الإبادة الأرمنية في التاريخ الحديث و تطور الموقف الدولي تجاهها

مقالات :
- تم تحديثه في

تحليل: ﭽاكلين جرجس

و نحن نُحىي ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن،  تلك الإبادة التى يرفض أن يتجاهلها أو ينساها أي إنسان يعرف معنى الإنسانية له عقل و قلب نابض فتلك المشاهد البشعة و الصور الدامية دامغة في العقل و القلب فجراح القلوب لا تندمل مهما مرت السنوات فقد حُفرت في ذاكرتهم خاصة و أن تمرير الروايات والقصص يشكل تصورات الحاضر عن الماضي فالروايات هي التي تشكل أفكار الأجيال التالية عن الأشخاص الذين وقعوا ضحية للإبادة الجماعية أو نفذوا تلك الإبادة  ؛ لكنيبقى التوثيق خير دليل و اثبات على بشاعة الأحداث حيث توجد ملايين الوثائق التى أرسلها الدبلوماسيون الغربيون بالأستانة والولايات العثمانية إلى وزراء الخارجية التابعين لها: بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، النمسا، روسيا وغيرها. وهذه الوثائق توثق لحظة بلحظة ما جرى للأرمن من انتهاكات واضطهادات وملاحقات وتعذيب واغتصابات باختصار، توثق كل المآسى التي ألحقتها الدولة التركية والحكومة الكردية  بالشعب الأرمني الأعزل، وفي العالم العربي عمومًا ومصر خصوصًا هناك آلاف الشواهد الدالة على فظاعة الجرم التركي بحق الأرمن والإنسانية لا شك أن مذابح الأرمن تعتبر من أبشع جرائم الإبادة الجماعية والأكثر شهرة والأولى ذكرًا في تاريخنا المعاصر ، ويشير المتخصصون بذلك إلى الطريقة المنهجية المنظمّة التي نفذت من خلال عمليات قتل كان هدفها واضح ومُعد له للقضاء على الأرمن ، وتعتبر مذبحة الأرمن هي الثانية من حيث الترتيب بين  قضايا المذابح الجماعية بعد الهولوكست، و هو المقصود بمصطلح الإبادة الجماعية   ، فقد صيغت من أجل وصف هذه الأحداث؛ كما أطلقت الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية على الحملة العثمانية التي قامت بها الحكومة التركية ضد الأقليات المسيحية في الدولة العثمانية بين عام 1914  وعام 1923إبادة جماعية … فيما تتراوح تقديرات عدد ضحايا الإبادة الجماعية للأرمن (1915-1916)

وفقاً للتقديرات الدولية والأكاديمية: إلى مقتل ما بين 1.2 إلى 1.5 مليون أرمني وتؤكد موسوعة الهولوكوست (USHMM) أن العدد لا يقل عن 664,000 وقد يصل إلى 1.2 مليون ضحية نتيجة المذابح المباشرة أو سوء المعاملة والتجويع .

فيما تشير تقديرات الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية (IAGS): أن عدد القتلى تجاوز المليون شخص .

بينم تؤكد المصادر البريطانية والغربية: إلى بعض التقديرات المتحفظة مثل تلك الواردة في موسوعة بريتانيكا إلى مقتل ما بين 600,000 إلى أكثر من مليون شخص خلال مسيرات الموت وعمليات القتل الممنهج .

لكن الرواية التركية الرسمية و التي تعترف فيها تركيا بوقوع خسائر بشرية لكنها ترفض وصفها بالإبادة، وتقدر عدد الضحايا ما بين 300,000 إلى 500,000 شخص، معتبرة أنهم سقطوا ضحية حرب أهلية وظروف الحرب العالمية الأولى

مذابح سابقة (المجازر الحميدية): بالإضافة إلى الإبادة الكبرى، تشير المصادر إلى مقتل ما لا يقل عن 80,000 أرمني (وتصل بعض التقديرات إلى 250,000) خلال المذابح التي وقعت بين عامي 1894 و1896 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني .

لذلك تُعتبر هذه الأحداث من أوائل جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين، وقد كان لها تأثير كبير على تطور القانون الدولي ومفهوم الجرائم ضد الإنسانية، كما أثرت على العلاقات الدولية والسياسة العالمية حتى اليوم. ، حيث تختلف مواقف الدول من الاعتراف بها وفقاً لمصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية وعلاقاتها مع تركيا.

أولاً: الخلفية التاريخية للإبادة الأرمنية

حسب المعطيات المتوفرة فى محاضر اجتماعات الاتحاديين ومذكرات رجال الدولة وكبار الموظفين،  فالتحضيرات عملياً بدأت في عام 1914 بعد قرار الإدارة العثمانية بشأن تجنيد الذكور الأرمن من الفئات العمرية 20 إلى 45 سنة إجبارياً. وبهذه المناسبة صدر في عام 1915 قرار أنور باشا بشأن القضاء على الجنود الأرمن ومصادرة أسلحتهم وتشغيلهم أعمالاً شاقة وقتلهم بدم بارد. فكانت هذه الخطة، بداية عمليات السلطات العثمانية الهادفة إلى تشتيت الأرمن والتي سهلت تنفيذ الإبادة فيما بعد. بعد ذلك تم زج النساء والأطفال والعجزة في فخ الموت من دون حماية واستعداد للمقاومة وقتل معظمهم على الطرق أثناء التهجير والمشي لأسابيع و تعرضوا لأبشع الفظائع.

   في عام 1914 أجرى وزير الداخلية طلعت باشا اجتماع تم خلاله تشكيل “لجنة التنفيذ الثلاثية” بعضوية قادة حزب “الاتحاد والترقي” ناظم باشا وبهاء الدين شاكر وشكري، وأعطيت لهذه اللجنة صلاحيات واسعة وأسلحة وأموال وفُوضت للقيام بالتدابير اللازمة لتنفيذ ذلك المخطط الهمجي، وتم تشكيل فرق سميت “الفرق الخاصة”، إحدى ثمرات المشروع المرعب والغير الإنساني، والتي كان قوامها مجرمين محترفين أطلقوا من السجون. وأرسلت هذه الفرق الإجرامية غالباً بقيادة أعضاء من الحزب الإتحادي إلى مناطق الأرمن، بهدف القيام بأعمال الشغب وإشعال فتيل النزاع بين الأرمن والقوميات المجاورة. كما أصدر طلعت باشا أوامر حاسمة وتعليمات خاصة بتهجير الأرمن وأبلغت جمعية “الاتحاد والترقي” كل فروعها في الولايات وكل الحزبيين والمفتشين والمسؤولين عن تنفيذ تلك الأوامر، متهمين الأرمن بالفساد وتقديم المساعدات للروس وقيامهم بإثارة الفوضى في شتى مناطق الإمبراطورية وإرباك حركات الجيش العثماني ….

    وانطلاقاً من حرص الإدارة العثمانية على سلامة الدولة والدين، حسب الرواية التركية، قرر المسؤولون الأتراك تهجير الأرمن دون استثناء سواء من الشيوخ أو المرضى قسراً من جميع مقاطعاتهم إلى خارج المناطق الساخنة حتى انتهاء الحرب، وأن تحدد كل ولاية من ولاية حلب ولواء دير الزور مراكز مؤقتة يجرى حشدهم فيها. وفي الوقت نفسه أعطيت تعليمات سرية إلى الجهات المعنية بشأن تشتيت الأرمن. و صدر طلعت باشا في عام 1915 أوامره على هذا النحو:

   بناءً على الضرورة التي تقتضي بالحفاظ على سلامة الجيش وعلى سلامة الأمن والهدوء في المملكة، نقرر إجلاء الأرمن من المناطق الحربية التي يقيمون فيها، إلى أماكن أخرى لا يكون الجيش فيها عرضة لحركاتهم المريبة. كما تقتضي الضرورة بإتخاذ التدابير العاجلة الحاسمة لتنفيذ هذا القرار المبرم وفق الشروط المبينة أدناه.

   إن الدولة تدفع بالآلاف من أبنائها إلى ميادين الحرب وهم يضحون بأرواحهم في سبيل الدفاع عن الوطن، وتنتظر من رعاياها من دون اي فرق بين اجانسهم ومذاهبهم، وأن يكون ارتباطهم بها في هذه الآونة العصيبة أوثق مما هو في أي زمن آخر، لذا فإنها تولي وضعه موضع التنفيذ أهمية خاصة.

  من المعلوم أن الإمبراطورية العثمانية دخلت في عام 1914 الحرب العالمية الأولى إلى جانب قوات المحور المتمثلة في ألمانيا و النمسا والمجر. فكانت السلطات العثمانية تأمل بطرد روسيا من القوقاز لتوحيد الشعوب التركية في الشرق الأوسط والقوقاز وروسيا وآسيا الوسطى في إطار دولة طورانية. فكانت العقبة في تحقيق هذا المشروع ليس روسيا فقط، بل أرمينيا التي كانت منقسمةً بين دولتين – القيصرية الروسية والإمبراطورية العثمانية. فكانت السياسة الداخلية والخارجية لكل منهما تختلف عن الأخرى جذرياً. فهذا الاختلاف كان ينعكس على تصرفات هاتين الدولتين تجاه الشعب الأرمني. واستغلت الحكومة العثمانية هذا الوضع لتنفيذ مشاريعها المُعدة مسبقاً لتنفيذ عمليات الإبادة عن طريق إيجاد المبررات الكافية لمواقفها المتطرفة القادمة.

   إن أحداث الحرب كانت فرصة ذهبية وفسحت المجال أمام حزب “الاتحاد والترقي” الحاكم لتنفيذ مشروع “حل القضية الأرمنية” وإجهاض تطبيق الإصلاحات في الولايات الأرمنية نهائياً. إن مواقف الأتراك الشباب أيضاً كانت ثابتة بشأن الإصلاحات، وكانوا يحاولون بكل السبل عدم تنفيذها، فكانوا يعتبرون الولايات الشرقية قلب الإمبراطورية ويدركون أن خطر الإصلاحات يهدد أمن واستقرار الدولة العثمانية. فكان التدخل الأوروبي في الشأن الأرمني يثير الغضب في أوساط الأتراك الشباب أيضاً ويشهد على ذلك الحديث الودي الذي دار بين جمال باشا وصديقه فاردكيس عضو المجلس التركي من حزب الطاشناق حيث قال جمال: “انتبهوا، تخلوا عن الأوروبيين وتعالوا لنقم نحن بالإصلاحات. لا نسمح أبداً تدخل الدول الأوروبية، وإذا فُرض علينا الإصلاحات في الولايات الأرمنية مرة آخرى وإذا قبلتم من دون الأخذ بعين الاعتبار الخطر الكبير، فأنا أؤكد لك أنه سيُقتل في الولايات الشرقية الست عدداً لا يقل عن 300 ألف أرمني” وهذا يعني أن الأتراك الشباب أيضاً تبنوا مواقف السلطان عبد الحميد نفسها بشأن القضية الأرمنية بعد أحداث البلقان وكما قيل اعتبروا تنفيذ الإصلاحات في الولايات الأرمنية انهياراً نهائياً للإمبراطورية العثمانية.

ثانياً: الممارسات التي تمت خلال الإبادة الأرمنية

شهدت الإبادة الأرمنية العديد من الممارسات التي جعلت المؤرخين يصنفونها كجريمة إبادة جماعية، ومن أهم هذه الممارسات:

1. الترحيل القسري (مسيرات الموت)

تم إجبار الأرمن على مغادرة منازلهم والسير لمسافات طويلة جداً من الأناضول إلى الصحراء السورية دون توفير الطعام أو الماء أو وسائل النقل، وكان الجنود يرافقون القوافل، وكثيراً ما كانوا يعتدون على المرحلين أو يتركونهم يموتون في الطريق.ومات عدد كبير من الأرمن بسبب الجوع والعطش والإرهاق والمرض، وكان الهدف من هذه الرحلات في كثير من الأحيان هو التخلص منهم بطريقة غير مباشرة.

2. القتل الجماعي

تم إعدام الرجال والشباب الأرمن في مجموعات كبيرة، حيث كان يتم فصل الرجال عن النساء والأطفال ثم قتلهم بالرصاص أو بالسلاح الأبيض. كما تم قتل قرى بأكملها، وشارك في هذه العمليات بعض الجنود والمليشيات المحلية.

3. التجويع المتعمد

تم منع وصول الغذاء والماء إلى المرحلين، وتم حصار بعض القوافل ومنع المساعدات الإنسانية من الوصول إليها، وهو ما أدى إلى موت أعداد كبيرة منهم بسبب الجوع والعطش.

4. استهداف النساء والأطفال

تعرضت النساء الأرمنيات للاختطاف والإجبار على الزواج أو تغيير الدين، كما تم خطف الأطفال وتربيتهم في عائلات أخرى، وهو ما أدى إلى تفكك المجتمع الأرمني ومحاولة القضاء على هويته الثقافية والدينية.

5. التدمير الثقافي والديني

تم تدمير الكنائس الأرمنية وحرق القرى والمنازل والممتلكات، وتم تغيير أسماء بعض المناطق، في محاولة لمحو الوجود الأرمني والثقافة الأرمنية.

6. المصادرة الاقتصادية

تم الاستيلاء على ممتلكات الأرمن وأراضيهم وأموالهم، وتم توزيعها على سكان آخرين أو على الدولة، وهو ما أدى إلى إفقار الأرمن ومنعهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية.

ثالثاً: الاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية

اعترفت العديد من الدول بالإبادة الأرمنية رسمياً، ومن أهم هذه الدول:فرنسا – ألمانيا- روسيا كندا-إيطاليا – لبنان – سوريا – الولايات المتحدة

وقد كان اعتراف الولايات المتحدة بالإبادة الأرمنية عام 2021 حدثاً مهماً في السياسة الدولية، لأن الولايات المتحدة دولة مؤثرة عالمياً، وكان هذا الاعتراف له تأثير سياسي ودبلوماسي كبير على العلاقات مع تركيا.كما اعترف البرلمان الأوروبي بالإبادة الأرمنية، واعتبرها جريمة تاريخية يجب الاعتراف بها.

رابعاً: الموقف التركي من الإبادة الأرمنية

ترفض تركيا الاعتراف بالإبادة الأرمنية حتى اليوم، وتؤكد أن ما حدث كان نتيجة ظروف الحرب والتمردات الداخلية، وليس خطة إبادة منظمة.وترى تركيا أن عدد الضحايا يشمل أيضاً مسلمين أتراكاً قتلوا خلال الحرب، وأن استخدام مصطلح إبادة جماعية هو توظيف سياسي للتاريخ.

ويرجع رفض تركيا الاعتراف بالإبادة إلى عدة أسباب:

1- الخوف من المطالبة بالتعويضات المالية

2- الخوف من المطالبة بأراضٍ تاريخية

3- الحفاظ على صورة الدولة

4- المسؤولية التاريخية للدولة العثمانية

5- التأثير على السياسة الداخلية التركية

خامساً: تفسير المواقف الدولية من الإبادة الأرمنية

تختلف مواقف الدول من الإبادة الأرمنية، ويمكن تفسير هذه المواقف من خلال عدة عوامل:

1. المصالح السياسية

الدول التي لديها خلافات سياسية مع تركيا تميل إلى الاعتراف بالإبادة الأرمنية، بينما الدول التي لديها علاقات قوية مع تركيا تتجنب الاعتراف.

2. المصالح الاقتصادية

تركيا دولة ذات اقتصاد كبير وسوق مهم، لذلك تتجنب بعض الدول الاعتراف بالإبادة للحفاظ على العلاقات التجارية والاستثمارات.

3. العلاقات العسكرية

تركيا عضو في حلف الناتو، ولذلك فهي حليف عسكري مهم للدول الغربية، مما يجعل بعض الدول تتجنب اتخاذ مواقف قد تضر بالعلاقات العسكرية.

4. الموقع الجغرافي

تقع تركيا في موقع استراتيجي بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وتتحكم في مضائق بحرية مهمة، ولذلك لها أهمية استراتيجية كبيرة في السياسة الدولية.

5. ضغط الجاليات الأرمنية

وجود جاليات أرمنية كبيرة في بعض الدول مثل فرنسا والولايات المتحدة ساهم في الضغط على الحكومات للاعتراف بالإبادة الأرمنية.

6. الاعتبارات الأخلاقية وحقوق الإنسان

بعض الدول اعترفت بالإبادة الأرمنية بدافع أخلاقي وحقوقي، خاصة بعد تطور مفاهيم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

سادساً: أحدث المواقف الدولية

في السنوات الأخيرة لم يزد عدد الدول التي اعترفت بالإبادة الأرمنية بشكل كبير، ولكن ظهرت مواقف سياسية ورمزية جديدة، مثل إحياء ذكرى الإبادة الأرمنية رسمياً، وزيارات المسؤولين للنصب التذكارية، واستخدام مصطلح الإبادة الجماعية في التصريحات السياسية.

ورغم مرور 111 عام على هذه الأحداث، ما زالت قضية الاعتراف بالإبادة الأرمنية تؤثر على العلاقات الدولية حتى اليوم، وتكشف هذه القضية أن السياسة الدولية لا تعتمد فقط على العدالة التاريخية، بل تعتمد أيضاً على المصالح السياسية والاستراتيجية.و من المؤكد أن إحياء الذاكرة ليس مجرد طقس رمزي، بل جزء من العدالة الانتقالية من خلال عدة محاور أهمها :

1. التوثيق والتعليم :

إدخال أحداث الإبادة الأرمنية في المناهج التعليمية بشكل علمي ومحايد.دعم الأبحاث التاريخية المفتوحة دون تسييس.و إنشاء أرشيفات دولية للوثائق والشهادات.

2. النُصُب التذكارية والرمزية :

إنشاء متاحف ونُصب تذكارية في الدول المختلفة ،تخصيص يوم عالمي للذكرى (كما تفعل دول عدة في 24 أبريل).

3. الاعتراف الرسمي

أن الاعتراف الرسمي من دول العالم مهم لأنه يثبت الحقيقة التاريخية ،ويمنح الضحايا “اعترافاً معنوياً” كما يفتح الباب للمصالحة المستقبلية ؛ خاصة و أن من منظور القانون الدولي، المحاسبة لا تعني فقط محاكمة الأفراد بعد مرور زمن طويل، بل تشمل عدة مستويات مثل :.

المحاكم الدولية وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة، يمكن محاكمة الجرائم ضد الإنسانية عبر محاكم دولية

أو إنشاء محاكم خاصة (كما حدث في رواندا ويوغوسلافيا) لكن في حالة الإبادة الأرمنية، لم تُنفذ محاكمات كاملة بسبب:انتهاء الجناة الرئيسيين ، غياب آلية دولية آنذاك.كما أن المسؤولية التاريخية للدولة من حيث الاعتراف الرسمي و الاعتذاروالتعويض المعنوي أو الرمزي ، و عليه ضرورة إقرار العدالة الرمزية التي تشمل الاعتراف السياسي وإعادة كتابة التاريخ وإزالة إنكار الجرائم من الخطابات الرسمية .

ربما إن اتخذنا تلك الخطوات بشكل جاد و تم تفعيلها نستطيع ضمان جوهر فلسفة “عدم التكرار” في القانون الدولي. حيث يرى مفكرون مثل “رافاييل ليمكين” (مؤسس مصطلح الإبادة الجماعية) أن:وجود تعريف قانوني واضح للجريمة يمنع تكرارها وتطبيق قوانين الإبادة يجب أن يكون تلقائياً وليس سياسياً . كذلك التدخل المبكر حيث يقدم خبراء الأمم المتحدة اقتراح مراقبة النزاعات العرقية والدينية و التدخل الدبلوماسي قبل تحولها إلى عنف جماعي .في واقع الأمر كل ما تم ذكره سالفاً يحتاج إلى الإعلام الحر الذي يلعب دوراً مسؤلاً كشف الانتهاكات مبكراً ومنع التعتيم على الجرائم .حتى الأن لازالت الحقوق المهدرة تصرخ لأجل تحقيق العدالة و إحقاق حقوق هذا الشعب العريق و العدالة تتحقق من خلال الاعتراف بما حدث دون إنكار أو تزييف .

من الهام جداً الاعتراف القانوني بالجريمة محاسبة المسؤولين ( إن أمكن) و التعويضات الرمزية أو المالية لدعم المجتمعات المتضررة ، و إعادة الممتلكات أو الاعتراف بها ، كما علينا العمل و المناشدة لأجل إصلاح القوانين ، منع خطاب الكراهية ،دعم المؤسسات الحقوقية ، لأن تجاهل الجرائم التاريخية يؤدي إلى تكرارها مرراً و هو ما لا نقبله لأي شعب حر يملك مقدراته و حرية تقرير المصير ، فمعلوم أن المصالح السياسية كثيراً ما تعرقل العدالة التاريخية و أن السلام الحقيقي لا يقوم بدون اعتراف بالذاكرة الجماعية للضحايا.

وفي النهاية، فإن جوهر الفكرة تؤكد أن الذاكرة بدون عدالة تبقى ناقصة، والعدالة بدون ذاكرة لا تمنع تكرار المأساة .وتظل الإبادة الأرمنية مثالاً واضحاً على تداخل التاريخ مع السياسة في العلاقات الدولية، حيث تتخذ الدول مواقفها ليس فقط بناءً على الحقائق التاريخية، بل أيضاً بناءً على المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما يفسر اختلاف مواقف الدول من الاعتراف بالإبادة الأرمنية حتى اليوم.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

توفيق وهبي .. السيرة والسياق والتأسيس اللغوي

تحليل: هدير مسعد عطية ثمة نوع نادر من المثقفين يختار أن يجعل من لغته موضوعَ علم لا مجرد أداة

Read More...

حق الأمل بين الواقع والمأمول: قراءة قانونية في ضوء اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان

تحليل: د. محمد حربي            دكتور القانون الدولي العام في لحظة يخيّل فيها أن العقوبة يمكن أن تتحول إلى مصير

Read More...

كـــرد إيـــران في المعادلة الجيوستراتيجية

تحليل: د. محمد رفعت الإمام       منذ قيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، فرضت وضعية كرد إيران

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل