تحليل: هدير مسعد عطية
ثمة نوع نادر من المثقفين يختار أن يجعل من لغته موضوعَ علم لا مجرد أداة تعبير — أي أن يقف خارج لغته ليراها، بدل أن يقف داخلها ليرى بها. توفيق وهبي (١٨٩١–١٩٨٤) ينتمي إلى هذا النوع النادر، وفي الحالة الكردية تحديداً يكتسب هذا الاختيار ثقلاً وجودياً استثنائياً: لأن وهبي لم يدرس لغةً تحميها دولة وتُقنِّنها أكاديميات وتُموِّلها مؤسسات، بل لغةً كانت في لحظات كثيرة مُحاصَرة بالإنكار. وُلد في السليمانية في العراق العثماني، وتلقّى تعليمه في إسطنبول — في المؤسسة نفسها التي كانت تُعلي من شأن اللغة التركية وتُهمِّش ما سواها. ثم انخرط لاحقاً في الجيش العراقي وبلغ رتبة اللواء. هذه المسارات المتوازية — العسكري، والبيروقراطي، والعالِم اللغوي — ليست تناقضاً بل هي بالضبط الشكل الذي فرضه الوضع الكردي على نخبه: أن تعيش داخل الدولة وتبني خارجها في الوقت ذاته، أن تُوظِّف مؤسسات الدولة وتُحصِّن هويةً لا تعترف بها هذه المؤسسات. وما يجعل وهبي شخصيةً محوريةً في تاريخ الثقافة الكردية ليس فقط غزارة إنتاجه، بل طبيعة المشروع ذاته: إنه مشروع التوثيق المُنقِذ. حين يعمل اللغوي في ظروف اعتيادية، فهو يُضيف إلى رصيد موجود ويُصحِّح مسارات قائمة. أما حين يعمل في ظروف وهبي، فالتوثيق نفسه هو فعل الإنقاذ من النسيان. معجمه الكردي-الإنجليزي الذي أنجزه بالتعاون مع ج.م. إدمندز “A Kurdish-English Dictionary” (١٩٦٦) – كما سنرى – يستحق أن يُقرأ ليس فقط كمرجع لغوي بل كعمارة معرفية: إنه يُثبت أن الكردية لغة قابلة للتقنين الأكاديمي والتبادل العلمي، في مرحلة كان فيها إنكار هذه الأهلية جزءاً من السياسة الرسمية لدول عدة. المعجم هنا يؤدي وظيفة سياسية-معرفية مزدوجة: يُخاطب الباحث الغربي فيُدخل الكردية إلى دائرة “اللغات الجديرة بالدرس”، ويُخاطب الكردي نفسه فيمنحه صورةً للغته مُنظَّمةً ومُؤطَّرة.
عاش وهبي ثلاثة وتسعين عاماً — ما يعني أنه شهد نهاية الحرب العالمية الأولى وتفكك الإمبراطوريات ورسم الحدود ومعاهدة سيفر التي أشارت إلى الكرد ثم لوزان التي محتهم ومحاولات القوميين الكرد المتكررة وقمعها، حتى وصل إلى لحظة كانت فيها الهوية الكردية مُحاطة بالإنكار من أربع دول في آن. أن يظل في هذا المسار الطويل كله مُتمسِّكاً بالعمل الصبور التراكمي — جمع، توثيق، تحليل، نشر — يكشف عن إيمان بأن البقاء الأعمق ليس في السلاح ولا في الخطاب الحماسي، بل في بناء المعرفة التي لا يمكن لأي قرار سياسي أن يمحوها تماماً. لذا، يمكن تسميته بالمثقف المقاوِم؛ ذلك الذي يُدرك أن الصمود الثقافي يمرّ بالضرورة عبر تحويل اللغة من ممارسة حيّة عفوية إلى موضوع معرفة مُنظَّمة — لأن ما يُوثَّق لا يُمحى، وما يُوصف وصفاً علمياً يصعب إنكاره، وما يدخل في قاموس يُصبح جزءاً من الأرشيف الإنساني العام الذي لا تملكه دولة بعينها ولا تستطيع حذفه. لكن، من هو بالفعل؟
وُلد توفيق وهبي في الحي الرابع من السليمانية في الحادي والثلاثين من ديسمبر عام ١٨٩٠، لعائلة لها صلة وثيقة بعالم الكتابة واللغة، إذ كان جده لأمه رسول مستي كاتباً في المجلات الأدبية والثقافية التي ازدهرت في عهد الاتحاد العثماني. أكمل دراسته التحضيرية في المدارس العسكرية بالسليمانية ثم بغداد، قبل أن يرتحل عام ١٩٠٥ إلى إسطنبول حيث أتمّ تعليمه العالي، وانخرط بعدها في الجيش العثماني عام ١٩٠٨ ليصبح ضابطاً عام ١٩١١، وينقل إلى ألبانيا مقاتلاً ضد إيطاليا، ثم ليُستدعى خلال الحرب العالمية الأولى قائداً للأركان في معارك الدردنيل والعراق وفلسطين. هذا المسار العسكري الذي امتدّ عبر ثلاث إمبراطوريات في طور الانهيار — العثمانية التي تداعت، والبريطانية التي أشرفت، والعراقية التي وُلدت — ليس حاشية في سيرة وهبي بل هو مدخله الحقيقي إلى فهم الفضاء الكردي: رجل تشكّل في أعتى مراحل إعادة رسم خرائط المنطقة، وشهد بعينيه كيف تُقرَّر مصائر الشعوب في غرف المفاوضات بعيداً عن إرادتها. كان وهبي شخصية عثمانية-كردية مركّبة: عسكري، وسياسي، ومثقف في آن، تلقّى تعليمه في السليمانية وبغداد وإسطنبول، وخدم وزيراً وعضواً في مجلس الأعيان بالعراق، قبل أن تضطره ثورة تموز ١٩٥٨ إلى المنفى النهائي في لندن، حيث أقام حتى وفاته في الخامس عشر من يناير ١٩٨٤. ووفق وصيته، دُفن في جبل بير مكرون غرب السليمانية — وكأنه أراد لجسده في الرحيل ما لم تُتح له في الحياة: أن يعود إلى التراب الكردي دون قيد.
ما يميّز وهبي عن كثير من مثقفي جيله هو ذلك التوتر الخصيب الذي عاش داخله طوال حياته: التوتر بين خدمة الدولة والعمل ضد شروطها الثقافية، بين الانتماء إلى المؤسسة العسكرية والبيروقراطية وبين التمرد الهادئ المستمر عبر الجهد اللغوي. فقد كان في ١٩٢٢ ضابطاً في الجيش العراقي الناشئ، وفي الوقت ذاته واحداً من الضباط الكرد الذين التحقوا بالشيخ محمود الحفيد البرزنجي في رحلته من بغداد إلى كفري ثم السليمانية، حيث عُيّن مساعداً للشيخ في دورته الإدارية الثانية — مما يكشف أن ولاءه لم يكن أبداً ولاءً أحادياً. وقد دفع هذا الالتزام المزدوج ثمنه السياسي مبكراً: حين أُعفي من منصبه عام ١٩٣٠ بقرار وزارة الداخلية بسبب دوره في تأسيس الهيئة الوطنية المطالبة بالحقوق الكردية، فغادر إلى بيروت حيث أصدر عام ١٩٣٢ بياناً حول القضية الكردية، ومكث هناك حتى ١٩٣٥.
كانت اهتمامات وهبي الأكاديمية تمتد من التصوف إلى التاريخ الهندو-إيراني والهندو-أوروبي، وساهم في دوريات أدبية وثقافية وأكاديمية باللغات الكردية والعربية والإنجليزية، منها: سليماني، ديار كردستان، جين، جيان، گلاويژ، دنگي گهتي تازه، ومجلة سومر للمجمع العلمي العراقي. وكان أوّل نائب رئيس للمجمع العلمي العراقي حين تأسّس عام ١٩٤٨، وعضواً في الأكاديمية الجغرافية البريطانية، وعضواً فخرياً في المجمع العلمي الكردي. هذا الحضور الأكاديمي المتعدد يكشف رجلاً كان يتحرّك بوعي بالغ بين الفضاءات المعرفية، يستخدم شرعية المؤسسة الأكاديمية الدولية كدرع يحمي به مشروعه اللغوي الكردي من إنكار الدولة.
اللغة في مواجهة الخريطة
لا يمكن فهم مشروع وهبي دون فهم المعادلة التاريخية القاسية التي وُلد فيها. يجد الكرد أنفسهم منذ مطلع القرن العشرين موزّعين بين إيران والعراق وتركيا وسوريا، وتعود جذور هذا التشتت إلى أعقاب الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية. فبينما أطلّت معاهدة سيفر عام ١٩٢٠ بصيص أمل في كيان كردي مستقل، جاءت معاهدة لوزان عام ١٩٢٣ لتمحو هذه الآمال وترسم حدوداً تجاهلت السيادة الكردية تماماً، تاركةً أراضيهم مقسّمة دون أن تمتلك أي دولة قانونية تحمي حقوقها. وقد استثمرت الدول الناشئة هذا الغياب استثماراً منهجياً: فالقمع اللغوي كان جزءاً من استراتيجية أشمل توسّلت بها كل من تركيا وإيران وسوريا والعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى لإخماد الحركات القومية الكردية الناشئة، وذلك في لحظة كانت فيها القومية الأوروبية تعيد تشكيل كيانات الشرق الأوسط بالكامل.
وفي العراق تحديداً، كان المشهد أكثر تعقيداً مما توحي به ثنائية القمع والمقاومة. بعد انهيار الدولة العثمانية عام ١٩١٨، أشرف الانتداب البريطاني على تأسيس العراق الحديث، وفي عام ١٩١٩ شهدت السليمانية أول مطبعة كردية، في ظل تشجيع بريطاني نسبي للغة الكردية المكتوبة. وعلى امتداد العشرينيات نشأت عدة صحف كردية، وإن تفاوتت أحوالها صعوداً وهبوطاً مع تبدّل علاقات الحكام العراقيين بالمجتمعات الكردية. غير أن هذا “التشجيع” البريطاني كان انتقائياً ومؤقتاً، يخضع لحسابات الانتداب لا لاعتراف حقيقي بالحق اللغوي. ففي الثلاثينيات حثّت عصبة الأمم العراق على سنّ قانون يكفل استخدام الكردية، وإن كان البريطانيون يعلمون في قرارة أنفسهم أن القانون لن يُطبَّق بعد رحيلهم، مما دفعهم إلى تنفيذه بأنفسهم في مايو ١٩٣١ جاعلين الكردية لغة رسمية في محافظات السليمانية وكركوك وأربيل — لكن الكرد بقوا غير مرتاحين إذ لم تُسمح الكردية إلا في المدارس الابتدائية فيما كان النظامان التعليمي والإداري في كركوك والموصل قد تعرّبا كاملاً.
وفق المختص اللغوي الكردي البارز أمير حسنپور، فإن الكردية تشمل ما لا يقل عن أربع مجموعات لهجاتية جغرافية رئيسية — الشمالية والمركزية والجنوبية وغيرها — وكانت هذه اللهجات في عصور ما قبل القومية تتعايش دون تراتب هرمي، ولم تشكّل فوارق اللهجات عائقاً أمام الإحساس المشترك بالهوية الكردية في مجتمع ريفي إقطاعي كانت فيه التعددية الأدبية واللغوية هي القاعدة لا الاستثناء. لكن النظام القومي الحديث — بتحوّله اللغة من ممارسة حيّة إلى علامة هوية مُقنَّنة — وضع الكردية أمام استحقاق جديد: أن تُوصَف وصفاً علمياً، وأن تُكتب بأبجدية موحّدة، وأن تدخل دائرة “اللغات” لا “اللهجات” — إذ الفرق بين المصطلحين في الخطاب السياسي الحديث هو الفرق بين الاعتراف والإنكار. في هذا السياق بالضبط يكتسب عمل وهبي اللغوي بُعده التاريخي الأعمق. كان وهبي بطل تقنين اللهجة الكردية المركزية (السورانية) في العشرينيات، وهو ما جعل مسيرته الفكرية لا تُفصَل عن لحظة تاريخية حاسمة: اللحظة التي كانت فيها اللغة الكردية تقف على مفترق بين الذوبان في محيط متعدد المطامح والتبلّر كياناً معرفياً مستقلاً. فطوال مسيرته العسكرية والسياسية الأولى لم يتوقف عن التفكير في اللغة، إذ كان يتقن التركية والعربية والفارسية والإنجليزية والألمانية والفرنسية، إضافة إلى إلمامه بالفارسيتين القديمة والوسطى والأفستية والسنسكريتية — وهي خلفية جعلت اشتغاله بالكردية ليس استجابةً عاطفية لنداء الهوية بل موقفاً أكاديمياً رصيناً مبنياً على إدراك تاريخي بمكانة اللغة في منظومة اللغات الإيرانية.
وفي عام ١٩٢٣ كلّفته وزارة المعارف العراقية بوضع قواعد للغة الكردية تُدرَّس في المدارس الابتدائية، فرأى ضرورة إصلاح الأبجدية العربية بإضافة علامات تشكيلية لتمثيل الأصوات الكردية الخاصة. لكن الوزارة رفضت أي تعديل على الحروف العربية، مستندةً إلى أن هذه الحروف هي حروف القرآن الكريم ولا يجوز المساس بقدسيتها — في خلط متعمّد بين حجة دينية وقرار سياسي. ولم يكن الموقف المعارض بعيداً عن صاحبه: كان ساطع الحصري مدير التعليم العام يحمل نظرة متحيزة إزاء الكرد، فكانت الأبجدية الكردية المُقترحة تمثّل في نظره تهديداً مزدوجاً: للوحدة اللغوية العربية، وللمشروع القومي العروبي الذي كان يبنيه. ولم يستسلم وهبي لهذا الرفض بل التفّ عليه بصبر منهجي. الكردية المركزية تُكتب اليوم بالأبجدية الكردو-عربية، وهي تكييف للخط العربي طوّره في عشرينيات القرن العشرين وهبي وسعيد صدقي كبان معاً، وإن ظلّت التعديلات الإملائية التي أجراها وهبي بعيدة عن التطبيق الرسمي في الكتب المدرسية لعقدين كاملين قبل أن تُعتمد. كان جوهر مقترحه أن تُضاف نقاط لتمثيل أصوات الكردية التي لا وجود لها في الأبجدية العربية — ولهذا التفصيل التقني أثر فلسفي عميق: فأن تمنح لغةً حروفاً خاصة بأصواتها يعني الاعتراف بأنها لا تُختزل في غيرها، بأن لها جهازاً صوتياً متميّزاً لا تستطيع الحروف المستعارة التعبير عنه كاملاً.
أصدر وهبي عام ١٩٢٩ كتاب دستوري زماني كوردي (قواعد اللغة الكردية)، الذي يُوصَف أكاديمياً بأنه وصف ممتاز للكردية السليمانية بقلم ناطق أصلي بها، ذو طابع معياري يسعى إلى “تنقية” اللغة من عناصرها غير الكردية. استخدم فيه خطاً عربياً معدَّلاً يخصص حرفاً أو تركيباً لكل صوت بما فيها الحركات — وهو أمر فريد في تاريخ تكيّف الأبجدية العربية مع الكردية. هذه الفرادة التقنية ليست تفصيلاً صرفياً بل هي في الوقت نفسه إعلان عن سيادة: إعلان بأن الكردية تملك نظامها الصوتي الخاص الذي يستحق حروفه الخاصة. ولم يقتصر عطاؤه على النحو والأبجدية. فلم يكن وهبي مجرد لغوي كردي يعمل في عزلة، بل كان يشتغل في منطقة تقاطع فعّالة مع الاستشراق الأوروبي يستخدمه ولا يُستخدَم به. وأبرز تجلّيات هذا الاستخدام المزدوج: معجمه الكردي-الإنجليزي الذي أنجزه بالتعاون مع المستعرب البريطاني سي.جي. إدمندز عام ١٩٦٦، والذي يمثّل أكثر من مجرد أداة ترجمة. إنه استراتيجية إدخال: إدخال الكردية إلى الأرشيف المعجمي الغربي بصفتها لغة قابلة للتقنين والتبادل الأكاديمي — في مرحلة كانت فيها ثلاث دول تُنكر عليها هذه الأهلية. وكما أشار باحثو اللسانيات الكردية، فإن هذا المعجم يظل حتى اليوم المصدر المعجمي الكردي الوحيد الذي يُقدّم بيانات اشتقاقية، وإن كانت محدودة بالإشارة إلى أصل الكلمة حين تكون عربية أو فارسية مما يجعله ليس فقط أداة توثيق للحاضر بل خريطة للتاريخ اللغوي للكردية في علاقاتها مع المحيط.
الكردية واللغة
سكن الكرد في الغالب المناطق الحدودية للدولة العثمانية، وروسيا القيصرية، وإيران القاجارية حتى الحرب العالمية الأولى. وفي عصر الدول القومية، خضعت الأراضي التي يقطنها الكرد لولاية خمس دول. ومنذ عهد الإمبراطورية وصولاً إلى الدول القومية، أسقطت النخب السياسية والفكرية الرؤى الاستعمارية والاستشراقية الغربية على السكان القابعين في الهوامش، بما في ذلك الكرد. وقد تم فحص المواقف الصادرة من المركز الإمبراطوري العثماني المتأخر من خلال مفاهيم مثل “الاستشراق العثماني” و”العثمانية الاستعمارية”. ومن ناحية أخرى، جرى تحليل التجربة الكردية في عصر الدول القومية بوصفها “استعماراً داخلياً” و”استعماراً أمومياً”، من بين توصيفات أخرى. وفي هذا السياق، تحتل اللغة مكانة بارزة بين علامات الهوية الكردية. وغني عن القول إن اللغة التي يتحدث بها المرء لا تعكس بالضرورة أصله العرقي و/أو السلالي. وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يكون مفاجئاً أن “أول ‘نص’ حقيقي باللغة الكردية هو صلاة تبشيرية مسيحية قصيرة من أربعة أسطر، مكتوبة بأحرف أرمنية وُجدت داخل مخطوطة أكبر باللغة الأرمنية تعود للقرن الخامس عشر”. أما أقدم الأعمال المعروفة حول اللغة الكردية فقد سطرها علماء تلقوا تعليمهم في المدارس الدينية، مثل “أحمد خاني” و”علي ترمخي”؛ حيث ألف الأول قاموساً (عربياً-كردياً) للأطفال، بينما كتب الثاني قواعد للغة الكردية. ولاحقاً، انضم إلى هؤلاء العلماء أوروبيون مثل المبشر الإيطالي “ماوريتسيو غارزوني”، الذي طبع أول قواعد للغة الكردية في روما عام 1787.
شهد القرن التاسع عشر “الطويل” في الإمبراطورية العثمانية انتشار ثقافة طباعية نابضة بالحياة بلغات وخطوط مختلفة، ولم تكن الكردية استثناءً؛ فقد ظهر “العهد الجديد” بترجمة كردية، ونُشرت كتب صلاة بالأحرف الأرمنية، وطُبعت المخطوطات ومجموعات الفلكلور في أوروبا. ومع ظهور أول صحيفة كردية “كردستان” في القاهرة عام 1891، “شهدت اللغة الكردية نوعاً من النهضة كلغة أدبية في نهاية القرن التاسع عشر”. وكانت الصحافة الكردية أيضاً وسيلة للتأمل في كيفية تحسين طريقة كتابة الكردية؛ فمثلاً، نشرت صحيفة “تيكَييشتني راستي” مقالاً قُدمت فيه بعض المقترحات المتعلقة بتطوير الكتابة الكردية. وازدهرت الثقافة الطباعية الكردية في بغداد ما بعد العثمانية، وظل سؤال إصلاح الكردية يتردد في العقود التالية. وكان الفاعلون الجدد الصاعدون في “الصحوة الوطنية” الكردية هم المثقفون الكرد الذين تعلموا في المؤسسات التعليمية ذات الطراز الغربي في إسطنبول وبغداد والسليمانية. ومن الشخصيات العثمانية-الكردية التي لعبت أدواراً مهمة في الحياة السياسية والثقافية الكردية في أواخر العهد العثماني وما بعده: بيره ميرد (1867-1950)، ومحمد أمين زكي (1881-1948)، وتوفيق وهبي (1891-1984)، ورفيق حلمي (1898-1960)، وجلادت بدرخان (1893-1951)، وكاميران بدرخان (1895-1978). ومع بروز الكردية كلغة “لا دولة لها” في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية، كان هؤلاء الأفراد هم من رعوا اللغة والأدب والتاريخ الكردي في دمشق وبيروت وبغداد والسليمانية. والمراكز التي برزت في تطوير الكردية كانت أرمينيا السوفيتية، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، والانتداب البريطاني على العراق. وبينما حظيت المصادر الكردية المنشورة في المراكز الأولى باهتمام الباحثين، تظل المصادر الكردية من بغداد وإقليم كردستان العراق غير مدروسة كفاية (باستثناء أعمال باحثين مثل ج. أندرو بوش، وجون إي. بولوك، وميشيل ليزنبرغ، وكريستين أليسون).
وبفضل تعداد سكانها الكرد الكبير واعترافها السياسي النسبي بهم، برزت العراق من بين الدول الثلاث الوريثة للإمبراطورية العثمانية. وبفضل هذا الاعتراف، أصبحت اللغة الكردية “لغة مؤسساتية/حكومية” (Governmentalized)، وهو ما يُعرف بأنه “عملية تحول اللغة إلى موضوع للمعرفة والاهتمام الحكومي”. ويتم التأكيد على الدور الاستثنائي للعراق في هذا الصدد كما يلي: “في أوائل عام 1926، أعلن رئيس الوزراء العراقي وجوب أن يكون الموظفون المدنيون في المنطقة الكردية من الكرد، وأن تكون الكردية والعربية اللغتين الرسميتين للمنطقة، وأن يتلقى الأطفال الكرد تعليمهم باللغة الكردية. ورغم أن هذه الأحكام لم تُنفذ إلا بنوع من التراخي، فمن الإنصاف القول إنه على الأقل حتى منتصف السبعينيات — وعلى نقيض الوضع القمعي السائد في إيران أو تركيا — كان الهوية العرقية المنفصلة للكرد معترفاً بها عموماً وبدرجات متفاوتة، أو على الأقل لم يتم إنكارها من قبل جميع الحكومات العراقية، كما خدم كردٌ كوزراء في معظم الحكومات في العهدين الملكي والجمهوري.” وقد عملت بغداد كمركز للنشر والبث الإذاعي والتعليم الجامعي باللغة الكردية. وضمت بغداد مجلة “كلاويج” (Gelawêj) الأدبية والثقافية الشهرية (1939-1949)، التي وُصفت بأنها “أفضل مجلة أدبية في الشرق الأوسط”، بالإضافة إلى أعمال الباحث الغزير الإنتاج “علاء الدين سجادي”، وإذاعة بغداد الكردية، وقسم اللغة الكردية في جامعة بغداد، ومنشورات المجمع العلمي الكردي (Korrî Zanyarî Kurd). وللأسف، باستثناء المقالات الأخيرة التي كتبها “جون إي بولوك” عن إذاعة بغداد الكردية، لا توجد دراسات حول أي من هذه الموضوعات.
وعند استعراض مغامرة اللغة الكردية في عصر الدول القومية، يستحق مفهوم “التمييز اللغوي” (Linguicism) الاهتمام أيضاً. يعرّف “روبرت فيليبسون” التمييز اللغوي بأنه: “الأيديولوجيات والهياكل والممارسات التي تُستخدم لإضفاء الشرعية على التقسيم غير المتكافئ للسلطة والموارد (المادية وغير المادية) وتفعيله وإعادة إنتاجه بين الجماعات التي تُحدد على أساس اللغة”. وتكشف نظرة سريعة على الآراء المتعلقة باللغة الكردية حتى يومنا هذا عن تجليات لهذا التمييز، تتراوح بين إنكار وجود الكردية كلغة أصلاً، إلى التشكيك في قدرتها على العمل كلفة للكتابة. وعلى سبيل المثال، رفض أحد المؤلفين في أواخر العهد العثماني فكرة التعليم باللغة الكردية في المدارس الحكومية، وكان أحد الأسباب التي ساقها هو أن “الكردية تفتقر إلى كتب القواعد والقواميس وغيرها من الكتب”. وتشير مادة في صحيفة “تيكَييشتني راستي” إلى أن العلماء الأوروبيين والكتاب الأتراك يزعمون أن الكرد ليس لديهم أدب، لكنهم في الواقع يمتلكون “أدباً رقيقاً وملوناً وعذباً”. ولا يبدو أن وضع الكردية أفضل حالاً في الدراسات الغربية المعاصرة؛ إذ يشير “أمير حسن بور” وزملائه — في مقدمتهم للعدد الخاص من “المجلة الدولية لسوسيولوجيا اللغة” حول الكردية — إلى أن قصة اللغة الكردية في الشرق الأوسط تظهر غالباً كقصة “إبادة لغوية” (Linguicide)، ملاحظين أنه لم تظهر أي مقالة عن الكردية منذ تأسيس المجلة عام 1974. ووصف المؤلفون هذا الأمر بأنه “حدث في تاريخ دراسات اللغة الكردية”، مشيرين إلى أن هذه المجلة ليست الوحيدة في إغفالها للكردية. ويبدو أن أول منشور لوهبي كان ترجمة لقصص “شرلوك هولمز” إلى اللغة التركية العثمانية. وكان هو الشخص وراء إصلاح ونشر ثلاث دوريات بالكردية والعربية والإنجليزية، وهي: “دنيكي كيتي تازة”، و”الكاتب”، و”الدراسات الكردية” (Kurdish Studies). ويُعتقد أن مجلة “الدراسات الكردية” كانت أول مجلة باللغة الإنجليزية تظهر بهذا الاسم. ساهم وهبي في العديد من المجلات والصحف، كما كان أحد مؤسسي إذاعة بغداد الكردية عام 1939، وعضواً مؤسساً في المجمع العلمي العراقي عام 1948 وشغل منصب نائب رئيسه. وقد نُقلت مجموعته من الكتب وبعض مقتنياته الشخصية مثل الأوسمة والدفاتر إلى “مركز جين للتوثيق والبحوث” في السليمانية.
كان لدى وهبي اهتمام لا ينقطع بدراسة اللغة الكردية. وفي مقابلته مع “حسن بور”، أشار قائلاً: “كنت عضواً في البرلمان، وكنت عيناً (في مجلس الأعيان)، ومع ذلك لم يكن عقلي مشغولاً بشيء سوى الكردية”. كان همه الأكبر هو جعل الأبجدية العربية ملائمة للغة الكردية. وفي عام 1923، طلبت منه وزارة المعارف العراقية رسمياً إعداد قواعد للغة الكردية لتُستخدم في التدريس بالمدارس. وبصفته مثقفاً كردياً يعمل في “مناطق الاتصال”، بدأ العمل على قواعد كردية مصممة على غرار القواعد الفرنسية. وتحدث في المقابلة ذاتها عن عثوره على كتيب في مكتبة ببغداد يتضمن ترجمات كردية للعهد الجديد، حيث رأى فيها علامات إعجام (تشكيل) لإظهار الأصوات الكردية المميزة. لم تقبل الدولة محاولته لإصلاح الخط العربي؛ إذ وصف “ساطع الحصري” تغيير خط القرآن بأنه “تجديف”. ويروي وهبي لقاءه بالحصري، موضحاً أنه أخبره بأن النقاط الموضوعة على الحروف العربية كانت إضافات متأخرة من السريانية، وأضاف أنه رغم إيمانه بالرسالة الإلهية للقرآن، إلا أنه لا يؤمن بقرآن يتحول إلى عقبة أمام محو الأمية. ولم تنشر الدولة قواعد وهبي لعام 1923، فنشرها بنفسه عام 1929 تحت عنوان “دستوري زماني كوردي” (Destûrî Zimanî Kurdî). وفي هذا الكتاب، وضع علامات على حروف الواو والياء والدال واللام والراء لإنتاج أصوات كردية محددة. واستشهد “هـ. ا. ر. غيب” بهذا العمل كـ “محاولة مثيرة للاهتمام لإنتاج قواعد كردية بخط عربي مُصلح”. كما ظهر هذا الكتاب عام 1956 “بصياغة عربية”، وأشار “إدموندز” في مراجعته لهذه النسخة إلى أنه: “لأول مرة سعى عالم كردي وُلد ونشأ في كردستان إلى تطبيق مناهج البحث الأوروبية في تحليل لغته الخاصة”. وكان عمله الرئيسي التالي هو “القاموس الكردي-الإنجليزي” بالاشتراك مع “إدموندز”.
ولم يحاول وهبي إصلاح الخط العربي فحسب، بل حاول أيضاً استخدام الحروف اللاتينية للكردية في كتابه “خويندة واري باو” (Xwêndewarî Baw) عام 1933. وفي فترة ما بين الحربين، كانت عمليات “رومنة” (لاتينية) اللغة الكردية تجري في كل من سوريا والاتحاد السوفيتي. وضعت مجلة “هاوار” لـ “جلادت بدرخان” المعيار للكردية الشمالية (الكرمانجية) بالخط اللاتيني. التقى بدرخان ووهبي في دمشق عام 1929 وقارنا أبجدياتهما اللاتينية، وقررا التوصل إلى نسخة موحدة ونشرها، لكن التواصل انقطع بينهما لاحقاً بسبب “الأحداث المؤسفة” التي وقعت. وقد اتسم اهتمام وهبي باللغة الكردية بالحرص على ضمان التفاهم المتبادل بين المتحدثين باللهجات المختلفة. ولاحظ أن ضمير الفاعل “أز” (ez) الموجود في الكردية الشمالية كان موجوداً في الكردية القديمة لكنه نُسي في السليمانية، فأوصى بتبنيه في لهجة السليمانية. كما اقترح إعادة إدخال هذا الضمير ضمن مقترحاته الثلاثة لبناء لغة أدبية كردية. ومن الملاحظ أيضاً أن وهبي استخدم لهجات كردية أخرى للبحث عن بدائل كردية للمفردات العربية ليتم تبنيها في السليمانية؛ حيث أدخل عدداً كبيراً من الكلمات من اللهجة “البهدينية” التي سرعان ما أصبحت شائعة. كما اقترح كلمات جديدة، مقدماً مقابلاتها العربية إما بين قوسين أو في الحواشي، وشارك تأملاته حول المبادئ التي يجب اتباعها عند إدخال كلمات جديدة.
التقنين اللغوي وتأسيس السردية الكردية المستمرة
ثمة سؤال فلسفي عميق يسبق كل حديث عن وهبي اللغوي: لماذا تحتاج الشعوب إلى تقنين لغتها؟ الجواب البديهي هو التواصل والتعليم، غير أن الجواب الأعمق — الذي يمكّننا من فهم وهبي حقاً — هو أن التقنين فعل سردي بالمعنى الدقيق: إنه تحويل اللغة من ممارسة حيّة متشعّبة إلى موضوع قابل للتعريف والتمييز والتناقل عبر الزمن. والتعريف شرط السردية، لأن ما لا يُعرَّف لا يُروى، وما لا يُروى لا يُتذكَّر، وما لا يُتذكَّر لا يُقاوَم به الإنكار. وهبي أدرك هذه المعادلة وإن لم يصغها بهذه اللغة النظرية، فعمل طوال حياته على وضع اللغة الكردية في موضع يجعلها قابلة للرواية — لرواية نفسها أولاً، ولرواية شعبها ثانياً.
إن الخلفية التي يشتغل فيها وهبي تجعل هذا المشروع أكثر تعقيداً مما يبدو عليه في القراءة الأولى. الكردية بوصفها مجموعة لغوية تضم لهجات عدة في طليعتها الكرمانجية والسورانية تختلف بينها اختلافاً يجعل المقارنة العلمية ملائمة لمقارنتهما بالألمانية والإنجليزية من حيث الفجوة البنيوية، إذ تفتقر السورانية إلى التجنيس النحوي وحالات الإعراب الموجودة في الكرمانجية فضلاً عن اختلافات جوهرية في المفردات والنطق. هذا الواقع اللغوي المتشعّب كان سلاحاً في يد دول الإنكار: فقد سعت الحكومة العراقية إلى تحريض الناطقين بالسورانية والكرمانجية على بعضهم لمنع الاعتراف بالكردية لغةً رسمية، إذ أصدرت قانوناً يشترط أن يختار الممثلون الكرد “نوع اللغة الكردية التي يرغبون فيها” قبل أن يُمنح الاعتراف — واصفةً ذلك بأنه سعي إلى توحيد الكرد، بينما كان في حقيقته توظيفاً سياسياً للتنوع اللهجي لشلّ أي مطالبة جماعية. في مواجهة هذا التوظيف بالذات اتخذ عمل وهبي دلالته: إن إثبات أن السورانية تملك نظاماً قابلاً للوصف والتقنين الصوتي والصرفي والمعجمي هو دحض عملي لحجة الفوضى اللهجية التي يوظّفها الإنكار.
والأكثر عمقاً هو أن وهبي لم يختر السورانية من باب الهوى اللهجي بل انطلاقاً من إدراك جيوسياسي دقيق. كانت السورانية لغة القوميين الكرد الحضريين وبالتالي الأكثر حضوراً سياسياً، في حين ظلت الكرمانجية مرتبطة تاريخياً بالقبائل الريفية التي كانت أقل تأثيراً في المشروع القومي الناشئ. ولهذا تحديداً كانت السورانية السليمانية هي المدخل الأنسب لمن يريد أن يؤسّس لغةً وطنية لا لهجةً محلية — وهو الفرق المعرفي والسياسي الذي كان وهبي يسعى إلى ترسيخه. بحلول الأربعينيات كانت لهجة السليمانية قد أصبحت النسخة المعيارية للكردية المركزية وقبل بذلك حتى الكرد في إيران، وقد أسهم في هذا التحول استخدام السورانية في البث الإذاعي الذي رفع من مكانتها ومن الشعور بالإلحاح في إتقانها لارتباطها بالأحداث الجارية. وحين اندلعت ثورة الرابع عشر من يوليو ١٩٥٨ كانت الكردية المركزية قد استوعبت معايير اللغة المعيارية واكتسبت شرعيتها في الفضاء العام.
غير أن الدور الذي أدّاه وهبي في هذا المسار لم يكن مجرد دور تقني لساني، بل كان في جوهره دوراً معرفياً-سياسياً يقع على الحدود بين اللغة والهوية والسردية. لفهم هذا البعد لا بد من استحضار ما يعنيه تحويل الخط العربي إلى أداة لكتابة الكردية. الكردية السورانية تُكتب بأبجدية كردو-عربية تحوّل الخط الساكني إلى نظام صوتي خطي مقاربٍ لما فعله اليديشية بالأبجدية العبرية، وهذه المقارنة أدق مما تبدو عليه: اليديشية أيضاً هي لغة شعب بلا دولة رسّخت هويته من خلال اعتماد خط ديني وتطويعه لتمثيل صوتياتها الخاصة. وهبي فعل مثل ذلك حين رفض أن تظل الأبجدية العربية في خدمة العربية وحدها، وأجرى عليها تعديلات تجعلها تعبّر عن أصوات الكردية التي لا وجود لها في المنظومة الصوتية العربية — وكأنه يقول: هذه اللغة لها جسد صوتي خاص بها لا يختزله صوت أيّ لغة أخرى.
إن الأبجدية الكردو-عربية التي تُكتب بها الكردية المركزية اليوم هي اقتباس للخط العربي طوّره في عشرينيات القرن الماضي سعيد صدقي كبان وتوفيق وهبي معاً. لكن هذه الجملة التقنية الموجزة تخفي وراءها معركة استمرت لعقود. فالمعادلة الكاملة هي أن وهبي كُلِّف عام ١٩٢٣ بوضع نحو كردي، فطالب بإصلاح الأبجدية ليمثّل الأصوات الكردية الخاصة، فرفضت الحكومة بحجة حرمة الحروف القرآنية، فاشتغل على التعديلات خارج الإطار الرسمي، فأصدر قواعده عام ١٩٢٩، فظلّت تعديلاته الإملائية بعيدة عن الكتب المدرسية عقدين كاملين. والأهم في هذه المعادلة ليس الرفض الحكومي — فالرفض كان متوقعاً — بل هو صبر وهبي المنهجي الذي لم يُفضِ إلى مهادنة بل إلى مراكمة: مراكمة المعرفة اللغوية في كتب ومعاجم ومقالات حتى يصبح ما كان مرفوضاً سياسياً حقيقةً علمية لا يمكن تجاهلها. وقد كان من نتيجة هذا المسار أن تُعترف السورانية باللغة الرسمية الثانية في العراق عام ١٩٣١ تحت الضغط البريطاني وهو اعتراف ناقص وهشّ، لكنه كان مستحيلاً لولا أن الرصيد اللغوي المُبنى جعل الإنكار الكامل أمراً غير قابل للتصديق حتى في الخطاب الرسمي.
هنا يظهر الخيط الذي يربط وهبي بما هو أوسع من التقنين اللغوي: إنه يؤدي ما يمكن تسميته وظيفة الترسّب المعرفي. كل نحو يُؤلَّف وكل معجم يُنشَر وكل دراسة اشتقاقية تُنجَز تُضاف إلى طبقة معرفية تتراكم تراكماً لا يمكن للقرار السياسي أن يمحوه كاملاً، لأنه انتقل إلى فضاء الأكاديميا الدولية التي تعمل بمنطق مختلف عن منطق الدولة. ويُؤطِّر الباحثون مشروع وهبي بمفهوم “منطقة التلاقي” لأريف ديرليك في سياق العلاقة بين المستشرقين الأوروبيين-الأمريكيين والمثقفين غير الغربيين، إذ كانت مسيرته تُفرز تمايزاً أكاديمياً من خلال تعاونه مع الحقل الغربي لا خضوعاً له . معجمه مع إدمندز (١٩٦٦) هو خير شاهد على هذه الاستراتيجية: فهو من الناحية الصورية وثيقة تعاون بين باحث كردي ودبلوماسي-باحث بريطاني، لكنه من الناحية الوظيفية إدخال للكردية إلى دائرة اللغات الأكاديمية المعترف بها في المكتبات الجامعية الغربية — وهذا الإدخال لا تستطيع أي حكومة سحبه بمرسوم. والأعمق من ذلك كله أن وهبي كان يدرك — بوعي أو بحدس — أن السردية الكردية تواجه خصماً مزدوجاً: الإنكار الخارجي من الدول المحيطة، والتشتت الداخلي من غياب المعيار اللغوي الموحّد. الاختلافات بين الكرمانجية والسورانية في الكتابة والنحو والمفردات وسّعت الهوة بين الكرد في مناطق مختلفة وجعلت مشروع الهوية المشتركة أكثر تعقيداً في ظل غياب كيان سياسي جامع. وبتقنين السورانية لم يكن وهبي يحسم هذه المعادلة — فهي لم تُحسم حتى اليوم — بل كان يضع نموذجاً يُثبت إمكانية التقنين: إذا نجح هذا في السورانية فهو ممكن في سائر اللهجات، والتنوع ليس حجة للعجز بل مادة للعمل.
ويبقى السؤال عن التوحيد اللغوي الكردي معلّقاً بين خيارين: التوحيد عبر اعتماد لغة مشتركة أو سورانية معيارية بما ينطوي عليه من إقصاء نسبي لناطقي اللهجات الأخرى، أو الإبقاء على التعدد اللهجي بما يحمله من مخاطر التشرذم وتداعياته السياسية والاقتصادية. غير أن هذا التعليق في حد ذاته ليس دليلاً على فشل وهبي بل على نجاحه الجزئي: فالسؤال عن كيفية توحيد اللغة يفترض مسبقاً أن هذه اللغة موجودة وتستحق التوحيد — وهذا الافتراض نفسه هو ما كان وهبي يعمل على ترسيخه حين بدأ. لقد ظلت السردية الكردية المستمرة التي يُغذّيها عمل وهبي سردية صمود معرفي. صمود اللغة التي رُفض تعديل حروفها فعُدِّلت خارج الموافقة الرسمية، التي حُورب تقنينها فقُنِّنت خارج الكتب المدرسية، التي أُريد لها أن تبقى لهجةً فأصبحت بحوث وهبي شهادةً على أنها لغة. وكل طبقة من طبقات هذا العمل تُضاف إلى ما سبقها وتمهّد لما بعدها، في سلسلة ترسّب معرفي تجعل الإنكار أكثر تكلفةً وأقل مصداقية مع الزمن — وهذه بالضبط هي البنية العميقة للسردية المستمرة: لا انتصار نهائي، بل استحالة الإمحاء الكامل.
وثمة وجه في عمل وهبي لا يُقرأ بالكفاية في الدراسات التي تتناوله: وهو مشروع التطهير المعجمي، أي ذلك الجهد المنهجي الطويل الذي بذله لإزالة الطبقات اللغوية الأجنبية عن الكردية واستبدالها بمصطلحات كردية أصيلة أو مشتقة من الجذور الكردية-الإيرانية. هذا العمل ليس زينةً لغوية بل هو في جوهره سردية مضادة: سردية تقول إن الكردية ليست لغةً مُعارَة من العربية والفارسية والتركية، بل لغةٌ مستقلة ذات جذر حيّ قادر على الإنتاج والاشتقاق. كان وهبي ولاحقاً حزني مكرياني يساهمان في مجلة دنگي گهتي تازه التي نشرت مقالات كثيرة بالترجمة وبالتأليف الأصلي مرفقةً بقوائم مصطلحات جديدة. وبحسب وهبي نفسه، فإن هذه المصطلحات التي بلغت نحو ألف مصطلح عام ١٩٤٢ كانت تُستخدم على نطاق واسع في أوساط المترجمين والمتحمسين لتنقية اللغة. وقد لاحظ إدمندز — المراقب المعاصر — عام ١٩٤٥ أن عمل وهبي كان يُتَّبع بوعي أو بغير وعي من قِبل الكُتَّاب في الدوريات الأخرى ومن قِبل المذيعين على راديو بغداد وراديو الشرق الأدنى. هذه الشهادة من إدمندز — وهو باحث بريطاني محترف لا يميل إلى المبالغة — تكشف شيئاً بالغ الأهمية: أن وهبي كان يؤثّر في اللغة الحية دون أن يملك سلطة مؤسسية لإلزام أحد، أي أن تأثيره كان تأثيراً معياريًا طبيعياً نابعاً من قوة العمل لا من قوة المنصب.
والأعمق في هذا المسار هو ما يكشفه التتبع الكمي عن نتائجه: أن الحمل الإقراضي في الكردية المكتوبة انخفض من ٤٦.٤٪ في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين إلى ٤.٤٪ فحسب في الستينيات. هذا الرقم ليس مجرد إحصاء لغوي بل هو مقياس لتحوّل في الوعي الجماعي الكردي بلغته: تحوّل من لغة تستعير هويتها من غيرها إلى لغة تستمدها من باطنها. وهبي كان أحد المهندسين الرئيسيين لهذا التحوّل، ليس بقرار من فوق بل بترسيخ نموذج يُقلَّد ويُتداول حتى يصبح معياراً. غير أن التطهير المعجمي عنده لم يكن خطياً أو أيديولوجياً صارماً: تظهر في عمله توجهان متوازيان — تنقية الكلمات المقترضة المعرَّبة ومحاولة إزالة العربية حتى باستبدالها بكلمات فارسية في بعض الحالات — وهو ما يعكس سياق الصراع المزدوج للكرد في العراق: فتحت الضغط المباشر للحكومات العربية القمعية ووطأة هيمنة اللغة العربية، تفاعل الكرد لغوياً بتطهير المفردات العربية واستبدالها باقتراضات من الفارسية، اللغة الرسمية للدولة المجاورة التي كانت بدورها تمارس القمع ذاته — مستندين في ذلك إلى الانتماء الهندو-أوروبي المشترك بين الكردية والفارسية. وفي هذه الدقيقة يظهر شيء مثير: أن اختيار اللغة البديلة عند وهبي لم يكن مجرد اختيار معجمي بل كان استراتيجية في مواجهة السلطة تستعمل تناقضات الدول المحيطة لمصلحة الهوية الكردية — اللغة بوصفها تحالفاً انتهازياً للبقاء.
ولم يكن عمل وهبي في الكتب والدوريات ليكفي وحده لترسيخ المعيار اللغوي في وعي الجماهير الكردية. وهنا تتضح أهمية بُعد آخر في مشروعه: ربطه بأدوات الاتصال الجماهيري الحديثة. شهدت الأربعينيات استخدام السورانية في البث الإذاعي، مما رفع من هيبتها ومن الإحساس بضرورة إتقانها لارتباطها بالأحداث الجارية. وقد كان وهبي حاضراً في هذا الفضاء بالضبط: فعمله في تأسيس البرامج الكردية على راديو بغداد معناه أنه لم يكتفِ بتقنين اللغة في الكتب — التي تصل بطبيعتها إلى النخبة المتعلمة — بل عمل على إيصال النموذج اللغوي الذي أسّسه إلى آذان الناس العاديين. وهذه نقلة نوعية في تاريخ التقنين اللغوي: فالمعيار لا يصبح معياراً حقاً إلا حين يتجاوز النص المكتوب ليسكن في اللغة المنطوقة المتداولة. أما المعجم الكردي-الإنجليزي مع إدمندز فقد أدّى وظيفةً مختلفة لكنها مكمّلة: كان إدمندز مستشاراً لوزارة الداخلية العراقية (١٩٣٥-١٩٤٥)، ثم تولّى كرسي الدراسات الكردية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن (١٩٥١-١٩٥٧)، وعُدّ المعجم الذي أنجزه مع وهبي مرجعاً موثوقاً لتنوع المجتمع الكردي. هذا الترتيب التعاوني يستحق التأمل: فإدمندز ليس مجرد شريك أكاديمي بل هو في الوقت نفسه دبلوماسي بريطاني من الطراز الذي كان يصنع السياسة في المنطقة، ووجوده كشريك في الإنجاز يعطيه وزناً مؤسسياً لا يملكه وهبي وحده. لكن وهبي كان يدرك هذا البُعد جيداً: استخدامه لشبكة العلاقات الأكاديمية الغربية لم يكن خضوعاً للاستشراق بل توظيفاً له في خدمة مشروعه — وهو التمييز الجوهري الذي يقترحه مفهوم “منطقة التلاقي”.
وبحلول الأربعينيات كانت لهجة السليمانية قد أصبحت النسخة المعيارية للكردية المركزية وقبل بذلك حتى الكرد في إيران. وحين انطلقت ثورة الرابع عشر من يوليو ١٩٥٨ كانت الكردية المركزية قد استوعبت معايير اللغة الوطنية المعيارية واكتسبت شرعيتها. وفي حقبة الجمهورية العراقية من ١٩٥٨ إلى ١٩٦٨ تضاعف عدد الدوريات الكردية بسرعة، وأُسِّس قسم للغة الكردية في جامعة بغداد، وأُنشئت مديرية عامة للدراسات الكردية. كل هذا لم يكن ليكون ممكناً لولا أن الرصيد التقنيني الذي بناه وهبي وأمثاله جعل الكردية المعيارية حقيقةً أكاديمية وإدارية يصعب تجاهلها. وفي عام ١٩٦٨ أُسِّس المجمع العلمي الكردي في بغداد الذي كرّس جزءاً كبيراً من جهده لتطوير المصطلحات الجديدة وكتب القواعد ودلائل أسلوب الكتابة وتعديل الإملاء وإجراء البحوث اللغوية وهو بالضبط المسار الذي كان وهبي يمشي عليه وحده قبل أن تولد مؤسسة تحمله. ومن ثم، أصبحت الكردية السورانية تدريجياً لغة التعليم والإعلام والفضاء العام، خاصةً في منطقة السليمانية، فيما ظلت البادينانية (الكرمانجية) في حدود الفضاء الخاص. وبعد الإطاحة بصدام حسين عام ٢٠٠٣ أعلن العراق الكردية لغةً رسمية ثانية إلى جانب العربية، وكفلت المادة الرابعة من الدستور هذا الاعتراف. والطريق من رفض ساطع الحصري تعديلَ الأبجدية عام ١٩٢٣ إلى الاعتراف الدستوري عام ٢٠٠٥ هو ثمانون عاماً من الترسّب المعرفي الذي كان وهبي في طليعة بُنّائيه. ولا تكتمل قراءة دور وهبي دون استحضار ما يعنيه فقدان اللغة وجودياً في السياق الكردي. حين نتحدث عن لغة، نتحدث ليس فقط عن أداة تواصل بل عن ذاكرة ألف عام من تطوّر مجموعة اجتماعية خزّنت فيها كل تطورها وكل رؤيتها للعالم. إن موت لغة هو موت لرؤية عالم كاملة. وهذا البُعد الوجودي كان حاضراً في عمل وهبي وإن لم يُصِّرح به بهذا الإطار النظري. فحين يضع معجماً يوثّق ثلاثين ألف كلمة كردية مع بياناتها الاشتقاقية، فهو في الحقيقة يُحصّن ذاكرةً جماعية من النسيان الذي تُمارسه سياسات القمع اللغوي. فحظر لغة على مجتمع يعني أن هذا المجتمع سيتلاشى في المستقبل — لأن العنف اللغوي هو أداة لإطفاء الهوية الثقافية بالكامل. وعمل وهبي كان الجواب العملي الأبلغ على هذا العنف: إذا كانت الدولة تمنع اللغة من الفضاء العام، فإن اللساني المقاوم يؤرشفها في كتب لا تعترف الحدود السياسية بسلطتها.
وبهذا يمكن القول، إن اللغة الكردية تدين ببقائها ليس للمؤسسات الرسمية بل للشعر والموسيقى في المقام الأول — إذ لم تتكئ على سلطة الدولة التي لم تملكها قط بل على قدرة الثقافة الشفهية والشعرية على حفظ الهوية خارج المؤسسة. ويأتي وهبي في لحظة يصبح فيها هذا الحفظ الشفهي غير كافٍ أمام تحديات الحداثة: التعليم الجماهيري، والإعلام المكتوب، والقانون الذي يتطلب لغةً مكتوبة موحّدة. فعمله هو الجسر بين ذاكرة الشعر التي أنقذت الكردية قروناً، وبين متطلبات الكتابة والمعيار التي تفرضها الحداثة. وفي هذا الجسر بالذات تكمن أهميته التاريخية العميقة: إنه الرجل الذي آمن بأن ما حفظه الشعراء يستحق أن يُبنى عليه علم، وأن ما يصمد في الذاكرة الشعبية يمكن أن يصمد أيضاً في القاموس والنحو والأبجدية.
الحضور في الذاكرة والوجدان الكردي
إن كل ثقافة تنتج نوعين من الرموز: رموز الفعل الدرامي — القادة والشهداء والثوار الذين تبنيهم الذاكرة الجماعية بسهولة لأنهم يتحرّكون في مسرح مرئي من الصراع والتضحية — ورموز الفعل الصامت، أولئك الذين يعملون في المساحات الهادئة من التاريخ: المختبرات اللغوية، والمكتبات، والصفحات المخطوطة التي تُؤلَّف في المنفى. توفيق وهبي ينتمي بامتياز إلى النوع الثاني، وهذا الانتماء هو مصدر تقدير مكانته وفي الوقت ذاته مصدر الغبن الذي طال اسمه في التلقي الشعبي. والحقيقة التي يكشفها التأمل في مسيرته هي أنه شغل مساحة لا يشغلها عادةً شخص واحد: كان في آن معاً الجندي الذي قاتل في ثلاث جبهات، والمسؤول الذي تولّى الوزارات، والمثقف الذي ترجم بين الفضاءات الأكاديمية الدولية، واللغوي الذي أعطى للكردية حروفها التي تنطق بها حتى اليوم. هذا التعدد ليس انتشاراً عشوائياً بل هو بنية استراتيجية — وإن لم تكن مدروسة بالكامل — يفرضها على المثقف الكردي في تلك الحقبة منطق الوضع: حين تكون الدولة معادية فلا خيار أمام المثقف سوى أن يتوزّع في كل الفضاءات المتاحة، يشتغل في كل مؤسسة يستطيع الدخول إليها ليحوّلها، ولو جزئياً، إلى أداة خدمة لمشروعه.
غير أن هذا التوزع ذاته هو ما جعل صورته في الوجدان الكردي العام أقل حدة مما تستحقه المساهمة. الشهيد الذي سقط في المعركة أسهل حضوراً في الذاكرة الجماعية من العالِم الذي أمضى عقوداً في تعديل الأبجدية ودراسة الاشتقاق ومقارنة الأصوات اللغوية. الدم يُترجَم مباشرة إلى رمز، أما الحرف المُضاف إلى الأبجدية فيحتاج إلى وسيط معرفي يشرح لماذا هو فعل مقاومة بالمعنى العميق للكلمة. وهبي لم يجد هذا الوسيط في حياته، واستمر الغبن بعد رحيله — وهو ما يجعل التقييم المتأخر ليس مجرد إنصاف أكاديمي بل ضرورة ثقافية. إن ما يبقى من وهبي في الوجدان الكردي ينقسم إلى طبقتين: طبقة السطح التي تتضمن الاسم المعروف بين المثقفين والمنتسبين إلى الهموم اللغوية والأكاديمية، وطبقة العمق التي تتضمن الأثر الحقيقي الأكثر انتشاراً والأقل وعياً به — وهي أن كل كردي سوراني يكتب اليوم يستخدم أبجدية شارك وهبي في بنائها، وكل طالب درس الكردية في مدارس إقليم كردستان يعمل في إطار تقنيني أرسى وهبي حجارته الأولى. هذا النوع من الأثر — الأثر المنسوب إلى “التطور التاريخي” أو “الجهود المشتركة” لأنه استُوعب في البنية العادية للحياة الثقافية — هو أعمق أنواع الحضور وأقلّها ظهوراً.
لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن وهبي لم يكن منزّهاً عن تناقضات مرحلته. التوتر بين خدمة الدولة العراقية وزيرياً وعضوياً في مجلس الأعيان من جهة، والمطالبة بالحقوق الكردية والتأسيس لهويتها اللغوية من جهة أخرى — هذا التوتر لم يُحسَم بسهولة. ويمكن قراءته من زاويتين متعارضتين: إما أنه كان يستخدم الدولة وسيلةً للحفاظ على نفسه في موضع يُمكّنه من العمل الثقافي، وإما أن الدولة كانت تستخدمه لإضفاء شرعية كردية على سلطة لا تعترف بالكرد حقوقاً. والحقيقة على الأرجح أن كلتا القراءتين صحيحتان في آن، وأن المثقف الكردي في تلك الحقبة لم يكن يملك ترف الاختيار الأحادي بين الاستقلالية المطلقة والتعاون الكامل — فكلا الخيارين كانا يقودان إما إلى العجز أو إلى الذوبان. والدرس الأعمق الذي تقدّمه سيرة وهبي للدرس الأكاديمي الكردي المعاصر يتجاوز شخصه إلى بنية التأسيس الثقافي في حالات الشعوب المحرومة من الدولة: أن التقنين اللغوي ليس نشاطاً ثقافياً محايداً بل فعل سياسي من الدرجة الأولى، لأن اللغة المُقنَّنة تُنشئ أرشيفاً لا تستطيع السياقات السلطوية المعادية محوه بعد أن انتقل إلى مكتبات الجامعات الغربية وإلى قواميس علم اللغة المقارن. كل حرف أضافه وهبي إلى الأبجدية وكل مدخل أثبته في المعجم كان يُودع في هذا الأرشيف المشترك الذي لا تملكه دولة واحدة ولا تستطيع إقفاله.
حقيقة، إن الموضع الذي يشغله توفيق وهبي في الذاكرة والوجدان الكردي هو موضع المؤسِّس غير المُعلَن: ذلك الذي يكون أثره في كل مكان وصورته في مكان واحد. فالكردية السورانية التي يكتب بها ملايين اليوم، تحمل بصمته في بنيتها الصوتية والإملائية، والمعجم الكردي-الإنجليزي الذي صنعه يجلس في مكتبات الدراسات الكردية في لندن وباريس وواشنطن شاهداً على أن هذه اللغة لها تاريخ موثّق وبنية محلَّلة وأكاديمي عالمي اعترف بها. هذا الحضور المزدوج — في الأرشيف الدولي وفي الحروف اليومية — هو الإرث الحقيقي الذي يتجاوز ما يُعترف به في الذاكرة الشعبية، ويبقى في انتظار من يستثمره نظرياً كاملاً: ليس كمجرد سيرة رجل بل كنموذج يكشف كيف تُبنى الاستمرارية الثقافية حين تغيب الدولة — من الحرف الواحد والمفردة الواحدة والجملة الواحدة، حتى يصبح ما كان يُنكر واقعاً لا يمكن دحضه.
ولا يكتمل التقييم العادل دون مواجهة الحدود، لأن المديح المطلق يُحوّل المثقف إلى أسطورة ويُخرجه من التاريخ. ووهبي — شأن كل الشخصيات التأسيسية — يحمل في مشروعه نقاطاً عمياء لا يصح تجاهلها. وأول هذه الحدود هو مفارقة المعيار: حين اختار وهبي السورانية السليمانية قاعدةً للتقنين، كان يحلّ إشكالية ويفتح في الوقت ذاته إشكاليات أخرى. المعيار اللغوي — أي معيار — هو بطبيعته إقصاء جزئي: يرفع لهجةً واحدة إلى مرتبة “اللغة” ويُبقي سائر اللهجات في منطقة الهامش. والكرمانجية التي تنطق بها غالبية الكرد في تركيا وسوريا وشمال العراق ظلّت خارج هذا التقنين، لا لأن وهبي أهملها عمداً، بل لأن شروط عمله الجغرافية والسياسية والمؤسسية حدّدت نطاق ما يمكن إنجازه. والنتيجة أن الكردية تدخل القرن الحادي والعشرين بفجوة بين معيارَين — السوراني والكرمانجي — لا تزال تُعيق مشروع الهوية الموحّدة التي كان وهبي يحلم بتأسيسها. هذا ليس إخفاقاً شخصياً بل هو حدود اللحظة التاريخية التي يعمل فيها أي إنسان مهما بلغ من الموهبة والإرادة. ويتعلق الحد الثاني بالتوتر بين البُعد الأكاديمي والبُعد الشعبي في عمله. وهبي بنى جسراً نحو الأكاديميا الغربية وأجاد ذلك إجادة استثنائية، لكن الجسر في الاتجاه الآخر — نحو الجماهير الكردية الريفية التي لم تتلقَّ تعليماً رسمياً، والتي كانت تحمل اللغة في أشكالها الشفهية والشعرية دون معجم أو نحو — لم يُبنَ بالقدر ذاته. معجم أكسفورد لا يصل إلى قرى جبال زاغروس، والنحو الذي يُؤلَّف بالتعاون مع دبلوماسيين بريطانيين يخاطب فئة معينة من الكرد دون غيرها. هذا لا ينفي قيمة العمل، لكنه يُضيء الفجوة بين التقنين النخبوي والتوطين الشعبي، وهي فجوة لم تُردم إلا جزئياً بفضل الإذاعة التي كانت أكثر ديمقراطية في وصولها. أما الحد الثالث — وهو الأكثر إثارةً للتأمل — هو سؤال الدولة بوصفها شرطاً مستحيلاً. وهبي كرّس حياته لبناء ما تحتاجه الأمة الكردية من رصيد لغوي ومعرفي، لكن هذا البناء ظل دائماً يفتقر إلى الشرط الذي يحوّله من ثقافة مقاومة إلى ثقافة دولة: وجود سلطة سياسية تحمي اللغة وتُموّل تعليمها وتُلزم مؤسساتها باستخدامها. وهبي أثبت أن الكردية قادرة على البقاء والتطور دون دولة، لكن إثبات القدرة على البقاء شيء وامتلاك شروط الازدهار شيء آخر. الأثر الذي تركه يظل مبتوراً — أثراً في اللغة دون حامل سياسي كامل — وهذا البتر ليس قصوراً في الرجل بل مأساة البنية التي عمل فيها.
ولفهم مكانة وهبي بدقة لا بد من وضعه في سلسلة الفكر الكردي الكبرى، لأنه لا يُقرأ بمعزل عمّن سبقه ولا عمّن جاء بعده. سبقه أحمد خاني الذي أعلن في القرن السابع عشر أن للكرد لغة وأمة وجرحاً يستحق التسمية، لكن خاني كان شاعراً يصوغ الوعي في استعارة جمالية. ثم جاء كويي في القرن التاسع عشر ليحوّل هذا الوعي إلى خطاب سياسي صريح. وكلاهما — خاني وكويي — عمل في زمن كانت اللغة الكردية ممارسةً حيّة غير محتاجة إلى إثبات وجودها، لأن الإنكار المنهجي الممنهج لم يكن قد وصل بعد إلى ذلك الإطار القانوني-السياسي الذي أنتجته الدول القُطرية الحديثة بعد لوزان. وهبي ينتمي إذن إلى جيل الاستحقاق المختلف: جيل يواجه دولةً حديثة تملك وزارة تعليم وأبجديات رسمية وخطاباً عروبياً أو تركياً أو فارسياً منظّماً يُقدّم الكردية لهجةً لا لغة. في مواجهة هذا الإطار الحديث لا يكفي الشعر — لأن الدولة لا تُحاجج بالشعر — ولا يكفي الخطاب السياسي وحده — لأن الدولة تستطيع قمعه. ما يُقلق الدولة حقاً هو المعجم والنحو والدراسة الاشتقاقية المنشورة في أكسفورد، لأن هذه الأشياء تشتغل بمعايير الأكاديميا الدولية التي تعترف بها الدولة ذاتها حين تُرسل أبناءها للدراسة فيها. وهبي إذاً ليس بديلاً عن خاني وكويي بل هو استجابة لتحدي مختلف في لحظة مختلفة — وهذا التتابع في الأجوبة على أسئلة متجددة هو ما يُشكّل السلسلة الفكرية الكردية. أما الجيل الذي جاء بعد وهبي فقد ورث أرضاً ممهّدة: إبراهيم أحمد، وعبد الله غوران في الشعر، ومحمد أمين زكي في التاريخ، والمجمع العلمي الكردي منذ ١٩٦٨ — كلهم بنوا على أساس كان وهبي أحد من وضعوه. والأجمل في هذا التتابع أن كل جيل يأخذ ما أنجزه السابق بداهةً ويبني عليه، وهذا بالضبط ما أراد وهبي: لا أن يُذكر اسمه بل أن يصبح عمله ماءً تشرب منه اللغة الكردية دون أن تسأل عن منبعه.
ما يجعل وهبي شخصية تتجاوز تاريخها الخاص لتصبح نموذجاً قابلاً للقراءة النظرية هو أن مشروعه يُقدّم إجابةً عملية على سؤال ظل نظرياً في معظمه: كيف تُنتج ثقافةً صامدة في غياب الدولة الحامية؟ إن الجواب الذي يُقدّمه وهبي — بحياته وعمله لا بتنظيره — هو أن الهشاشة ليست ضد الإنتاج بل يمكن أن تكون شرطه الخفي. شعب يملك دولة يُكِل إليها مهمة حفظ لغته وتقنينها وتعليمها، فيصبح المثقف فيه موظفاً في مؤسسة. شعب لا يملك دولة يُلقي بهذه المهمة كاملةً على عاتق مثقفيه الأفراد، فيصبح المثقف فيه مؤسسةً بمفرده. وهبي لم يكن يعمل في قسم لغويات في جامعة تحميه؛ كان هو القسم والجامعة والأرشيف في آن، وكانت استمراريته تعتمد على إرادته الشخصية وعلى قناعته بأن ما يبنيه لن يُكتمل في حياته لكنه ضروري لما بعدها. هذه البنية النفسية — بناء ما لن ترى اكتماله — هي ربما أعمق ما يُورثه وهبي للفضاء الكردي وللوجدان العام الكردي: نموذج في التحمّل المعرفي، في الصبر الذي لا يتحوّل إلى يأس ولا إلى وهم الانتصار القريب، بل يبقى صبراً منتجاً يُحوّل كل رفض إلى عمل بديل. حين رفضت الحكومة تعديل الأبجدية، عدّلها خارج الإذن الرسمي. حين أُعفي من منصبه، ذهب إلى بيروت وأصدر بياناً. حين فرضت الثورة عليه المنفى، جلس في لندن وأنجز المعجم. كل إغلاق أنتج عنده مساراً بديلاً، وهذه القدرة على تحويل الإغلاق إلى مسار بديل هي بالضبط ما يحتاجه أي وجدان جماعي يعيش في شروط القمع الممنهج.
توفيق وهبي ليس الشخصية الأكثر شهرةً في تاريخ الثقافة الكردية، وهذا بالذات هو ما يجعل تقييمه كاشفاً. الشهرة تذهب عادةً إلى من يصنعون اللحظات الدرامية القابلة للأسطرة: الشهيد، والشاعر الملهم، والزعيم الذي خاض معركة كبرى. وهبي لم يصنع لحظةً درامية واحدة — صنع ثمانين عاماً من العمل الصبور الذي تحوّل إلى أرضية صامتة تقف عليها اللغة الكردية المعيارية اليوم. وفي هذا الصمت يكمن تقييمه الأعمق: أن الثقافة التي تبقى ليست دائماً الثقافة التي تصرخ أعلى، بل الثقافة التي تُحوّل الصراخ إلى أرشيف، والأرشيف إلى بداهة، والبداهة إلى هوية لا تحتاج إلى دفاع لأنها صارت بنيةً يصعب تخيّل غيابها. وهبي بنى — حجرةً فوق حجرة، ومصطلحاً فوق مصطلح، وحرفاً فوق حرف — حتى صار ما بناه أكبر من أن يُهدم بمرسوم، وأعمق من أن يُمحى بحظر، وأوسع من أن يُحاط بحدود. وهذا هو النصر الوحيد الذي لا تستطيع الدول سحبه من الشعوب: أن يُثبت الشعب بالمعرفة ما تُنكره القوة عليه بالقانون.
حين يُقيَّم دور مثقف في تاريخ شعبه، يقع المرء عادةً بين خطرين متعاكسين: التضخيم الذي يجعل الفرد أكبر من لحظته، والاختزال الذي يُذيبه في السياق حتى يختفي. وهبي يفلت من الخطرين لأن دوره لا يُقرأ جيداً إلا حين يُفهم على ضوء المفارقة التي هيكلت حياته كاملاً: أنه كان رجل دولة حارب ضد مشروع الدولة التي خدمها، وأنه كان يملك السلطة البيروقراطية والعسكرية لكنه اختار أن يُقاوم بالصبر المعجمي لا بالقوة، وأنه عاش في المؤسسة وبنى خارجها في الوقت ذاته. لكن التقييم الأعمق يبدأ من سؤال مختلف: ما الذي أضافه وهبي إلى الوجدان الكردي الجمعي الذي لم يكن ليأتي من غيره أو لو تأخر جيلاً؟ إن الجواب المباشر هو: أنه أضاف إمكانية التصديق. الشعراء الكرد من خاني إلى كويي كانوا يقولون “نحن موجودون”، والسياسيون الكرد من الشيخ محمود إلى قاضي محمد كانوا يقولون “نحن نستحق”، لكن وهبي — وهذا هو الفارق الجوهري — كان يقول “نحن قابلون للإثبات”. وفي منظومة الحداثة التي تحكم بمعيار الإثبات، هذه الإضافة ليست صغيرة بل هي الترجمة المعرفية للمطالبة السياسية إلى صيغة لا يمكن دحضها بالقوة وحدها.
لقد حوّل وهبي الكردية من موضوع للشعر إلى موضوع للعلم — والفرق بين الحالتين ليس فرقاً في الجمال أو القيمة، بل فرق في طبيعة الحماية التي توفّرها كل حالة. الشعر يُحفظ في الذاكرة لكنه يموت بموت حامليه وبقمع ناقليه. العلم — النحو والمعجم والصوتيات والاشتقاق — يدخل في أرشيف الأكاديميا الدولية التي لا تعترف بالحدود السياسية بوصفها سلطة على المعرفة. حين رفض ساطع الحصري تعديل الأبجدية الكردية عام ١٩٢٣، كان يظن أنه يغلق باباً. وهبي حوّل هذا الغلق إلى نافذة: اشتغل خارج الإطار الرسمي، وأنجز نحوه عام ١٩٢٩، وبنى شبكة علاقات مع الأكاديميا الغربية، ووضع معجمه مع إدمندز في أكسفورد عام ١٩٦٦ — والمعجم في أكسفورد لا تستطيع وزارة داخلية في بغداد سحبه. وما يجعل تقييم وهبي معقداً هو أن كثيرين لا يعرفونه. ليس لأن دوره كان محدوداً بل لأن الطبيعة الخاصة لعمله — الصبور، المتراكم، التقني، البعيد عن البيانات الحماسية — تجعله أقل قابلية للتداول الجماهيري من الشاعر أو المقاتل أو الشهيد. وهبي لم يُنتج لحظات درامية قابلة للأسطرة؛ أنتج طبقات صامتة من المعرفة. وهذا النوع من الأثر يشبه الأساس المعماري: لا أحد ينتبه إليه حين يقف البناء، لكن البناء يسقط حين يُزال. والأدق أن نقول: وهبي لا يُذكر بقدر ما يُمارَس. فالكاتب الكردي اليوم حين يكتب بالسورانية في الأبجدية الكردو-عربية، والطالب حين يتعلم الكردية المعيارية في المدرسة، والمذيع حين ينطق بمصطلح كردي بدلاً من مقابله العربي — كلهم يمشون على أرض ساعد وهبي في تسويتها. التذكر مؤجَّل في مثل هؤلاء الرجال، لأن عملهم يتحوّل بمرور الزمن من إنجاز فردي إلى بداهة جماعية، والبداهة بطبيعتها لا تسأل عن مصدرها.
لكن الأهم في التقييم الختامي هو الدرس الذي يُقدمه وهبي لأي باحث يُقارب العلاقة بين المعرفة والسلطة في السياق غير الغربي: أن المقاومة الثقافية لا تشترط المواجهة المباشرة، وأن من يملك الصبر الأكاديمي الكافي يستطيع أن يجعل الإنكار مكلفاً بحيث يصبح غير قابل للاستدامة. وهبي لم ينتصر على الدول التي أنكرت الهوية الكردية — فتلك الدول لا تزال موجودة وكثير من سياسات القمع لا تزال تعمل. لكنه جعل الإنكار الكامل متعذراً: فحين تعترف المادة الرابعة من الدستور العراقي عام ٢٠٠٥ بالكردية لغةً رسمية، فإنها لا تعترف بمجهود المقاتلين وحده، بل تعترف ضمنياً — وإن لم تُسمّه — بذلك الرجل الذي جلس في السليمانية ثم في لندن وأثبت علمياً أن هذه اللغة لغة. وهبي في نهاية المطاف هو نموذج لما يمكن تسميته المثقف الأرشيفي الذي يُدرك أن أعمق أشكال الصمود ليست في الانتصار السياسي المؤقت بل في بناء ما لا يُمحى: أرشيف لغوي يحمل ذاكرة شعب كاملة، ويجعل نسيانه خسارة للإنسانية لا للكرد وحدهم. وحين يصل العمل الثقافي إلى هذه المرتبة — مرتبة الأرشيف الإنساني — فإنه يتجاوز حدود القضية التي أنتجته ليصبح درساً في كيفية صناعة البقاء من داخل الهشاشة.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
Ernest N. McCarus: A Kurdish Grammar Descriptive Analysis Of The Kurdish Of Sulaimaniya, Iraq, American Council of Learned Societies, New York, 1958
Gérard H. Gautier: Dirêjî Kurdî : a lexicographic environment for Kurdish, language, using 4th Dimension, 5th International Conference and Exhibition on Multilingual Computing (ICEMCO) London, UK, April 1999
Metin Yuksel: Tawfiq Wahbi and the Reform of the Kurdish Language in Contact Zones,
Rafiq Salih: Lion of Language: Taufiq Wahby,
إسراء طالب توفيق: توفيق وهبي رجل العلم والسياسة في العراق دراسة تاريخية، مجلة الآداب ملحق ٢، العدد ١٣٧، ٢٠٢١
فارس صلاح: صفحات من تاريخ الجمعيات السياسية في السليمانية في فترة ما بين الحربين، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، ٢٠٢١، 28(3، 2)، ص ص 387–401. https://doi.org/10.25130/jtuh.28.3.2.2021.22



