صناعة الحقيقة المضللة: كيف تدير القوي الكبري حرب السرديات الإعلامية في الشرق الأوسط

متابعات :
- تم تحديثه في

تحليل: أ.د سوزان القليني

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالصواريخ والطائرات وحدها، بل أصبحت تُدار كذلك عبر الشاشات، والعناوين العاجلة، والمنصات الرقمية، وحسابات التأثير، وغرف الأخبار التي تحوّل الوقائع إلى سرديات متنافسة. وفي الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا يبدو المشهد الإعلامي مجرد ساحة لنقل الأحداث، بل بات ميدانًا موازيا للصراع، ربما لا يقل خطورة عن الميدان العسكري نفسه. فالتناقضات الصارخة في التغطية، والترويج لخبر ونقيضه، وإعادة توجيه الانتباه نحو دول الخليج بوصفها طرفًا أصيلًا أو متورطًا أو مستهدفًا دائمًا، تكشف أن ما يجري ليس فقط ارتباكًا مهنيًا، وإنما في كثير من الأحيان توظيف سياسي للإعلام بأقصى درجاته. وتشير أحدث التطورات إلى أن الحرب التي بدأت مع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026 دخلت، حتى 11 أبريل 2026، مرحلة هدنة هشة ومفاوضات مباشرة في إسلام آباد، بينما ظل مضيق هرمز نقطة اشتباك سياسي وإعلامي مفتوحة، مع استمرار تباين الروايات بشأن الملاحة والعمليات العسكرية وشروط التهدئة.

في مثل هذه الحروب، لا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث؟ بل: من يروي ما حدث؟ وكيف؟ ولمصلحة من؟ هنا تظهر أزمة الإعلام السياسي المعاصر؛ إذ تتراجع الأولوية للحقيقة الخام أمام أولوية “إدارة الإدراك”. فوسيلة الإعلام المنحازة لمحور أمريكي أو إسرائيلي تميل إلى توصيف الحرب باعتبارها عملية ردع أو إعادة توازن أو تحجيمًا لخطر إقليمي، بينما تذهب المنصات المؤيدة لإيران أو المناهضة للغرب إلى تصويرها باعتبارها عدوانًا استعماريًا مكتمل الأركان يستهدف المنطقة بأسرها، لا إيران وحدها. وفي المنتصف، تبرز منصات أخرى تمارس انتقائية من نوع مختلف: لا تكذب الخبر صراحة، لكنها تعيد ترتيب الأولويات، فتحذف سياقات، وتضخم عناصر بعينها، وتدفع المتلقي إلى استنتاج سياسي مقصود دون أن تقول ذلك مباشرة. لهذا لم يعد الزيف الإعلامي في صورته الحالية قائمًا فقط على “الخبر الكاذب”، بل على “الحقيقة المجتزأة”، و”الصورة المنزوعة من سياقها”، و”التحليل الذي يرتدي ثوب الخبر”.

الأخطر أن تضارب التغطية لا يأتي دومًا من نقص المعلومات وحده، بل من فائض التوظيف. فحين تنقل وسيلة أن الهدنة صامدة، وتنقل أخرى في اللحظة نفسها أن العمليات العسكرية تتوسع، لا يكون التناقض دائمًا انعكاسًا لاختلاف المصادر، بل انعكاسًا لاختلاف الأهداف التحريرية والسياسية. وقد أظهرت التغطيات الأخيرة تباينًا واضحًا في توصيف مسار التهدئة والمفاوضات، وفي تصوير ما يجري في مضيق هرمز، وفي ربط الحرب بساحات أخرى مثل لبنان والخليج. بعض المنصات ركز على “انفتاح نافذة سلام”، وأخرى قدمت المشهد بوصفه مجرد إعادة تموضع تكتيكي تمهيدًا لجولة أعنف، فيما تواصلت روايات متضاربة بشأن الملاحة وعمليات إزالة الألغام والسيادة على المضيق. هذا التفاوت لا يربك الجمهور فحسب، بل يخلق مناخًا مثاليًا للشائعات، لأن الجمهور حين يفقد الثقة في المصادر التقليدية يصبح أكثر استعدادًا لتصديق أي رواية بديلة، مهما كانت هشة أو موجهة فكريا .

ومن هنا نفهم كيف يتحول الإعلام في زمن الحرب من ناقل للأزمة إلى صانع لها. فكل خطاب إعلامي ينشئ “عدوّه” الخاص، ويختار جمهوره الخاص، ويصنع قاموسه الخاص. كلمة واحدة قد تفضح التموضع: “هجوم” لدى طرف، و”رد دفاعي” لدى آخر، و”تصعيد متبادل” لدى ثالث. وكذلك الأمر مع صور الضحايا، ومشاهد الدمار، وتوقيتات البث، ونبرة المذيعين، وانتقاء الضيوف. ففي الإعلام السياسي، ليست اللغة مجرد وعاء محايد، بل أداة توجيه خفي، قادرة على منح الشرعية أو نزعها، وعلى تحويل الضحية إلى متهم، أو المتورط إلى وسيط، أو المحايد إلى شريك مفترض.

وفي هذا السياق تبرز محاولة الزج بدول الخليج إعلاميًا بوصفها واحدة من أكثر الظواهر دلالة وخطورة. فبعض المنصات يتعامل مع الخليج باعتباره ساحة خلفية للصراع، وبعضها يصوره كطرف ضمني حتى إن لم يعلن ذلك، وبعضها الآخر يستخدمه مادة للابتزاز السردي: إن دعم الأمن الملاحي فهو متورط، وإن طالب بالتهدئة فهو متردد، وإن صمت فهو متواطئ. هذه الثلاثية الظالمة تكشف أن الهدف ليس فهم موقف الخليج، بل توظيفه داخل معركة السرد. والواقع أن التطورات الميدانية والسياسية جعلت الخليج بالفعل ضمن نطاق التأثر الأمني والاقتصادي، خصوصًا مع استهدافات إيرانية لبعض البنى التحتية الخليجية، وإصرار الإمارات مثلًا على أن أي تفاهم أمريكي إيراني يجب أن يضمن حرية الملاحة في هرمز، فضلًا عن حضور السعودية وقطر وغيرهما في المساعي غير المباشرة المحيطة بالمفاوضات. غير أن “التأثر” شيء، و”التوريط الإعلامي” شيء آخر تمامًا.

وهنا يجب التمييز بدقة بين مستويين: الأول هو المستوى الجيوسياسي الحقيقي، حيث تتأثر دول الخليج موضوعيًا بأي اضطراب في أمن الطاقة والملاحة والقواعد العسكرية والردع الإقليمي؛ والثاني هو المستوى الدعائي، حيث تُعاد صياغة هذا التأثر الطبيعي على نحو يوحي بأن الخليج صانع للحرب أو شريك خفي فيها أو هدف مشروع بسبب مواقفه. هذا الخلط المتعمد بين الجغرافيا السياسية والدعاية الأيديولوجية هو أحد أخطر وجوه الزيف الإعلامي. فالإعلام المنحاز لا يكتفي بتحليل الحدث، بل يعيد تعريف الأدوار فيه. ومن ثم يصبح الخليج، في بعض السرديات، مسؤولًا لمجرد أنه موجود في الجغرافيا الخطأ، أو لأنه يطالب بحماية اقتصاده وممراته البحرية، أو لأنه يرفض الانجرار إلى خطاب التعبئة الأيديولوجية.

ويزداد هذا التزييف حدة مع بيئة رقمية مختلة تسمح بتدوير المقاطع القديمة، وإعادة استخدام صور من ساحات أخرى، وتصنيع مواد بصرية مؤثرة يصعب على المتلقي العادي التحقق منها. وقد شهدت الحرب استخدامًا مكثفًا للدعاية الرقمية، بما في ذلك توظيف محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، ومزج لقطات حقيقية بأخرى مضللة، في وقت عانت فيه إيران من انقطاع إنترنت واسع حدّ من الوصول المستقل للمعلومات، وأبقى قطاعات واسعة رهينة للروايات الرسمية أو شبه الرسمية. وفي مثل هذه البيئات، لا يصبح التحقق مهمة صحفية فقط، بل مقاومة معرفية ضد هندسة الوعي.

لكن ما الذي يجعل الجمهور يقع فريسة لهذا التضارب؟ السبب أن الإعلام الحربي اليوم لا يخاطب العقل بقدر ما يخاطب الهوية والانفعال. فالمتلقي لا يستهلك الأخبار باعتباره باحثًا عن الحقيقة فقط، بل باعتباره أيضًا منتميًا إلى معسكر نفسي أو سياسي أو مذهبي أو ثقافي. وهنا تنجح الرسائل المتطرفة، لأنها تمنح جمهورها شعورًا أخلاقيًا مريحًا: نحن الخير المطلق، والآخر هو الشر المطلق. لذلك تنتشر الأخبار التي تؤكد الانحيازات المسبقة بسرعة أكبر من الأخبار المتوازنة. ومن ثم، فإن كثيرًا من القنوات والمنصات لا تتعامل مع الجمهور باعتباره مواطنًا يجب أن يفهم، بل باعتباره جمهورًا يجب أن يُعبّأ.

وإذا انتقلنا إلى جوهر الإعلام السياسي، فإن أخطر ما نرصده في هذه الحرب هو انهيار الحدود التقليدية بين الخبر، والتفسير، والتحريض. فالمشاهد يتلقى النشرة وكأنها تقرير معلوماتي، بينما هي في الحقيقة بناء تعبوي مكتمل؛ الصور منتقاة، والعبارات مشحونة، والضيوف متشابهون، والخلاصة محددة سلفًا. بل إن بعض المنصات لم تعد تخفي انتماءها أصلًا، وإنما تتباهى به، وتقدمه باعتباره “وضوحًا أخلاقيًا”. غير أن الوضوح الأخلاقي لا يبرر الغموض المهني، ولا يمنح أحدًا حق تحويل الإعلام إلى أداة تعبئة أحادية، خصوصًا في نزاع إقليمي بالغ الحساسية يمكن أن يؤدي سوء تغطيته إلى توسيع الحرب نفسيًا وسياسيًا حتى قبل أن تتوسع عسكريًا.

ومن منظور مهني، يمكن القول إن هذه الحرب كشفت ثلاث أزمات كبرى في بنية الإعلام الإقليمي والدولي. الأولى: أزمة المصدر، حيث لم يعد المصدر الرسمي مرادفًا للحقيقة، ولا المصدر المعارض مرادفًا للاستقلال، بل أصبح كلاهما جزءًا من معركة التأثير. الثانية: أزمة التحقق، لأن سرعة التداول تجاوزت قدرة غرف الأخبار على الفحص والتدقيق. والثالثة: أزمة الاستقلال التحريري، إذ باتت المؤسسات الإعلامية، بدرجات متفاوتة، رهينة لشبكات التمويل والتحالفات والاصطفافات السياسية. ومن هنا، فإن التضارب ليس خللًا عابرًا، بل نتيجة بنيوية لطبيعة النظام الإعلامي نفسه في لحظة الاستقطاب القصوى.

أما عن الزج الإعلامي بدول الخليج، فهو يعكس فشلًا أخلاقيًا ومهنيًا مضاعفًا. فبدل قراءة الموقف الخليجي ضمن معادلة الأمن الإقليمي وحماية الاقتصاد ومنع اتساع الحرب، يتم أحيانًا اختزاله في سرديات تخوينية أو تبسيطية أو ابتزازية. وهذا النوع من المعالجة لا يضر الخليج وحده، بل يضر الوعي العربي كله؛ لأنه يستبدل التحليل الرصين بمنطق الاصطفاف، ويجعل المشهد الإقليمي رهينة لمنصات لا ترى في المنطقة إلا ساحات نفوذ أو أهدافًا دعائية.

إن المعركة الحقيقية هنا ليست فقط بين صواريخ متبادلة، بل بين روايات متصارعة تحاول كل واحدة منها احتكار تعريف الواقع. لهذا يصبح واجب الإعلام المسؤول هو مقاومة الإغراء الدعائي، ورفض الانجرار إلى ثنائية “معي أو ضدي”، والتمييز الصارم بين الوقائع والتفسيرات، وبين الموقف السياسي والواجب المهني. فليست كل رواية بديلة حقيقة، وليست كل رواية رسمية كذبًا، لكن الخطر يبدأ حين تفقد وسائل الإعلام شجاعتها في قول: “لا نعلم بعد”، أو “هذه المعلومة غير مؤكدة”، أو “هذا رأي لا خبر”.

في النهاية، ما تكشفه هذه الحرب هو أن الزيف الإعلامي لم يعد هامشًا طارئًا على المشهد، بل أصبح جزءًا من بنية الصراع ذاته. وكلما اشتدت الاستقطابات، تمدد الإعلام المجه فكريا وسياسيا ، وتقلصت مساحة الصحافة الحقيقية. لذلك فإن الدفاع عن المهنة اليوم لا يعني فقط تحسين الصياغة أو تنويع الضيوف، بل يعني استعادة المعنى الأصلي للخبر: أن يكون جسرًا إلى الفهم، لا وقودًا للكراهية، وأن يضيء تعقيد الواقع، لا أن يختزله في صراخ متبادل. وفي لحظة إقليمية شديدة الخطورة كهذه، يصبح أخطر ما يمكن أن تفعله وسائل الإعلام هو أن تدفع الشعوب إلى رؤية الحرب بوصفها قدرًا محتومًا، أو أن تعيد رسم خرائط الخصومة بما يخدم أجندات القوى المتصارعة. هنا تحديدًا، يكون الإعلام قد انتقل من نقل النار إلى إشعالها.

“وفي زمنٍ يُعاد فيه تشكيل الوعي قبل الخرائط، لم تعد أخطر الحروب تلك التي تُسفك فيها الدماء فقط، بل تلك التي يُعاد فيها تعريف الحقيقة ذاتها…

 حيث يصبح الصمت انحيازًا، والتضليل سلاحًا، والإعلام إما خط الدفاع الأخير عن الوعي… أو أول ساحات سقوطه.”

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

توفيق وهبي .. السيرة والسياق والتأسيس اللغوي

تحليل: هدير مسعد عطية ثمة نوع نادر من المثقفين يختار أن يجعل من لغته موضوعَ علم لا مجرد أداة

Read More...

حق الأمل بين الواقع والمأمول: قراءة قانونية في ضوء اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان

تحليل: د. محمد حربي            دكتور القانون الدولي العام في لحظة يخيّل فيها أن العقوبة يمكن أن تتحول إلى مصير

Read More...

كـــرد إيـــران في المعادلة الجيوستراتيجية

تحليل: د. محمد رفعت الإمام       منذ قيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، فرضت وضعية كرد إيران

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل