تحليل: أحمد محمد إنبيوه
يُعد مفهوم “القاتل الزمروي” (أو القاتل الفئوي/الاجتماعي) عند عبد الله أوجلان أداة تحليلية محورية لفهم ديناميكيات السلطة والقمع عبر التاريخ، حيث يرى أن تاريخ البشرية ليس مجرد صراع طبقي كما طرحته الماركسية، بل هو صراع أعمق بين الكوميونالية (المجتمع الطبيعي التشاركي) وبين الحضارة الدولتية التي يقودها هذا القاتل. ويرى أوجلان أن بذور هذا القاتل بدأت مع مرحلة الصيد، أي من الذكور الذين اعتادوا القتل مع الحيوانات، ثم وجهوا تقنياتهم القتالية وتنظيمهم السري نحو المجتمع. وجاء الانقلاب حينما شنت هذه الزمر الذكورية هجوماً على المجتمع الذي تشكل حول “المرأة الأم”، وهو ما يصفه أوجلان بأنه “أكبر ثورة مضادة” في تاريخ التطور المجتمعي، أدت إلى انشقاق المجتمع إلى قسمين: مهيمن (القاتل الزمروي) ومضطهد (الكوميونة). وقد اعتادت هذه الزمرة على “التحصن بالفئوية” والعمل السري واستخدام العنف المفرط، مما يمنحها قوة استثنائية تجعلها فوق المساءلة، محيطة نفسها بهالة من القدسية المفتعلة.
يضع أوجلان مفهوم “القاتل الزمروي” في موضعٍ أكثر عمقاً من كونه مجرد وصف طبقي أو أداة نقد سياسي تقليدي؛ إذ يجعله الأصل الجيني لماكينة القمع في التاريخ البشري كله، لا حادثةً طارئة في سياق الحداثة الرأسمالية. والمقصود بالزمروية عنده ليس الزمرة بوصفها تجمعاً مصلحياً ضيقاً كما يُفهم عادةً في علم الاجتماع السياسي، بل هي بنية تأسيسية للهيمنة، نشأت حين نظّم الجنس الذكوري الصيادَ نفسه تنظيماً قائماً على ثلاثة محاور متلازمة: السرية المطلقة، وتقديس القائد حتى حد الألوهة، واحتكار العنف. وهذا ما يميزها عن الطبقة بالمعنى الماركسي؛ فالطبقة قابلة للعبور وتشترط علاقةً بالإنتاج، أما الزمرة فهي علاقة بالموت، تُؤسّس نفسها بالقتل والاستعباد لا بالاستغلال الاقتصادي وحده.
ولا يكتفي أوجلان بتأريخ الزمروية في لحظة تأسيسها بل يتتبع مساراتها عبر الحضارات بحرص المؤرخ الذي يعرف أن الوحش يُغيّر جلده ليبقى. ففي تحليله للحضارة السومرية — تلك اللحظة التي يراها “ذروة الميثولوجيا” ومصدر أول دولة في التاريخ — يكتب: “أوروك هي أول مدينة وأول دولة، وهي فعلياً أول طبقة. ملحمة جلجامش تقدم كل مفاتيح هذا التحول… مثل: أول طبقة، أول دولة، أول سلطة، وهي بدايات مذهلة”. وما يجعل هذا الوصف مفصلياً في بنية التحليل الأوجلاني هو أنه يضع الميثولوجيا لا في مقابل العلم بل في خدمة السلطة: فملحمة جلجامش في قراءته ليست أدباً فحسب بل وثيقة تأسيس الزمروية بوصفها نظاماً، الوثيقة التي احتفظت بذاكرة الانقلاب على المجتمع الأمومي وقدّمته بوصفه بطولة لا جريمة. وحين ينتقل من السومرية إلى ما بعدها، يُقدّم أوجلان ما يمكن وصفه بـ”نظرية الأقنعة المتعاقبة”: “ما نسميه ‘الثورة الأرستقراطية العظيمة’ التي تطورت نحو 2000-3000 قبل الميلاد هو تنظيم العصابة نفسها كأرستقراطية”. يكشف هذا عن مقتضى جوهري في منطق المفهوم: الزمروية القاتلة لا تتلاشى حين تُهزم بل تنتقل إلى الشكل التالي جاهزةً للتدثّر بأيديولوجيا جديدة. الإله-الملك السومري يصبح أرستقراطياً، والأرستقراطي يصبح قومجياً وطنياً. والبنية الداخلية — احتكار العنف وتقديسه وإنتاج المعرفة التي تُشرّعه — تظل ثابتة خلف الأسماء المتحولة.
إن ما يُقدّمه أوجلان هنا، رغم خشونة الصياغة الخطابية وإكراهات الكتابة في السجن، هو شيء يشبه أركيولوجيا السلطة بالمعنى الفوكوي، لكنه يدفعها إلى ما قبل الخطاب وما قبل المؤسسة، نحو لحظة العنف التأسيسي الأول: استعباد المرأة كحدث أصلي يسبق الدولة والطبقة على حدٍّ سواء. من هذه الزاوية، يُصحّح أوجلان الماركسية بأن يقول: التاريخ ليس صراع طبقات، بل هو ثنائية الكوميونة والزمرة القاتلة، حيث تتخذ الزمرة أشكالاً متعاقبة — الكاهن، الملك-الإله، الأرستقراطي، البرجوازي، رأس المال المالي — لكن جوهر الاحتكار والسرية والعنف يظل واحداً. وهذا ما يجعل مفهومه مثيراً للتأمل النقدي: أوجلان يرفض إرجاع الاستبداد إلى بنية اقتصادية كما يفعل ماركس، أو إلى نظام معرفي-خطابي كما يفعل فوكو، بل يرجعه إلى بنية إثنية-جنسانية سابقة لكليهما. الزمرة القاتلة في قراءته هي المصفوفة الأم التي توّلد منها كل آليات الإخضاع اللاحقة، بما فيها الدولة القومية الحديثة ذاتها التي يصفها بأنها “الشكل الأخير للقاتل الزمروي”.
غير أن هذه القراءة لا تخلو من توتر داخلي: أوجلان يستعير أدوات مادية تاريخية، لكنه يُطبّقها على منطق ما قبل تاريخي افتراضي، مما يجعله يقف على حدود المخيال الأسطوري أحياناً — وهو ما لاحظه هو نفسه حين يقول إن تفسيره لملحمة جلجامش “فرضية” لا حقيقة مؤكدة. بمعنى آخر، الزمروي القاتل بوصفه أداةَ تحليل لآليات السلطة يشتغل باقتدار على المستوى البنيوي والاستعاري، لكنه يحتاج إلى اختبار تفصيلي حين يُطبَّق على حالات تاريخية محددة، لأن البنية الواحدة لا تُفسّر تنوّع ماكينات الاستبداد عبر الحضارات والعصور.
ما قبل الدولة وما قبل الطبقة
يضع أوجلان مفهوم “القاتل الزمروي” في موضع يسبق منطقياً وتاريخياً أي تشكيل طبقي بالمعنى الماركسي، وذلك بالاستناد إلى قراءة أنثروبولوجية للحضارة السومرية تربط نشوء الدولة بعملية استعباد المرأة الأم كحدث تأسيسي مؤسس. ففي كتابه، الذي كتبه في عزلة إمرالي ليُقدَّم وثيقةً قانونيةً إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، يتتبع أوجلان خط التحول من مجتمع الكالن الأمومي إلى مجتمع المدينة الذكوري المهيمن، مقيماً ذلك التحول ليس كتطور اقتصادي تلقائي بل كانقلاب عنيف نظّمته جماعة ذكورية منغلقة على نفسها، هي “نادي الصيادين” الذي يصبح في لغته التحليلية الناضجة “الزمرة القاتلة”. ولفهم ما يعنيه هذا على المستوى النظري، لا بد من مقارنته بمرجعيته الرئيسية: موراي بوكتشين. فبحسب تحليل دامي غيربر وشين برينكات في دراستهما المنشورة عام 2021 فإن أوجلان يذهب إلى ما هو أبعد من بوكتشين في المسألة الجندرية: فبينما يرى بوكتشين أن الهيمنة الذكورية إحدى تجليات التدرج الهرمي الاجتماعي، يرى أوجلان أنها الشرط الأولي لجميع التدرجات الأخرى، بحيث تصبح سلطة الدولة والطبقة والرأسمالية كلها تجسيدات متتالية لبنية الهيمنة الذكورية التي تبلورت أول مرة في الجغرافيا النيوليتية للهلال الخصيب.
وتجد هذه الرؤية سنداً نقدياً لدى ماثيو استيفاناكي، حيث يُشير إلى توتر نظري جوهري: تحليل أوجلان لنشوء الدولة السومرية “داخلاني” ينزع إلى تفسير ذاتي للظاهرة المجتمعية دون الاعتداد الكافي بدور المتعدد الخارجي، بينما تحليلاته لتشكيلات الدولة اللاحقة “تفاعلية” تعتمد العوامل الخارجية. وهذا التوتر يعني أن مفهوم “الزمرة القاتلة” بوصفه بنية داخلية طاردة للكوميونة يحتاج إلى إضافة بُعد “تعددية الفاعلين” كي يكون مكتملاً تفسيرياً — إذ إن نشوء الدولة في السهول الرافدين لم يكن حدثاً داخلياً صرفاً بل نشأ من خلال ديناميكيات تبادل وتنافس بين مجتمعات متعددة، بيد أن هذا النقد لا يُسقط المقولة الأوجلانية؛ بل يدعو إلى تعميق أدواتها. ذلك أن أوجلان يطرح أطروحةً محوريةً مفادها أن الزمرة القاتلة لا تنتج فقط ماكينة العنف المادي، بل تنتج أيديولوجيا التقديس الذاتي، أي تحويل البنية الزمروية إلى “إله-ملك” يتعالى عن المساءلة ولا يُناقَش. وهذا ما يجعل مفهومه أقرب إلى ما يسميه فوكو “الإنتاج الخطابي للسلطة” منه إلى المادية التاريخية التقليدية، لكنه يؤرخن هذا الإنتاج في جذر أنثروبولوجي ما قبل خطابي. فالكاهن السومري في معبد أوروك، كما يحلله أوجلان من خلال ملحمة إنانا وإنكي، ليس رجل دين بالمعنى الروحاني، بل هو المترجم الأيديولوجي لإرادة الزمرة القاتلة، الذي يُضفي عليها صفة الإلهية لتصبح فوق التاريخ وخارج السؤال. ثم تتخذ هذه الوظيفة التقديسية ذاتها — في القراءة الأوجلانية — أشكالاً متعاقبة: من الأرستقراطية الكلاسيكية، مروراً بالأسرة الحاكمة والدين المؤسسي، وصولاً إلى “الدولة القومية” بوصفها الصيغة الراهنة التي تحتكر فيها الزمرة القوةَ باسم الأمة. وقد رصد تايلر ويلش في أطروحته هذا التسلسل باعتباره “الجهاز المفاهيمي الأكثر استقلالية في فكر أوجلان”، إذ يُعرّف “نظام الحضارة المركزية” تعريفاً يشمل البنية الفوقية الأيديولوجية لا الاقتصادية فحسب، مؤكداً أن “تاريخ الحضارة هو، بطريقة ما، تاريخ تضييق المجتمع السياسي وجعله شبه معطَّل”.
ولا يكتفي أوجلان بتشخيص الزمروية القاتلة تاريخياً، بل يقترح أداةً نظريةً وممارساتيةً لتفكيكها، تتمثل في مفهوم “الجينيولوجيا” (علم المرأة)، الجينيولوجيا في جوهرها تعديل راديكالي لأبستيمولوجيا العلوم الاجتماعية: فبدلاً من أن يكون الذكر المهيمن وأيديولوجيته المؤسسية نقطة انطلاق المعرفة، تصبح المرأة — بوصفها “المستعمَرة الأولى” — نقطةَ البداية لإعادة بناء السوسيولوجيا من أساسها. وقد رصدت باحثتان في مجلة Politics & Gender الصادرة عن كامبريدج أن الجينيولوجيا “ليست حركة نسوية بالمعنى الغربي”، بل هي نقد لمحدودية النسوية الليبرالية ذاتها التي تشتغل داخل البنية الرأسمالية لا خارجها. وفي منطق أوجلان، فإن “قتل الذكر المهيمن” — وهو تعبير مجازي وثيق الصلة بتشخيصه الأنثروبولوجي — يعني تفكيك النمط النفسي الزمروي المتجذر في الفرد والمجتمع، وليس العنف الجسدي. وقد تتبع معهد ROAR Magazine في تقرير مطول كيف أن هذه الفلسفة تتجسد في الحوكمة الروجافية بنظام التشارك الثنائي بين الجنسين في جميع مستويات القرار، مما يجعلها التجربة الوحيدة في العالم التي تُؤسس على نظرية تفكيك الهيمنة الذكورية — أي على نقيض الزمروية — بوصفها مبدأً دستورياً لا مجرد شعار.
ورغم الطاقة التفسيرية الهائلة لمفهوم القاتل الزمروي، يكشف التدقيق الأكاديمي عن ثلاث توترات نظرية جوهرية. الأول: يتعلق بما أسماه استيفاناكي “الداخلانية المفرطة”؛ فأوجلان يعامل نشوء الزمرة القاتلة كحدث داخلي ذاتي التوليد، في حين تُثبت الأنثروبولوجيا التاريخية أن الدولة السومرية ذاتها نشأت من خلال ديناميكيات تبادلية مركّبة مع مجتمعات أخرى، مما يجعل تفسيره أحادي المصدر قاصراً عن تفسير الكيفية التي تتشكل بها ماكينات القمع في سياقات مختلفة. الثاني: يتصل بكون كتابات أوجلان تفتقر إلى التوثيق الأكاديمي المعتاد، ولا تُلزم صاحبها بالإحالة إلى مصادر، مما يجعل بعض ادعاءاته الأنثروبولوجية أقرب إلى المتخيل الإبستيمي منه إلى التأريخ المنضبط. الثالث: يتعلق بالتناقض البنيوي، وهو أن أوجلان المنظّر لرفض الزعامة والهرمية والسلطة الكاريزمية يظل — في الوقت نفسه — الزعيم التأسيسي الذي لا يمكن نقده علناً داخل الحركة التي نظّر لها، مما يطرح سؤالاً جذرياً: هل يمكن لحركة مناهضة للزمروية أن تتحرر فعلاً من بنية الزعامة المقدسة؟ هذا التوتر لا يُسقط أوجلان نظرياً، بل يضعه في مواجهة اختبار تطبيقي أشد تعقيداً مما تصوّره الكتابة في العزلة.
ولهذا، تقوم الصفحات التالية بما هو أكثر من شرح المفهوم وتأريخه: تسعى إلى تأسيسه بوصفه أداةً تحليليةً تُلاقي سياقات نظرية أوسع وتُثريها، وتختبره في نقاط التقاطع والتوتر معها، وتُحدد ما يُفسّره وما يُخفق في تفسيره. لأن المفهوم الذي لا يُختبر في حدوده لا يُختبر في قدرته، والفكر الذي يُطبَّق على كل شيء لا يُفسّر شيئاً بدقة.
المفهوم كعدسة تفسيرية
ثمة إغراء سهل حين يُقرأ مفهوم “القاتل الزمروي” عند عبد الله أوجلان، هو إغراء التحديد الزمني والتموضع الجغرافي: جعله حدثاً بعينه وقع في سهول مزوبوتاميا قبل خمسة آلاف عام حين انقلب نادي الصيادين على المجتمع الأمومي. هذا الإغراء خطر لأنه يُحوّل المفهوم من أداة تفسيرية حيّة إلى أثر تاريخي منتهٍ، ومن عدسة كاشفة للحاضر إلى قصة أصل مشوبة بالأسطورة. ما يُصرّ هذا النص على إثباته، من خلال تضافر طيف واسع من الإنتاج الفلسفي والنقدي الحديث، هو العكس تماماً: القاتل الزمروي بنية لا حدث، وهو نمط من أنماط تنظيم السلطة يُعيد إنتاج نفسه في كل زمن تتوفر فيه شروط ثلاثة متلازمة — احتكار العنف، وتقديس مصدره، وإنتاج المعرفة التي تُشرّعه — بصرف النظر عن الاسم الذي يتخذه في كل عصر: الإله-الملك السومري، أو الأرستقراطية الحيثية، أو الدولة القومية الحديثة بأيديولوجياتها العلمانية والدينية على حدٍّ سواء. البنية واحدة والأقنعة متعددة، وهذا هو ما يُسوّغ الحديث عن المفهوم بوصفه عدسة تفسيرية عابرة للعصور لا بوصفه مجرد استعارة أنثروبولوجية. لكن تأسيس مفهوم بوصفه عدسة تفسيرية يستلزم ثلاثة عناصر لا تُستغنى عن أيٍّ منها: أولاً، الوصف الدقيق لبنيته الداخلية بما يجعلها قابلة للتعرف في تجليات متباينة. ثانياً، الاختبار عبر تقاطعه مع تقاليد نقدية متعددة للتحقق من قدرته على الحوار والإثراء المتبادل لا مجرد التوازي. ثالثاً، وهو الأصعب، رسم حدوده بوضوح: ما الذي يُفسّره المفهوم وما الذي لا يُفسّره، وأين يكف عن الشغل الكافي. هذه العناصر الثلاثة هي ما يتوخاه ما يلي.
يُمكن وصف البنية الداخلية للقاتل الزمروي في ثلاث خصائص متلازمة يتفكك المفهوم حين تغيب إحداها. الخاصية الأولى هي الانغلاق التمثيلي: لا تنضم إلى الزمرة القاتلة بالانتخاب الديمقراطي ولا بالكفاءة المفتوحة، بل بالانتماء البيولوجي (النسب، الأسرة، الساللة) أو الانخراط السري المُبادَل بالولاء المطلق. هذا الانغلاق هو ما يُميّز الزمروية من الطبقة بالمعنى الماركسي، إذ يمكن نظرياً الانتقال من البروليتاريا إلى البرجوازية عبر التراكم المادي، بينما لا يمكن “الدخول” إلى الزمرة بالثروة وحدها ما لم تصطحبها الولاءات والأسرار والتزامات الصمت. والدولة بالمعنى الذي يصفه دولوز وغواتاري تحتاج إلى تشغيل الفضاء عبر تحويله من أملس إلى مخطَّط — أي خاضع للتقسيم والقياس والرقابة — وهذه الحاجة إلى “التخطيط” هي بالضبط ما يُطبّقه الزمروي على جسم الكومونة: يُحوّل الفضاء الكوموني المفتوح إلى فضاء مُوزَّع ومُراقَب ومُدار وفق منطق الزمرة. وتتمثل الخاصية الثانية في التقديس الذاتي الذي يحصّن العنف؛ لا تكتفي الزمرة القاتلة بممارسة العنف بل تُنتج منظومة المعنى التي تجعل هذا العنف مقدساً أو طبيعياً أو ضرورياً. وهذه المنظومة لا تأتي دائماً في شكل دين صريح؛ قد تأتي في شكل علم (الأنثروبولوجيا الاستعمارية التي سوّغت الاستعمار بالتطور الحضاري)، أو في شكل قانون (سيادة الدولة القومية بوصفها تعبيراً عن إرادة الأمة)، أو في شكل تاريخ (التاريخ الرسمي الذي يجعل انتصارات الزمرة تقدماً إنسانياً). والمشترك في هذه الأشكال كلها هو أنها تُحوّل ما هو حادثٌ تاريخي مُنتَج إلى ضرورة كونية أو ديناميكية طبيعية. وقد وصف فوكو هذه العملية بـ”الحوكمة” (governmentality): السلطة التي لا تشتغل بالأمر المباشر بل بتنظيم البيئة التي تجري فيها الاختيارات، بحيث تظل السيطرة محفوظة مع الحفاظ على مظهر الحرية الفردية. وهذا هو الشكل الأكثر نضجاً وخطورةً للزمروية القاتلة: حين لا تحتاج إلى القتل لأن المُضطهَد يُعيد إنتاج اضطهاده طوعاً في اختياراته اليومية. أما الخاصية الثالثة فهي إنتاج الإقصاء بوصفه قانوناً لا استثناءً؛ فالزمروية القاتلة لا تُقصي بشكل عرضي أو انفعالي، بل تُقصي بنيوياً ومنهجياً. وهذا الإقصاء ليس فقط مادياً (إبعاد من المنابع الاقتصادية) بل معرفي (إقصاء معرفة المُضطهَد من دائرة “المعرفة الصالحة”) وزمني. والأهم أن هذا الإقصاء يتحول بمرور الوقت إلى “طبيعة الأشياء”. هذه الخصائص الثلاث — الانغلاق الانتخابي، وتقديس العنف، ومنهجة الإقصاء — هي ما يجعل القاتل الزمروي مفهوماً ذا قدرة تفسيرية تتجاوز الحدث الأوجلاني المحدد لتشمل طيفاً واسعاً من التجارب الإنسانية في الهيمنة.
حين يُقرأ أوجلان في ضوء فوكو — وليس العكس — تتضح أهمية ما يُضيفه الأول على الثاني وما يُكمله. فوكو في مشروعه الجينيالوجي الكبير، من الإرادة إلى المعرفة (1976) إلى دروس الكوليج دو فرانس في الحوكمة، يتتبع كيف نشأت أشكال السلطة الحديثة من خلال الخطاب والمؤسسة والممارسة الانضباطية منذ القرن السابع عشر وما بعده. ما يُقدمه أوجلان هو — بتعبير يقترب من نقد فوكو لا من مجرد استكمال عمله — أن هذا الجذر ليس في القرن السابع عشر ولا في النظام الإقطاعي ولا حتى في الحضارة اليونانية-الرومانية، بل في اللحظة التي تشكّلت فيها الهوية الجنسانية الذكورية كمبدأ تنظيمي للمجتمع. وهذا يعني أن ما يُسميه فوكو “الجسد بوصفه موقع السلطة” لا يُستوعب كلياً ضمن أُطر الانضباط الحديثة — السجن، المستشفى، المدرسة — بل يمتد إلى جذر أقدم بكثير: الجسد الأنثوي بوصفه أول “جسد مُضبَّط” قبل أن تعرف البشرية السجن أو المستشفى. لكن الأكثر دلالةً هو أن المنهجَين — الفوكوي والأوجلاني — يتقاطعان في نقطة جوهرية واحدة كثيراً ما تُهمل، كلاهما يرفض البحث عن “لحظة التأسيس” التي تُفسّر السلطة مرة وإلى الأبد، وكلاهما يُؤكد أن السلطة تُعيد اختراع نفسها في كل حقبة عبر تحولات شكلية تحفظ جوهرها. غير أن فوكو يتوقف عند تشخيص آليات السلطة دون اقتراح بنية مضادة لها — وهو اختيار فلسفي مقصود يُتيح الإفلات من وهم “التحرر الكامل” — بينما أوجلان لا يتوقف عند التشخيص بل يُقدّم الكوميونة الديمقراطية بوصفها “ماكينة السلطة المضادة”. وهذا الاختلاف المفصلي يكشف عن توترٍ حقيقي: هل الكوميونة الأوجلانية تتجاوز منطق الزمروية أم تُعيد إنتاجه تحت اسم التحرر؟
يُقدّم دولوز وغواتاري في ألف هضبة (1980) ثنائية نظرية بالغة الإنتاجية لفهم القاتل الزمروي: ثنائية “آلة الحرب” (war machine) في مقابل “جهاز الدولة” (state apparatus). آلة الحرب عندهما لا تعني الحرب بالمعنى العسكري بل نمطاً من التفكير والوجود يتحرك في الفضاء الأملس (smooth space) ويرفض التحديد والتصنيف والتراتب، بينما جهاز الدولة يشتغل بتحويل كل فضاء أملس إلى فضاء مخطَّط (striated space) خاضع للرقابة والقياس والتسييج. وهذه الثنائية تُضيء بعداً مهماً في فكر أوجلان، فالكوميونة ليست مجرد شكل تنظيمي بديل بل هي “فضاء أملس” بالمعنى الدولوزي، أي بنية تقاوم تحوّل الحياة الاجتماعية إلى خطوط متوازية وتراتبيات ثابتة. والزمروية القاتلة هي بالضبط “جهاز الاستحواذ” (apparatus of capture) الذي يصفه دولوز وغواتاري، والذي يشتغل بتحويل الشبكات الأفقية إلى نظام عمودي هرمي، وبتصنيف كل تدفق حر وإخضاعه لمنطق المحاسبة والضرائب والتراتب. ويُحدد دولوز أن الإمبراطورية البدائية (archaic empire) تعمل عبر “الترميز الزائد” (overcoding)، أي فرض وحدة عليا تُعيد تنظيم كل الترميزات المحلية في خدمة منطق مركزي واحد. وهذا الترميز الزائد هو الفعل التأسيسي للدولة في مواجهة الكوميونة. وأوجلان يصف الشيء ذاته حين يُحلل كيف تحوّل المعبد السومري من فضاء كوموني حول إنانا إلى مركز إداري لترميز الفائض الزراعي وتصنيف العبيد وإدارة العمل القسري. الترميز الزائد الدولوزي هو الزمروية الأوجلانية في لحظة تتحول فيها من مجموعة عنف إلى جهاز إدارة، أي في اللحظة التي تُؤسَّس فيها الدولة. غير أن التقاطع الأكثر إثارةً — والذي يكشف عن توترٍ لا يُحلّ بسهولة — هو في مآل “آلة الحرب” ذاتها. يُنبّه دولوز وغواتاري إلى أن آلة الحرب خطيرة على المجتمعات لأن خطوط الفرار التي تُولّدها ليس لها نقاط محددة سلفاً، ولا يُمكن دائماً معرفة ما إذا كانت ستتحول إلى سلاح حي للتحرر أم إلى قوة تدمير جديدة. وهذا بالضبط ما يصفه أوجلان حين يتحدث عن مأزق حزب العمال الكردستاني، فالحركة التي بدأت كـ”آلة حرب” بالمعنى الدولوزي — أي كقوة خارجة عن جهاز الدولة ورافضة لمنطقه — انتهت بالتحول التدريجي إلى “جهاز استحواذ” صغير يُعيد إنتاج الهرمية والتراتب والولاء المطلق داخل بنيته، وهذا التحول هو الذي يُفسّر — في منطق دولوز-غواتاري — ضرورة “الحل” أي إيقاف عملية إعادة إنتاج جهاز الاستحواذ في قلب الحركة التحررية.
يُقدّم أغامبن في مشروعه الفلسفي، المتمحور حول هومو ساكر (1995) وما تلاه، أطروحة مفادها أن السياسة الغربية مُؤسَّسة في جوهرها على “استثناء الحياة العارية”، أي أن السيادة السياسية تتأسس على قدرتها في تعيين من تُدمَج حياته في الفضاء السياسي ومن يُستثنى منه مع بقائه خاضعاً للسلطة. وهذا الاستثناء يُنتج “هومو ساكر”: الكائن الذي يمكن قتله دون ارتكاب جريمة قتل لأنه لا ينتمي إلى الجماعة السياسية ولا يتمتع بحمايتها. ما يُقدّمه أوجلان هو — وهذا ما لا يرى أغامبن نفسه ضرورة الذهاب إليه — أن “هومو ساكر” الأول في التاريخ لم يكن الملك المُفرَّد من حصانته ولا المحارب الأسير المُستعبَد، بل كانت المرأة في لحظة الانقلاب الذكوري: المرأة التي صار جسدها موضوعاً للطقوس وللإنجاب وللملكية الجنسية دون أن يُعدّ استعبادها جريمةً، بل وُصف بأنه قداسة وطبيعة وشريعة. هذا التوسيع الأوجلاني للمفهوم الأغامبني بتحديد أصله في الانقلاب الجنسوي لا في اللحظة القانونية الرومانية يُثير سؤالاً فلسفياً بالغ الأهمية: هل “الاستثناء” الأغامبني قانوني في جوهره كما يُوحي مفهوم “الاستثناء السيادي”، أم أن جذوره أعمق من القانون وأسبق من الدولة؟ أوجلان يُجيب بوضوح: الاستثناء سابق على القانون، ومشروعيته الأولى لم تكن قانونية بل دينية-طقوسية. والإنسان الذي يمكن قتله لم يكن “خارج القانون” بل كان “في قلب الطقس”، أي يُقتل باسم المقدس لا رغماً عنه. هذا التمييز الدقيق يُضيف بُعداً تاريخياً لمفهوم أغامبن يجعله أكثر ثراءً وأقل ارتهاناً بالقانون الغربي الروماني كنقطة انطلاق وحيدة.
يُقدّم دولوز وغواتاري “خطوط الفرار” (lines of flight) بوصفها الطاقة التي تتجاوز البنى الراسخة وتفتح إمكانيات جديدة للوجود، لكنهما يُنبّهان في الوقت ذاته إلى خطورتها: “خطوط الفرار حقيقية وخطيرة جداً على المجتمعات”، إذ قد تتحول إلى خطوط تدمير لا تحرر، وقد تُعيد إنتاج ما فرّت منه في أشكال جديدة. وهذا يُطرح السؤال مباشرةً: هل الكوميونة الأوجلانية “خط فرار حقيقي” أم أنها تُعيد إنتاج جهاز الاستحواذ الذي تفرّ منه؟ الإجابة المباشرة هي أنها كلاهما في الوقت ذاته، وهذا التزامن ليس تناقضاً بل هو الوضع الطبيعي لأي مشروع تحرري يعمل داخل التاريخ لا خارجه. الكوميونة الروجافية منذ 2012 تُجسّد خط فرار حقيقياً في بعض جوانبها — تعدد مراكز القرار، ونظام التشارك الجنسوي، والجينيولوجيا كمعرفة مضادة — لكنها في جوانب أخرى تُظهر آثار إعادة الإنتاج: استمرار منطق الحزب في بعض مستويات التنظيم، وإشكالية تقديس القيادة المؤسسة، وصعوبة تجاوز الهابيتوس الحربي المتراكم لأربعة عقود. والمعيار الذي يُقترح لتمييز الأول من الثاني هو معيار أوجلاني في الأساس: بقدر ما تُفكّك الكوميونة “الذكر المهيمن في الداخل” — أي بقدر ما تُجذّر الجينيولوجيا في بنيتها التنظيمية الفعلية لا في خطابها النظري — بقدر ما تعمل بوصفها خط فرار حقيقي من الزمروية. وبقدر ما تُبقي على الهرمية مع إعادة تسميتها بأسماء ثورية، بقدر ما تكون إعادة إنتاج للبنية الزمروية تحت غطاء التحرر.
يكتسب مفهوم القاتل الزمروي أهميته الأكثر إلحاحاً حين يُطبَّق على الحاضر المباشر لا على الماضي التاريخي فقط. وثمة ثلاث تجليات معاصرة تستحق التأمل بوصفها مواقع عمل المفهوم في الزمن الراهن. التجلي الأول: الزمروية الرقمية — حين تتحوّل شركات التكنولوجيا الكبرى إلى “قتلة زمرويين” بالمعنى الأوجلاني. فهي تُبدي الخصائص الثلاث ذاتها: الانغلاق الانتخابي (التحكم في الخوارزميات وأسرار رأس المال المعرفي)، وتقديس عنفها (خطاب “الابتكار” و”ديمقراطية المعلومات” الذي يُغطّي على احتكار البيانات والمراقبة الشاملة)، ومنهجة الإقصاء (التحكم في من يُرى ومن لا يُرى، ومن يُربح ومن لا يُربح في الاقتصاد الرقمي). وهذا التجلي يُثبت أن الزمروية ليست مفهوماً تاريخياً فقط بل مبدأ تشغيل يُعيد توضّعه في كل بنية سلطة جديدة تتوفر فيها شروطه. التجلي الثاني: الزمروية القومية المُحدَّثة — حين تتحول الحركات الشعبوية اليمينية الجديدة في أوروبا وأمريكا إلى ما يشبه “نوادي الصيادين المُعاصِرة”: جماعات تُقدّم نفسها بوصفها محرومةً من الأرستقراطية الليبرالية، لكنها في الواقع تُعيد بناء بنية زمروية جديدة تقوم على التجنيس العرقي والديني والثقافي. وما يُكشفه المفهوم الأوجلاني هنا هو أن هذه الحركات ليست قطيعةً مع الحداثة الرأسمالية بل هي تجلٍّ آخر للبنية الزمروية ذاتها: جماعة تُحاول استعادة احتكار العنف والمعنى في لحظة تبدو فيها الزمروية القديمة متشققة. التجلي الثالث: الزمروية في حركات التحرر ذاتها — وهذا هو الأكثر صعوبةً لكن الأكثر إلحاحاً. فكل حركة تحرر تُبني قيادتها على الكاريزما، وتُقدّس مؤسسيها، وتُكيف حريتها بالولاء، تُعيد إنتاج الزمروية التي قامت لتُقاومها. والمفهوم الأوجلاني في هذا السياق يعمل بوصفه آليةً نقد ذاتي: أوجلان يُوجّهه إلى حركته هو قبل أن يُوجّهه إلى أعدائه، وهذا ما يجعله مفهوماً نادراً في الفلسفة السياسية للتحرر — مفهوماً يحمل في بنيته نقد البنية التي أنتجته.
كل مفهوم يدّعي قدرةً تفسيريةً عامة ينبغي أن يُختبر أيضاً في مناطق إخفاقه لا في مناطق نجاحه فحسب. وللقاتل الزمروي ثلاثة مناطق إخفاق معرفية يجب رؤيتها بوضوح. منطقة الإخفاق الأولى، الكومونات الشريرة. يفترض المفهوم أن الكوميونة بطبيعتها قوةٌ مضادة للزمروية، لكن التاريخ يُقدّم كومونات أنتجت هيمنتها الخاصة: الكومونة الدينية المنغلقة التي تُقصي غير المؤمنين، والكوميونة العرقية التي تُقيّد الانتماء بالأصل. أوجلان يُقيّد مفهوم الكومونة بصفة “الديمقراطية” ليُحصّنه من هذه الإشكالية، لكن الإجراء يبقى اشتراطاً نرمتياً لا وصفاً بنيوياً: ما الذي يمنع الكوميونة الديمقراطية من التحول إلى زمرة جديدة حين تتمكن من السلطة؟ السؤال لا يُجاب عليه بالاشتراط بل بمراقبة الديناميكيات الفعلية لحوكمة الكوميونة عبر الزمن. أما منطقة الإخفاق الثانية، فتتمثل في تعدد مصادر الهيمنة. هنا يميل أوجلان إلى تفسير جميع أشكال الهيمنة عبر المصدر الواحد — الزمروية القاتلة المُؤسَّسة في الانقلاب الذكوري — في حين أن بعض أشكال التراتب الاجتماعي يُمكن أن تنشأ من ديناميكيات داخلية للمجتمعات الكومونية ذاتها دون حاجة إلى “انقلاب خارجي”. الأبحاث الأنثروبولوجية في مجتمعات ما قبل الكتابة في أمريكا الجنوبية وأوقيانوسيا تُظهر تراتبيات جنسانية وتراتبيات سنية دون أن تُفسَّر بالنموذج السومري. وهذا يعني أن الزمروية كتفسير شامل يحتاج إلى الإقرار بأن التراتب ليس دخيلاً على الكوميونة دائماً بل قد ينشأ من داخلها في ظروف بعينها. وتأتي منطقة الإخفاق الثالثة ممثلة في الفاعلية الذاتية للمُضطهَد. ففي تشديده على الزمروية كبنية محيطة وشاملة، يُخاطر أوجلان أحياناً بتصوير المُضطهَد كياناً سلبياً خاضعاً لا كفاعلية تاريخية تُبدع في الشقوق التي تتركها البنية. والمرأة في تحليله تظهر أحياناً بوصفها ضحيةً أكثر من كونها فاعلةً، وهذا ما تنقده حركات نسوية من الداخل. الجينيولوجيا تُصحح هذا جزئياً بوضع المرأة في مركز الفاعلية المعرفية، لكن بُعد الفاعلية التاريخية للكومونات في تفاوضها مع الزمروية — وليس فقط في مقاومتها لها — يحتاج إلى تطوير أعمق.
بعد هذا التشريح المُتعدد المستويات، يمكن تحديد ما يُوجبه مفهوم القاتل الزمروي بوصفه عدسةً تفسيريةً لا مجرد استعارة تاريخية. إنه يُوجب أولاً إعادة تأريخ السلطة بحيث لا تبدأ من الدولة الحديثة ولا من الرأسمالية بل من اللحظة التي احتكرت فيها مجموعة ذكورية منغلقة القدرة على تعيين من يعيش كاملاً ومن يعيش عارياً. ثانياً، يُوجب المفهوم تحليلاً متعدد الطبقات لماكينات الهيمنة يشمل — في آنٍ واحد لا على التوالي — العنف المادي والرمزي والأبستيمولوجي والزمني والجنسوي والنفسي والشبكي. ثالثاً، يُوجب المفهوم إخضاع حركات التحرر ذاتها للمعيار ذاته: لا يكفي أن تُعلن الحركة عداءها للزمروية بل يجب أن تُقدّم الدليل البنيوي على أنها لا تُعيد إنتاجها في تنظيمها الداخلي. ورابعاً، وهذا هو الأشد أهميةً، يُوجب المفهوم الاعتراف بأن تفكيك ماكينة القمع ليس نقطة وصول بل مساراً لا يتوقف: “قتل الذكر المهيمن في الداخل” مشروع جيلٌ لا مشروع قرار حزبي أو مؤتمر سياسي أو إعلان فلسفي. وهذا التحديد الأخير هو ربما أكثر ما يُميّز التفكير الأوجلاني في لحظته الأكثر نضجاً عن كل مشاريع التحرر التي سبقته: الوعي بأن الزمروية لا تُهزم بانتصار واحد بل تتطلب يقظة دائمة ومراجعة دائمة ونقداً ذاتياً لا يتوقف، بما في ذلك نقد المفاهيم التي تُقاوم بها الزمروية، ونقد أوجلان نفسه بأدوات أوجلان.
الأنثروبولوجيا الاستعمارية بوصفها ماكينة إنتاج للزمروية المعرفية
لا يمكن قراءة مفهوم “القاتل الزمروي” عند عبد الله أوجلان بمعزل عن السياق الأوسع الذي أنتجته الأنثروبولوجيا الاستعمارية الكلاسيكية بوصفها جهازاً معرفياً موازياً لجهاز العنف الكولونيالي. فقد وضع لويس هنري مورغان، في عمله التأسيسي Ancient Society (1877) — أُطراً تطورية خطية للمجتمعات البشرية تنقلها من “الهمجية” إلى “البربرية” إلى “الحضارة”، وقد كان التبرير الضمني لكل عملية استعمارية مندرجاً في هذه الثلاثية: المجتمعات الكوميونية القبلية بوصفها متخلفة ما زالت في طور “الهمجية”، والمهمة الحضارية الغربية بوصفها واجباً تاريخياً لرفعها إلى مستوى “الحضارة”. وما يكشفه أوجلان في مانيفستو السلام، من زاوية مختلفة تماماً، هو أن هذا التدرج الأنثروبولوجي ذاته هو إنتاج زمروي بامتياز: فالذي سمّى “الهمجية” هو الوريث المباشر للقاتل الزمروي الذي نهب الكوميونة، وبنى الدولة، ثم سلّح المعرفةَ لتكريس نهبه. أي أن الأنثروبولوجيا الاستعمارية ليست خطأ علمياً قابلاً للتصحيح من داخل المنهج ذاته، بل هي تجليٍّ أيديولوجي لتلك البنية التي يسميها أوجلان “الزمرة القاتلة” حين تصبح عالمةً وجامعةً ومعهداً. والجدير بالذكر أن ماركس نفسه قرأ مورغان في أواخر حياته وبدأ ينقل تركيزه من الطبقة إلى الكوميونة الأولية استئناساً به، كما يُفصّل يوهانس فابيان في كتابه Time and the Other: How Anthropology Makes Its Object (1983) الذي يتناول كيف بنت الأنثروبولوجيا “الآخر البدائي” بمفهوم “اللاتزامنية”، أي وضع الشعوب المُستعمَرة في زمن آخر غير زمن المُستعمِر، كما لو أنها تعيش في ماضيه. وهذه اللاتزامنية هي على وجه الدقة ما يُسميه أوجلان “إنكار الوجود”، حين يُقال للكرد: “أنتم لستم شعباً بل قبائل، لستم في الحاضر بل في ما قبل التاريخ” — وهذا القول ذاته جزء من ماكينة الزمروية الحديثة التي تُعيد إنتاج نفسها عبر خطاب الحضارة والتحديث بدلاً من خطاب الإله-الملك.
هذا التلاقي بين ما يسميه أوجلان “الحداثة الرأسمالية” وما تسميه نظرية إزالة الاستعمار “الاستعمارية/الحداثة” عند والتر مينيولو وأنيبال كيخانو، يفتح أُفقاً تحليلياً بالغ الإنتاجية. فمينيولو في The Darker Side of Western Modernity (2011) يثبت أن الحداثة والاستعمارية ليسا حدثين متعاقبين بل وجهان لعملة واحدة: لا حداثة دون استعمار يغذيها بالموارد والتراتبية المعرفية، ولا استعمار دون خطاب تحديثي يشرعن عنفه. وهذا بالضبط ما يقوله أوجلان حين يرفض تسمية الحداثة الرأسمالية بـ”الحداثة” على الإطلاق، مؤكداً أن ما حدث هو أن “الزمرة القاتلة ارتدت أقنعة النهضة واإلصلاح والتنوير”، أي أن البنية الزمروية لم تنتهِ مع ظهور الحداثة بل تمددت وتكيّفت واحتكرت خطابها. والفارق بين أوجلان ومينيولو هو أن الأول يُرسّخ هذه البنية في جذر ما قبل تاريخي (نادي الصيادين والكوميونة الأمومية) بينما يكتفي الثاني بتأريخها مع القرن السادس عشر، وهذا التفاوت التأريخي ليس خلافاً عقيماً بل يفتح مساحة للتساؤل عما إذا كانت العلاقة بين الزمروية والمعرفة قديمةً بقدم الكتابة أم حديثةً بقدر الاستعمار.
يكتسب مفهوم القاتل الزمروي عمقاً تحليلياً ظاهراً حين يُقرأ في ضوء ما صاغه أشيل إمبيمبي تحت مسمى “نيكروبوليتيكس” في مقالته التأسيسية المنشورة في Public Culture عام 2003. يبدأ إمبيمبي من افتراض أن “التعبير الأعلى للسيادة يكمن إلى حد بعيد في القدرة على تحديد من يجوز له أن يعيش ومن يجب أن يموت”، وهذه المقولة — بكل ثقلها — تعمل كمرآة تعكس ما يصفه أوجلان بحرفية مذهلة حين يتحدث عن الزمرة القاتلة التي تُقرر من يُحرم من الكوميونة وبالتالي من الحياة المجتمعية. لكن أوجلان يذهب إلى ما هو أسبق مما يصفه إمبيمبي، إذ يرى أن “حق التصرف بالموت” لم يُؤسَّس مع الاستعمار الأوروبي الحديث بل مع الانقلاب الذكوري النيوليتي، حين استعبدت الزمرة القاتلة أولاً المرأة ثم الكالن المحيط بها. ومع ذلك، فإن التلاقي بين النظريتين يكشف بنية مشتركة: كلاهما يرى أن ماكينة القمع لا تشتغل فقط بالقمع المباشر بل بخلق “عوالم الموت” (death-worlds) التي يعيش فيها المُضطهدون حالةً معلقة بين الوجود والعدم. إمبيمبي يسمي هذه الحالة “الموتى الأحياء” (living dead)، وأوجلان يصف الكرد في مرحلة إنكار الوجود بأنهم “مكب نفايات، مقبرة، ثقافات مدفونة في طيات التاريخ”. كلا التوصيفين يعنيان الشيء ذاته: المُمنوع من الحياة الكاملة المُرغم على أن يعيش موته. بيد أن إمبيمبي يرى الموت السياسي متمركزاً حول العرق والاستعمار، بينما أوجلان يضع الجنسانية والهيمنة الذكورية في مركز التحليل، مما يجعل نظريته أكثر اتساعاً من الناحية التاريخية. فمقولة إمبيمبي أن “المستعمرات هي المكان الامتياز لتعليق ضمانات النظام القانوني”، والتي يستمدها من صميم فانون في The Wretched of the Earth، تجد صدى واضحاً في وصف أوجلان للكردية التقليدية حين يقول إنها “وضع ما بعد الاحتلال”، أي وضع أشد قسوة من الاحتلال لأنه استبطن منطق القاتل الزمروي حتى في الخيانة الداخلية. المستعمَر عند فانون وإمبيمبي يعرف مُستعمِرَه ويعاديه؛ أما “المستعمَر” في التشخيص الأوجلاني فقد وصل إلى مرحلة ينكر فيها وجوده هو ذاته، وهذا المستوى المضاعف من الاستعباد — الجسدي والأبستيمولوجي — هو ما يجعل تفكيك ماكينة القمع في الحالة الكردية أكثر تعقيداً مما تصوره أيُّ نظرية تحرر وطني كلاسيكية.
ثمة تلاقٍ مبهر، بين ما يطرحه أوجلان عن الزمرة القاتلة التي استعبدت المجتمع الأمومي، وما تطرحه سيلفيا فيديريتشي في Caliban and the Witch: Women, The Body and Primitive Accumulation (2004) — التي وصفها بيتر لاينبو بأنها “مطرقة الأجندة الإنسانية” — عن “حرب على النساء” كشرط ضروري لنشوء الطبقة العاملة والتراكم الرأسمالي. فيديريتشي، تثبت أن ماركس حين وصف “التراكم البدائي” في رأس المال وصفه كحدث ماضوٍ أسّس للرأسمالية ثم توقف، في حين هو في الحقيقة عملية مستمرة تُعاد ممارستها على أجساد النساء في كل جيل، ومنها: “تسييج الأجساد” بالتحكم في الإنجاب، وتحويل العمل التوليدي المجاني عملةً للتراكم، ومحاكمات السحر التي كانت في جوهرها “هجوماً على مقاومة المرأة” لانتزاع موارد الكوميونة. وأوجلان بطريقته يقول الشيء ذاته لكن بلغة أنثروبولوجية مختلفة، حين يصف استيلاء “نادي الصيادين” على اختراعات المجتمع الأمومي — وهو ما ترمز إليه شكوى إنانا من إنكي — فهو يصف “تسييجاً” بالمعنى الذي تعنيه فيديريتشي، أي خطف الإنتاج الكوميونالي وتحويله لصالح البنية الزمروية. الفارق الجوهري بين التحليلين هو أن فيديريتشي تُؤطر هذا الخطف في سياق نشوء الرأسمالية الأوروبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بينما أوجلان يُرجعه إلى الألفيات الخامسة والسادسة قبل الميلاد في المجتمع السومري. بيد أن هذا الاختلاف في التأريخ يُغني التحليلين ولا يُسقط أحدهما؛ إذ تثبت فيديريتشي — بشكل تاريخي موثق — أن ما يصفه أوجلان بلغة أنثروبولوجية عامة كان له تجليات محددة ومتكررة عبر الحقب: من محاكم التفتيش الكنسية، إلى صيد السحرة، إلى استعباد المستعمرات، إلى التبعية الاقتصادية في الرأسمالية الليبرالية الراهنة. وبهذا الجمع بين التحليلين يمكن القول إن “الزمرة القاتلة” ليست مجرد استعارة أنثروبولوجية ماضوية عند أوجلان، بل هي بنية متجددة تُعيد تنظيم نفسها في كل عصر، وتبقى ماكينة القمع الكامنة خلف كل نظام هيمنة.
ربما أكثر ما يُميز مفهوم أوجلان عن الزمروية القاتلة هو إدراكه أنها لا تكتفي بإنتاج العنف المادي بل تُنتج أيضاً المعرفة التي تُبرره وتجعله طبيعياً وغير مرئي. وهذا ما يتقاطع مع ما طرحه جوهانس فابيان في Time and the Other (1983)، إذ يثبت أن الأنثروبولوجيا الاستعمارية بنت “الآخر البدائي” عبر حيلة زمنية: جعل الشعوب المُستعمَرة تسكن زمناً آخر — الماضي — بينما يسكن المستعمِر الحاضر، وبهذا يصبح الاستعمار “مساعدةً زمنية” لا نهباً. ولكن أوجلان يُلاحظ أن هذه الحيلة الزمنية لم تبدأ مع الاستعمار الأوروبي الحديث؛ بل بدأت مع الكهنة السومريين الذين جعلوا سلطة الإله-الملك “خارج الزمن” أي أزلية ومقدسة وغير قابلة للتاريخنة. اللاتزامنية الكولونيالية التي يصفها فابيان هي نسخة حديثة من اللازمنية المقدسة التي رسّختها الزمرة القاتلة في الألواح الطينية السومرية، وكلاهما ماكينة معرفية للقمع. ويُعمّق هذا النقد ما طرحه والتر ميغنولو عن “الإطاعة الأبستيمولوجية” (epistemic disobedience) في مقالته المنشورة عام 2009 في Theory, Culture & Society، إذ يرى أن المستعمَر لا يتحرر بامتلاك نفس الأدوات المعرفية للمستعمِر — الدولة القومية، العلم الوضعي، الاشتراكية المشيدة — بل بتفكيك تلك الأدوات من أساسها. وأوجلان يصل إلى الاستنتاج ذاته لكن عبر مسار مختلف، حين يقول إن حزب العمال الكردستاني وقع في مأزق بتبنّيه إيديولوجيا الدولة القومية التي هي في جوهرها “شكل الزمروية الحديثة”، فهو يقول بلغة ميغنولو إنه كان يطالب بالتحرر بأدوات القمع ذاتها. ولا يقتصر الأمر على التنظير؛ فالممارسة الروجافية لما بعد 2012 قامت في جوهرها على ما يمكن تسميته “الأبستيمولوجيا المضادة للزمروية”: إعادة بناء المعرفة المجتمعية من خلال الجينيولوجيا، وإعادة تنظيم السلطة من خلال الكومونة، ورفض الشكل الدولتي بوصفه حلاً. وقد رصدت إحدى الدراسات أن هذا التحول من “طلب الدولة” إلى “بناء الكوميونة” يمثل “إصلاحاً جذرياً في الماركسية” — وفق تعبير أوجلان — لكنه أيضاً إعادة تأسيس للمعرفة الاجتماعية على أسس معاكسة للأسس التي بنت الحضارة الزمروية.
يكشف الجمع بين هذه المستويات التحليلية المتعددة — الأنثروبولوجيا الاستعمارية، النيكروبوليتيكس، التراكم البدائي، والأبستيمولوجيا الاستعمارية — عن طاقة كامنة في مفهوم أوجلان تجعله أكثر من مجرد خطاب سياسي راديكالي. إنه محاولة جادة لبناء “سوسيولوجيا تاريخية” شاملة تضع الهيمنة الذكورية واستعباد المرأة في القلب التحليلي، بدلاً من هامشه. غير أن هذه الطاقة تواجه ثلاثة تحديات نقدية تستحق التوقف. الأول: ما يمكن تسميته “وهم الأصل” (the origin fallacy): أوجلان يُرجع الزمروية إلى جذر واحد (نادي الصيادين في مزوبوتاميا) بينما كشفت الأنثروبولوجيا ما بعد الاستعمارية، كما يُوضح إمبيمبي في تحليله لإفريقيا ما قبل الاستعمار في “At the Edge of the World”، أن العنف والتراتبية الجنسية كانا موجودَين في سياقات متعددة ومستقلة لا تنتمي بالضرورة إلى خط تطوري واحد. بمعنى آخر، الزمروية القاتلة ربما تكون بنيةً كامنة في الإمكانات البشرية لا حدثاً تاريخياً ذا أصل محدد، وهذا الفارق النظري لا يُلغي التحليل لكنه يُعيد أسسه. الثاني: تناقض المؤسسية: فيديريتشي تُنبّه في Caliban and the Witch إلى أن الحركات التحررية حين تُؤسس مؤسسات ثورية تجد نفسها تُعيد إنتاج ديناميكيات الهيمنة التي قاومتها، وذلك لأن البنية التنظيمية ذاتها تحمل في ثناياها منطق “القاتل الزمروي”. هذا ما يطرحه — بتحفظ أشد — ماثيو إستيفاناكي، حين يتساءل عما إذا كان حزب العمال الكردستاني ذاته — بتمركز سلطته حول شخص أوجلان — يُعيد إنتاج البنية الزمروية التي يُنظّر ضدها. وهذا التساؤل لا يعني إسقاط التحليل بل يدعو إلى ما يسميه أوجلان نفسه “قتل الذكر المهيمن في الداخل”، أي أن التفكيك يجب أن يبدأ من البنية التنظيمية للحركة التحررية ذاتها قبل أن يُطالب به من الخارج. الثالث: ما يمكن تسميته “فجوة التجريب”: الجينيولوجيا والكومونة الديمقراطية هي اقتراحات نظرية وممارسة ناشئة في روجافا لا نتيجة تجربة ناضجة. وكما يُنبّه تقرير مجلة ROAR ، فإن ثمة توتراً قائماً بين إرث الحزب التنظيمي الهرمي وبين البنية الأفقية التي تنشدها الجينيولوجيا، وهذا التوتر ليس خللاً تطبيقياً عرضياً بل يكشف عن صعوبة بنيوية حقيقية: تفكيك ماكينة القمع لا يتم بالإعلان الفكري، بل يتطلب تفكيك الأنماط النفسية والتنظيمية والأبستيمولوجية التي أنتجتها الحضارة الزمروية على مدى عشرة آلاف سنة، وهو مشروع يُقاس بالأجيال لا بالمؤتمرات.
يقترح فانون في معذبو الأرض أن الاستعمار لا يستغل الناس اقتصادياً وسياسياً فحسب، بل يخلق تصنيفات ذاتية كـ”المستعمَر” تُنزع منه الإنسانية وتُشلّ إرادته، ولذلك فإن إزالة الاستعمار لا تعني استبدال نظام بآخر، بل هي خلق إنسان جديد من رحم النضال ذاته. هذه المقولة الفانونية الصارخة تفتح باباً لمقارنة عميقة مع ما يطرحه أوجلان في مانيفستو السلام، إذ يصف الكردية المعاصرة بأنها ليست مجرد احتلال بل “ما بعد الاحتلال”، وهي حالة استعباد أشد إيلاماً لأنها استبطنت في وعي الكردي ذاته: “حالة من ينكر وجوده هو”. أوجلان يُسمي هذا بـ”لجنة جودنرات”، في إحالة صريحة إلى مجموعات يهودية تعاونت مع الفاشيين في المحرقة لتأخير موتها على حساب غيرها — والمعادل الكردي هو شريحة من النخب والأسر التقليدية التي “تسوق الكرد نحو الإبادة” بتعبيره. وما يُميز المقاربة الأوجلانية عن فانون هو أن الأخير يتحدث عن المستعمَر الذي يُحارب مستعمِره الخارجي، بينما يُواجه أوجلان وضعاً أكثر تعقيداً: المستعمَر الذي يُنفّذ إبادته من الداخل، أي حيث لا يوجد “مستعمِر خارجي” واضح بل بنية زمروية تعمل عبر وكلائها الداخليين. في مقاربة فانون، يُوكَل للعنف المضاعَف من التحرر مهمةٌ مزدوجة: الإزاحة على مستوى الخيال (أي كيف تتطبّع علاقات المستعمِر-المستعمَر كتفوق وأدنوية)، وعلى المستوى المادي (علاقات الاستغلال والاستخراج)، وكذلك تشكيل الهويات الثقافية والسياسية والاجتماعية . هذا البُعد التحريري النفسي-الجسدي يجد صدىً عميقاً في مشروع أوجلان الجينيولوجي. فحين يدعو إلى “قتل الذكر المهيمن في الداخل”، يطرح نفس الديناميكية التي يصفها فانون: لا يمكن تفكيك ماكينة القمع الخارجية دون تفكيك المستعمَر الداخلي، أي المنظومة النفسية التي جعلت المُضطهَد يُعيد إنتاج هيمنته على من هم أدنى منه. فانون يرى أن النضال ضد الاستعمار يبدأ بقلب الهرم: الفلاحون الذين لم يتلوثوا بالأيديولوجية الاستعمارية هم قوة التحرر الحقيقية، لأنهم الأكثر استقلالية عن المنطق المهيمن. وأوجلان بطريقته يقول الشيء ذاته حين يجعل من شريحة الكرمانج — المنفصلين عن الأسر والعشائر والقبائل، الذين لا ينتمون لا إلى النخبة التقليدية ولا إلى البرجوازية — القاعدة الاجتماعية الحقيقية لحزب العمال الكردستاني. فهم في منطقه مثل الفلاحين عند فانون تماماً: من لم تُشوّه الزمروية وعيهم بالكامل.
غير أن الفارق الجوهري بين التحليلين يتجلى في موقف كل منهما من مسألة العنف التحريري. فانون يرى العنف المضاد ضرورة لا مفر منها في سياق الاستعمار، لكنه يُحذّر في الوقت ذاته من عواقبه النفسية المدمرة، لأنه يُدرك أن العنف دون هدف ينتهي بخلق الطغيان ذاته الذي أراد إسقاطه. أوجلان من جهته يبدأ من موقع مقارب — الكفاح المسلح كضرورة في مواجهة إنكار الوجود — ثم يُراجع هذا الموقف جذرياً في كتاباته الأخيرة. فالمفارقة هي أن أوجلان المحبوس في جزيرة إمرالي، المحروم من أي أداة للعنف المادي، هو الذي يُنتج نظريته الأعمق في تفكيك ماكينة القمع عبر السياسة الديمقراطية والكوميونالية — كما لو أن التخلص القسري من السلاح هو ما أتاح له رؤية ما كان غير مرئي في زمن الحرب.
العنف الرمزي والزمروية الداخلية
إن أكثر ما يُعقّد مشروع تفكيك ماكينة القمع التي يصفها أوجلان ليس العنف المادي للزمرة القاتلة، بل ما يمكن تسميته — باستعارة بورديو — “العنف الرمزي” الذي يجعل المُضطهَد مشاركاً في اضطهاده. يجادل بورديو بأن العنف الرمزي فعّال بشكل خاص لأنه يُستبطَن من قبل الأفراد، مما يدفعهم إلى قبول التراتبيات الاجتماعية وعدم المساواة وإعادة إنتاجها. وهذا الاستبطان هو بالضبط ما يُسميه أوجلان “إنكار الوجود الطوعي”، أي الحالة التي يُنكر فيها الكردي كرديته ليس لأن قوةً خارجيةً تُجبره على ذلك بشكل مباشر، بل لأن منطق الهيمنة أصبح جزءاً من “هابيتوسه” بالمعنى البورديوي — من نسيجه النفسي اللاواعي الذي يُملي عليه ما هو طبيعي وما هو ممكن. إن العنف الرمزي عند بورديو هو القدرة المُوجَّهة ذاتياً على ضمان أن تُتجاهَل اعتباطية النظام الاجتماعي أو تُبرَّر بوصفها طبيعية، مما يُشرعن بنى السلطة القائمة. وهذا بالضبط ما تُنتجه الزمروية القاتلة في القراءة الأوجلانية: ليس فقط ماكينة العنف المادي بل منظومة المعنى التي تجعل الاستعباد يبدو طبيعياً وأزلياً ومقدساً. فحين يصف أوجلان أن طقوس الزواج المقدس في أوروك كانت تُلزم المرأة بقتل حبيبها لمنع استيلائه على مكانة الإلهة، يصف لحظة بالغة الدقة: الزمروية القاتلة لا تُبني فقط من خارج الكومونة بل تتغلغل في منطق الكومونة ذاتها، فتجعل أعضاءها يُعيدون إنتاج منطق القمع بأيديهم. هذه اللحظة — لحظة الاستبطان — هي ما يُسميه بورديو “مفارقة الدوكسا” (paradox of doxa): أن الأشد قهراً هو ما يظهر أكثر شيء طبيعيةً وضرورة. الرابط بين الهابيتوس والعنف الرمزي يكمن في أن الهابيتوس يُديم بنى السلطة القائمة ويُعززها، مما يُتيح للعنف الرمزي أن يشتغل: فأفراد الكومونة، الذين تشكّل هابيتوسهم عبر التنشئة الاجتماعية، يُهيئهم هذا الهابيتوس لقبول قيم الطبقة المهيمنة وإعادة إنتاجها على مستوى لاواعٍ.
وهذا يُعمق النقد الذي يوجهه أوجلان لشريحة “جودنرات” الكردية: هم لا يتصرفون من موقع الوعي بالخيانة، بل من موقع الهابيتوس الزمروي المستبطَن الذي يجعل الاستعباد يبدو لهم طبيعياً ومحمياً بالشرف والتقاليد والدين. ولذا فإن تفكيك ماكينة القمع لا يمكن أن يكون بمجرد “فضح الخونة” أو إقامة الدولة القومية البديلة — كلا الأمرين يشتغل داخل منطق بنى السلطة ذاتها — بل يستلزم، في منطق بورديو-أوجلان معاً، “التأريخنة”: أي إظهار أن ما يبدو طبيعياً وأزلياً هو في الحقيقة مُنتَج تاريخياً وقابل للتغيير. يرى بورديو أن الطريقة لمواجهة العنف الرمزي هي “التفكيك من التأريخ والكوننة”، أي تعرية الآليات التي تجعل الهيمنة الاعتباطية تبدو كونيةً وطبيعية. وهذا ما يفعله أوجلان بمشروعه السوسيولوجي التاريخي الضخم: يُؤرّخن بنية الزمروية، ويُثبت أن لها بداية (نادي الصيادين والانقلاب الذكوري) وبالتالي لها نهاية ممكنة.
يقف أوجلان أمام تحدٍّ نظري بالغ الدقة: كيف تُبنى بنية مجتمعية تُقاوم الزمروية دون أن تُعيد إنتاجها من الداخل؟ فكل تنظيم تحرري في التاريخ، كما يُثبت فانون وفيديريتشي وإمبيمبي كل من موقعه، قد انتهى في مرحلة ما إلى إعادة إنتاج البنية التي قاومها: الحزب يُعيد إنتاج الهرمية، والثورة تُنتج الدولة، والدولة تُنتج الزمروية. والجواب الذي يقدمه أوجلان — غير المؤكد تطبيقياً لكن المثير نظرياً — هو الكوميونة الديمقراطية بوصفها بنيةً ذاتية التفكيك: أي بنية تُدمج في تصميمها آليات مقاومة الهيمنة، أبرزها نظام التشارك الثنائي بين الجنسين في القرار، وإلزامية التناوب في المواقع القيادية، وأولوية الجينيولوجيا كمعرفة مضادة للمعرفة الزمروية.
والأساس النظري لهذا المقترح يجد سنداً فيما طرحه موراي بوكتشين في كتابه The Ecology of Freedom (1982) من أن الهرمية لا تقتصر على الاقتصاد أو الدولة بل هي “ظاهرة بيو-اجتماعية” متجذرة في البنى التنظيمية الأكثر أولية. وبناء على ذلك، فإن الكوميونة الديمقراطية الأوجلانية لا تُعدّل الدولة بل تستبدل منطقها الهرمي بمنطق شبكي أفقي يعتمد على الإجماع لا التراتب، وعلى المسؤولية الأخلاقية لا القانون القسري. غير أن التحدي الأعمق — والذي لم يُجب عليه أوجلان بشكل كافٍ — يطرحه إمبيمبي ضمنياً: هل يمكن لأي بنية تنظيمية، مهما بدت أفقية، أن تتحاشى تماماً إنتاج “فضاء الاستثناء” الذي تُحرم فيه فئات من الكومونة ذاتها؟ فانون يُنبّه إلى هذا الخطر حين يرصد كيف أن الثورة التحررية، حين تُنتج قيادة وطنية جديدة، تنزع هذه القيادة إلى إعادة إنتاج نظام الاستغلال ذاته بوجوه محلية. وبالمعنى الأوجلاني، هذا هو الخطر الذي يواجه الكومونة الديمقراطية ذاتها حين تُحاط بقيادة كاريزمية تخترق منطق الأفقية.
إذن، يُشكّل مفهوم “القاتل الزمروي” عند أوجلان، حين يُقرأ في تقاطعاته مع الأنثروبولوجيا الاستعمارية عند فابيان ومورغان، والنيكروبوليتيكس عند إمبيمبي، والتراكم البدائي عند فيديريتشي، والعنف الرمزي عند بورديو، ومشروع التحرر النفسي عند فانون — يُشكّل ما يمكن تسميته “أرشيولوجيا السلطة الشاملة”: محاولة لتتبّع البنية الواحدة التي تُولّد جميع أشكال الهيمنة عبر الحضارات والعصور. وهذا الطموح نفسه هو قوته ومحدوديته معاً. قوته تكمن في أنه يُعيد ربط المسألة الكردية بالتاريخ الإنساني الكامل، فلا يجعلها مجرد “مشكلة أقلية” أو “نزاع حدودي”، بل يضعها في سياق أعمق: نزاع بين الكوميونة والزمروية بوصفه النزاع الحضاري الأصلي. ومحدوديته تكمن في أن الطموح الشامل يُخاطر بأن يصبح “كل شيء تفسيراً لكل شيء”، فتفقد المقولة دقتها حين تُطبَّق على تكوينات تاريخية بالغة التنوع. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن هذا المفهوم، بكل توتراته الداخلية، يُجبر القارئ على طرح السؤال الأصعب: هل يمكن تفكيك ماكينة القمع دون أن يُعيد المُفككون بناء ماكينة مماثلة؟ وهذا السؤال — الذي لا يُجيب عليه أوجلان ولا فانون ولا فيديريتشي إجابةً نهائية — هو ربما أثمن ما يتركه هذا النص الفكري للقارئ الذي يُفكر في التحرر بجدية.
تفكيك الهيمنة والزمروية المضادة
يميّز غرامشي في دفاتر السجن بين نوعين من السيطرة: الهيمنة (hegemony) التي تُمارَس من خلال الموافقة والقيادة الأخلاقية والفكرية عبر مؤسسات المجتمع المدني كالتعليم والإعلام والكنيسة، والسيطرة المباشرة (domination) التي تُمارَس عبر أجهزة الدولة القسرية كالشرطة والجيش والقضاء. هذا التمييز، الذي صاغه غرامشي وهو في سجن موسوليني تحت ظروف مشابهة لظروف أوجلان في إمرالي، يفتح باباً تحليلياً بالغ الأهمية لفهم كيف تعمل الزمروية القاتلة عند أوجلان على مستويين متزامنين لا متعاقبين: مستوى العنف المادي المباشر كالقمع العسكري ومحاكم الإبادة، ومستوى الهيمنة الثقافية المنتشرة في المناهج الدراسية والتراتبيات الاجتماعية والهويات الدينية المُصنَّعة. والأهم من ذلك أن غرامشي يُنبّه إلى أن ماكينة القمع تكون في أشد حالاتها استقراراً وخطورةً حين لا تحتاج إلى العنف لأن الهيمنة قد أنجزت عمل العنف مسبقاً عبر الموافقة الطوعية.
يرى غرامشي أن الطبقات الحاكمة تحافظ على سيطرتها ليس فقط عبر العنف والإكراه السياسي والاقتصادي، بل أيضاً أيديولوجياً عبر ثقافة هيمنية تُصبح فيها قيم البرجوازية قيم “الحس المشترك” لدى الجميع، فتتطور ثقافة توافقية يُماهي فيها الناس من الطبقة العاملة مصلحتهم بمصلحة البرجوازية، مما يُعزز الوضع القائم عوضاً عن الثورة. وهذا بالضبط ما يصفه أوجلان بـ”إنكار الوجود الطوعي” و”التكردية المخفية”: الكردي الذي يتبنّى التعريف التركي لنفسه، والمرأة التي تُدافع عن عبوديتها بوصفها فضيلة وشرفاً. والفارق النوعي بين أوجلان وغرامشي هنا هو أن الأول لا يكتفي بتشخيص الهيمنة الثقافية كآلية لإعادة الإنتاج، بل يُرجعها إلى جذر ما قبل ثقافي: فالزمروية القاتلة في تحليله لم تنتظر ظهور المدارس والجامعات والإعلام لتُنتج هيمنتها، بل بنتها منذ اللحظة الأولى التي تحوّل فيها نادي الصيادين إلى مجموعة تُقدّس ذاتها وتُضفي على عنفها صفة المقدس. أي أن الهيمنة الغرامشية هي النسخة الحديثة والمتطورة من هيمنة أوجلانية أقدم وأعمق.
في تمييز غرامشي بين المثقفين التقليديين الذين ينتمون إلى العصور السابقة ويمثلون النظام القديم، والمثقفين العضويين الذين ينشأون من داخل الطبقة ليُعبّروا عن مصالحها ومشاعرها التي تعجز الجموع عن التعبير عنها بنفسها، يجد أوجلان موقعاً تحليلياً دقيقاً لمأزقه الشخصي. هو يُعرّف نفسه بوصفه مثقفاً عضوياً للشريحة الكرمانجية المنفصلة عن البنى التقليدية، لكنه في الوقت ذاته يُدرك — ويُصرّح أحياناً بصوت عالٍ — أن بنية “المثقف العضوي” ذاتها مُثقَلة بخطر إعادة إنتاج الهرمية التي يُقاومها. يُعيد غرامشي تعريف الدولة على أنها “مجتمع سياسي + مجتمع مدني، أي هيمنة مُحمية بدرع الإكراه”، وهذا التعريف يُوضح لماذا اعتبر أوجلان في مرحلة معينة أن الكفاح المسلح وحده غير كافٍ: فالدولة التركية لا تُبنى فقط على الجيش والشرطة، بل على بنية هيمنية مُوزَّعة في المناهج والدين والعائلة والتراتب الاجتماعي. ومن ثَمَّ فإن “حرب المواقع” الغرامشية — أي العمل الطويل في المجتمع المدني قبل الاستيلاء على السلطة — هي التي تُقابل الجينيولوجيا والكوميونة الديمقراطية في المشروع الأوجلاني: كلاهما استراتيجية بطيئة لإعادة بناء “الحس المشترك” من أساسه.
من زاوية أخرى تُبيّن سبيفاك أن الشخص التابع (subaltern) لا يعاني الإقصاء من المشاركة في الفضاء العام فحسب، بل يُواجه وضعاً أعمق: حين يتكلم، لا يُسمع لأن الأُطر المعرفية السائدة لا تمتلك الأدوات لتلقّي كلامه أو الاعتراف به معرفةً صالحة. هذه المقولة السبيفاكية تقع في صميم ما يصفه أوجلان بـ”التاريخ الخفي” للكرد: فالكردي تكلّم دائماً — في الأساطير الحيثية، في الملاحم الميدية، في أشعار أحمدي خاني، في حروب الشيخ سعيد وسيد رضا — لكن المنظومة المعرفية السائدة (الأنثروبولوجيا الاستعمارية، الإيديولوجية القومية التركية، الأكاديميا الغربية) لم تمتلك الأدوات المفاهيمية للاعتراف بهذا الكلام بوصفه تاريخاً وكوناً قابلاً للتحليل، بل اعتبرته “قبلية”، “عادات بدائية”، “انتفاضات عشائرية”. تؤكد سبيفاك أنه لا يوجد ذات تابعة يمكنها معرفة نفسها والتعبير عنها بشكل غير وسيط؛ فمسار ذاتية التابع لم يُرسَم بما يُتيح تقديمه كموضوع للمثقف الممثَّل. المشكلة ليست الامتناع عن التمثيل، بل أن مسار التابع ذاته لم يُتتبَّع بالشكل الذي يجعله موضوعاً قابلاً للتحليل. وهذا بالضبط ما يرفضه أوجلان في مشروعه التاريخي الضخم: فهو يُصرّ على تتبّع مسار التابع الكردي عبر السوسيولوجيا التاريخية، لا ليتحدث بدلاً عنه، بل ليُنتج الأُطر المعرفية التي تجعل كلامه مسموعاً ومُعترفاً به. غير أن الفخ السبيفاكي لا يتجنبه أوجلان تماماً: فالشخص الذي يُرسم مسار التابع ليجعله قابلاً للتحليل هو هو ذاته المثقف العضوي المُعيَّن (أوجلان)، مما يُعيد إنتاج الواسطة التي تُعقّد كلام التابع.
وتُجادل سبيفاك بأن الممثَّلية (representation) لا يمكن تجنّبها، وهي دائماً مُوسَّطة. فالمثقفون الغربيون الذين يعتقدون أنهم تجاوزوا التمثيل، أو الذين يدّعون أنهم يتركون المضطهَدين “يتكلمون بأنفسهم”، يُخاطرون بإخفاء علاقات القوة التي تُشكّل أي فعل كلام أو استماع. هذا التحذير السبيفاكي يجب أن يُقرأ في سياق مانيفستو أوجلان على وجه الخصوص: فحين يُعلن أوجلان في مناسبات عديدة أن “القيادة لا تعني كاريزما فردية بل قيادة جماعية”، ثم يكتب بضمير المتكلم المفرد في نصوص تُحدد مسار حركة بأكملها — فهو يقع في التناقض السبيفاكي ذاته: التمثيل حاضر ومُعترَف به كضرورة، لكنه يُنكَر خطابياً في الوقت ذاته. والأكثر إثارةً من الناحية النقدية هو ما يُسميه أوجلان “مأساة سيد رضا والشيخ سعيد”: كلاهما قاوم بضراوة، وكلاهما وصل إلى منصة الإعدام بكلمات تعبّر عن الخداع والأسى لا عن الانتصار. فالشيخ سعيد يسأل المدعي العام: “لماذا لم تُقم الوليمة التي وعدت بها؟”، وسيد رضا يقول: “أنا لم أستطع مجاراة ألاعيبكم”. هذان الكلامان، في ضوء سبيفاك، هما لحظتا فشل التابع في أن يُسمع: لم يكن بمقدور أيٍّ منهما توليد خطاب يخترق البنية المعرفية للنظام المضطهِد وينقل رسالته الحقيقية. وهذا هو بالضبط ما تُسميه سبيفاك “الموت بوصفه فعل كلام”: حيث تنتحر بهوفانيشواري بهادوري في 1926 منتظِرةً دورة حيضها لكيلا يُفسَّر موتها بوصفه انتحاراً سببه حمل غير شرعي، في محاولة لإرسال رسالة سياسية عبر جسدها، لكن هذه الرسالة أُسيء قراءتها أو أُهملت تماماً. فكلمات سيد رضا على منصة الإعدام تُقابل جسد بهوفانيشواري في لحظة الانتحار: كلاهما تكلّم بلغة لا يملك النظام المضطهِد الأدوات لفهمها.
يُجادل أغامبن بأن إدراج الحياة العارية (bare life) في النظام السياسي يُشكّل النواة الأصلية — وإن كانت خفية — للسلطة السيادية. بل يمكن القول إن إنتاج الجسد البيوسياسي هو النشاط الأصلي للسلطة السيادية، وبهذا المعنى فإن البيوسياسة قديمة قِدَم الاستثناء السيادي. هذه المقولة الأغامبنية الجوهرية تلتقي مع أوجلان من زاوية غير متوقعة: فأوجلان حين يُخبرنا أن الزمرة القاتلة استعبدت المرأة أولاً ثم أطفال الكالن ثم المجتمع الكوميونالي المجاور، إنما يصف لحظة “الإنتاج الأول للحياة العارية”: اللحظة التي قرّرت فيها الزمرة من يُسمح له بالحياة الكاملة (أي الحياة ذات المعنى والاعتراف بالوجود) ومن يُردّ إلى مجرد “حياة بيولوجية” قابلة للاستهلاك والإبادة. ويرى أغامبن أن المعسكر، الذي يولد عبر إعلان حالة الاستثناء، هو نتاج السلطة السيادية بامتياز، وهو الفضاء الذي تُمسك فيه الدولة بالحياة العارية أكثر وضوح. فبقدر ما جُرِّد سكانه من كل وضع سياسي وردّوا إلى مجرد حياة عارية، كان المعسكر الفضاء البيوسياسي المطلق الوحيد الذي تحقق فعلاً. وعبر هذا المنظور، يُصبح وصف أوجلان لـ”كردستان مستعمَرة” وما تلاه من “وضع ما بعد الاحتلال” قابلاً للترجمة إلى لغة أغامبن: الكردي في وضع إنكار الوجود لا يعيش في “فضاء قانوني” أو خارجه، بل في “منطقة الحدود” (threshold zone) التي يصفها أغامبن، حيث ينطبق القانون وينفي تطبيقه في الوقت ذاته: القانون التركي يُحدّد الكردي مواطناً فيُدرجه بإعلان السيادة، لكنه يُقصيه من الاعتراف بلغته وتاريخه وهويته، أي يُدرجه بوصفه مُستثنى.
يربط أغامبن بين مفهوم “هومو ساكر” في القانون الروماني القديم والوضع السياسي الحديث: فـ”هومو ساكر” هو الشخص الذي أُقصي من الجماعة الدينية ومن كل الحياة السياسية — لا يستطيع المشاركة في الطقوس ولا القيام بأي فعل ذي صلاحية قانونية، ووجوده كله يُردّ إلى حياة عارية مُجرَّدة من كل حق بحيث يُمكن لأي شخص قتله دون ارتكاب جريمة قتل. تنطبق هذه الصورة بدقة مُوجِعة على ما يصفه أوجلان بشريحة “جودنرات”: إنهم بالضبط “هومو ساكر” المُعاصَرون، من يمكن تصفيتهم جسدياً أو سياسياً من قِبَل الطرفين دون أن يُعدّ ذلك جريمة ذات وزن: لا الدولة المُضطهِدة تحميهم بالكامل، ولا الحركة التحررية تعترف بهم كأقران. بيد أن أوجلان يُضيف بُعداً غائباً عن أغامبن: فبينما ينطلق الأخير من اللحظة القانونية الرومانية كـ”أصل” لوضع “هومو ساكر”، يُرجع أوجلان هذا الوضع إلى ما هو أسبق من القانون الروماني بآلاف السنين — إلى لحظة الانقلاب الذكوري في المجتمع السومري حين أصبحت المرأة أول “هومو ساكر” في التاريخ: يمكن استعبادها واستهلاكها جنسياً وقتلها في طقوس الزواج المقدس، لكن لا يُعدّ ذلك جريمة بل فعلاً دينياً مُقدَّساً. بهذا الجمع بين أغامبن وأوجلان يتضح أن “الاستثناء السيادي” ليس اختراعاً حديثاً للدولة القومية كما يُوحي أغامبن أحياناً، بل له جذر بنيوي أعمق يعود إلى البنية الزمروية القاتلة في ما قبل التاريخ المكتوب.
يكشف التتبع المتراكم عبر هذه المستويات التحليلية المتعددة — من الأنثروبولوجيا الاستعمارية عند فابيان ومورغان، إلى النيكروبوليتيكس عند إمبيمبي، إلى التراكم البدائي عند فيديريتشي، إلى العنف الرمزي عند بورديو، إلى التحرر النفسي عند فانون، إلى الهيمنة والثقافة المضادة عند غرامشي، إلى العنف الأبستيمولوجي عند سبيفاك، إلى الحياة العارية والاستثناء عند أغامبن — يكشف أن ماكينة القمع التي يصفها أوجلان بمصطلح “الزمرة القاتلة” ليست آلة بسيطة ذات محرك واحد، بل هي نظام بيئي للهيمنة يعمل على ثمانية مستويات متداخلة ومتشابكة: المستوى الأول: العنف المادي المباشر — القتل والاستعباد وتصفية الكومونة بالقوة، وهو المستوى الذي يصفه أوجلان في حديثه عن نادي الصيادين وغزوه للمجتمع الأمومي، ويصفه إمبيمبي في “الحق في القتل” الذي تحتكره السيادة. المستوى الثاني: العنف القانوني — ليس بمعنى تطبيق القانون بل بمعنى أغامبن: “الاستثناء” الذي يجعل فئات بأكملها خارج الحماية القانونية بينما تُدرجها اسمياً في النظام. الكردي المواطن التركي الذي لا يُعترف بلغته هو “هومو ساكر” قانوني بالمعنى الأغامبني. المستوى الثالث: العنف الأبستيمولوجي — تدمير المنظومات المعرفية للكومونة وإحلال معرفة الزمروية محلها، وهو ما تصفه سبيفاك بـ”العنف الأبستيمي” ويصفه أوجلان بـ”محو التاريخ الكردي”. المستوى الرابع: العنف الرمزي — إنتاج “الحس المشترك” الزمروي الذي يجعل المُضطهَد يُعيد إنتاج اضطهاده طوعاً، وهو ما يُسميه بورديو “الهابيتوس” وغرامشي “الهيمنة الثقافية”. المستوى الخامس: العنف الجنسوي البنيوي — استعباد المرأة بوصفه البنية التحتية لجميع البنى الأخرى، كما تُثبت فيديريتشي وكما يُؤصّله أوجلان أنثروبولوجياً. المستوى السادس: العنف الزمني — وضع الكومونة والتابع في “زمن آخر” يجعلهم متخلفين ومحتاجين إلى الوصاية، وهو ما يصفه فابيان بـ”اللاتزامنية” (allochronism).. المستوى السابع: العنف النفسي — تكوين “المستعمَر الداخلي” الذي يُنكر وجوده أو يُحارب التحرر بوصفه تهديداً لهويته، وهو ما يصفه فانون بالاستبطان ويصفه أوجلان بـ”إنكار الوجود الطوعي”. المستوى الثامن: العنف الشبكي — قدرة ماكينة القمع على توليد وكلاء من داخل المُضطهَدين أنفسهم (شريحة جودنرات) يُنجزون عمل الزمروية دون الحاجة إلى تدخل مباشر من خارجهم.
هذه الخريطة الثمانية الأبعاد لماكينة القمع هي، أكثر ما يُنتجه الجمع النظري بين أوجلان والتقاليد النقدية التي قُرأت في ضوئها. وهي خريطة لا تُقدَّم هنا بوصفها نظرية مكتملة — فلا أوجلان ولا غرامشي ولا سبيفاك ولا أغامبن يُقدّمان نظرية مكتملة — بل بوصفها جغرافيا للسؤال: أين تعمل ماكينة القمع؟ بأي أداة في كل موقع؟ وأي أداة مضادة تكون الأنسب لكل مستوى؟ إن الكوميونة الديمقراطية عند أوجلان، إذا فُهمت في ضوء هذه الخريطة، تتحول من مجرد شكل حكم أو اقتراح سياسي، لطموح نظري في محاولة للتصدي لجميع مستويات ماكينة القمع في آنٍ واحد: السياسة الديمقراطية كردٍّ على العنف القانوني، والجينيولوجيا كردٍّ على العنف الأبستيمولوجي، وحرية المرأة كردٍّ على العنف الجنسوي البنيوي، والسوسيولوجيا التاريخية كردٍّ على العنف الزمني، والكومونة الأفقية كردٍّ على الهيمنة الغرامشية. أما المستويات التي لا يملك أوجلان أدوات واضحة لمواجهتها فهي مستوى العنف النفسي الداخلي (الذي يُقرّ بصعوبته لكن لا يُقدّم برنامجاً علاجياً محدداً) ومستوى العنف الشبكي (الذي يصفه بدقة في شريحة جودنرات لكن يقترح له حلولاً أخلاقية أكثر من كونها مؤسسية). وهذان المستويان هما بالضبط ما تُقدّمه نظريات فانون وبورديو وسبيفاك مواداً لاستكماله، مما يجعل الحوار بين هذه التقاليد النقدية مفتوحاً وضرورياً ومُنتجاً في آنٍ واحد.
وبعد هذا الجولة الطويلة في الطبقات النظرية المتعددة لفكر أوجلان، يصبح من الضروري وقفة نقدية تتجاوز الإطراء والرفض المطلق معاً، لتقدير حدود هذا الفكر بالقدر ذاته الذي قدّرت به إسهاماته. وتتمثل الإشكالية الأولى في إغراء الشمولية والحذر من فخ الكبرى المركزية. يطمح أوجلان إلى نظرية شاملة تفسّر التاريخ الإنساني كله من خلال ثنائية الكومونة/الزمروية. هذه الشمولية مُغرية لكنها مُحفوفة بمخاطر: فنظرية تفسّر كل شيء تخاطر بأن تُفسّر لا شيء بدقة. يُنبّه استيفاناكي إلى توتر بنيوي في مقاربة أوجلان: فتحليله لنشأة الدولة السومرية داخلاني بينما تحليله لتشكيلات الدول اللاحقة يُبرز الدور المولّد للضغوط والمقتضيات الخارجية، وهو وضع يشترط تعدد المجتمعات. وهذا التناقض يؤثر على تقييمنا لكيفية ومدى تجاوز الدولة من خلال الكونفدرالية الديمقراطية ومداه. بعبارة أخرى: إذا كانت الدولة السومرية ذاتها نتاج تفاعل بين مجتمعات متعددة لا فعل انقلابي داخلي وحيد المصدر، فإن تفكيك الدولة لا يمكن أن يكون مشروع مجتمع واحد أيضاً، بل يتطلب ديناميكيات تعدد متزامنة. أما الإشكالية الثانية، فهي التوتر بين المنطق الكوميوني ومنطق الحركة. إذ يُلاحظ المحلّلون أن ثمة سؤالاً مشروعاً ملحاً: هل دعوة السلام التي أطلقها أوجلان هي دعوة للاستسلام؟ ولمعالجة هذا السؤال يُفيد النظر في تاريخ جهود السلام التي قام بها حزب العمال الكردستاني منذ سنواته الأولى، فيتبيّن أنه ليس فلسفة جديدة بل جهد متواصل لتقديم مخرج للدولة التركية من أزمتها ببناء سلام حقيقي. وتأتي الإشكالية الثالثة، في سؤال ما وراء النص. كتب أوجلان المانيفستو هذا في عزلة تامة في جزيرة إمرالي، دون وصول إلى مكتبات أو إنترنت أو حوار مع أقران أكاديميين. هذا الوضع يُنتج فكراً ذا قيمة لكنه يُنتج أيضاً فكراً لا يُخضع نفسه للمساءلة الأكاديمية العادية. ادعاءاته الأنثروبولوجية عن المجتمع السومري وطقوس الزواج المقدس وطبيعة العلاقات الجندرية في عصور ما قبل التاريخ كثيراً ما تُقدَّم بثقة المُؤسِّس لا بحذر الباحث. هذا لا يُسقط الفكر لكنه يُلزم القارئ بتمييز ثلاثة مستويات: ما هو تحليل تاريخي قابل للفحص، وما هو إطار تأويلي يُنظّم الحقائق بطريقة بعينها، وما هو موقف أخلاقي-سياسي ذو قيمة مستقلة عن الأسس التاريخية.
إن ما يُبقي فكر أوجلان حياً ومُنتجاً ليس اكتمال نظريته بل طبيعته الانفتاحية، إنه فكر يطرح أسئلة أكبر مما يُقدّم إجابات، ويُستفزّ تقاطعاته مع التقاليد النقدية الكبرى أكثر مما يستريح فيها. الزمروية القاتلة بوصفها بنية ليست حدثاً تاريخياً انتهى بل هي — كما كشفت هذه القراءات المتراكمة — نمط من أنماط تنظيم الهيمنة يُعيد إنتاج نفسه في كل زمن ومكان يغيب فيه الفكر النقدي والعمل الكوميوني المنظّم. والسؤال الذي يتركه أوجلان للقارئ الجاد ليس “هل الكومونة ممكنة؟” بل “ما الثمن النفسي والتنظيمي والمعرفي الذي يجب دفعه لكي تُصبح الكومونة واقعاً لا خطاباً؟”. وهذا السؤال، هو الإرث النظري الأعمق الذي يُخلّفه هذا المانيفستو للفلسفة السياسية في لحظة يتصدّع فيها الخيار الوطني-الدولتي من كل اتجاه، دون أن يكون البديل الكوميوني قد أثبت قدرته الكاملة على الصمود أمام ضغوط النظام العالمي للزمروية الرأسمالية.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
Achille Mbembe: Necropolitics, Public Culture, Volume 15, Number 1, Winter 2003, pp. 11-40
Al-Ali N, Käser I. Beyond Feminism? Jineolojî and the Kurdish Women’s Freedom Movement. Politics & Gender. 2022;18(1):212-243. doi:10.1017/S1743923X20000501
Gerber, D., & Brincat, S. (2021). When Öcalan met Bookchin: The Kurdish Freedom Movement and the Political Theory of Democratic Confederalism. Geopolitics, 26(4), 973–997. https://doi.org/10.1080/14650045.2018.1508016
Matin, K. (2021). Democratic Confederalism and Societal Multiplicity: A Sympathetic Critique of Abdullah Öcalan’s State Theory. Geopolitics, 26(4), 1075–1094. https://doi.org/10.1080/14650045.2019.1688785
Tyler Paull Lyall Welsh: Rediscovering Democracy: Analysing Öcalan’s Concepts Of A ‘Social Nature’ And ‘Social Problem’ In Democratic Confederalist Ideology. Victoria University, Australia. 2024.
Soleimani, K., Shojai, B. (2025). Öcalan’s Democratic Confederalism. In: Kurdish Paradox of Statelessness. Middle East Today. Palgrave Macmillan, Cham. https://doi.org/10.1007/978-3-031-83746-3_3
Shahvisi, A. (2021). Beyond Orientalism: Exploring the Distinctive Feminism of Democratic Confederalism in Rojava. Geopolitics, 26(4), 998–1022. https://doi.org/10.1080/14650045.2018.1554564
Matin, K. (2021). Democratic Confederalism and Societal Multiplicity: A Sympathetic Critique of Abdullah Öcalan’s State Theory. Geopolitics, 26(4), 1075–1094. https://doi.org/10.1080/14650045.2019.1688785



