات ورؤية الآخر — المنظور الخرائطي
إن رؤية الذات عبر الخريطة تعني القدرة على تصوّر الانتماء الجماعي في مكانٍ له شكل محدد وحدود قابلة للتمييز. وهذه القدرة التصوّرية — التي يمنحها وجود خريطة معترف بها — تؤدي وظائف نفسية وسياسية متعددة. تُعطي الشعور بالاكتمال: “نحن شعب له أرض وللأرض حدود”. وتُتيح الشعور بالاستمرارية التاريخية: “هذه الأرض كانت لأجدادنا وستكون لأحفادنا”. وتُولِّد قدراً من الشعور بالمساواة مع الشعوب الأخرى: “نحن مثلكم، لنا خريطتنا كما لكم خرائطكم”. غياب هذه الخريطة — أو وجودها في حالة تشوّه دائم بسبب تعدد الروايات حول حدودها — يُنتج حالة من القلق الهوياتي الذي يتجلى في الخطاب السياسي الكردي كمطالبة متجددة لا تنتهي بالاعتراف. لكن الأهم ربما هو أن الخريطة تُتيح للشعب أن يرى نفسه بشكل مستقل عن كيف يراه الآخرون. حين كان الكرد مُعرَّفين في الخرائط التركية بوصفهم “أتراك جبليين” وفي الخرائط الإيرانية بوصفهم جزءاً من التنوع الإثني الفارسي وفي الخرائط العربية بوصفهم امتداداً ضمن الفسيفساء العرقية، كانت كل هذه التعريفات تنفي الذاتية الكردية وتُدرجها تحت مسمى آخر. الخريطة الكردية البديلة كانت رداً بصرياً على هذا النفي: “لا، نحن لسنا فرعاً من شجرتك، بل لنا شجرتنا الخاصة وأرضنا المستقلة”.
لا يُشكّل المنظور الخرائطي رؤية الشعب لذاته فحسب بل يُشكّل أيضاً رؤيته للآخرين. الكردي الذي نشأ على خريطة كردستان الكبرى يرى الحدود التي رسمتها الدول الأربع على أنها عوائق اصطناعية قطعت ما كان ينبغي أن يكون متصلاً، في حين يرى الكردي الذي نشأ في إطار خريطة وطنية واحدة — العراقي أو التركي أو الإيراني أو السوري — أن تلك الحدود هي حدود طبيعية لدولة قائمة. هذا الاختلاف في المنظور الخرائطي الأوّلي يُفسّر جزءاً من الصعوبة في التفاهم: كل طرف يرى من خريطة مختلفة، وما يبدو واضحاً من خريطة يبدو تدميراً من خريطة أخرى. أيضاً، الخريطة تُشكّل نظرة الكردي إلى القوى الخارجية بطريقة خاصة. بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا — كل منها تحضر في المخيال الكردي بصورة مرتبطة بما فعلته في الخريطة أو ما وعدت به ثم تراجعت عنه. بريطانيا مرتبطة بلحظة سيفر ثم بلوزان، وبوعد كردستان الذي لم يتحقق. فرنسا مرتبطة بتقسيم سايكس-بيكو الذي أوجد سوريا وأقصى الكرد. أمريكا مرتبطة بنفي صدام بعد الكويت ثم بتركهم لمصيرهم عام ١٩٩١. روسيا مرتبطة بجمهورية مهاباد التي أُقيمت في ظل الدعم السوفييتي ثم أُسقطت حين انسحب ذلك الدعم. هذه المرتبطات الخرائطية تُشكّل “خريطة بصرية للخيانات” في الوعي الكردي الجمعي — وعي مُثقل بالحذر والريبة من الوعود الخارجية.
وفي مجتمعات الشتات الكردي — في ألمانيا وهولندا والسويد والمملكة المتحدة وغيرها — طوّرت علاقة خاصة بالخريطة كأداة هوياتية بالدرجة الأولى. المراكز الثقافية الكردية في المهجر عادةً ما تعلّق خريطة كردستان الكبرى على جدرانها — وهي خريطة غير موجودة في أي خريطة سياسية رسمية معاصرة — كتعبير عن رفض “الخريطة الرسمية” وكإعلان هوية بصري. هذا التعليق ليس مجرد ديكوراً، بل هو فعل إيديولوجي يقول: “الخريطة الحقيقية ليست ما يراه الآخرون بل ما نحمله نحن في ذاكرتنا وما ورثناه عن آبائنا”. يُنتج الشتات الكردي أيضاً خرائط بديلة من نوع أكثر خصوصية: خرائط الذاكرة الشخصية التي يرسمها كل مهاجر في قلبه — مكان البيت القديم، طريق الجبل، البستان، قبر الجد. هذه الخرائط الشخصية لا وجود لها على أي ورق لكنها ربما أكثر الخرائط حيويةً وصموداً في مواجهة النسيان، لأنها مشحونة بعواطف لا تملك أي خريطة رسمية أن تحملها.
وقد أحدث ظهور الإنترنت وأدوات رسم الخرائط الرقمية التفاعلية تحولاً جذرياً في علاقة الشعوب غير المُمثَّلة على الخرائط الرسمية بأداة الخريطة. لأول مرة في التاريخ، بات بإمكان أي شخص أو مجموعة أن يُنتجوا خريطتهم الخاصة وينشروها على نطاق عالمي دون الحاجة إلى إذن من دولة أو مؤسسة. الكرد استثمروا هذه الثورة الرقمية بشكل لافت — من المواقع الإلكترونية التي تعرض خرائط كردستان التاريخية والمقارنة، إلى تطبيقات الهاتف التي تُتيح التجوّل الافتراضي في مدن كردستان، إلى منصات التواصل الاجتماعي التي باتت فضاءً لتداول الخرائط الكردية وتعليقها ونقاشها. ولا تخلو هذه الديمقراطية الكارتوغرافية الرقمية من تعقيدات جمة. ذلك أن تعدّد الخرائط وتعدّد المُنتِجين يعني أيضاً تعدّد الروايات وتضارب الادعاءات. فخريطة كردستان التي يرسمها كردي من تركيا لن تتطابق بالضرورة مع خريطة كردي من العراق، وكلتاهما قد تختلفان عن خريطة كردي إيراني. والفضاء الرقمي الذي يُتيح نشر هذه الخرائط لا يُحكَّم بمرجعية موحّدة، مما يُنتج في بعض الأحيان “فوضى كارتوغرافية” تعكس الانقسامات السياسية الداخلية للحركة الكردية أكثر مما تعكس تصوّراً جامعاً. وقد أدّت شركات التكنولوجيا الكبرى — وفي مقدمتها جوجل مع خدمة خرائطه — دوراً غير متوقع في الصراع الكارتوغرافي الكردي. فالسياسة التي تتبعها جوجل في تسمية الأماكن وتحديد الحدود في مناطق النزاع لها تداعيات سياسية مباشرة. ما إذا كانت خرائط جوجل تُظهر “كردستان” كتسمية لمنطقة أو تكتفي بتسمية الإقليم الإداري المعتمد رسمياً من الدولة المضيفة — هذا القرار التقني الذي يصدر في مقرات الشركة في كاليفورنيا يُؤثّر في الطريقة التي يرى بها ملايين المستخدمين حول العالم ما إذا كانت كردستان مكاناً له وجود على الخريطة أم لا. هذه المعادلة الجديدة تعني أن الصراع الكارتوغرافي الكردي لم يعد محصوراً في مفاوضات الدول وقرارات المنظمات الدولية، بل امتد ليشمل شركات القطاع الخاص وخوارزميات محركات البحث. ولوبي الضغط الكردي في الغرب بات يُولي اهتماماً للحضور الرقمي الكردي على الخرائط التكنولوجية بالقدر الذي يُولي فيه الاهتمام للحضور الدبلوماسي. الخريطة في القرن الحادي والعشرين باتت موزّعة بين يدي الدول وشركات التكنولوجيا والمستخدمين الأفراد في آنٍ واحد.
اليوم، بعد ثلاثة عقود على تأسيس إقليم كردستان العراق، يمكن للمرء أن يُلاحظ تحولاً حقيقياً في طبيعة الخريطة الكردية. لم تعد الخريطة المطالبة الحلم الذي يُرسَم في المنفى، بل باتت واقعاً جزئياً معاشاً — إقليم له حكومة ومطارات دولية وعلم ونشيد وسلك دبلوماسي غير رسمي وتمثيل في المنظمات الدولية. هذا التحوّل من الخريطة المتخيَّلة إلى الخريطة الجزئية المُجسَّدة يُفرز ديناميكيات نفسية وسياسية جديدة: ماذا يفعل الشعب حين تتحقق بعض خريطته لا كلها؟ هل يُقنَع بالجزء أم يُصعِّده حجةً لاستحقاق الكل؟ هذا السؤال يُضعه الكرد اليوم بأشكال مختلفة وإجاباتهم عليه لا تتوحّد، وهذا بحد ذاته شاهد على أن الخريطة لم تكن يوماً مجرد مسألة جغرافيا — بل كانت دائماً مسألة رؤية ورواية وذاكرة. والشعب الذي يختلف على خريطته الداخلية هو شعب حيّ يُفكّر في مستقبله، لا شعب توقّف عند صورة جامدة رسمها غيره وطلب منه أن يُؤمن بها.
وفي الخلاصة يمكن القول، لم تكن الخريطة مجرد صورة جامدة للأرض في التاريخ الكردي الحديث، بل كانت أداة سلطة وتاريخ وهوية. في القرن التاسع عشر، وثّقت وجودًا وتغيرًا ديموغرافيًا. وفي مطلع القرن العشرين، كانت أداة التقسيم الاستعماري (سايكس-بيكو) والوعد الضائع (سيفر) والقطيعة النهائية (لوزان). وخلال القرن العشرين، تحولت إلى رمز للمشروع الوطني المتنازع عليه، وإلى أداة ملموسة في الصراع على الموارد والسلطة. وبهذا، أصبحت الخريطة عنصرًا لا يتجزأ من بناء التاريخ والهوية الكردية الحديثة، وميدانًا دائمًا للصراع بين السرديات المختلفة، وبين الطموحات القومية وحقائق السيادة الوطنية.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
Zeynep N. Kaya: Mapping Kurdistan Territory, Self-Determination and Nationalism,
Zeynep N. Kaya: Orientalist Views of Kurds and Kurdistan
Carl Dahlman: The Political Geography of Kurdistan, Eurasian Geography and Economics · June 2002, pp 271 – 299
Maria Theresa O’shea: Trapped Between the Map and Reality: Geography and Perceptions of Kurdistan, Taylor & Francis [CAM], 1 edition, March 18, 2004
..



