تحليل: د. محمد حربي
دكتور القانون الدولي العام
في لحظة يخيّل فيها أن العقوبة يمكن أن تتحول إلى مصير نهائي يفتقد أي أفق للمراجعة، أعادت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فتح النقاش حول معنى العدالة ذاتها، ففي الوقت الذي يقدّم فيه الخطاب الأوروبي نفسه بوصفه حارسًا عالميًا لحقوق الإنسان، تبرز عدة تساؤلات لا يمكن تجاهلها:
-هل تُطبَّق هذه الحقوق بوصفها معايير قانونية عامة، أم أنها تخضع لاعتبارات تحكمها السياقات السياسية والأمنية؟
– هل يحق لأي نظام جنائي أن يسلب الإنسان حريته ثم يسلبه معها أي إمكانية مستقبلية للخلاص؟
– هل يمثل حق الامل تطورا حقيقيا في حماية حقوق الانسان ام تدخلا قضائيا في السيادة الجنائية للدولة؟؟
لقد سعت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى ترسيخ ما يُعرف بحق الأمل باعتباره امتدادًا لكرامة الإنسان، مؤكدة أن العقوبات السالبة للحرية مهما بلغت قسوتها يجب ألا تُغلق الباب نهائيًا أمام إمكانية المراجعة فالعقوبة ليست سلب للحرية فقط بل هي إعادة تأهيل ويجب في جميع الأحوال الا تسلب الكرامة والامل وان لا تكون لا إنسانية.
غير أن هذا الطرح، الذي يستند إلى أحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، يثير إشكاليات عميقة حين يُقاس بمدى التزام الدول فعليًا بتعهداتها الدولية.
أولا: مفهوم حق الأمل :
يُعد حق الأمل من المفاهيم القضائية الحديثة التي لم ترد بنص صريح في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وإنما نشأ وتطور عبر الاجتهاد القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، بوصفه امتدادًا تفسيريًا لمقتضيات المادة (3) من الاتفاقية، التي تحظر المعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة.
وقد انطلقت المحكمة في بناء هذا المفهوم من فكرة أن العقوبة، مهما بلغت جسامتها، لا يجوز أن تُجرد الإنسان من صفته الإنسانية أو تُغلق أمامه كليًا أفق إعادة الاندماج الاجتماعي ، فحق الأمل ليس عفو قانوني صريح لمن قضى 25 عاما؛ بل هو حق في أمل لمراجعة العقوبة وإمكانية الافراج وفق المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان ، وهو ما يعد معه حق الأمل مبدأ قانوني تطور في سياق حقوق الانسان من خلال المؤسسات القضائية وتحديدا المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان كونها الجهة القضائية الموكلة بمراقبة تطبيق الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان ، فأقرت المحكمة في احكامها ان عقوبات مدى الحياة التي لا توجد فيها إمكانية للمراجعة او الافراج المشروط قد تنتهك حق السجين في التعرض لمعاملة غير إنسانية وهو ما يخالف المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان حيث نصت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان في المادة (3)على انه :
(لا يجوز إخضاع أي إنسان للتعذيب ولا لعقوبات أو معاملات غير إنسانية أو مهينة)[1].
ولهذا السبب اتى مفهوم ” حق السجين في الأمل” او “حق الأمل” ليعني انه يجب ان يكون للسجين إمكانية مراجعة او فرصة للنظر في الافراج لاحقا، حتى لو كانت العقوبة طويلة.
ومن الناحية القانونية، يُستمد حقّ الأمل من القواعد العامة لحقوق الإنسان، كما نصّت عليها الاتفاقيات الدولية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحظر العقوبات اللاإنسانية، ويؤكد حق كل سجين في المعاملة الكريمة، وإمكانية إعادة الإدماج في المجتمع
أما من المنظور السياسي، فإن حقّ الأمل يكتسب دلالات أعمق، لارتباطه الوثيق بمبدأ التسوية السلمية للنزاعات، ولا سيما في الحالات التي يتجاوز فيها السجن كونه مجرد عقوبة فردية، ليغدو تعبيرًا عن رمزية سياسية أشمل.
وقد شكّلت قضية فينتر(Vinter v. United Kingdom) نقطة تحوّل فارقة ، حين رسّخت المحكمة ما بات يُعرَف ب حق الأمل ذلك الحق الذي لا يقوم على تبرئة الجاني أو تخفيف خطورته، بقدر ما يقوم على الاعتراف بأن العقوبة، مهما بلغت شدتها، يجب ألا تُلغِي إمكانية المراجعة وإعادة التقييم ، حيث ربطت المحكمة بين احترام كرامة الانسان وضرورة وجود إمكانية للمراجعة او الافراج حتى لمن يمضون عقوبة طويلة ، ثم جاء حكم (Murray v. Netherlands) ليعزز هذا التوجه، حيث أكدت المحكمة أن معيار “حق الأمل” لا يقتصر على وجود نصوص قانونية شكلية، بل يجب أن يتجسد في آليات عملية وفعالة تتيح إعادة التأهيل وإمكانية الإفراج الفعلي.
وبذلك رسخت المحكمة أن الامتثال للمادة (3) لا يتحقق بمجرد تقرير عقوبة قانونية، بل بمدى قابلية هذه العقوبة للمراجعة وإعادة التقييم على نحو يحفظ جوهر الكرامة الإنسانية، حيث رأت المحكمة أن السجن المؤبد المغلق دون أي أفق للإفراج يُعدّ انتهاكاً لكرامة الإنسان ولجوهر العدالة الإصلاحية. وبناءً عليه، صار من واجب الدول أن تتيح لكل سجين إمكانية حقيقية، ولو مشروطة، لإعادة تقييم وضعه بعد مدة زمنية معينة.
ثانيا: مقاربة قانونية بين حق الامل والعفو والمصالحة في القانون الدولي:
ظلت إمكانية تطبيق سياسة العفو على الجرائم الدولية محل نقاش وتردد من الفقه والقضاء، حيث لجأت العديد من الدول بعد استقرار الأوضاع بها إلى اعتماد قوانين تتضمن العفو عن مرتكبي العديد من الجرائم الدولية [2] .
و يهدف العفو إلى تجريد الأفعال من طابعها الإجرامي، وذلك باستبعاد کل الملاحقات أو المتابعات بشأن الجريمة ومحو كل عقوبة صدرت بصددها [3] .
وهو من الممكن ان يشكل وسيلة من وسائل المصالحة الوطنية وإجراء يرمى إلى تعزيز الانتقال إلى الديمقراطية.
وقد اعترف الأمين العام للأمم المتحدة بشأن ذلك حيث قال ( من شأن برامج العفو العام المصممة بغاية أن تسهل عودة وإدماج المدنيين المشردين والمقاتلين السابقين في أعقاب الصراع المسلح ، وإعادة إدماجهم وينبغي تشجيع هذه البرامج ، ولکن ينبغي ألا يسمح لها مطلقاً بالعفو عن أعمال الإبادة و جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان [4] .
ورغم اختلاف مصادر الالتزام فان حق الامل والعفو او المصالحة يمثلون اتجاها واحدا للحد من العقوبات المطلقة وفتح مجال لإعادة التأهيل وتحقيق السلم وحماية كرامة الانسان
ويتشابه العفو والمصالحة مع حق الأمل في انهما يأملان في فتح باب للمراجعة وعدم اغلاق مصير الانسان نهائيا ، ويمثل حق الامل الأساس القانوني والفلسفي لشرعية العفو والمصالحة في القانون الدولي .
فحق الامل بوجه عام يعد مبدأ يضمن عدم انعدام فرص الافراج مستقبلا و يمثل ضمانه حقوقية لمراجعة العقوبات سالبة الحرية الطويلة ، فالعفو يعتبر تجسيد سياسي لحق الامل ، وتعد المصالحة هي الالية الجماعية لحق الامل.
وفي ظل القانون الدولي الجنائي اخذ نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة (110) حيث تضمنت عند النظر في شأن تخفيض العقوبة (للمحكمة وحدها حق البت في أي تخفيف للعقوبة، وتبت في الأمر بعد الاستماع إلى الشخص…………… ، تعيد المحكمة النظر في حكم العقوبة لتقرير ما إذا كان ينبغي تخفيفه ، وذلك عندما يكون الشخص قد قضى ثلثي مدة العقوبة ، أو 25 سنة في حالة السجن المؤبد ، ويجب ألا تعيد المحكمة النظر في الحكم قبل انقضاء المدد المذكورة).[5]
ثالثا : رؤية قانونية للتطور القضائي لحق الأمل وفق احكام المحكمة الأوروبية :
لقد اتجهت إرادة واضعي الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان إلى إيجاد آلية لتحقيق الحقوق المدنية والسياسية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بأنشاء هيئة قضائية ذات ولاية جبرية في مواجهة الدول الأطراف، ويستطيع الأفراد العاديون اللجوء إليها لمقاضاة هذه الدول عن خرقها للحقوق المعترف بها فتم انشاء المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان وهي جهاز قضائي دولي تابع لـمجلس أوروبا، ومهمتها النظر في الشكاوى المقدمة ضد الدول بشأن انتهاك الحقوق الواردة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وفي إطار التطور القضائي الذي شهدته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، برزت مجموعة من الأحكام المفصلية التي أسهمت في إعادة صياغة الفهم القانوني لمشروعية العقوبات السالبة للحرية طويلة الأمد، وعلى رأسها أحكام ، (قضية اوجلان ضد تركيا 2005)، (فينتر وآخرون ضد المملكة المتحدة2013) ، (قضية موري ضد هولندا 2016) وهو ما سنتناوله بالتحليل فيما يلي :-
- قضية اوجلان ضد تركيا 12 مايو2005 ((CASE OF ÖCALAN v. TURKEY [6]
جاء مضمون القضية حول اعتقال عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني، واحتجازه ومحاكمته، والذي أُلقي القبض عليه في كينيا عام ١٩٩٩ ونُقل إلى تركيا.
حيث ادعى المدعي وقوع انتهاكات متعددة للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولا سيما المواد ( ٢ ،٣ ،٥ ،٦)
، ووجدت المحكمة انتهاكات للمادة (5) الفقرتين (3 ،٤) للأسباب التالية:
-عدم مثول المدعي أمام قاضٍ على وجه السرعة، -عدم وجود سبيل انتصاف فعال للطعن في مشروعية احتجازه.
وفيما يتعلق بالمادة (6)، خلصت المحكمة إلى أن المدعي لم يحصل على محاكمة عادلة، إذ افتقرت المحكمة إلى الاستقلالية والحياد، وفرضت قيود على حقه في الاستعانة بمحامٍ.
وعلى الرغم من أن فرض عقوبة الإعدام في حد ذاته لم ينتهك المادة (2)، فقد رأت المحكمة أن الحكم على مقدم الطلب بالإعدام بعد محاكمة غير عادلة يرقى إلى مستوى المعاملة اللاإنسانية التي تنتهك المادة (3).
وانهت المحكمة حكمها بأنها تؤكد على ضرورة مراعاة الطابع الخاص للاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان باعتبارها معاهدة لحقوق الإنسان، وأنه لا يمكن تفسيرها بمعزل عن سياقها، بل ينبغي تفسيرها قدر الإمكان بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي العام الأخرى التي تُعدّ جزءاً منها.
وبقراءة نصوص المواد (2، 3، 5، 6) والذي أسس عليهم حكم المحكمة: –
المادة (2) الحق في الحياة ” ان حق كل شــخص فــي الحياة حق محمــي بالقانــون، لا يجوز التسبب بالموت عمداً لأي شخص، إلا تنفيذاً لحكم بالإعدام صادر عن ً محكمة في حال نص القانون على هذه العقوبة جزاءً على الجرم “.
المادة (3) حظر التعذيب ” لا يجــوز إخضاع أي إنســان للتعذيــب ولا لعقوبــات أو معاملات غير إنسانية أو مهينة “.
المادة (5 /3) الحق في الحرية والأمن ” يجــب مثــول كل شــخص معتقــل أو محتجز وفقاً للشــروط المنصــوص عليهــا في الفقرة (1/ج) مــن هذه المادة، فــوراً أمام قاض أو حاكم آخــر مخول قانونياً مزاولة وظائف قضائية، ولهذا الشــخص َالحق في ان يحاكم ضمن مهلــة معقولة او ان يفرج عنه في انتظار محاكمته ، ويجــوز إخضاع الإفــراج عنه لكفالة تؤمــن مثوله أمام المحكمة “
المادة (5/4) ” كل شــخص محروم من حريته بالاعتقال أو الاحتجاز، الحق في التماس المحكمة كي تنظر بسرعة في قانونية احتجازه وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاحتجاز غير قانوني “.
المادة (6) الحق في محاكمة عادلة ” لكل شخص الحق في سماع قضيته امام محكمة مستقلة ونزيهة بشــكل عــادل وعلني وضمن مهلــة معقولة، للفصــل في حقوقه والتزاماته، ومســوغات التهمة الجزائية الموجهة إليه وعلى الحكم أن يصــدر علنيــاً، ……..”
المــادة (13) الحق في الانتصاف الفعال ” لكل شخص انتهكت حقوقه وحرياته المعترف بها في هذه الاتفاقية الحــق في الحصول على انتصاف فعال أمام هيئة نقض قضائية، حتى وفــي حال ارتــكاب الانتهاك من أشــخاص عاملين في إطار ممارســة وظائفهم الرسمية “
وبتحليل نصوص المواد التي بني عليهم حكم المحكمة:-
نرى ان المحكمة أسست لمبدأ هام يتضمن ان أي حكم هام صادر بدون محاكمة عادلة يعتبر انتهاك واضح للمادة (3) من الاتفاقية فالحكم بالإعدام بعد محاكمة غير عادلة يعني معاملة غير إنسانية[7].
فعقوبة الإعدام هي عقوبة غير قابلة للتدارك[8] لذلك لابد في حالة الحكم بها ان تكون هناك اعلى مستويات الضمانات الإجرائية فالهدف الأساسي منع التعسف[9] ، وبالنسبة لحق الطعن على الاحتجاز فأي حرمان من الحرية لابد ان يكون قابل للمراجعة القضائية، وهو ما يعد جزء اصيل من ضمانات الكرامة الإنسانية، فالعقوبات غير القابلة للتراجع ( (Irreversibleلابد لها من ضمانات متعددة كونها تمس الكرامة الإنسانية.
كذلك الحق في الطعن على الاحتجاز ليس من الإجراءات الشكلية ولا يجوز مخالفته ويتطلب إمكانيات فعليه محققه وحضور وتمثيل قانوني للطاعن او من ينوب عنه وهو ما صرحت به المحكمة بوجود غياب للعدالة وهو ما يعد انتهاك جوهري للاتفاقية.
ويكشف هذا التوجه عن إدراك المحكمة لخطورة العقوبات غير القابلة للتدارك، والتي تحرم الفرد من أي إمكانية مستقبلية للمراجعة أو التصحيح، وهو ما يتقاطع جوهريًا مع مفهوم حق الأمل الذي يقوم على ضرورة بقاء أفق قانوني يتيح للمحكوم عليه إمكانية استعادة حريته أو إعادة تقييم وضعه مستقبلاً.
ومما سبق يمكننا القول ان الحكم أسس لفكرة رفض العقوبات النهائية القائمة على محاكمة غير عادلة ، مع ضرورة قابلية أي حكم للمراجعة وربط العدالة الاجرائية بالكرامة الإنسانية ، رغم إن قضية اوجلان امام المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان لم تتناول صراحة حق الأمل، إلا أنها وضعت الأساس القضائي له لذلك تعتبر قضية اوجلان تمثل نقطة ارتكاز مهمة في التطور القضائي نحو تكريس حق الأمل و مرحلة تمهيدية قبل الظهور الفعلي لمصطلح حق الامل وتعد الأساس الذي بني علية بعد ذلك حق الامل .
ب-فينتر وآخرون ضد المملكة المتحدة [10]
CASE OF VINTER AND OTHERS v. THE UNITED KINGDOM
صدر الحكم عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (الدائرة الكبرى) بتاريخ 9 يوليو 2013، ويتعلق بثلاثة سجناء في المملكة المتحدة حُكم عليهم بالسجن المؤبد مع أوامر مدى الحياة ، أي دون إمكانية الإفراج المشروط.
بينما ادعى فينتر واخرون امام المحكمة ان الحكم عليهم بالسجن المؤبد غير القابل للمراجعة يمثل معاملة لا إنسانية و مهينة ، وذلك بالمخالفة للمادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيث أوضحت المحكمة ان في حين أن الدول لا تزال حرة في فرض أحكام بالسجن المؤبد على مرتكبي الجرائم الخطيرة للغاية من البالغين، فإن فرض أحكام بالسجن المؤبد غير قابلة للتخفيف قد يثير إشكالية بموجب المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وفيما يتعلق بأحكام السجن المؤبد، يجب أن يكون هناك احتمال للإفراج وإمكانية للمراجعة، إذ من غير المتوافق مع كرامة الإنسان أن تحرم الدولة شخصًا قسرًا من حريته دون منحه على الأقل فرصة لاستعادة تلك الحرية يومًا ما.
وبناءً على ذلك، كان لا بد من تفسير المادة (3) على أنها تشترط إمكانية تخفيف أحكام السجن المؤبد بمعنى إمكانية المراجعة التي تسمح للسلطات المحلية بالنظر فيما إذا كانت أي تغييرات تطرأ على السجين المؤبد جوهرية، وما إذا كان قد أُحرز تقدم نحو إعادة التأهيل خلال فترة الحكم، مما يعني أنه لا يمكن تبرير استمرار احتجازه لأسباب عقابية [11].
وهو ما يمكن معه القول ان المحكمة اقرت بأن السجن المؤبد ليس في حد ذاته مخالفًا لنص المادة (3) لكنه يصبح مخالفًا إذا كان غير قابل للمراجعة أو الإفراج ويجب أن يكون لدى السجين أمل واقعي في الإفراج ، وان يكون هناك نظام مراجعة حقيقي للعقوبة .
منذ أن أصدرت الدائرة الكبرى هذا الحكم، عادت مسألة أوامر السجن المؤبد إلى محكمة الاستئناف في إنجلترا ، وخلصت المحكمة إلى أن سلطة وزير الدولة التقديرية تقتصر على أسباب استثنائية، والتي يجب تفسيرها بما يتوافق مع المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن القانون الإنجليزي يتيح إمكانية الإفراج حتى في حالة صدور أمر بالسجن المؤبد، وبالتالي لا يُعد ذلك انتهاكًا للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
وبذلك أرست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حكم Vinter and Others v. United Kingdom مبدأً جوهريًا مؤداه أن مشروعية عقوبة السجن المؤبد ترتبط بمدى قابليتها للمراجعة، بحيث لا يجوز أن تتحول إلى عقوبة نهائية مغلقة تحرم المحكوم عليه من أي أمل واقعي في الإفراج. وأكدت المحكمة أن المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية تقتضي وجود آلية قانونية تتيح إعادة تقييم استمرار الاحتجاز في ضوء تطور شخصية السجين وإمكانية إعادة تأهيله، معتبرة أن الاقتصار على الإفراج لأسباب إنسانية ضيقة لا يحقق هذا المعيار.
وبذلك كرّست المحكمة ما يُعرف بـ”حق الأمل”، بوصفه أحد الضمانات الجوهرية المرتبطة بحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة.
ج-قضية موري ضد هولندا 26 ابريل 2016 CASE OF MURRAY v. THE NETHERLANDS))[12]
تناولت القضية إشكالية جوهرية تتعلق بمدى توافق عقوبة السجن المؤبد دون إمكانية واقعية للإفراج مع المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحظر المعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة، وقد ارتبطت وقائع القضية بمدى وجود أفق للإفراج وإمكانية إعادة تأهيل المحكوم عليه، حيث أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن مشروعية عقوبة السجن المؤبد لا تتوقف فقط على كونها منصوصًا عليها قانونًا، بل على ضرورة أن تكون قابلة للمراجعة الفعلية لاحقًا بما يسمح بتقييم التقدم في إعادة التأهيل، و ربطت المحكمة بين فلسفة العقوبة الجنائية الحديثة وبين مبدأ الكرامة الإنسانية، معتبرة أن غياب آلية حقيقية لإعادة النظر في الحكم قد يرقى إلى انتهاك للمادة (3).
وفي هذا السياق، أرست المحكمة معيارًا مهمًا يتمثل في وجوب توفر حق الأمل (Right To Hope) للمحكوم عليه بالسجن المؤبد، أي وجود إمكانية قانونية وواقعية للإفراج المشروط أو تخفيف العقوبة، حتى وإن كان ذلك بعد فترة طويلة من التنفيذ، وقد خلصت المحكمة في هذه القضية إلى أن النظام القانوني الهولندي آنذاك لم يوفر ضمانات كافية تتيح مراجعة حقيقية للعقوبة وفق تطور حالة المدعي وإعادة تأهيله، مما يثير شبهة انتهاك للاتفاقية. وتكمن أهمية الحكم في أنه يعزز اتجاه القضاء الأوروبي نحو الحد من العقوبات المؤبدة المطلقة، ويؤسس لتوازن دقيق بين اعتبارات الردع والعدالة الجنائية من جهة، ومتطلبات حقوق الإنسان وإعادة الإدماج الاجتماعي من جهة أخرى.
ومن ثم، يمكن القول إن حق الأمل لم ينشأ كمبدأ تشريعي، بل كـتكوين قضائي تراكمي استمد شرعيته من تفسير تطوري للمادة (3) من الاتفاقية، بحيث أصبح أحد أهم ضمانات العدالة الجنائية الحديثة في مواجهة العقوبات السالبة للحرية طويلة الأمد، خاصة تلك التي قد تتحول إلى شكل من أشكال الإقصاء الدائم عن المجتمع.
- القضية الاوجلانية من منظور حق الأمل :
هل يتحول السجن المؤبد إلى عقوبة بلا نهاية؟
تكتسب الدراسة بُعدًا أكثر عمقًا حين نضعه في إطار التزامات الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وبالأخص الدول التي تُشدّد في سياساتها العقابية رغم كونها مُقيّدة بمعايير أوروبية ملزمة. وهنا يتداخل القانون الجنائي بالقانون الدولي العام، وتحديدًا بنصوص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 ، حيث تُلزم قواعد اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدول بتنفيذ التزاماتها بحسن نية وعدم التذرع بقوانينها الداخلية للتهرب منها.
كذلك ما تضمنه دستور الدولة التركية من أن المعاهدات الدولية التي يتم التصديق عليها وفق الأصول الدستورية تُعد جزءًا من القانون الداخلي، أنه في حال التعارض بين القوانين الداخلية والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية، تكون الأولوية لأحكام الاتفاقية الدولية.
مما يطرح سؤالًا جوهريًا هل يمثل حق الأمل قاعدة قانونية عامة مُلزمة، أم أنه يظل في التطبيق رهينًا لمعادلات القوة والاعتبارات السياسية التي تعيد تشكيله وفقًا لمصالح الدول لا لمقتضيات العدالة؟
وقد أصبح حق الأمل من أبرز الإشكاليات المطروحة في سياق القضية الكردية، لاسيما فيما يتصل بوضع عبد الله أوجلان، في ظل امتداد فترة احتجازه وطبيعة نظام سجنه بعد ان قضي فترة العقوبة.
إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على الإطار العقابي، بل تجاوز ذلك ليطرح تساؤل جوهري هل يتحول السجن المؤبد إلى عقوبة بلا نهاية؟ وما مدى توافق هذا الوضع مع الضمانات التي أرستها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها ضرورة عدم تحويل السجن المؤبد إلى عقوبة مغلقة تُعدم أي أفق للمراجعة أو الإفراج.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى وضع القضية الأوجلانيه باعتبارها مجرد ملف قانوني فقط، بل يتجاوز ذلك إلى كونها قضية ذات أبعاد وطنية وإقليمية معقدة؛ إذ إن استمرار احتجاز عبدالله اوجلان وتقييد سبل التواصل معه رغم مضي مدة 25 عام على سجنة ينعكس سلبًا على فرص الدفع نحو تسوية سياسية عادلة ودائمة للقضية الكردية، بالنظر إلى ما يمثله من ثقل رمزي وسياسي في هذا الإطار.
وختاما فإن إنكار حق الامل أو إفراغه من مضمونه لا يمثل فقط انتهاكًا لالتزامات قانونية دولية، بل يُعدّ تعطيلًا لمسارات العدالة الانتقالية وأدوات التسوية السياسية، لاسيما في النزاعات الممتدة ذات الأبعاد المركبة كالقضية الكردية ، ومن ثم يعد حق الأمل ليس مجرد ضمانة فردية للسجناء، بل مدخلًا موضوعيًا لإعادة فتح أفق الحلول السلمية، بما يفرض على الدول مراجعة سياساتها العقابية على نحو يحقق التوازن بين مقتضيات الأمن واحترام الكرامة الإنسانية، ويحول دون تحول العقوبة إلى أداة لإدامة الصراع بدلًا من إنهائه.،،،،،،،،،
[1] الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، روما، 4 نوفمبر 1950، دخلت حيّز النفاذ في 3 سبتمبر 1953، منشورة في: مجموعة معاهدات مجلس أوروبا، https://www.echr.coe.int/documents/d/echr/convention_ENG
[2] -حيث كان ذلك لسببين الأول هو سوء نية الدول والتستر على مجرميها وتعمد عدم محاكمتهم لأنهم عادة ما يكونوا من قادتها وموظفيها السامين ، أما الثاني فيهدف إلى السير إلى الأمام وطي صفحة الآلام واعطاء فرصة للبناء والتسامح.
[3] عرف العفو بأنه
La forme la plus ancienne du pardon pénal… une sorte de prescription sélective et
ponctuelle », cité in DALMAS- MARTY Mireille, « La responsabilité pénale en échec… »,
op.cit., p. 627.
[4] انظر تقرير الأمم المتحدة وثيقة رقم ( U.N.Doc.S/2004/616 )
[5] نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1998 ، المادة 110
[6] CASE OF ÖCALAN v. TURKEY , App no. 46221/99) , 12 May 2005.
[7]“Because execution of the death penalty is irreversible, the strictest and most rigorous enforcement of judicial guarantees is required of the State so that those guarantees are not violated and a human life not arbitrarily taken as a result.” EUROPEAN COURT OF HUMAN RIGHTS , CASE OF ÖCALAN v. TURKEY , App no. 46221/99), Grand Chamber, Judgment of 12 May 2005, p 18 , § 136.
[8] Consequently, the Court concludes that the imposition of the death sentence on the applicant following an unfair trial by a court whose independence and impartiality were open to doubt amounted to inhuman treatment in violation of Article 3 of the Convention. , p 51 , § 175.
[9] ……..essentially to national law and lays down the obligation to conform to the substantive and procedural rules thereof. However, it requires in addition that any deprivation of liberty should be consistent with the purpose of Article 5, namely to protect individuals from arbitrariness. What is at stake here is not only the “right to liberty” but also the “right to security of person. P25 , § 175.
[10] CASE OF VINTER AND OTHERS v. THE UNITED KINGDOM, App no .( 66069/09, 130/10 and 3896/10).
[11] . For the foregoing reasons, the Court considers that, in the context of a life sentence, Article 3 must be interpreted as requiring reducibility of the sentence, in the sense of a review which allows the domestic authorities to consider whether any changes in the life prisoner are so significant, and such progress towards rehabilitation has been made in the course of the sentence, as to mean that continued detention can no longer be justified on legitimate penological grounds. P44 , § 119.
[12] CASE OF MURRAY v. THE NETHERLANDS , App no( 10511/10 ), 26 April 2016.



