كـــرد إيـــران في المعادلة الجيوستراتيجية

دراسات :
- تم تحديثه في

تحليل: د. محمد رفعت الإمام

      منذ قيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير 2026، فرضت وضعية كرد إيران والمسألة الكردية نفسها على الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية الإقليمية والدولية. ولا يرتبط كرد روجهلات/شرق كردستان أي كرد غرب إيران بإيران فقط، ولكن ثمة علاقة عضوية مع كرد باكور/شمال كردستان أي كرد تركيا وكرد باشور/جنوب كردستان أي كرد العراق وروج آفا/غرب كردستان أي كرد سوريا، مما أحدث توترات في هذه البلاد على خلفية طرح رؤى باحتمالية أن الحرب الدائرة ستُؤدى إلى ميلاد شرق أوسط جديد وتغيير معادلات تسويات سايكس بيكو (1916)، ولوزان (1923) وظهور خرائط جديدة.

ولفهم تعقيدات وضعية كرد إيران وفك شفرتها في المعادلة الإيرانية والإيرانية التركية العراقية والإقليمية عمومًا، لابد من رصد جذور تشابكات المسألة الكردية في الزمن الطويل. ولاغرو؛ إذ أن تفاصيل عُقدة اليوم تضرب بجذورها في عمق التاريخ وتشابكات المصالح الاستراتيجية وكواليس التوازنات الإقليمية.

       وقع وطن الكرد التاريخي في قلب غرب آسيا بدءًا من بحيرة أورميا شرقًا إلى عفرين (كور داغ) غربًا، ومن جبال أرارات (أجري) شمالاً حتى لورستان جنوبًا. وتُعد سلاسل جبال زاجروس وأرارات وطوروس الضخمة في غرب آسيا بمثابة العمود الفقري لبلاد الكرد. وقد شكلت كردستان موقعًا وموضعًا جيوسياسيًا وجيوستراتيجيًا بين الهضبتين الإيرانية والأناضولية، وفصلت بين ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) والهضبتين آنفتي الذكر. واتسمت بطبيعة جغرافية عازلة وثروات طبيعية متنوعة وثرية. وقد تكونت الجماعة الكردية نتاج خليط عرقي بين أقوام زاجروس القدماء، وهم السكان الأصليين للمنطقة، وبين الأقوام الآرية الوافدة على المنطقة خلال الهجرات الكبرى التي شهدها العالم القديم.

       وقد أطلق السومريون على الشعب الوليد الجديد Kur-Tu أو Kur –du؛ أي جبلي وجبليون بالسومرية، وهي الصفة التي اتسم به الكرد على مدار التاريخ. وبذلك، يُعد الكرد من أقدم منظومة الشرق الأوسط السكانية، وسكان أصليين في بلادهم وليسوا مهاجرين أو لاجئين إليها. وباختصار، يُمثل الكرد نتاجًا جبليًا بامتياز حتى أن الجبال تُعد مفاتيح الهوية الكردية حتى صارت متلازمة مع الكرد في كل شئ. وحسب أوجلان (ص196)، تتمتع إيران كبلد بنصيب مهم في تكوين الهوية الكردية. ويحتل التقارب اللغوي والثقافي بين الكرد والفرس مكانة مهمة في هذا التكوين. وهو الأمر الذي سوف نختبر مداه على امتداد هذه الدراسة لاسيما وأن “الكرد الأوائل” يُعدون من المجموعات الريادية الأولى التي أبرزت نفسها ثقافيًا على مسرح التاريخ.

إمبـراطــوريــة الكـــرد

       ثمة شبه إجماع بين المؤرخين على أن الكرد أحفاد الميديين (728-550 ق.م). وبذا، تُعد أول إمبراطورية في إيران الحالية كردية الأصل، وقد أسسها الكرد قبل الفرس. وحسب التحليل الأوجلاني (ص197): “وعلى صعيد الهوية الكردية، يحظى الميديون بشرف كونهم أول أسلاف القوم الكردي المعروفين في التاريخ المكتوب… كما أن الثقافة الميدية هي التي مكنت من بروز الحضارات البرسية والهيلينية والرومانية وحضارة بحر إيجه، ورصفت أرضيتها”.

ومنذ سقوط مملكة ميديا الإمبراطورية في عام 550 ق.م، صارت أرض الكرد المأهولة بالسكان ميدانًا للصراع بين الإخمينيين واليونانيين، وبين البارثيين والرومان، وبين الرومان والأرمن، وبين الساسانيين والبيزنطيين، وبين الساسانيين والعرب المسلمين.

       وفي تلك الحقب، حكم الفرس الإخمينيون (550-330 ق.م) والفرس الساسانيون (224 ق.م – 651م) الكرد الذين كانوا بمثابة حُراس التخوم، واشتهروا كونهم قبائل الجبال الحدودية وبالأخص زاجروس. وآنذاك، أطلق الفرس عليهم مصطلح Kord وجمعها كردان Kordan. وأطلق عليهم اليونانيون والرومانيون كاردوخ. وفي هذ السياق، لم يتمكن الكرد من تأسيس دولة مركزية موحدة نظرًا لأن الجبال قد قسمت أراضيهم إلى وحدات منفصلة. ورغم هذا، أسبغت الجبال على الكرد سمات إرادة الإقدام والاقتحام والميول إلى الثورة والتمرد أكثر من الخنوع والخضوع. وقد لوحظ أن الذهنية الكردية آنذاك لا تميل إلى الانضواء تحت راية حكم مركزي بتأثير الثالوث: الجبل والرعوية والعشيرة. ولهذا، نفر الكرد من الحكم الفردي المطلق، وثاروا ضد الطغاة المستبدين لدرجة أنه لم يمر عليهم نصف قرن دون ثورة أو تمرد أو انتفاضة، وهي سمات سوف تقترن بالشخصية الكردية في مداراتها الجغرافية والزمنية.

       وقد ظلت بلاد الكرد تحت الحكم الساساني حتى نجح العرب المسلمون في إسقاط بلاد فارس، ودخل الفرس والكرد الإسلام. وبداية من عام 636م، تواصلات الحملات العربية الإسلامية لاستمال فتح بلاد الكرد الذين كانوا يعتنقون آنذاك الزرادشتية (عبادة النار) شأن الفرس. ورغم مقاومة الكرد، نجح العرب عام 639م في إسقاط آمد – قلب بلاد الكرد، وتواصلت الفتوحات حتى خضع الكرد للعرب، واعتنق معظمهم الإسلام السُني على المذهب الشافعي. وانتقلت كلمة كرد وكّردان من الفارسية إلى العربية. وقد تحدثت المصادر العربية الإسلامية عن الأكراد جمع كرد ومفردها كردي.

الإمــارات الكــرديــة

       رغم جهود العرب المسلمين لتعريب الكرد، فإنهم نجحوا في الحفاظ على هويتهم ولغتهم. ومنذ هذا التوقيت، ظهر العرب بعد الفرس في بلاد الكرد التاريخية الذين قطفوها قبل ظهور الإسلام بـ 1500 سنة، ولم يتكيف العرب أبناء الصحاري بسهولة مع الكرد أبناء الجبال. وآثرت الإدارات العربية عدم التدخل في النظام الإداري الخاص بالكرد بين جبالهم باعتبارهم حُراس “الثغور”؛ أي الحدود.

       وتُعد الحقبة البويهية (945-1055م) خلال العصر العباسي الثاني (747-1258م) من أبرز فترات الحضور الكردي إبان العصور الوسطى، حيث تأسَّست إمارات كردية مستقلة وشبه مستقلة حكمتها سلالات كردية. ولذا، سُميت هذه المرحلة بـ “العصر الذهبي الكردي”، بينما كانت بلاد فارس مفككة وضعيفة.

       ومن أبرز هذه الإمارات، الإمارة الحسنوية (959-1015م) في دينور وهمدان وكرمانشاه التي تُمثل حاليًا قلب كردستان الشرقية (في إيرن الحالية). وكذا، الإمارة الشدادية (951 – 1174م) التي حكمت أجزاء من أذربيجان الغربية. وتُعد الإمارة الأردلانية (1169-1867م) أهم إمارة كردية، حكمت سنندج سبعة قرون، وتُمثل دولة داخل دولة، ولديها جيش وعملة ونظام مالي. وقد نجح الأتراك السلاجقة في الاستيلاء على معظم الإمارات الكردية خلال النصف الأول من القرن الحادي عشر. وقد ظهر اصطلاح “كردستان” لأول مرة بمهفوميه الجغرافي والعرقي إبان الحكم السلطان السلجوقي سنجار (1118-1157م) للدلالة على المنطقة الواقعة بين العراق العجمي شرقًا والعراق العربي غربًا وأذربيجان شمالاً وخوزتان جنوبًا، وضمت “16” قضاءً إداريًا. وكان جُل قاطنيها من الكرد مع جيوب آشورية وأرمنية وعربية وتركية وتركمانية.

       وعلى امتداد غزوات واحتلالات السلاجقة والمغول والتتار، تعرضت كردستان للتدمير رغم مقاومة الكرد مما أسهم في تعقيد وضعها عشية التاريخ الحديث بظهور الدولة الصفوية الشيعية والدولة العثمانية السنية. وعند مطلع القرن السادس عشر، تشكلت كردستان من إمارات وراثية متباينة المساحة والنفوذ والمكانة والدور. وقد تأرجحت بين التبعية التامة وشبه الاستقلال والاستقلال التام. وقد أحصاها المؤرخ الكردي شرف خان البيتليسي (1543-1604م) في كتابه الأشهر” شرفنامه” مطلع القرن السادس عشر بثلاثين إمارة. وقعت تسع عشر إمارة في شمال كردستان وست إمارات في شرق كردستان (دنيلي، برادوست، موكريان، بانه، كلهور، لورستان) وخمس إمارات في جنوب كردستان (بهدينان، سوران، بابان، أردلان، داسني).

كــردستـاـن الصفـــويـــة

       نجح الشاه إسماعيل الصفوي (1501-1524م) في إخضاع كردستان لدولته الصفوية (1501-1736م). وخلال هذه الفترة التي امتدت 235 سنة، حدثت سلسلة وقائع أسهمت في تدشين عُقد الكرد للأنظمة الحاكمة في بلاد فارس (إيران) حتى اليوم. لقد أدرك الصفوي جدوى كردستان لشاهانيته اقتصاديًا وجيواستراتيجيًا. ورغم هذا، لم يستوعب طبائع الكرد الذاتية المتوارثة منذ كاوا الحداد، وسار عكس الساعة البيولوجية الكردية. ورغم أن جذور الصفوي كردية – تركمانية، فقد صار أول سلالة شيعية وانتهج إستراتيجية “تشييع” “و”تفريس” كل المنظومة السكانية الواقعة تحت فضاء الدولة الصفوية. وبذا، صار كل من هو غير شيعي إثني عشري في خانة العدو. وقد بلور أوجلان (ص 197) موقع المذهب الشيعي في المنظومة الفارسية- الإيرانية بقوله: “شُيدت الشيعية الإيرانية كتصنيف بناءً على تحالفات الكيانات القومية التركمانية والفارسية والكردية في وجه الإسلام السُني السلطوي”.

       وانطلاقًا من هذه القناعات الأيديولوجية، اعتمد الصفوي على قيادات تركمانية شيعية بديلاً عن الأمراء الكرد، وأجبر الكرد السُنة على اعتناق المذهب الشيعي، واستخدم الوحشية ضد انتفاضات الكرد، وسخَّر إمكانيات كردستان المادية والبشرية في خدمة المشروع الصفوي الشيعي التوسعي. وفي هذا التوقيت، كانت نسبة حوالي 75% من الكرد سُنة علاوة على اليارسانيين (أهل الحق)، ومن ثم، غدوا “العدو المثالي” للمشروع الصفوي.

       ومنذ مطلع القرن السادس عشر، تدشنت رويدًا رويدًا ملامح العلاقات الكردية الفارسية (الإيرانية) السيئة، واتسمت بالدموية غالبًا. وفي البدء، كرَّس إسماعيل الصفوي إستراتيجية فرض التشيع بالسيف على الكرد رافعًا شعار “سُني كش”؛ أي ذَبح السُنة. وأثناء سلسلة من الحملات العسكرية الضارية، خيَّر الكرد بين التشيع والذبح. وأمام عناد الكرد، ذبح الصفوي عشرين ألف كردي سُني شافعي في مكريان وأردلان. وتعزيزًا لمحو الهوية الدينية، هدم الصفوي التكايا الكردية السُنية الشافعية وحولها إلى حسينيات علاوة على حرق كتب الفقه السُني. وسعيًا لزرع عيون صفوية في الأوساط الكردية وتغيير ديموجرافيتها، قام بتوطين القزلباش، وهم قبائل تركمانية شيعية، داخل أورميا وماهاباد. وأملاً في إلغاء أقوى الإمارات الكردية “أردلان” وإنهاء حكمها الذاتي، عزل أمراء أردلان السُنة وعين قزلباش شيعة مكانهم. وفي هذا السياق، تشيع 80% من الكرد اليارسانيين في كرمانشاه بحد السيف. وهكذا، لم تفلت السلالات الشيعية من “عدو السلطة”. وبمرور الوقت، وحسب أوجلان (ص197) تحولت إلى نظام دولة طغى عليه الجانب المركزي البيروقراطي. وصارت الشيعية جزءًا من أيديولوجيا السلطة الرسمية منذ الصفوية حتى الآن رغم وجود قطاع منه مناهض لها.

       وخلال حكم إسماعيل الصفوي، استعان الكرد والعرب السُنة بالدولة العثمانية السُنية الفتية التي خشيت من تشيع الأناضول. وقد التقى المحور العثماني – الكردي ضد العدو الصفوي عند سهل جالديران في 23 أغسطس 1514م. وبفضل الدعم الكردي، انهزم الصفوي، وفقد السيطرة على غرب جبال زاجروس. وتُعد هذه المعركة علامة فارقة ونقطة تحوُّل في الشرق الأوسط. وتكررت الحرب خلال مارس 1516م، وانتهت بانتصار عثماني كردي ساحق ضد الشاه. وبذا، سيطر العثماني على شرق الأناضول ومعظم كردستان.

       ولم تقض الحروب السالفة على الصفوية الشيعية، بل كانت حلقة أولى في سلسلة مواجهات دموية بين الشاهات والسلاطين في التاريخ الحديث. ورغم أن جالديران قد أنقذت كردستان من براثن الفرس والتشيع، فإنها تسببت في تقسيمها بين الهلالين الشيعي والسُني. وبعد سلسلة من الحروب العثمانية – الصفوية، آثر السلطان والشاه إنهاء الحروب بينهما فيما تمخض عن إبرام معاهدة آماسيا يوم 29 مايو 1555م لتكون أول معاهدة سلام كرست “الوضع القائم” على الأرض، وأول معاهدة دولية أقرت تقسيم كردستان واحتلالها.

وإذا كان الشاه إسماعيل المؤسس اقترف بحق الكرد أول إبادة مذهبية، فإن الشاه عباس الأول (1600-1639م) بوصفه السفاح الأذكى في التاريخ الصفوي قد رفع شعار الذبح وحده لا يكفي. ولذا، انتهج إستراتيجية إفراغ كردستان من مقاتليها واستخدام الكرد بمثابة دروع بشرية ضد الأوزبك السُنة. ولذا، هَّجر قسريًا 45 ألف عائلة (حوالي 230 ألف نسمة) إلى خراسان وألقى بهم على حدود تركمانستان. وبغية كسر عمودهم الفقري العشائري ونزعهم نزعًا من أحضان جبالهم، هَّجر قسريًا 15 ألف سُني إلى سواحل قزوين وبالأخص منطقة جيلان. وبغية تفريس المدن الكردية، استخدم فرس شيعة وزرعهم في سنندج وكرمانشاه.

وقد نجح عباس الصفوي في نقل حوالي نصف سكان كردستان الصفوية إلى خراسان. وحتى الآن، مازلوا يتحدثون الكردية. وفي أواخر حكمه، تجددت الحروب الصفوية والعثمانية، وانتهت بترسيم الحدود رسميًا بين دولتي الشاه والسلطان بامتداد (1180 ميل) في معاهدة قصر شيرين(زوهاب، زهاو) شرق كردستان يوم 18 مايو 1639م. ومنذ هذا التوقيت، وقع الجزء الأكبر غرب زاجروس تحت الإدارة العثمانية، ووقع الجزء الأصغر شرق زاجروس تحت الهيمنة الفارسية الصفوية. وقد سببَّت زوهاب في خلق معضلات جيواجتماعية للبنية السكانية الكردستانية عندما شطرت العشائر الكردية عمدًا وقسريًا بين الهلالين الصفوي الشيعي والعثماني السُني. كما أجبرت الكرد على الدوران بين فلكي الشاهات والسلاطين. ولم تعُد كردستان ضمن المعادلة الجيوستراتيجية بين الهلالين الشيعي والسُني فقط، ولكن صارت أية حركات أو تحركات كردية مستهدفة من كلا النظامين. وبتعبير أوجلاني (ص 198)، أسهمت هذه الاتفاقية في “قطع أواصر الكرد في إيران عن كردستان والتكامل الكردي. إنها تعني فصل الكرد في جبال زاجروس عن التكامل الكردي. فقد كان الكرد في إيران بمثابة الخلية النواة في الهوية الكردية”.

ومنذ إبرام معاهدة زوهاب، ضعف الكرد، واستغلهم الصفويون بمثابة مرتزقة. وازدادت الضرائب على كل رأس كردية. وفي حال العجز عن السداد، تأخذ سلطات الشاه أبناء الكرد كعبيد. وعلى مدار 235 سنة صفوية، قام الكرد بسبعين حراكًا ثوريًا لعل أشهره ثورة سليمان بابان عام 1694 الذي حكم شهرزور خمس سنوات. وتُعد أردلان الإمارة الكردية الوحيدة التي نجت من المقصلة الصفوية. ولاغرو؛ إذ تحايل أمراؤها باعتناق التشيع ظاهريًا مع بقائهم سُنة باطنيًا ناهيك عن دفعهم الرشاوي الباهظة والجزية الفادحة. ورغم أن الشاه إسماعيل ذبح منهم سبعة أمراء وعباس الأول سجن منهم ثلاثة أمراء، فقد بقيت الإماراة الأردلانية طوال العهد الصفوي. ويكمن سبب بقاء هذه الإمارة كونها بوابة إستراتيجية ضد دولة السلاطين العثمانيين.

وعند هذا الحد، تأسسَّت إبان الصفوية عقيدة إيرانية مفادها أن الكرد السُنة خطر مزدوج؛ عقائدي وقومي رغم أن الثقافة المهيمنة على الواقع الكردي تتسم بماهية إثنية وقومية أكثر منها دينية أو مذهبية حسب أوجلان (ص 198). ووضع عباس الأول قاعدة للأنظمة الحاكمة اللاحقة قاجارية وبهلوية وخمينية خلاصتها أن كردستان “تشبه الأفعى”، لو قطعت رأسها، يطلع لها رأسين. الحل تدفنها كلها. وفي مواجهة التشيع الإجباري وفرض الضرائب الباهظة والتهجير القسري والتغيير الديموجرافي، قام كرد كردستان الشرقية بحراك ثوري كل ثلاث سنوات. وإذا كان إسماعيل الصفوي كسر ظهر الكرد، فقد خلق منذ مطلع القرن السادس عشر “ثأرًا مذهبيًا” ماتزال نيرانه متقدة حتى الآن. وبنسبة 90% انتفض الكرد ضد الصفويين لأسباب دينية مقابل 10% من أجل الضرائب الباهظة. وقد اتسمت، تكتيكات المواجهات الكردية الصفوية بحرب الجبال أو حصار القلاع وأشهرها قلعة دمدم. بيد أن حوالي 18 حركة ثورية فشلت إثر الخيانات الكردية – الكردية، وليس لقوة الشاهات. وفي نهاية كل ثورة فاشلة، اقترف النظام الصفوي مذابح جماعية وتهجيرات قسرية. وبينما امتلكت القوات الصفوية مدافع حديثة، لم يمتلك الكرد سوى السيوف. وفي معركة دمدم (1610م) مات 30 ألف كردي لأنهم لا يمتلكون مدافع. واتبع الشاهات سياسة “فرق تسُد”. وفي هذا الصدد، حاربت أردلان إمارة بابان، وحاربت عشيرة الجاف عشيرة كلهر. وحسب الداهية الشاه عباس: “أنني لا أحكم الكرد، ولكنني أجعلهم يحكمون على بعض ويتحكمون فى بعض”.

وحتى الآن، يحفظ أطفال كردستان الشرقية (إيران) خصوصًا” داستان دمدم” التي تتبوأ مكانة سامية في العقل الجمعي الكردي، وتُسمى في الأدبيات الكردية “كربلاء الكرد” و”ستالينجراد الكرد”. وتتميز هذه المعركة في الوجدان الكردي كون الكرد بقيادة أميرخان برادوستي قالوا “لا” ورفضوا التهجير القسري وآثروا الموت وقوفًا في قلعة دمدم، وهو جبل فوق بحيرة أورميا، أشرف من الذل في المهجر الخراساني. وتُعد هذه الملحمة أيقونة خالدة في النضال الكردي العام. ولاغرو؛ إذ صمد الكرد 13 شهرًا حتى أكلوا الحيوانات وجلود الدروع بعد غليها وأوراق الأشجار والأعشاب. وبسبب هذا الجلد وتلك المثابرة، صاح الشاه عباس قائلاً: “ليس هؤلاء بشر، هؤلاء شياطين. لم أر قومًا صابرين مثلهم”.

ولم تسقط دمدم بسبب قوة الشاه، وإنما بخيانة بداغ سلطان ابن عم أميرخان حتى صارت كلمة “بداغ” شتيمة عند كرد إيران وتعني خائنًا. وقد انتقم الشاه بشراسة وضراوة من كرد كردستان الشرقية: 30 ألف قتيل حتى امتلأت القلعة بالدماء، وسبي خمسة آلاف كردية ووزعهم  على قادة القزلباش، وبني هرمًا من أربعة آلاف جمجمة كردية على أبواب العاصمة تبريز. ووضع رأس أميرخان في قفص ذهبي، وأرسلها هدية إلى السلطان العثماني ومعها رسالة: “هذا مصير من يتمرد علينا نحن الإثنين”.

وبعد نصف قرن، خلد الشاعر الكردي فقي تيران هذه الملحمة في قصيدة طويلة بلغت ثلاثة آلاف بيت، لاتزال يتغنى بها الكرد في أعراسهم حتى الآن: “حتى حجر القلعة، ظل كرديًا من كثرة الدم”. وقد سجلت دمدم دروسًا في خزان الخبرة التاريخية الكردية، وانعكست آثارها على التجارب الكردية اللاحقة في العلاقات الإيرانية الكردية. وصارت السلطات الحاكمة خائنة في المخيلة الكردية؛ إذ سقطت القلعة إثر خيانة وليس بقوة الشاه. واقتنع الكردي بألا يستسلم ويموت واقفًا. وصار الجبل وطنًا للكرد وسببًا لصمودهم. وتسببت المذابح الانتقامية في توحيد الكرد. بعد دمدم، توحدت قبائل مكري وبرادوست معًا أخذًا للثأر على مدى قرنين قادمين. وأيقن الكرد شرقًا وغربًا أن عدوهم الصفوي هو عدوهم العثماني أيضًا، وكلاهما وجهان لعملة واحدة. ولاعجب، فقد أرسل الشاه رأس الأمير الكردي إلى السلطان. وهكذا، خلقت دمدم هوية كردية قتالية بعد أكثر من أربعة قرون، وأضحت قلعة دمدم عقيدة وليست مكانًا تراثيًا أو أثريًا.

       ومن المفارقات، رغم المذابح الصفوية والتهجير القسري ومحاولات محو الهوية الكردية، فقد خلق كل هذا “أمة” ازدادت صقلاً؛ إذ ولَّد القمع الصفوي إرهاصات الوعي الكردي القومي لأول مرة. وقبل الصفوية، اعتاد الكردي أن يقول أنا جافي (العشيرة) أو “أنا أردلاني” الإمارة” أو “أنا شافعي” (المذهب). وبسبب الصفوية، صار يقول “أنا كردي”. وفي مواجهة التشيع أو الذبح، توحدت العشائر الكردية السُنية المتناحرة ضد العدو المشترك لما يزيد عن أربعة قرون حتى الآن. ورغم تقسيم كردستان بين الهلالين الشيعي والسُني، فقد اعتصم الكرد بجبال زاجروس. ورغم التهجير القسري لخراسان بغية التغيير الديموجرافي وخنق الهوية، فقد حافظ حوالي 230 ألف كردي في خراسان (كرد المنفى) على لغتهم الكردية السورانية وأنساب عشائرهم وهويتهم الكردية.

       وباختصار شديد، وعلى النقيض من الغايات الصفوية، بدلاً من تفريس الكرد تشبثوا بكرديتهم، وحفظ الصفويون اللغة الكردية في متحف خراسان. وقد وحدت ملحمة دمدم الذاكرة الكردية، وبعد أن كان لكل عشيرة أبطالها، صار أميرخان بطلاً لكل الكرد. وصارت الملحمة أنشودة قومية في كل بيت كردي. وبفضل مقاومة دمدم، ربما تفكك الكرد شأن عشائر اللور والبلوش. وفي كلمة موجزة، منحت دمدم للكرد قضية مركزية يلتفون حولها وينطلقون منها. وفي مواجهة التمييز المذهبي، ارتبطت هوية كرد كردستان الشرقية (إيران) بالإسلام السُني.

       وقد شهت كردستان الشرقية إبان حكم الصفوية ميلاد أول كتاب في التاريخ القومي العام للكرد وكردستان. إنه شرفنامه للأمير الكردي شرف خان البيتليسي الصادر في عام 1597م. ويُجسد الكتاب تاريخ الأمة الكردية من دمدم لآمد (ديار بكر) لأول مرة. ويُعد الكتاب وثيقة تاريخية دامغة ضد محاولات الصفويين إبادة الكرد. والخلاصة، شرفنامه نتاج القمع الصوفي. ويُمكن صياغة المعادلة على النحو الآتــــي: اقترفت الصفوية إبادة وتهجير قسري وتشييع إجباري ضد الكرد. وفي المقابل، برز لدى الكرد ملامح وعي قومي وملحمة ملهمة وموحدة ولغة محفوظة وسفر حفظ التاريخ القومي. وفي كلمة موجزة، إذا كان الكرد في عام 1501م قبل الصفوية عشائر سُنية جبلية متناحرة، ففي نهاية الصفوية عام 1736م صاروا أمة ذات قضية وملحمة وحدود وذاكرة دم. وردًا على المذابح والتهجيرات القسرية، ردَّ الكرد شاكرين الشاه عباس: ” لولاه لكنا قد ضعنا وسط الفرس والترك والعرب ونسينا أننا كرد”.

كــردستـــان القاجــاريــــــة

       بصعود أسرة قاجار على رأس الحكم الفارسي، بدأت مرحلة جديدة من العلاقات الفارسية – الكردية الأكثر توترًا على مدار 129 سنة (1796- 1925م). وقد استمرت آنذاك الإمارات الكردية الإقطاعية شبه المستقلة تحت السيطرة الفارسية القاجارية لاسيما أردلان التي تضرب بجذورها إلى عام 1169، وحكمت سنندج وسقز ومريوان، ولها جيشها ونظامها المالي والقضائي. وثمة إمارة بابان التي تحكم السليمانية وكركوك، ولكنها تنقسيم بين دولتيَّ الشاهات والسلاطين. وهناك اتحاد عشائر الجاف وقوامه حوالي 100 ألف مقاتل على المناطق الحدودية بين الهلاليين الشيعي والسُني. ورغم اضطهاد الصفوية الشيعية للكرد على مدار 235 سنة، فقد ظل 75% من الكرد سُنة شافعية. وبذا، حافظ الكرد على شبه حكم ذاتي داخل الشاهانية الفارسية القاجارية نظير دفع جزية.

       وخلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، سعت الإدارة العثمانية إلى احتلال كردستان الغربية بشكل مباشر وإلغاء الإمارات الكردية وفرض العثمنة والمركزية عليها. وبفضل الدعم البريطاني الروسي الفارسي، نجحت العثمانية في إضعاف بابان وإسقاط سوران وبوتان وباهدينان وهكاري وبيتليس مما انعكس على الإمارات الكردية الواقعة تحت الإدارة الفارسية القاجارية. وقد أجمعت الدوائر البريطانية والروسية والعثمانية والقاجارية على حتمية القضاء على الإمارات الكردية والحيلولة دون قيام دولة كردية فتية بين الهلالين الشيعي والسُني.

وامتدت عدوى إسقاط الإمارات والمركزة والاحتلال المباشر إلى النظام القاجاري وكردستان الشرقية. وخلال عام واحد فقط في بداية الحكم القاجاري، وجه الشاه أغا محمد خان (1796-1797م) رسالة دموية قاسية للكرد مفادها أن القاجارية أعنف وأشرس من الصفوية. وقد تجلى هذا بوضوح في ذبح 20 ألف كردي في كرمانشاه لأنهم رفضوا مبايعة الشاه القاجاري. والأبشع سمل  عيون سبعة آلاف كردي.

       وعلى نحو ما فعلت العثمانية والصفوية، عمقت القاجارية إنتهاج سياسة فرق تسُد بين الأمراء الكرد. وعلى مدار أربعة عقود حكمها فتح على شاه (1797-1834م)، سلط أمراء أردلان لمحاربة أقرانهم في بابان مما أدى إلى ضعف الإمارتين. ووضعت الإدارة الشاهانية هدفًا إستراتيجيًا بإلغاء الإمارات الكردية ورفعت شعار “لا أمير كردي يحكم شبرًا”. وفي أعقاب سقوط الإمارات الكردية الغربية (العثمانية)، رسمت الدولتان الشاهانية والعثمانية الحدود بينهما مجددًا خصوصًا وأن الكرد لم يعترفوا بحدود زوهاب، وارتأوا في الفرس والترك أعداء وغزاة ومحتلين. وبرعاية بريطانية روسية، أُبرمت معاهدة أرضروم الثانية في 31 مايو 1847م لترسيم الحدود العثمانية الفارسية وفي القلب منها كردستان. وبموجب هذه المعاهدة، انقسمت عشائر الجاف ومكري بين دولتيّ الشاهات والسلاطين بهدف تمزيق العصبية العشائرية جوهر الحياة الكردية.

       ووصلاً لإستراتيجيات الصهر والقهر القاجاري ضد كرد روجهيلات، أحدث نظام الشاه تغييرًا ديموجرافيًا، كأسلافه وخلفائه، بغية تحويل مُلاك الأرض الأصليين إلى أقلية وسط محيط فارسي شيعي. ولذا، نقلت الإدارة القاجارية خمسين ألف عائلة فارسية شيعية ووطنتهم في سنندج وماهاباد وسقز. واستكمالاً لبرنامج إبادة الكرد في كردستان الشرقية، لجأت القاجارية إلى إفقار وتجويع الكرد عمدًا ومع سبق الإصرار والترصد بفرض ضرائب باهظة على كل شئ. وفي حال عجز الكرد عن السداد، تُجند السلطات القاجارية إجباريًا أبناء الكرد بديلاً للعبودية الصفوية. وإمعانًا في الهوية الكردية، أطلقت القاجارية على كردستان الشرقية “ولاية سنندج”، ومنعت اللغة الكردية في المدارس، وحظرت طباعة أي إصدار بالكردية، بل جرمت استخدام مصطلح كردستان.

       في هذا السياق، سقطت إمارة بابان في عام 1851م، وسقطت إمارة أردلان نهائيًا في عام 1867م، بعد حكم ذاتي دام سبعة قرون، وعينت القاجارية اعتماد الدولة الفارسي الشيعي واليًا عليها. ويُعد إنزال العلم الأردلي من فوق قلعة سنندج علامة نفسية فارقة لدى كرد روجهيلات، وسقوط الشرعية التاريخية للكرد في وطنهم الأم، وتحولهم إلى رعايا فرس “مقهورين”. وصادرت السلطات القاجارية 60% من أراضي العشائر الكردية ووزعوها على قياداتها العسكرية من الفرس تحديدًا. وبعد أن كانت سنندج مركزًا تجاريًا مهمًا بين بغداد وتبريز، تحولت إلى سوق خضار. وعلى هذه الوتيرة، تحولت كردستان الشرقية إلى الولاية الأفقر والأضعف في الدولة الفارسية القاجارية.

       وتماديًا في تفريس سنندج، وطَّن الشاه خمسين ألف فارسي شيعي في سنندج وقروه وبيجار، ومنحهم أراضي الأمراء المصادرة. وبحجة التمرد، هجَّر قسريًا ثلاثين ألف كردي إلى كرمان وخراسان، وحظر ارتداء الزي الكردي. ولاريب أن نسبة 40% فرس شيعة داخل الوسط السكاني الكردي في سنندج صاروا عيون وجواسيس النظام الفارسي الحاكم بدءًا من القاجارية مرورًا بالبهلوية وانتهاءً بالخمينية. وثقافيًا، حرقت القاجارية مكتبة أردلان وقوامها أربعين ألف مخطوطة كردية، وشردت نخبتها الفكرية، وأغلقت مدرستها التي تُعلَّم الكردية والسُنة الشافعية، وحلت محلها مدرسة فارسية شيعية. وبذا، غدا أطفال سنندج المولودين لا يتعلمون الكردية التي ظلت الأجيال السابقة تتعلمها منذ ألف سنة ماضية.

       ومن المفارقات الغريبة وعلى النقيض من الغايات القاجارية، إذا كانت قد أسقطت الإمارات الكردية، فإنها أنعشت القومية الكردية شأن الصفوية التي بعثت ملامح الهوية من ذي قبل. وبعد تسريح الجيش الأردلاني، عاد حوالي 12 ألف جندي كردي إلى قراهم بأسلحتهم وقلوبهم المقهورة، وتحولوا إلى قطاع طرق ومرتزقة وأعداد النظام. والأخطر، شكل هؤلاء مجموعات مسلحة، صارت بمرور الوقت، بؤرًا وقنابل موقوتة ضد الطغاة القاجاريين والبهلويين والخمينيين، والآباء المؤسسين لحركات النضال الكردي في كردستان الشرقية.

       ولاريب أن سقوط إمارة أردلان قد قطع العمود الفقري السياسي للكرد باعتبارها آخر رمز لهم، وأورث جرحًا غائرًا في نفسيتهم ما قبل مأساة ماهاباد لاحقًا (1946م). وهكذا، بعد سبعة قرون شرعية وجيش واقتصاد وثقافة، بدأ سكان كردستان الشرقية حقبة ليست بالقصيرة من الفقر والجهل والتمردات وحُلم استرداد الشرعية السليبة والمفقودة.

       وإذا كانت الصفوية قد أبادت الكرد جسديًا ومذهبيًا، فقد أكملت القاجارية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. ومن المفارقات المثيرة، وُلِدت أسس القومية الكردية في رحم الانتهاكات والاضطهادات القاجارية فيما تبلور في حركة الشيخ عُبيد الله النهري النقشبندي مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر الذي كوَّن العصبة الكردية من اتحاد العشائر، ونادى بتحرير كردستان القاجارية أولاً والعثمانية ثانيًا ثم توحيد كردستان المستقلة عن الفرس المجوس والعثمانيين الكفرة. وكما اتحدت الأستانة وطهران وسانت بطرسبرج ولندن ضد حركة بدرخان بك في أربعينيات القرن التاسع عشر، كرروا ذات التحالف ضد النهري إبان ثمانينيات نفس القرن، وهزموه عسكريًا. ورغم فشل الحركة، فإنها قد قاومت مركزة الإدارتين القاجارية والعثمانية في كردستان، وتشبثت بالمصالح الكردية وسط أمواج متلاطمة إقليميًا ودوليًا. ولابد من الإشادة بها لإبراز خصوصيات كردستان: الأرض، اللغة، المعتقدات، العادات، الإرث الاجتماعي والتاريخي.

       وفي كلمة موجزة، دشنت ثورة النهري الإرهاصات الجنينية للهوية القومية الكردية وسط محيطها الفارسي الشيعي والعثماني السُني. وكانت آخر كلمات الشيخ النهري: “زرعتُ شجرة كردستان. وسقيتها بدمي. وسيأتي أحفادي ليقطفوا ثمرها”. وتأسَّست في 22 أبريل 1898م جريدة كردستان بالقاهرة وتم تهريبها إلى داخل روجهيلات. وكتب حاجي كادر كوي النشيد القومي غير الرسمي للكرد: كرد لا صاحب لهم. وعشية القرن العشرين، ظلت كردستان أفقر مناطق فارس القاجارية وأجهلها وأضعفها.

       وبين عاميّ 1905-1911م، وهي الفترة المعروفة بفوضى المشروطية “الدستور”،استغلت عشائر الجاف وكلهر الفوضى التي سادت البلاد وسعوا لاسترداد الإمارات المفقودة. بيد أن القاجارية استعانت بروسيا القيصرية وقصفت سنندج بالمدفعية. ومستغلاً ظروف الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) وضعف القاجارية، ثار سمكو أغا شكاك بدءًا من عام 1918م، وحكم أورمية أربع سنوات، وأسًّس حكومة إنقاذ.

       وخلاصة القول، صار تصدير صورة الكرد بمثابة العدو المثالي للنظام الحاكم في بلاد فارس. وإذا كانت الصفوية صنفتهم عدوًا سُنيًا كافرًا، فقد نعتتهم القاجارية كونهم متمردين. وإذا كانت الصفوية قد استخدمت ضدهم فرض التشيع إجباريًا بحد السيف، فقد استنزفتهم القاجارية اقتصاديًا وخلخلت بنيتهم السكانية بتوطين الفرس. وإذا كانت الصفوية قد رمت إلى محوهم مذهبيًا، فقد ابتغت القاجارية محوهم سياسيًا بإلغاء إماراتهم الخاصة. والحصاد في كلا النظامين: 70 ثورة كردية مسلحة ضد الصفوية، وإفقار وتفكيك على أياد القاجارية. وخلفت الأولى كرهًا مذهبيًا والثانية كرهًا طبقيًا لاتزال آثاره ممتدة حتى الساعة. ووفقًا لأوجلان (ص 199)، نتج عن هزائم الإمارات العشائرية “تخريبات غائرة في الوجود الوطني الكردي وحريته. فكل هزيمة أدت إلى الإبادة. وكل إبادة كانت سببًا لتصعيد التطهير الثقافي الشامل”.

كردستـــان البهـلــويـــة

       بسيطرة الأسرة البهلوية على سُدة الحكم في بلاد فارس (إيران منذ عام 1934م) عام 1925م، ازدادت أوضاع كرد روجهيلات سوءًا لما يزيد عن نصف قرن، وقد حل الوالي العسكري الفارسي محل الأمراء عدا سمكو شكاك الذي ظل لديه جيش نظامي. واشتدت المجاعة هناك، وسيطر 80% من الإقطاعيين الفرس على الأراضي، وحظرت السلطات استخدام اللغة الكردية وفرضت تفريس الأسماء الكردية. وهيمنت عقدة أردلان على العقل الجمعي الكردي؛ وتحول الكرد إلى رعايا مضطهدين من الدرجات الدنيا.

       وأعلن الشاه رضا بلهوي (1925-1941م) جهارًا بأنه تسلم كردستان جثة، فإما سيدفنها أو سيبعثها فارسية. ويُوصف العصر البهلوي كونه “عصر التفريس بالقوة”. وعلى غرار ما فعل مصطفى كمال أتاتورك من تتريك الكرد قسريًا، تبنى الشاه البهلوي عقيدة دولة قومية فارسية مركزية حديثة استفادت من عوائد النفط في بناء جيش إيراني حديث. وراهن على محو الهوية الكردية رافعًا شعار: إيران واحدة، لغة واحدة، زي موحد.

       وبغية محو الذاكرة الجغرافية، حذف الشاه البهلوي في 1926 اسم كردستان من الخرائط وأسماها الولاية الخامسة ثم سنندج وكرمانشاه. وحتى الآن، يُسجل الكرد في خانة محل الميلاد أنهم مواليد سنندج وليس كردستان. ووصلاً لإزالة الرموز الثقافية، أصدر في عام 1928م قانون الزي الموحد وتجريم الزي الكردي وإجبار الكرد على ارتداء “قبعة بهلوي”. وعلى مضض شديد، حرق الكرد كبار السن ملابسهم الكلاسيكية وانتابتهم موجات بكاء شديدة. وبهدف إنهاء الإسلام السُني الشافعي، أمر بهدم أربعين مسجدًا سُنيًا عام 1930م في ماهاباد وبوكان، وذبح 200 شيخ. وبذا، تسلل التشيع السياسي في نفوس الكرد السُنة حتى  يتمكنوا من الحصول على وظيفة ما. واستمرارًا لتفريغ كردستان من سكانها الأصليين “المقاتلين”، هجَّر الشاه في عام 1935م ثلاثين ألف عائلة كردية بنفس تكتيكات وغايات عباس الصفوي. وحاليًا، ينفصل حوالي 2.5 مليون كردي في خراسان عن الوطن الأم؛ كردستان. ورغم هذا، تميزوا، والكلام لأوجلان (ص 198) بعزم لا يلين في “صون هويتهم وثقافتهم “رغم محاولات صهرهم وشلهم سياسيًا.

       وسياسيًا، نجح الشاه في استدراج سمكو شكاك الذي ظل يقود ثورة ضد السطات الفارسية 1920-1930م بحجة التفاوض واغتاله مع سبعين كرديًا وعلق رأسه في تبريز. وبذلك، قُتل آخر أمير عشائري كردي وانتهى نهائيًا عصر الإمارات، وبدأ عصر الأحزاب الكردية. وقد حوَّل رضا بهلوي كردستان إلى ثكنات عسكرية تُراقب أنفاس الناس وأنباضهم. وإذا كانت السلطات قد نجحت في القضاء على “إدارات القبائل والإدارات الكردية”، فإنها بقيت حسب أوجلان (ص 198) قاصرة إلى حد بارز في بسط نفوذها على الثقافة الاجتماعية.

       وفي عام 1941م، نفى الحلفاء الشاه رضا بهلوي، ودخلت إيران فوضى لمدة أربع سنوات. وفي 22 يناير 1946م، أعلن قاضي محمد في ميدان جوارجرا تأسيس جمهورية كردستان الديمقراطية “كوماري كوردستان” في ماهاباد بدعم سوفيتي لتكون ثاني كيان سياسي كردي في التاريخ المعاصر بعد إفشال مملكة البرزنجي مطلع عشرينيات القرن العشرين. تأسَّست على 37 ألف كم2، ويقطنها 1.2 مليون نسمة. وعلى مدار عمر ماهاباد القصير (11 شهرًا)، ألغى الكرد قوانين العشائر الكردية ووضعوا دستورًا مدنيًا، وصاغوا نشيدًا وطنيًا Ey Reqib وأسسوا البيشمركة كقوات مسلحة تسليحًا خفيفًا سوفيتيًا قوامها 12 ألف مقاتل. وتولت مينا خانم قاضي وزارة الثقافة والإرشاد لتكون أول وزيرة كردية، بل وأول وزيرة في إيران. وقد أدارت إذاعة صوت كردستان، وأشرفت على 120 مدرسة كردية اللغة والمناهج، وأصدرت مجلة هاوار للمرأة، وأسست فرق فلكولور، ومنعت تعدد الزوجات، وشجعت على تعليم البنات.

       وقد شهدت هذه الفترة تأسيس حزب كومله جيانفه (1942م) والحزب الديمقراطي الكردستاني في ماهاباد  PDki (1945م)، وهو أقدم حزب كردي قائم حتى الآن (ومقره كردستان العراق) رافعًا شعار “ديمقراطية لإيران، حكم ذاتي لكردستان”. بيد أن شهر العسل الكردي لم يدم طويلاً. إذ أن الحليف السوفيتي رفع يده عن الكرد مقابل النفط وتركهم بلا حماية وسلاح وذخيرة في مواجهة الجيش الإيراني المجروح الشرس. وفي الداخل الكردي، خانت عشائر الشكاك جمهورية ماهاباد. وفي الخارج، لم تنل الجمهورية الكردية اعترافًا دوليًا.

       والحصاد: سقطت أول جمهورية كردية في التاريخ المعاصر. وفي 31 مارس 1947م، أعدمت سلطات الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979م) قاضي محمد في ميدان جوارجرا الذي أعلن منه قيام الجمهورية مع رفاقه. وتُركت الجثث معلقة على المشانق لتكون بمثابة رسالة شاهانية لمصير أي كردي يحلم بدولة. وقُبيل إعدام قاضي محمد، علَّق على نهاية تجربة ماهاباد وإعدامه: “سوف تندم إيران على قتلي. لأنه سيظهر جيل يرتدي حزامًا ناسفًا بدلاً من البذلة”. ورغم مرور ثمانين عامًا على تجربة ماهاباد، فقد ظل علمها (وهو حاليًا علم إقليم كردستان الجنوبية بالعراق)، وبقى نشيد وطني في ماهاباد، وتَحوَّل قاضي محمد إلى أيقونة قومية حيث لا يخلو بيت كردي من صورته، وتراكمت التجارب الحزبية الكردية، وتَحوَّل كثير من الكرد من العشائرية إلى القومية، وصار ميدان جوارجرا كعبة سياسية يبدأ منها الحراك الثوري الكردي. وفي تحليل أوجلاني لتجربة ماهاباد (ص 199)، أنها تعَّرضت لمزيد من السحق والاضطهاد مما ضاعف في “وهن الوجود الوطني والحرية الوطنية” وتخبطهما في حالة من اليأس رغم طبيعتها “الشعبية العصرية”. وعلى خلفية مذابح ديرسيم (1937م)، تلاقت البهلوية مع الأتاتوركية في “تجذير التجزؤ الكردي” و “القضاء المشترك على حركة الحرية الكردية”.

       وإذا كانت إستراتيجية الشاه الأب الكردية قد اتسمت بكونها “مطرقة تفريس”، فقد اتسمت إستراتيجيات الشاه الإبن بأنها قفاز حريري فوق يد حديدية. ولاغرو؛ إذ استخدم في سياساته الكردية الإبادية وسائل غير المذابح وضعت الكرد في ظروف معيشية أدت إلى هلاكهم. وقد تعمدت السلطات البهلوية تجفيف منابع كردستان الشرقية اقتصاديًا، وحولت 90% من ميزانيتها ومواردها إلى جهات سيادية لاسيما الجيش والأمن. ولذا، ارتحل الشباب الكردي بحثًا عن أي عمل وضيع. وحظر استخدام أي حرف كردي في كتاب. وحتى الساعة الكردية يوميًا في الإذاعة الإيرانية، خصصتها السلطات لمدح الشاه مما أثر على إجادة أجيال الكرد مواليد الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الماضية للغة الكردية، وصاروا نصف كردي ونصف فارسي. وسعيًا لتدمير النسيج الكردي، استخدم الشاه السلاح القديم الدائم “فرق تسد”، بالانحياز إلى عشائر الجاف ومنحهم الرواتب والمراتب “لقب خان” ضد عشائر الشكاك صاحبة الإرث الدموي العدائي مع الأنظمة القاجارية والبهلوية.

       وفي عام 1957م، أسس الشاه “منظمة المخابرات وأمن الدولة” (سافاك) لحماية الشاه من أعدائه ومعارضيه تحت تدريب المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي. وفي كلمة، كان نظام سافاك عيون الشاه وأياديه الباطشة. وقد أطلق الكرد عليها “كابوس الشعب الكردي”، وتملك الخوف ديارهم لدرجة أن الآباء خشوا الحديث لأبنائهم عن التاريخ الكردي. وباختصار، ضبط سافاك كتابًا كرديًا كان معناه عشر سنوات في غيابات السجون الإيرانية بتهمة تهديد الأمن القومي الإيراني. وفي سجون الشاه تحت الأرض، عانى الكرد كل صنوف التعذيب، أقلها الجلد وأبشعها الصعق بالكهرباء وأفظعها خلع الأظافر. وقد انتشر الرعب الصامت بين الكرد جراء الإخفاء القسري ثم ظهور الجثث ملقاة في سد ماهاباد بعد ستة شهور. وإذا كان جهاز سافاك يُراقب سياسيين في طهران، فإنه في كردستان يُراقب الأنفاس والأنباض. ولما لا؟ فكل كردي هو مشروع انفصالي محتمل مستقبلاً. وبذا، تحولت كردستان إلى سجن مفتوح، وتحدث الكرد همسًا خشية سماع مُخبري سافاك المنبثين في كل حدب وصوب، وزرع الشكك في نفوس الكرد وفي كل بيوتهم. وإذا كانت الجدران لها آذان في طهران، ففي كردستان الشرقية صارت الجبال لها آذان، ولا يعرف الكرد أسماء زملائهم الحقيقيين.

       ولاريب أن من أفظع موبقات سافاك هو إحراق مكتبة سنندج عام 1968م وقوامها ثلاثين ألف كتاب كردي وفارسي بحجة وجود كتب شيوعية بها. وبذا، محوا ذاكرة مدينة كاملة. ومنذ منتصف ستينيات القرن العشرين، أعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني PDKI تنظيم نفسه، واشترك في ثورة مسلحة في مارس 1967م في ماهاباد وأورميا. بيد أن نظام الشاه استخدم الطيران ضد الثوار في الجبال وقتل حوالي أربعة آلاف كردي. وآنذاك، تأسّس حزب منظمة كردستان للحزب الشيوعي الإيرني (كومله) في عام 1969م رافعين شعار تحرير العمال قبل كردستان انطلاقًا من الماركسية اللينينية على عكس الحزب الديمقراطي الكردستاني PDKI. وفي عام 1973م، انتخب PDKI الدكتور عبد الرحمن قاسملو (1930- 1989م) رئيسًا للحزب واعتمد مجدَّدا شعار “الديمقراطية لإيران والاستقلال الذاتي لكردستان “مع التعهد بالنضال المسلح.

       ومهما يكن من أمر، بينما كان الشاه الأب سفاح الكرد ومهجرهم قسريًا، كان الشاه الابن بمثابة القاتل البطئ باستخدام التجويع والتجهيل. وبينما ابتغى الأب محوهم من كردستان وعمومً إيران، فقد راهن الابن على محوهم من التاريخ والجغرافيا. وإذا كان الجيش أداة الأب التنفيذية، فقد استخدم الابن جهاز سافاك والإعلام والمدارس. وبينما أسفر الحراك الثوري أيام الشاه رضا بهلوي عن ماهاباد (1946م)، فقد ظل كرد روجهيلات قرابة ثلاثة عقود شبه صامتين عدا بعض التنفيسات الثورية الفاشلة.

       ولاريب أن سياسات الشاه الأب قد استكملتها إستراتيجيات الشاه الابن على درب إبادة الكرد في شرق كردستان. ولكن إذا كان الأب قد كسَّر عظامهم، فالإبن قد أرهق نفسياتهم. وتبقى أن المحصلة البهلوية واصلت مسلسل إبادة الكرد في بلاد فارس (إيران). وإذا كانت الصفوية قد واصلت محوهم مذهبيًا وابتغت القاجارية محوهم سياسيًا واقتصاديًا، فقد رمت البهلوية إلى محوهم قوميًا من التاريخ والجغرافيا. وبذا، أضافت البهلوية إرثًا من الكراهية فوق الإرثين المذهبي والطبقي لدى العقل الجمعي الكردي حين عمدت بكل الوسائل إلى محو هويتهم الكردية وتحويلهم إلى مجرد مواطنين إيرانيين من الدرجة الثانية.

       وفي الواقع، كما كان الكرد ضحايا التتريك في باكور (جنوب شرق تركيا) زمن الأتاتوركية وضحايا البعثيين في العراق (باشور) وسورية (روج أفا) لاحقًا، فقد صار كرد روجهيلات ضحايا التفريس القسري عندما تبنت البهلوية إستراتيجية شوفينية لتأسيس دولة إيرانية فارسية قومية ذات جنس واحد ولغة واحدة. بيد أن النظام قد اصطدم بأن الفرس يُشكلون 55% فقط من البنية السكانية مقابل 45% خليط من الآذريين (20%) والكرد (12%) واللور (7%) والعرب (3%) والبلوش (3%) والتركمان وعناصر أخرى (2%). وبذا، تضم إيران سبع قوميات على الأقل. ولذا، سعى النظام بكل أدواته الباطشة والناعمة لتفريس القوميات الأخرى لاسيما الكرد الذين لديهم خبرات واسعة في الميدان الثوري وحمل السلاح وعقدة ماهاباد. وتمادى النظام في نعتهم واتهامهم بالانفصاليين. وبغية إلغاء شرعية الوجود الكردي في إيران، بدأت المناهج الدراسية تاريخ إيران من كورش الفارسي وأسقطت العصر الميدي، وكذلك لا سطر واحد عن 700 سنة حكم ذاتي في أردلان.

       وجدير بالتسجيل أن البهلوية قد اتخذت من كردستان تحديدًا معياريًا لإنجازاتها في محو الهويات غير الفارسية. وإذا كان مختبر تفريس الكرد نجح نسبيًا في المدن، فقد فشل في الجبال. وإذا كان الجيش البلهوي قد نجح في السيطرة على المدن، فالبشيمركة قد احتلت الجبال لاسيما 80% من جبال زاجروس عكس عرب اِلأهواز في السهول مما يسر للنظام الهيمنة عليهم.

       ورغم علمانية شاهات البهلوية، فإن الشيعية جزء لا يتجزأ من كيانية إيران منذ الصفوية. ولذا، صارت السُنية بمثابة عدوها الأيديولوجي. ورغم أن الهلال السُني داخل إيران (كردستان، إيلام، الأهواز، زاهدان) محاصرًا وسط محيط شيعي، ففي رحمه يختمر الحراك الثوري: 1979م من كردستان، 2022 مهسا أميني كردية، 2025 تمرد بلوشستان. وبذا، عانى الكرد من ويلات اضطهاد مزدوج: مذهبي قومي. ومن المفارقات، رغم أن الآذريين شيعة وعلاقتهم حميمة بالنظام، فإنهم مضطهدون قوميًا، ويسعى ذووا قرباهم في أنقرة وباكو لتوظيفهم بمثابة ورقة ضغط إستراتيجية وأيديولوجية ضد طهران. وهكذا، كلما كانت القومية سُنية، ضاعف نظام الشاه اضطهادها. وكلما ازداد الاضطهاد، حملت القوميات المضطهدة السلاح وبالأخص الكرد والبلوش. ووفقًا لأوجلان (ص 198)، حافظ الكرد على خصائصهم القومية بدرجة مهمة بسبب “تضادهم مع الثقافة الشيعية الرسمية”. عكس الكرد الشيعة واللور الذين انصهروا مبكرًا في البوتقة الشيعية.

وجيوستراتيجيًا، تماست كردستان إيران (روجهيلات)عضويًا مع كردستان تركيا (باكور) وكردستان العراق (باشور)، مما أسهم في التهاب الحدود الإقليمية. وهكذا، قدر الكرد أن تكون بلادهم ميادين قتال لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولكنهم دفعوا فواتيرها. واقتصاديًا، تمادى النظام البهلوي كردستان في إفقار مما دفع شبابها إما للهجرة وامتهان حِرف متواضعة في طهران والمدن الأخرى أو الانخراط في التنظيمات المسلحة. وتمخض عن ممارسات سافاك الدموية والقمعية تكريس ثقافة الشك واتجاه الكرد إلى تدشين آليات الخلايا السرية الصغيرة في الممارسات الحزبية والقسم بدم قاضي محمد.

       هكذا، أضحت بانوراما كردستان البهلوية بمثابة سجن جدرانه لغة وزي وتاريخ. وسارت يوميات الطفل الكردي على وتيرة واحدة. في الصباح، الذهاب بزي موحد غير كردي إلى المدرسة، ولا ينطق بكلمة كردية ويُردد في الطابور تحية الشاه والعلم الإيراني. وتُركز دروس التاريخ على أنهم آريون من نسل كورش، ولا وجود لأية كلمة عن كردستان. وفي المغرب، تقتحم قوات سافاك ديار الكرد علها تجد راديو، والتهمة السماع إلى إذاعة بغداد الكردية، والعقاب سجن من لديه راديو. وفي جنح الليل، يتهامس الآباء والأجداد بصوت خفيض جدًا:  “كان ياما كان .. كان عندنا دولة إسمها ماهاباد”. وإذا سمع مخبرو سافاك هذا الصوت الهامس، فالعقاب عشر سنوات في غيابات سجون النظام الأرضية.

       ورغم كل هذا وعلى النقيض تمامًا من الغايات البهلوية الشوفينية المتطرفة، غدا كرد إيران أكثر تشبثًا بكردستان وتعصبًا لها أكثر مما كانت أيام صعود البهلوية (1925م). وجادت قرائح الشعراء الكرد (هيمن، هزار) بأعظم القصائد بالكردية في محابسهم تحت الأرض. وصار قاضي محمد رمزًا وأيقونة كردية، وصورة في كل البيوت الكردية. وحمل الكرد الجوعي السلاح الذين حصلوا عليه عبر الحدود الإيرانية التركية العراقية. وبدلاً من قطيعة روجهيلات مع باكور، نشطت عمليات التهريب والزيجات والمقاتلين الذين سينضمون للتنظيمات الكردية التي ستظهر لاحقًا.

كــردستـــان الخمينيــة

       طبيعيًا، أن يتعاون كرد إيران المقهورين تحت حكم الشاهانية البلهوية مع الحراك الثوري الخميني مقابل “وعد” بحكم ذاتي في حال نجاح الثورة الإسلامية. وفي أعقاب وصول الإمام الخميني إلى رأس سلطة الجمهورية الإيرانية الإسلامية في فبراير 1979م، التقى وفد من حزب PDki بالخميني وكانت الصدمة، بدلاً من الحكم الذاتي “المتفق عليه”، رد الخميني:” الإسلام لا يعرف قوميات. لكم كل الحقوق”. أكثر من هذا، أفتى في مارس 1979م بالجهاد ضد الكرد وكردستان ردًا على رفض الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني حل قوات البيشمركة. وقد أسفرت المواجهات والقصف المدفعي على ماهاباد وسنندج وباوه لمدة ثلاثة شهور عن قتل عشرة آلاف كردي فيما أسمته السلطات الخمينية بـ “تصفية أوكار الانفصال”.

       وبذلك، انتهى شهر العسل القصير بين كرد روجهيلات والنظام الجديد في طهران. ومن ثم، تأكدت المعادلة الإيرانية التاريخية ومفادها: دولة دينية (شيعية) مركزية في مواجهة قومية كردية سُنية، وهو ما يعني استمرار الصدام بين الدولة والكرد. وأدرك الكرد مبكرًا أن العمامة أضل كثيرًا من التاج.

       ولهذا، شهدت ثمانينيات القرن العشرين أحداثًا دموية ومأساوية دعت إلى توصيف هذا العقد بـ “عقد الإبادة”. عسكريًا، حروب شوارع من الجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني ضد بيشمركة PDki وكومله. والحصاد: 50 ألف قتيل كردي، وتدمير 200 قرية عن بكرة أبيها. وكذا، سلسلة من الإعدامات بتهمة “عدو الله” في محاكم صورية لا تزيد مدة انعقادها عن ثلاث دقائق، راح ضحيتها مثلاً في عام 1988م ثلاثة آلاف سجين كردي خلال أسبوع واحد فقط فيما سُمى بـ “مذبحة السجون”. ونظرًا لأن كردستان صارت منطقة محظورة عسكريًا وليس بها أية استثمارات، فقد انتشرت البطالة بها حتى أصبحت أفقر محافظات إيران. وتوغلت إيران الخمينية في استكمال برامج الإبادة الثقافية للقومية الكردية بدءًا من منع استخدام كل ما هو كردي حديثًا وكتابةً وأزياءً وأسماءً وفرض التشييع الإجباري بوسائل ناعمة. وفي عام 1983م، ألغى الإمام الخميني قوات سافاك وحل محلها وزارة الإطلاعات لتقوم بذات المهام.

       ورغم هذا، فشل القمع العسكري ضد كرد روجهيلات طوال الثمانينيات. وبوفاة الخميني عام 1989م وصعود خامئني، عَدّلت الإدارة الإيرانية إستراتيجياتها الكردية، وعمدت إلى اغتيال القيادات وعلى رأسها د. عبد الرحمن قاسملو في عام 1989م في فيينا أثناء مفاوضاته مع عناصر من النظام. وتكرر سيناريو الإعداد عام 1992م؛ شرفكندي أمين عام الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (1989-1992م). واستمرت كردستان “منطقة أمنية”. وإذا حاول أحد المستثمرين دخولها، فالتهمة المعلبة الجاهزة وسرعة المحاكمة هي: تمويل الإرهاب. وشيدت السلطات مستوطنات للحرس الثوري، ونقلت حوالي 300 ألف شيعي إلى ماهاباد. وأغرقت الأجهزة الأمنية الإيرانية كردستان بالمخدرات. ولهذا كله انتقلت كوادر PDki وكومله إلى العراق. وبقيت كردستان مقبرة صامته لما يُناهز العقد من الزمان.

       وعشية نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ومع وصول محمد خاتمي لرئاسة جمهورية إيران الإسلامية (1997-2005م)، رفع شعار إيران لكل الإيرانيين وحوار الحضارات. ونظير أصوات الكرد أثناء حملته الانتخابية، قدم لهم وعودًا بمجتمع مدني وحقوق أقليات وعدم اعتقالات سياسية وتنمية كردستان خاصة أن الكرد فصيل مهم في فسيفساء إيران. بيد أن خاتمي رئيس بلا صلاحيات مبتسم ومثقف، واجهة ناعمة لنظام خشن.

       وثمة قليل جدًا قد تم تنفيذه على أرض الواقع من وعود خاتمي البراقة. وبدلاً من تعيين وزير كردي سُني من قلب كردستان، عين وزيرًا كرديًا شيعيًا من مدينة قم صار جاسوسًا على الكرد السُنة. وسمح بساعتين فقط اختياري لتدريس اللغة الكردية في خمس مدارس فقط من بين ثلاثة آلاف مدرسة شريطة أخذ الموافقات الأمنية. وحتى إذاعة كردستان التي تبث ساعة فقط يوميًا، تخصصت في إذاعة الأغاني وامتداح خامئني وممنوع الأخبار. وازدادت البطالة في كردستان لأن 98% من الميزانية الإيرانية ذهبت إلى قم ومشهد وأصفهان. ناهيك عن هدم مساجد سُنية وتحويلها إلى حسينيات.

       وعلى المستوى السياسي وحقوق الإنسان، عندما تظاهر طلاب جامعة ماهاباد يوم اللغة الكردية عام 1999م، فتح الحرس الثوري النار عليهم وقتل 12 طالبًا. ولم يتدخل خاتمي الإصلاحي. وقصف الحرس الثوري مقرات الأحزاب الكردية  في كوي سنجق بالعراق 15 مرة راح ضحيتها 200 قتيل. وعلق خاتمي: “شأن أمني”. وأثناء انعقاد مؤتمر اتحاد الكتاب الكرد في سنندج، اعتقل الأمن الإيراني خمسين كاتبًا، مات عشرة منهم جراء التعذيب في السجن بتهمة “قراءة شِعر كردي”.

       وأمام خداع خاتمي، تخلى الجيل الكردي الجديد عن آليات السياسة والبدلة والمفاوضات وشيخوخة الأحزاب، ظهر في المشهد الكردستاني عام 2004م حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK من كوادر حزب العمال الكردستاني PKK وشباب إيراني. وقد تبنى  أفكار المناضل والمفكر الأممي عبد الله أوجلان آنذاك بتأسيس كونفدرالية ديمقراطية بديلاً عن الدولة القومية والحكم الذاتي. وبذا، تبدأ صفحة جديدة في روجهيلات والعلاقات مع النظام الإيراني. وجدير بالتسجيل أن كرد إيران قد استقبلوا مؤامرة اعتقال المفكر والمناضل أوجلان وفترة إمرالي بـ “حداد قومي عميق”، وضحوا بالعديد من الشهداء في تظاهرات الاحتجاج التي نظموها، وقدموا الدعم والتضامن، وأسسوا مواقفهم من خلال حزب البيجاك آنف الذكر، وسعوا من خلاله إلى تحويل الإحباط المتولد عن الكيانات العقيمة إلى أمل واعد وانبعاث جديد.

       وازدادت أوضاع كرد شرق كردستان سوءًا أثناء حكم أحمدي نجاد (2005-2013م). في تلك الفترة، دمرت العقوبات على نووي إيرن اقتصادها، ودفعت كردستان الثمن. وسيطر الحرس الثوري عليها تمامًا بتعيين محافظها رسميًا منه. وبحجة أن بحيرة أورميا معقل PDki جففتها السلطات عمدًا وتسببت ملايين أطنان الملح في تدمير الزراعة. وعن الإعدامات، حدث ولا حرج؛ إذ أن 60% من الإعدامات سياسية ومن نصيب الكرد بتهمة تهريب كيلو شاي مثلاً.

       ورغم دخول مليارات الدولارات زمن رئاسة روحاني (2013-2021م)، فقد أنفقتها إيران على الصواريخ، وخرجت كردستان صفر اليدين. وازدادت البطالة بين الكرد الذين اضطروا إلى العمل شيالين تهريب على ظهورهم في الجبال (كولبر). وبدم بارد، يستمتع قناصة الحرس الثوري باصطيادهم بمتوسط 500 قتيل من خيرة شباب الكرد سنويًا. وعندما ارتفعت الأسعار بين عامي 2017-2019م ثار الإيرانيون عمومًا، وقتل الحرس الثوري 200 كردي من بين 1500 قتيل بالرصاص الحي.

       وزمن رئيسي (2021-2026م)، انكسر حاجز الخوف نسبيًا، وبدأت المعادلات تتغير. ففي 16 سبتمبر 2022م، قتلت شرطة الأخلاق الإيرانية فتاة كردية من سقز تُسمى مهسا أميني بسبب ظهور خصلة شعر من حجابها واسمها الحقيقي زينا (الحياة) بالكردية. وهكذا ماتت الحياة على أياد شرطة الأخلاق. وتحولت جنازتها إلى مظاهرة ضمت عشرة آلاف هاتفين “امرأة، حياة، حرية”، وهو الشعار الذي صاغه أوجلان في ثمانينيات القرن العشرين وتستخدمه مقاتلات YPJ في سورية. وجوهر الشعار عكس عقيدة الملالي. ولأول مرة في المشهد الإيراني، يُصبح شعارًا كرديًا أيقونة للفرس والبلوش والآذريين والعرب. وتغيرت الصورة النمطية السلطوية عن الكرد كونهم انفصاليين حيث أصبحوا طليعة الثورة الإيرانية. وحسب تحليلات إيرانية، ليس الخطأ قتل فتاة، ولكن الخطأ أن اسمها زينا وشعارها كردي.

       ورغم أن النظام الإيراني قد أنكر حادثة القتل، فقد قطع الإنترنت وأنزل قوات الحرس الثوري والباسيج وقصف مقرات الأحزاب الكردية الإيرانية (في العراق) بالصواريخ الباليستية. وبعد ستة شهور: 600 قتيل، معظمهم في كردستان، 20 ألف معتقل، سبعة إعدامات علنية، قصف المدن الكردية بالرصاص الحي فيما أسماها النظام “عملية شهداء الأمن” تبريرًا للقتل. ومهما يكن من أمر، فجرت زينا كبت 43 سنة قمع وقهر، وصار اسمها أيقونة كردية إنسانية. وعندما سرق الحرس الثوري شاهد قبرها أكثر من مرة، لحمه الأهالي في الأرض بخرسانة طولها مترين. ورغم موت جسد زينا، فإنها قد أعطت الحياة لإيران، وتحول الكرد من كونهم قضية أمنية إلى مسألة إيرانية.

       وعلى امتداد 47 سنة من حكم الملالي، تحولت كردستان إلى ثكنة عسكرية تُراقبها كاميرات عالية الجودة، وأفقر إقليم تتسيده البطالة. وليس هناك أي وجود سياسي كردي في الحياة العامة. وقد كرست حقبة الملالي عدم تعيين أي كردي في وظائف ومناصب عليا. وعمد النظام إلى إفقار كردستان وتغيير ديموجرافيتها بتوطين الشيعة بداخلها. وتهم النظام جاهزة لأي احتجاج كردي: انفصالي، وهابي، تخابر مع إسرائيل وأمريكا. كما أن النظام الإيراني صنف حزب البيجاك بأنه “إرهابي”. وفي الواقع، يتبوأ حزب بيجاك PJAK حاليًا مكانة مهمة كقوة مؤثرة تحت لواء kck. ويُشكل منبع أمل نابض بالحيوية بالنسبة للكرد من خلال شهدائه ومناضليه السائرين قدمًا على درب الدفاع الذاتي. وتُعد توجيهات بيجاك المنطلقة من الديمقراطية العصرية تجسيدًا لانطلاقة ثورية حقيقية للكرد وكردستان في إيران.

       والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هنا: ماهي وضعية روجهيلات (كردستان إيران) عندما شنت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حربها ضد إيران في 28 فبراير 2026؟.

   منذ أن بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية “الغضب الملحمي” ضد إيران التي ردت بـ “الوعد الصادق”، دخل الجبل الكردي في إيران وجواراتها في منعطف جد خطير ومُعضِلة شائكة. ولاريب أن كرد إيران قد استحضروا أمام عيونهم وفي نفوسهم تاريخًا طويلاً من القهر الإيراني طامحين إلى التخلص من هذه النظم التي تستنزفهم وتبيدهم ماديًا وثقافيًا منذ أكثر من خمسة قرون ونيف خصوصًا بعد كسر الهيبة باغتيال خامئني المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الإسلامية.

       وفي مراحل مبكرة من الحرب، طلب ترامب من المعارضة الكردية التحرك بريًا عبر حدود إقليم كردستان العراق لإسقاط نظام الملالي في إيران، ولكن بدون أية ضمانات وتوفير دعم عسكري عالي المستوى. وفي الميدان، لاشك أن الكرد مقاتلين أشداء، ولكن عددهم محدود وتسليحهم تقليدي. ومن ثم، أي جهد كردي منفردًا عن منظومة المعارضة الإيرانية لمن يُسقِط النظام وعواقبه وخيمة مستقبلاً. وقد اكتسب الكرد خبرات واسعة من خيبات الأمل التي أصابتهم على مدار قرنين من النضال التحرري، ولم يعودوا الوثوق بالعامل الخارجي لاسيما الأمريكي بعد تجربة روج آفا في سورية. وأمام تناقضات ترامب اللامتناهية، آثرت المعارضة الكردية عدم الزج بأنفسهم في أتون حرب إقليمية وعالمية عواقبها غامضة وبلا ضمانات.

       ولاريب أن المحيط الإقليمي لن يسمح بميلاد كيان كردي جديد يُربك المعادلات الإستراتيجية والتوازنات الاقتصادية خصوصًا تركيا. ولذا، رغم تناقضات الأحزاب الكردية أيديولوجيًا وسياسيًا، فإنها قد تريثت في اتخاذ موقف إزاء الحرب الدائرة وقرأت المشهد بعقلانية شديدة الشك والحذر مع مخزون خبرة تاريخية من عدم وفاء القوى العظمى بوعودها. كما أن المعارضة الإيرانية لا تقدم تطمينات قوية حول مستقبل كرد روجهيلات في حال سقوط نظام الملالي. وفي نفس الوقت، ربما تسفر البرجماتية السياسية عن اتفاق طهران وواشنطن مما يضع الكرد في مأزق خطير. ومما يُعقد موقف كرد إيران وجود فصيل منهم “الجاش” المتواطئين مع النظام ومستفيدين منه وحريصين على استمراره.

       وحسنًا فعلت سبعة أحزاب كردية عندما ائتلفت في فبراير 2026 مكوَّنة إئتلاف القوى السياسية في كردستان إيران. وقد أكد الإئتلاف على أهمية وحدة الكرد لنيل حقوقهم وأهمية التحول الديمقراطي التدريجي وكذلك ترسيخ النظام الديمقراطي والإداري في كردستان إيران وكذلك التحالف مع القوى أحزاب ومنظمات المجتمع المدني الإيراني على اساس قبول الديمقراطية، وبذا، لم يصبح الكرد أدوات للقوى الخارجية وقد رفضوا الانخراط في هذه الحرب وبذلك استوعبت الأحزاب الكردية الدروس التاريخية والتجارب الاستراتيجية خصوصًا أن تكون كردستان بوابة إسقاط الأنظمة الإيرانية وتحَّول الكرد إلى “عدو داخلي متعاون مع الخارج” في ظل تربصات إقليمية بالقضية الكردية.

       ويبدو أن الأحزاب الكردية قد استوعبت الرؤية الأوجلانية إزاء “الواقع الوطني الكردي المعاصر” لتأمين وجوده ونيل حريته في خضم تيارين متنافرين ( ص ص 200-201). أولهما: تيار القضاء عليه وإخراجه من كونه أمة ومنعه من التحول إلى مجتمع وطني حر، ومن ثم، إفنائه بدءًا من الاحتلال والاستعمار، مرورًا بالإبادة والتنكيل وصولاً إلى الصهر والتطهير العرقي. ولا يُنظم هذا التيار الإبادة الجسدية فقط، وإنما يُنظم الإبادة الثقافية. وثانيهما: التيار المناقض للأول تلقائيًا ويسير على منوال واع ومنظم وعملياتي يتطلع إلى تمكين الوجود كأمة كردية، وإلى تأمين سيرورة ذلك الوجود، وتوحيد جميع أجزائه وتحريرها، ومن ثم، يهدف إلى إنشاء المجتمع الوطني الكردي الحر.

       ولا ريب أن سياق نضال الحفاظ على الوجود القومي الكردي وتحريره، سيتحدد مصيره وفق نضالات قوى الحرية والديمقراطية باستراتجيات وتكتيكات شاملة تعمل أساسًا بالمقاومة التي سكلتها في الميادين الأيديولوجية والعسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصاددية والدبلوماسية، وستظل تسلكها حتى آخر رمق من أجل الوجود الثقافي الكردي طبقًا للمفكر الأممي عبد الله أوجلان. وفي هذا الصدد، فرض حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) نفسه على المشهد السياسي بروجهيلات. إذ يطرح رؤية ملائمة للكرد وكردستان في إيرن قوامها تركيبة جديدة نموذجية تتوسط المسافة بين التقاليد الإيرانية والحداثة، وتلعب دورها الريادي بجعل وحدة إيران وتكاملها خيارًا بديلاً مستندًا إلى العصرانية الديمقراطية. وسوف يستمر البيجاك بمد إيران وكل المنطقة بالضياء والدفء مثلما النار التي ظلت مشتعلة على حواف وقمم جبال زاجروس طوال التاريخ الإيراني داخل اتحاد الأمم الديمقراطية الشرق أوسطية.

       وختامًا، يجب على الكرد استيعاب المعادلة الإستراتيجية الجديدة؛ إذ أن الحرب الدائرة ليست صواريخ وتخصيب يوارنيوم، بل حرب شرسة وضارية للهيمنة على ممرات عبور النفط والغاز والبضائع، والموانئ والسكك الحديدية، والممرات التي تتحكم في حركة التجارة العالمية. وهنا، تكمن عبقرية موقع وموضع كردستان الجيوستراتيجيين بين مشروعين للهيمنة: أولهما أمريكي يسعى  إلى السيطرة على شرايين الطاقة والممرات، وثانيهما صيني يسعى لبناء طرق بديلة وكسر الحصار الجيو- اقتصادي الذي تفرضه واشنطن. وبذا، تكون الحرب الدائرة حرب خرائط حول الأماكن التي ستمر منها الثروة العالمية في العقود القادمة. وبذا، لم تعد إيرن وكردستان مجرد جغرافيا سياسية مضطربة، بل أصبحتا مفاصل حساسة في هذه المواجهة للسيطرة على مسارات المستقبل العالمية.

       وهكذا يمر العالم بمخاض ولادة خريطتين متنافستين ومتصارعتين. الخريطة الأولى: مشروع الصين لربط شرق آسيا بآسيا الوسطى وإيرن والعراق وتركيا ثم أوروبا. والخريطة الثانية: مشروع الولايات المتحدة لبناء مسار مواز يمتد من الهند إلى الخليج والسعودية والإمارات وإسرائيل والبحر المتوسط بحيث يتجاوز إيرن ويُطوَّق الصين.

       على  هذا النحو، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ميدان حروب بالوكالة، وإنما ساحة معركة لمهندسي الممرات. ولهذا، تسعى واشنطن إلى ترتيب مسارات العبور تحت ظل حلفائها أو ضمن مداها العسكري والصاروخي. وفي المقابل، تسعى بكين إلى استعادة هذه الشرايين عبر البحر والاستثمار والربط السككي. وبذا، يكون كل خط سكك حديدية وخط أنابيب ومضيق “قضية أمنية”. ولم تعد تل أبيب مجرد لاعب أمني أو عدو تقليدي وأيديولوجي لإيران، بل تحولت إلى ذراع عسكري ولوجستي للمشروع الأمريكي. وما يُقلِق تل أبيب أن تكون طهران حلقة الوصل بين الشرق والغرب. وهنا، تكون إيران المحاصرة والمضغوطة مهمة للحفاظ على تفوق المسارات البديلة، وإيران المستقرة والترانزيت تكون خصمًا من المشروع الجيو- اقتصادي الغربي. وهكذا تقع إيران في قلب هاتين الخريطتين لاسيما وأنها واحدة من أكثر العُقد حساسية في الجغرافية السياسية للعالم، وأخطر عُقدة إستراتيجية عالمية بسيطرتها على الخليج وهرمز ومفتاح آسيا الوسطى والقوقاز.

       ووسط هذه العُقد الكبرى، تقع جغرافيا أكثر حساسية؛ إنها كردستان التي تمتد على أحزمة الربط البري بين الخليج والأناضول والقوقاز وآسيا الوسطى والمتوسط. وبذا، لا تُعدو كردستان أن تكون مجرد أرض ذات قضية قومية غير محلولة، وإنما منطقة تنهض فوق خطوط الأنابيب ومسارات محتملة للسكك الحديدية وخطوط ترانزيت وشرايين عسكرية.

       وبدون المرور بمحيط كردستان لا يكتمل الاتصال البري لإيران بالمتوسط، ولا اتصال العراق بتركيا، ولا اتصال سورية بعمق غرب آسيا، ولا حتى بعض مسارات الطاقة من القوقاز إلى الجنوب. وفي كلمة، ليست كردستان هامشًا سياسيًا لأربع دول، بل مفصلاً جيوسياسي لأربع دول. ولهذا السبب تحديدًا، كانت كردستان طوال القرن العشرين مناطق عسكرية وأمنية ومقسمة بين الدول.

       وفي الواقع، تُدرِك القوى الإقليمية والدولية أن أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الحقيقي أو الاستقرار  الشعبي أو تشكيل إرادة مستقلة في جغرافيا كردستان، ستكون قادرة على تغيير معادلات الممرات. ولذلك، لم تُحاصر هذه القوى كردستان من أجل الهوية أو القومية وإنما بسبب موقعها الجيوستراتيجي في معركة الممرات. وفي كلمة، تقع كردستان في قلب صراع الممرات. وبذا، لا تكون إيران في هذا الصراع هدفًا نهائيًا، بل ساحة ضبط الضغط، وكردستان أحد صمامات هذا الضغط.

       ولهذا كله، لا يُمكن النظر إلى الحرب الدائرة كونها صراعًا أيديولوجيًا أو أمنيًا فقط، بل إنها محاولة لحسم موقع إيران، ومحيطها الكردستاني، على رقعة الشطرنج الجيو-اقتصدية للعالم. وفي هذا السياق، يجب على الكرد ومن على شاكلتهم البحث عن حقوقهم ومصالحهم على أراضيهم التاريخية التي تحترق منذ عقود طوال فوق خرائط الآخرين.

مصـادر الــدراســـة

  1. عبد الله أوجلان: مانيفستو الحضارة الديمقراطية، القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، الطبقة الثالثة، دار نفرتيتي، القاهرة، 2017، الجز الخامس.
  2. محمد رفعت الإمام: الجبل الكردي، دار المحروسة، القاهرة، 2026م.
  3. جليلي جليل وآخرون: الحركة الكردية في العصر الحديث، دار الراوي، بيروت، 1992م.
  4. أحمد تاج الدين: الأكراد شعب وقضية  وطن، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 2001م.
  5. وديع جويدة: الحركة القومية الكردية، دار الفارابي، بيروت، 2013م.
  6. دلشاد مراد: أيديولوجيا الإبادة العرقية في الشرق الأوسط، دار نفرتيتي، القاهرة، 2020م.
  7. منى أحمد سلطان؛ تاريخ الأكراد في إيران، دار الأحمدي، القاهرة، 2008م.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

ما وراء الرصاص .. إشكاليات الديمقراطية والإمبراطورية: الحرب الأمريكية على إيران نموذجاً

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه دخان كثيف، أصوات دمار، آلة عسكرية هائلة رفع عنها اللجام، خراباً أُريد له أن يكون

Read More...

منتدى آتون الثقافي يناقش دور الإبداع والوعي في عصر الإعلام الرقمي في افتتاح موسمه الصيفي

نظم منتدى آتون الثقافي، ندوة ثقافية بعنوان "الإبداع والوعي" ضمن افتتاح موسمه الصيفي، وذلك بحضور نخبة من المهتمين بالشأنين

Read More...

“أمهات السلام الكُرديات” Dayîkên Aştiyê الحياةُ في مواجهة الفقد والحرب

تحليل: د. عزة محمود في الجغرافيا التي أنهكتها كثرة الدم، تُولد أحيانًا رموز لا تحمل السلاح، لكنها تهزم العنف بصبرٍ

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل