تصاعد نشاط الجماعات الجهادية في أفريقيا (مالى نموذجا)

متابعات :
- تم تحديثه في

تحليل: فتحى محمود

شهد نشاط الجماعات الجهادية في أفريقيا نشاطا ملحوظا خلال العام الماضى استمر في التصاعد خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، حيث ارتفع ضحايا تلك الجماعات بنسبة 46% في نيجيريا ، وتضاعفت هجمات داعش جنوب الصحراء تقريباً (من 111 إلى 221 حادثة) ، ولقى عشرات المدنيين مصرعهم في بوركينا فاسو والنيجر، وبنين ومالي، لكن الساحل وأفريقيا جنوب الصحراء ظلا مركز الإرهاب العالمي، حيث يمثلان نسبة كبيرة من الوفيات العالمية (حوالي 50% أو أكثر في بعض التقارير)، وذلك لعدة أسباب رئيسية منها انسحاب القوات الفرنسية والغربية (بعد انقلابات في مالي، بوركينا فاسو، النيجر)، مما خلق فراغاً أمنياً، وضعف الحكومات والجيوش المحلية، والاعتماد على مرتزقة روس، إلى جانب الاستغلال الجيد للحدود الضعيفة، والتوترات العرقية، وتطور تسليح الجماعات الجهادية وخاصة حصولها على طائرات بدون طيار درونز التي تتيح مهاجمة اهداف متعددة وبعيدة المدى.

ويتركز نشاط الجماعات الجهادية في أفريقيا بشكل أساسي في منطقة الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)، حوض بحيرة تشاد (نيجيريا، النيجر، الكاميرون، تشاد)، الصومال، ومناطق أخرى مثل شرق الكونغو الديمقراطية وشمال موزمبيق. هذه الجماعات تابعة بشكل رئيسي لتنظيمي القاعدة وداعش (الدولة الإسلامية)، وتشمل:

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM): التابعة للقاعدة، وهي الأبرز في الساحل (مالي وبوركينا فاسو بشكل خاص) حيث تقوم بهجمات على القوات الحكومية، حصار المدن والطرق الرئيسية، وهجمات على المدنيين والقرى، مع محاولات السيطرة على المناطق الريفية.
ولاية الساحل التابعة لداعش في مثلث الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتُعرف بهجماتها العنيفة على الجنود والمدنيين مثل هجمات على مطارات وثكنات عسكرية في النيجر خلال العام الحالي، ومجموعات تابعة لها في الكونغو وموزامبيق.
ولاية غرب أفريقيا التابعة لداعش وبوكو حرام في حوض بحيرة تشاد وشمال شرق نيجيريا، وقد أصبحت أكثر فتكاً من بوكو حرام في بعض الفترات، ويستخدم هجمات منسقة وطائرات بدون طيار (درونز).
الشباب التابع للقاعدة في الصومال، ويشن هجمات كبيرة على الحكومة والقوات الأفريقية، ويحاول استعادة أراضٍ.

تطورات متسارعة في مالى

شهدت مالي خلال العام الحالي خاصة في شهر أبريل الجارى تطورات أمنية دراماتيكية وغير مسبوقة منذ سنوات، تمثلت في هجمات منسقة واسعة النطاق شنتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، بالتعاون مع حركات انفصالية طوارقية، وتحديداً جبهة تحرير أزواد، وشنت الهجمات بشكل متزامن على مواقع متعددة عبر شمال ووسط وجنوب مالي، وهو ما وصفه المحللون بأنه أكبر هجوم منسق منذ تمرد 2012. شملت باماكو (العاصمة) ومحيطها: انفجارات وإطلاق نار قرب مطار باماكو الدولي، وهجمات على ثكنات عسكرية في كاتي (معقل رئيسي للجيش والمجلس العسكري)، وكيدال في الشمال حيث شهدت سيطرة كاملة أو شبه كاملة من قبل الطوارق والجهاديين، بعد طرد القوات المالية وفيلق أفريقيا الروسي خليفة فاجنر، تم السماح للروس بالخروج بعد مفاوضات، وأُسر جنود ماليون، وهجمات عنيفة في الوسط (موبتي وسيفاري) على قواعد عسكرية، مع سيطرة مؤقتة في بعض المناطق قبل انسحاب جزئي، وأدى ذلك إلى مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا مما يمثل ضربة قاسية للمجلس العسكري الحاكم برئاسة أسيمي غويتا، ويخلق فراغاً في القيادة الأمنية، وخسائر في صفوف الجيش المالي وفيلق أفريقيا الروسي.

وشهدت هذه التطورات حدثا مهما وهو التعاون بين الجهاديين، الذى تحول إلى تحالف عملياتي واضح في هذه الهجمات، والهدف المشترك هو إضعاف المجلس العسكري وإظهار ضعف الشراكة مع روسيا، مع مطالب سياسية مختلفة حيث تسعى الجماعات الجهادية لتوسيع نفوذها، بينما يريد الطوارق استقلالاً أو حكماً ذاتياً في أزواد، وقد ساعد على هذه التطورات ضعف الجيش المالي بعد انسحاب القوات الفرنسية والغربية، واعتماد المجلس العسكري على الدعم الروسي الذي أثبت عدم فعاليته الكاملة في بعض المناطق، وتراكم التوترات منذ 2023 ، بما في ذلك حصار وقود على باماكو سابقاً، وهجمات متفرقة تعكس تدهوراً أمنياً مستمراً في منطقة الساحل، حيث أصبحت مالي مركزاً رئيسياً للنشاط الجهادي، وهذه التطورات تمثل نكسة كبيرة للمجلس العسكري الحاكم منذ انقلاب 2020-2021، وتثير تساؤلات حول استقرار مالي ومستقبل الوجود الروسي هناك.

والتحالف بين الجهاديين والطوارق (جبهة تحرير أزواد) هو تحالف تكتيكي وعملياتي وليس استراتيجياً أيديولوجياً دائماً، ونشأ من عداوة مشتركة ضد المجلس العسكري الحاكم في باماكو وقواته المدعومة من فيلق أفريقيا الروسي، حيث ثمثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تحالف جهادي تابع لتنظيم القاعدة، يقوده إياد أغ غالي (طارقي الأصل، قاد سابقاً حركة أنصار الدين في 2012)، ويسعى لفرض حكم إسلامي واسع في مالي والساحل، ويمتلك نفوذاً قوياً في الوسط والجنوب، بينما جبهة تحرير أزوادعبارة عن تحالف انفصالي طوارقي وعربي، تشكل في نوفمبر 2024 من اندماج فصائل سابقة مثل الحركة الوطنية لتحرير أزواد ومجلس الوحدة العليا لأزواد وغيرها يقوده الغاباس أغ إنتالا، ويهدف إلى استقلال أو حكم ذاتي واسع لإقليم أزواد، ورغم التناقض الأيديولوجي الواضح (بين تيارين الأول جهادي سلفى والثانى انفصالي قومي علماني نسبياً، لكن العدو المشترك (الجيش المالي والروس) دفع الطرفين للتعاون، وأعلن الطرفان صراحة التنسيق المشترك، وتبادلا التهاني في بياناتهما، وكان هناك تقسيم واضح للمهام: الطوارق يسيطرون جغرافياً على الشمال، بينما توسع جماعة نصرة الإسلام الضغط على العاصمة والمناطق الوسطى، لكن معظم المحللين يرونه تحالفاً مؤقتاً، فالأهداف مختلفة جذرياًحيث يريد الطوارق دولة أزواد قومية، بينما تريد الجماعة حكماً إسلامياً جهادياً، والتحالف بينهما قد يستمر لفترة قصيرة حتى يحققا مكاسب، ثم يعود التنافس أو الصراع.

دور روسيا .. الأمن مقابل الذهب

يُعد الدور الروسى أحد أبرز الأمثلة على التوجه الروسي نحو أفريقيا بعد انقلاب 2020-2021، حيث حلت موسكو محل النفوذ الفرنسي والغربي تدريجياً، ويرتكز الدور الروسي أساساً على الدعم العسكري والأمني مقابل الوصول إلى الموارد الطبيعية خاصة الذهب والمعادن، وبدأ التعاون عام 2021 عندما طلبت مالي دعماً من مجموعة فاغنر التي قدمت تدريباً عسكرياً، دعماً جوياً (مروحيات)، ومشاركة مباشرة في القتال ضد الجهاديين والانفصاليين الطوارق، ساعدت في استعادة كيدال عام 2023 باستخدام قوة نارية مكثفة، ثم سيطرت وزارة الدفاع الروسية على العمليات، وحل فيلق أفريقيا التابع مباشرة للجيش الروسي محل فاغنر تدريجياً، وأصبح الوحيد الموجود بحلول منتصف 2025، ويُقدر عدده بنحو 2000-2500 عنصر ، مركزين في باماكو والوسط، مع دور أكثر استشارياً وتشغيل طائرات بدون طيار في بعض الفترات، وترفض روسيا وصف قواتها بمرتزقة وتتحدث عن تعاون عسكري رسمي بناءً على طلب الحكومة المالية، ويسعى الروس في المقابل إلى استغلال المعادن مقابل الدعم الأمني، وكذلك تعزيز النفوذ في الساحل (مع النيجر وبوركينا فاسو في تحالف دول الساحل)، ومواجهة النفوذ الغربي، مع استخدام الدعاية المضادة لفرنسا والغرب.

ومثلت الهجمات الأخيرة اختباراً قاسياً للدور الروسي، ففي كيدال سيطر الطوارق على المدينة، وانسحب فيلق أفريقيا والجيش المالي بعد اتفاق يسمح بخروج آمن، وفي باماكو وكاتي حيث أدت الهجمات إلى مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا (مهندس التقارب مع روسيا)، ادعى الفيلق الروسي إحباط انقلاب منع (سيناريو سوري)، لكن القوات الروسية منيت بخسائر ضخمة ووصف المحللون الحدث بأنه انتكاسة كبيرة وسقوط وهم الحماية الروسية. دور داعش (ولاية الساحل – Islamic State Sahel Province أو ISSP) في سيناريو الاستنزاف في مالي يُعد دوراً ثانوياً نسبياً مقارنة بـ JNIM، لكنه مؤثر جداً في تعقيد الصراع وتسريع الاستنزاف لجميع الأطراف. ISSP (سابقاً ISGS) هو الفرع الرسمي لتنظيم داعش في منطقة الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر بشكل أساسي).

السيناريوهات المستقبلية المتوقعة للصراع

تبدو السيناريوهات المتوقعة في مالي متعددة وغير حاسمة، نظراً لطبيعة التحالف الهش بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة للقاعدة وجبهة تحرير أزواد الانفصالية الطوارقية، وضعف الجيش المالي، وانسحاب فيلق أفريقيا الروسي من بعض المناطق الشمالية مثل كيدال، وتتمثل في خمسة سيناريوهات:

أولا: سيناريو الاستنزاف المطول وحرب الكل ضد الكل وهو الأكثر احتمالاً: حيث يستمر التحالف بين الجهاديين والطوارق لفترة قصيرة (أسابيع إلى أشهر) لتعزيز السيطرة على الشمال، والتركيز على حصار اقتصادي للمدن الكبرى عبر قطع الطرق والوقود، ثم ينهار التحالف تدريجياً بسبب التناقض الأيديولوجي (الطوارق يريدون حكماً ذاتياً أو استقلالاً، بينما جماعة المسلمين تسعى لفرض الشريعة على كامل مالي)، ويتحول الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الأطراف، مما يؤدى إلى تفكك جزئي للدولة، وسيطرة (ظل) جهادية في الوسط والجنوب، وإدارة طوارقية في الشمال، مع استمرار العنف دون حسم.

ثانيا: سيناريو استعادة الجيش المالي السيطرة: حيث يقوم المجلس العسكري برئاسة أسيمي غويتا بحشد قواته، مدعوماً بفيلق أفريقيا الروسي وقد يلجأ النظام إلى شركاء جدد ، وهذا الاحتمال صعب بسبب الخسائر الكبيرة (مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا) وضعف الجيش بعد انسحاب فرنسا والأمم المتحدة.

ثالثا: سيناريو التفاوض السياسي أو صفقة مع المسلحين: تحت ضغط الهجمات والحصار الاقتصادي، قد يضطر المجلس العسكري إلى مفاوضات مع الطوارق والجهاديين لوقف إطلاق نار مقابل تنازلات سياسية أو إسلامية، وقد يؤدي ذلك إلى بقاء النظام في باماكو مقابل تقسيم فعلي للبلاد.

رابعا: سيناريو انهيار النظام أو سقوط باماكو (الأكثر خطورة): إذا نجح الهجوم الحالى في الحفاظ على زخمه واستمر حصار العاصمة، قد ينهار المجلس العسكري أو يحدث انقلاب داخلي، مع احتمال تحول مالي إلى دولة فاشلة أو حكم جهادي مشابه لنماذج أفغانستان أو سوريا ، وهو احتمال منخفض حالياً لأن الجيش لا يزال يسيطر على العاصمة، لكنه يُناقش كخطر استراتيجي كبير.

خامسا: سيناريو تدخل خارجي أو إقليمي محدود: قد روسيا تعزز وجودها أو تنسحب جزئياً إذا زادت الخسائر، وقد تقدم دول الساحل (النيجر، بوركينا فاسو) دعماً محدوداً، لكن تدخلاً غربياً أو أفريقياً كبيراً غير محتمل، ويتزايد خطر امتداد الصراع إلى دول مجاورة (بنين، توغو، ساحل العاج).

كل هذه السيناريوهات توضح ان الوضع في مالي يميل حالياً نحو استمرار التصعيد والاستنزاف مع خطر حقيقي لتفكك الدولة، لكن بدون حسم سريع، ويبدو تحالف الجهاديين والطوارق الأقوى استراتيجياً، بينما يعاني المجلس العسكري من أزمة شرعية وفعالية.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

توفيق وهبي .. السيرة والسياق والتأسيس اللغوي

تحليل: هدير مسعد عطية ثمة نوع نادر من المثقفين يختار أن يجعل من لغته موضوعَ علم لا مجرد أداة

Read More...

حق الأمل بين الواقع والمأمول: قراءة قانونية في ضوء اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان

تحليل: د. محمد حربي            دكتور القانون الدولي العام في لحظة يخيّل فيها أن العقوبة يمكن أن تتحول إلى مصير

Read More...

كـــرد إيـــران في المعادلة الجيوستراتيجية

تحليل: د. محمد رفعت الإمام       منذ قيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، فرضت وضعية كرد إيران

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل