غزة المنسية .. وسط زخم الحرب الإيرانية

مقالات :
- تم تحديثه في

تحليل: د. فرناز عطية

يبدو أن اشتعال الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى أصبح نصب أعين العالم، واحتل الصدارة على حساب الأحداث الأخرى في الوطن العربي والشرق الأوسط ومن أبرزها الأوضاع في غزة التي باتت منسية من قبل العالم، بالرغم من عظم هذه الأحداث وتأثيرها على عملية السلام والأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية والديموغرافية لغزة وأهلها، ومن أبرزها:

أولا: أزمة إدخال المساعدات ومواد الإغاثة

لا تزال حركة المساعدات ومواد الإغاثة المتباطئة إلى حد الانعدام أحيانًا كثيرة في غزة، بالقدر الذي يضاعف معاناة أبناء القطاع ويزيد من حجم الكارثة الإنسانية فيه، وهنا تتبادل كل من تنظيم “حماس” وإسرائيل الاتهامات بشأن المسئولية حول نقص المساعداتها وانعدامها، حيث تؤكد “حماس” أن متوسط دخول الشاحنات لا يتجاوز 227 شاحنة يوميًا، في حين أن الاحتياج الفعلي وفق البروتوكول الإنساني ينص على 600 شاحنة يوميًا، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 37% من الحد الأدنى المطلوب، وفي المقابل، تقول الحكومة الإسرائيلية أنه لا يوجد نقص في المساعدات الإغاثية، وأنها لم تضع قيودًا على تدفقها، وهو جدل دفع منظمات محلية إلى التأكيد على النقص الحاد الذي يعاني منه القطاع في المساعدات الإنسانية والوقود ومواد الإيواء والمعدات الثقيلة والمستلزمات الطبية.

ثانيًا: استمرار خروقات وقف إطلاق النار والهجمات الإسرائيلية

بالرغم مما تفرضه خطة “ترامب ” للسلام في غزة من وقف لإطلاق النار، إلا أن غزة وسكانها مازالوا يتعرضون للهجمات الإسرائيلية بشكل متواصل، وقد أكدت مصادر طبية في 21 إبريل 2026 بقطاع غزة، أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال 24 ساعة فقط 7 شهداء جدد و21 إصابة جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل، وفي السياق ذاته أقرت وزارة الصحة الفلسطينية أن إجمالي حصيلة ما بعد وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر بلغ 784 شهيداً و2,214 إصابة، إلى جانب 761 حالة انتشال، وبيّنت الإحصائية التراكمية منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر 2023 أن عدد الشهداء ارتفع إلى 72,560 شهيداً، فيما بلغ عدد الإصابات 172,317 إصابة، كما شهد حي الشجاعية 20 ابريل 2026 نشوب حريق في خيام نازحين؛ جرّاء إلقاء مسيرة إسرائيلية لقنابل على مفترق على الحي شرق مدينة غزة، هذا بالإضافة لغارة إسرائيلية على خان يونس راح ضحيتها 4 شهداء، وبالتالي فإن الغارات الإسرائيلية على أحياء غزة تشن بشكل شبه يومي دون هوادة بالرغم من إعلان وقف إطلاق النار.

ثالثًا: رفض “حماس”  المقترح الأمريكي لنزع سلاحها دون البت في قيام دولة فلسطينية

 جدد وفد حركة “حماس” برئاسة “خليل الحية” خلال اجتماع ثانٍ عُقد في القاهرة الاثنين 13 ابريل 2026 بين وفد الحركة و “نيكولاي ملادينوف” المبعوث السامي إلى غزة و “أرييه لايتستون” مستشار مجلس “السلام” العالمي رفضه للمقترح الأمريكي الذي تضمن نزع سلاح المقاومة في قطاع غزة، معتبرة أنه يتعارض مع الاتفاقات السابقة الخاصة بوقف إطلاق النار مع إسرائيل في أكتوبر 2025، كما رفضت الحركة استمرار التفاوض مع “ملادينوف”، معتبرة أنه “ليس ذا صفة تفاوضية بالنسبة لها، متهمة إياه بالتحيز ضد الحركة”، حيث أبلغ الوفد بأن ملف إقامة الدولة الفلسطينية “ليس من اختصاصات مجلس السلام”، دون تقديم توضيحات إضافية، مضيفًا أن دوره يقتصر على ضمان موافقة “حماس” على الورقة المطروحة، والتي تتضمن نزع فوري للسلاح، وهو الأمر الذي قدمه على أي نقاشات تخص إقامة دولة فلسطينية، وفي المقابل أكدت الحركة على ضرورة استئناف المفاوضات عبر الوسطاء التقليديين، متمسكة  بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق “شرم الشيخ” بكامل بنوده، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، ونشر قوة دولية، وتولي لجنة وطنية لإدارة القطاع، وبدء إعادة الإعمار، على أن يُناقش ملف السلاح في مسار موازٍ مرتبط بإقامة دولة فلسطينية طبقاً لما جاءت به خطة “ترامب” للسلام بغزة.

كذا أبلغت حركة “حماس” وفصائل فلسطينية أخرى الوسطاء خلال اجتماعات في القاهرة بأنها لن تبدأ أي محادثات بشأن المرحلة الثانية من الاتفاق دون “وقف كامل للانتهاكات الإسرائيلية والهجمات وعمليات القتل والتجويع المستمر”، إلى جانب التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الأولى، التي تتقاعس تل أبيب عن الوفاء بها وترفض البدء بأي منها قبل نزع سلاح “حماس” ، ومن أبرزها:

  • استكمال الانسحاب العسكري.
  • السماح بدخول كميات كافية من المساعدات والسلع التجارية.
  • تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من العمل، وهي هيئة فلسطينية ذات طابع تقني “تكنوقراط” ستتولى إدارة القطاع بشكل مؤقت.
  • إعادة فتح معبر رفح وجميع المعابر أمام الأفراد.
  • إعادة التيار الكهربائي
  • إدخال معدات ثقيلة لإزالة الأنقاض
  • إعادة تأهيل المستشفيات وتشغيل المخابز ومرافق المياه.

وهو ما لم تطبقه تل أبيب حتى الآن؛ مما يؤرق عملية السلام في غزة ويهدد استمرارها ويترك الإمكانية لحدوث حرب جديدة.

رابعًا: التنافس الإقليمي على إيصال الحليف الأكثر ملائمة لقيادة حركة “حماس”

تحدث تقرير عبري عن وجود صراع وتنافس حول هوية الرئيس المقبل لحركة “حماس” بين كل من الأقطاب الإقليمية الثلاث: قطر وتركيا ومصر، لاسيما وأنه قد اقترب موعد انتخاب رئيس جديد للمكتب السياسي للحركة، وهو المنصب الأرفع في الهيكل القيادي لها الذي يحدد توجهاتها السياسية والعسكرية، وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها قطاع غزة بعد الحرب الإسرائيلية إبان السابع من أكنوبر وعملية طوفان الأقصى 2023، وما رافقها من دمار واسع وتداعيات إنسانية وسياسية معقدة تعرض لها القطاع، وذكرت منصة “بحدري حارديم” الإسرائيلية أن هناك ضغوطًا إقليمية تمارسها عدة دول في الشرق الأوسط حول هوية الرئيس المقبل للمكتب السياسي لحركة “حماس”، في ظل تنافس بين كل من: “خالد مشعل” الذي ينتمي للجناح الخارجي و”خليل الحية” الذي ينتمي للجناح الداخلي في غزة ، وأوضح المصدر أن كل من: الدوحة وأنقرة تضغطان بقوة لإعادة ” مشعل” إلى منصبه الذي شغله بين عامي 1996 و2017، وفي المقابل تدعم القاهرة وصول “الحية” لهذا المنصب، حيث يرغب الجانب المصري في قيادة من داخل قطاع غزة أكثر قربًا من الواقع الميداني، وتكون أكثر انسجامًا مع الجانب المصري، وبالنسبة للموقف الإيراني كقوة إقليمية مؤثرة في المنطقة فطهران تبدي تحفظها تجاه “مشعل”، وذلك نظرًا لنهجه فترة توليه القيادة ومعارضته للتيار الموالي لطهران داخل الحركة، فيما يعد “الحية” المرشح المفضل لدى القيادات في القطاع الذين يسعون إلى إبقاء مركز القوة واتخاذ القرار داخل غزة، وتوجهه أكثر قربًا من محور المقاومة، ويعتبر هذا التوقيت مفصلي وذو حساسية شديدة لدى “حماس” حيث تسعى تل أبيبب بمساعدة واشنطن في القضاء عليها ونزع سلاحها، وهو ما يضع القيادة المقبلة للحركة أمام تحديات مصيرية تتعلق بمستقبل الحركة وعلاقتها مع المحيط الإقليمي والدولي.

خامسًا: شروع إسرائيل في إنشاء مواقع عسكرية ثابتة بالقطاع

فقد أكد المرصد الأورومتوسطى أنه وثق إنشاء جيش الاحتلال الإسرائيلى ما لا يقل عن ٢٠ موقعًا عسكريًا بأحجام ومساحات مختلفة شرقى قطاع غزة، أُقيمت على أنقاض مبانٍ سكنية وأراضٍ زراعية وممتلكات فلسطينية، بالقرب مما يعرف بـ «الخط الأصفر»، الذي يعزل نحو ٥٥٪ من مساحة القطاع ويخضعها لسيطرة إسرائيلية مباشرة، فيما يعكس مسارًا متسارعًا لفرض وقائع ميدانية بالقوة لتوسيع هذا الخط والأراضي التي تستحوذ عليها إسرائيل، وترسيخ سيطرة طويلة الأمد على أجزاء واسعة من القطاع، تمهيدًا لضم فعلي لها، وذلك فى تعارض واضح مع مقتضيات المرحلة الثانية من اتفاق “وقف إطلاق النار” طبقًا لخطة “ترامب”، التى كان يفترض أن تقود إلى انسحاب القوات الإسرائيلية لا إلى توسيع انتشارها وتحصين وجودها العسكرى؛ وهذا بدوره يؤدي لخرق جسيم لاتفاقيات جنيف ووتفريغ الأراضي الفليسطينية من سكانها الأصليين، كما يتنافى مع حظر اكتساب الأراضي بالقوة بوصفه قاعدة آمرة فى القانون الدولي، فضلاً عن كونه تقويضًا صريحًا للمبادئ الأساسية التى كرسها ميثاق الأمم المتحدة.

سادسًا: عقبات تعترض ملف “إعادة إعمار غزة”:

يشهد ملف إعادة الإعمار في غزة كثيرًا من الصعوبات والتحديات، ومنها:

  • طول الأمد الذي تتطلبه عمليات إعادة الإعمار:

حيث تتطلب فقط عملية إزالة الركام فترة طويلة نسبيًا تتراوح في أفضل التقديرات إلى فترة تمتد من 15 إلى 21 عامًا، مع اقتران ذلك بالتعسف الإسرائييل الذي يتضح جليًا في منع إدخال المعدات والخبراء المختصين اللازم تواجدهم لإنجاز هذه العمليات، وهذا في وقت يعيش فيه حوالي 1.8 مليون فلسطينيًا في الخيام في ظروف لا إنسانية.

  • منع إسرائيل دخول مواد أساسية لإعادة الإعمار كالحديد والإسمنت وآليات ثقيلة من المرور عبر المعابر والدخول للقطاع متذرعة بكونها مواد تصنف بأنها ” ثنائية الاستخدام”، ما يخضعها لمجموعة طويلة من الإجراءات وعمليات التفتيش، مما يؤثر بدوره سلبًا على عملية الإعمار المقرر البدء فيها. 
  • الوضع الاقتصادي المنهار:

فقد أدت الحرب إلى انهيار وشلل شبه كامل للأنشطة الاقتصادية؛ بحسب تقريري البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد أشارا إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى أكثر من 90% في القطاع، كما تجاوزت معدلات البطالة 80% ؛ مما يعني العجز الكامل لإي قدرة محلية على المساهمة في تمويل عملية إعادة الإعمار، ويؤكد الاعتمادية الكاملة على الممولين الدوليين.

  • غياب إطار سياسي متفق عليه لإدارة حالة ما بعد الحرب:

وهو ما يؤخر حالة إعادة الإعمار، ويخلق نوع من الشلل المؤسسي، ويوجد حالة من التردد لدى المانحين الدوليين؛ نظرًا لغياب الضمانات الأمنية والسياسية لإعادة التدمير مستقبلاً.  

ولا تقتصر الممارسات الإجرامية الإسرائيلية التوسعية على قطاع غزة، بل تمتد ممارسات الاحتلال في أبشع صورها إلى الضفة الغربية أيضًا، متضمنةً عمليات قتل الفلسطنيين واعتقالهم بشكل تعسفي، وهدم غير مبرر لمنازلهم، إلى جانب الانتهاكات في الحرم الإبراهيمي، وعمليات اقتحام المسجد الأقصى من قبل مئات المستوطنيين وبحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، مما يعني اقتناص إسرائيل للفرص، واستغلال الوضع العالمي والانشغال بالحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية للتوسع على حساب مزيد من الأراضي الفلسطينية وقتل وتهجير عدد أكبر من الفلسطينيين.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

توفيق وهبي .. السيرة والسياق والتأسيس اللغوي

تحليل: هدير مسعد عطية ثمة نوع نادر من المثقفين يختار أن يجعل من لغته موضوعَ علم لا مجرد أداة

Read More...

حق الأمل بين الواقع والمأمول: قراءة قانونية في ضوء اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان

تحليل: د. محمد حربي            دكتور القانون الدولي العام في لحظة يخيّل فيها أن العقوبة يمكن أن تتحول إلى مصير

Read More...

كـــرد إيـــران في المعادلة الجيوستراتيجية

تحليل: د. محمد رفعت الإمام       منذ قيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، فرضت وضعية كرد إيران

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل