الإعلام وصناعة إدراك المخاطر في المجتمعات العربية

مقالات :
- تم تحديثه في

تحليل: أ.د. سوزان القليني

لم يعد الإنسان المعاصر يواجه المخاطر باعتبارها مجرد وقائع مادية ملموسة، بل بات يتعامل معها بوصفها إدراكات ذهنية تُصاغ وتُعاد تشكيلها عبر منظومات معقدة من الوسائط، يتصدرها الإعلام كفاعل رئيسي في إنتاج المعنى وتوجيه الوعي. ففي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتراكم فيه الأزمات على نحو غير مسبوق، لم تعد خطورة المخاطر كامنة في حدوثها فقط، بل في الكيفية التي تُعرض بها، وتُؤطر، وتُفسر، ومن ثم تُعاد صياغتها داخل الوعي الجمعي. وهنا لم تعد العلاقة بين الإنسان وبيئته علاقة مباشرة قائمة على التجربة، بل أصبحت علاقة وسيطة، يمر فيها الإدراك عبر قنوات إعلامية تمتلك القدرة على تضخيم الخطر أو تقليصه، تفسيره أو تشويهه، بل وإعادة تعريفه بما يخدم سياقات بعينها. ومن هذا المنطلق، يبرز مفهوم “ثقافة المخاطر” بوصفه إطارًا تحليليًا ضروريًا لفهم كيف يُبنى إدراك الخطر اجتماعيًا، وكيف يسهم الإعلام في تشكيل هذا الإدراك، لا باعتباره ناقلًا محايدًا للواقع، بل شريكًا في صناعته.

تشير ثقافة المخاطر إلى منظومة القيم والتصورات والتفسيرات التي يتبناها الأفراد والمجتمعات في التعامل مع المخاطر، وهي لا تعكس فقط طبيعة الخطر، بل تعكس بالأساس كيفية إدراكه. فالخطر، في جوهره، ليس فقط ما يحدث في الواقع، بل ما نعتقد أنه يحدث، وما نتصوره تهديدًا لنا. وهذا الإدراك لا يتكون بشكل عفوي، بل يُبنى عبر عملية اجتماعية وثقافية معقدة، يلعب الإعلام فيها دورًا محوريًا، حيث يقوم بتحديد أولويات المخاطر، وإبراز بعضها، وتهميش البعض الآخر، بل وإعادة تعريفها أحيانًا بما يتوافق مع سياقات معينة وفقًا للأجندات الإعلامية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى الإعلام باعتباره مجرد ناقل محايد للأحداث، بل باعتباره فاعلًا أساسيًا في صناعة الخطر.

 فآليات العمل الإعلامي – من اختيار الأخبار، إلى طريقة عرضها، إلى اللغة المستخدمة، إلى التكرار -كلها تسهم في خلق ما يمكن تسميته بـ “الواقع المُدرَك”، وهو واقع قد يختلف كثيرًا عن الواقع الفعلي. فعندما يتم التركيز المكثف على نوع معين من المخاطر، مثل الجرائم أو الإرهاب، مع إغفال مخاطر أخرى أكثر تأثيرًا كالأمراض المزمنة أو الفقر، فإن ذلك يؤدي إلى تشويه ترتيب الأولويات في وعي الجمهور.

ولعل جائحة كورونا تمثل نموذجًا واضحًا لدور الإعلام في تشكيل إدراك الخطر؛ فبينما لعبت بعض الوسائل الإعلامية دورًا إيجابيًا في نشر الوعي الصحي وتعزيز السلوك الوقائي، اتجهت وسائل أخرى إلى خطاب يقوم على التهويل والمبالغة، من خلال التركيز المكثف على أعداد الوفيات والمشاهد الصادمة، بما أسهم في خلق حالة من القلق الجماعي والهلع المجتمعي. وفي المقابل، لجأت بعض المنصات إلى التهوين أو نشر معلومات غير دقيقة حول الفيروس، وهو ما خلق حالة من الارتباك وفقدان الثقة لدى الجمهور.

ولا يقف الأمر عند حدود الاختيار، بل يمتد إلى كيفية التأطير. فالخطر يمكن أن يُقدَّم كحدث عابر، أو ككارثة وشيكة، أو كمؤامرة، أو كقضاء لا يمكن تجنبه، وكل إطار من هذه الأطر ينتج استجابة مختلفة لدى الجمهور. وهنا تتجلى قوة الإعلام في قدرته على توجيه التفسير، وليس فقط نقل المعلومة. ومع التكرار المستمر، تتحول هذه التفسيرات إلى قناعات راسخة تشكل جزءًا من الثقافة العامة.

وعند الانتقال إلى السياق العربي، تتضح خصوصية العلاقة بين الإعلام وثقافة المخاطر بشكل أكثر حدة وتعقيدًا. فالإعلام العربي، في كثير من حالاته، لا يعمل في فراغ، بل في بيئة تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. هذا التداخل ينعكس بشكل مباشر على كيفية تقديم المخاطر، حيث يتم في كثير من الأحيان توظيفها لخدمة أهداف تتجاوز مجرد التوعية أو الإخبار

ويتجلى ذلك أولًا في هيمنة الطابع العاطفي على الخطاب الإعلامي، حيث تميل كثير من الوسائل إلى استخدام لغة مثيرة ومشحونة، تعتمد على التخويف أو التهويل، بدلًا من التحليل الهادئ القائم على البيانات. هذا الأسلوب قد ينجح في جذب الانتباه، لكنه في المقابل يخلق حالة من القلق المستمر، ويضعف قدرة الجمهور على التمييز بين الخطر الحقيقي والمبالغ فيه

ويظهر ذلك بوضوح في بعض التغطيات الإعلامية لحوادث فردية يتم تقديمها وكأنها ظاهرة عامة تهدد المجتمع بأكمله، ما يخلق شعورًا مضخمًا بالخوف يفوق حجم الخطر الفعلي. كما أن بعض البرامج الحوارية تلجأ أحيانًا إلى لغة درامية أو عناوين صادمة لجذب المشاهدات، حتى في القضايا التي تحتاج إلى معالجة علمية هادئة ومتوازنة.

كما يظهر التسييس بوضوح في معالجة العديد من القضايا، حيث يتم تضخيم بعض المخاطر أو التقليل من شأنها وفقًا للاعتبارات السياسية. فالمخاطر المرتبطة بخصوم سياسيين قد يتم تضخيمها بشكل لافت، بينما يتم التعتيم أو التهوين من مخاطر داخلية. هذا النمط من المعالجة لا يؤدي فقط إلى تشويه الواقع، بل يضعف أيضًا ثقة الجمهور في الوسائل الإعلامية، وهو ما يمثل خطرًا بحد ذاته، لأن فقدان الثقة يعني فقدان القدرة على التأثير الإيجابي.

ويتضح ذلك أيضًا في طريقة معالجة بعض القضايا السياسية أو الأمنية في المنطقة العربية، حيث تختلف طريقة تقديم الخطر وفقًا للاتجاهات السياسية أو الأيديولوجية للوسيلة الإعلامية. فالقضية الواحدة قد تُقدَّم باعتبارها “تهديدًا وجوديًا” في وسيلة إعلامية، بينما تُطرح في وسيلة أخرى باعتبارها “حدثًا عابرًا”، وهو ما يعكس كيف يمكن للإعلام أن يعيد تشكيل إدراك الجمهور للمخاطر وفقًا لأجندات معينة، وليس فقط وفقًا للوقائع المجردة.

ومن الجوانب اللافتة أيضًا ضعف الحضور العلمي في التغطيات الإعلامية المتعلقة بالمخاطر، خاصة في القضايا المعقدة مثل الأوبئة أو التغير المناخي أو التكنولوجيا الحديثة. ففي غياب الخبراء، أو في ظل تهميش آرائهم، تنتشر التفسيرات السطحية أو غير الدقيقة، ويصبح المجال مفتوحًا أمام الشائعات والمعلومات المضللة. وهنا يتحول الإعلام من أداة للمعرفة إلى مصدر للارتباك

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أو التغير المناخي، حيث يتم أحيانًا تناول هذه القضايا المعقدة من منظور إثاري أو تبسيطي، دون تقديم تفسير علمي كافٍ يساعد الجمهور على الفهم الحقيقي لطبيعة المخاطر وحدودها

ولا يقل خطورة عن ذلك ما يمكن تسميته بثقافة الإنكار أو التهوين، حيث يتم في بعض الأحيان التقليل من حجم المخاطر أو تجاهلها، خاصة إذا كانت تمس بنية داخلية أو تكشف عن خلل مؤسسي. هذا النمط يؤدي إلى فجوة بين الواقع والإدراك، ويمنع اتخاذ الإجراءات الوقائية في الوقت المناسب

ومع تطور البيئة الإعلامية ودخول وسائل التواصل الاجتماعي كفاعل رئيسي، ازدادت تعقيدات المشهد. فلم يعد الإعلام التقليدي هو المصدر الوحيد للمعلومات، بل أصبح كل فرد قادرًا على إنتاج المحتوى ونشره. هذا التحول، رغم ما يحمله من ديمقراطية في التعبير، إلا أنه فتح الباب أمام انتشار غير مسبوق للشائعات، خاصة في ظل غياب آليات التحقق، واعتماد المنصات على خوارزميات تفضل المحتوى الصادم والمثير.

كما برزت وسائل التواصل الاجتماعي كفاعل رئيسي في تضخيم بعض المخاطر الفردية وتحويلها إلى حالة خوف جماعي، حيث تعتمد خوارزميات المنصات الرقمية على تعزيز المحتوى الأكثر إثارة وصدامية، بغض النظر عن دقته أو أهميته الحقيقية . فعلى سبيل المثال، قد تؤدي التغطية المكثفة لحوادث فردية أو جرائم محدودة إلى خلق انطباع عام بارتفاع معدلات الجريمة بصورة تفوق الواقع الفعلي، بما يؤثر على الشعور بالأمان داخل المجتمع.

وفي هذا السياق، لم يعد الخطر يُصنع فقط داخل غرف الأخبار، بل داخل فضاء رقمي مفتوح، يشارك فيه الجميع. وهنا يصبح الجمهور نفسه جزءًا من عملية إنتاج الخطر، من خلال إعادة النشر والتعليق والمشاركة، وهو ما يضاعف من تأثير الرسائل الإعلامية، سواء كانت صحيحة أو مضللة.

كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى نتائج عميقة على مستوى الفرد والمجتمع. فالإفراط في عرض المخاطر بشكل سلبي قد يخلق حالة من “مجتمع الخوف”، حيث يعيش الأفراد في حالة قلق دائم، بينما يؤدي التناقض أو المبالغة إلى فقدان الثقة، ليس فقط في الإعلام، بل في المؤسسات بشكل عام. كما أن غياب التوازن في التغطية قد يؤدي إلى سلوكيات غير عقلانية، مثل الهلع الجماعي أو الاستهانة بمخاطر حقيقية.

في المقابل، فإن بناء ثقافة مخاطر صحية يتطلب إعادة تعريف دور الإعلام، بحيث يتحول من ناقل مثير للأحداث إلى شريك في بناء الوعي. وهذا التحول لا يعني التقليل من أهمية الجاذبية الإعلامية، بل إعادة توظيفها في خدمة الفهم، وليس الخوف. فالإعلام القادر على تفسير المخاطر، ووضعها في سياقها الصحيح، وتقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، يمكن أن يسهم بشكل مباشر في تعزيز قدرة المجتمع على التكيف والاستجابة

كما أن تعزيز حضور الخبراء، وتبني ما يُعرف بـ “صحافة الحلول”، التي لا تكتفي بعرض المشكلة بل تقدم سبل التعامل معها، يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه. فالجمهور لا يحتاج فقط إلى معرفة أن هناك خطرًا، بل يحتاج إلى فهم ما يمكن فعله حياله.

وفي هذا الإطار، يبرز دور المؤسسات الأكاديمية والمبادرات المجتمعية في دعم هذا التحول، من خلال نشر الوعي، وتدريب الكوادر الإعلامية، وبناء شراكات بين المعرفة والتطبيق. فالإعلام لا يعمل بمعزل عن المجتمع، بل هو انعكاس له، وتطويره يتطلب جهدًا جماعيًا.

في لحظة تاريخية تتقاطع فيها الأزمات وتتسارع فيها التحولات، لم يعد ممكنًا النظر إلى المخاطر باعتبارها أحداثًا عابرة يمكن احتواؤها أو تجاهلها، بل أصبحت بنية دائمة تشكل جزءًا من الحياة اليومية للإنسان المعاصر. غير أن الأخطر من المخاطر ذاتها، هو الوعي المرتبك بها، والتحليلات المشوشة التي يُعاد إنتاجها عبر منظومات إعلامية قد تفتقر أحيانًا إلى التوازن أو العمق أو المسؤولية

فالإعلام، حين يفقد بوصلته المعرفية ويتحول إلى مجرد أداة للإثارة أو التوظيف، لا يكتفي بنقل الخطر، بل يساهم في تضخيمه أو تزييفه أو حتى إخفائه، وفي كل الأحوال يعيد تشكيله داخل الوعي الجمعي بصورة قد تكون أبعد ما تكون عن حقيقته.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المجتمعات العربية اليوم لا يكمن فقط في تعدد مصادر الخطر، بل في القدرة على بناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الخطر الحقيقي والمصطنع، بين ما يجب أن يقلقنا فعلًا وما يُراد لنا أن نقلق منه. وهذا الوعي لا يمكن أن يتشكل في بيئة إعلامية مضطربة، بل يحتاج إلى إعلام يمتلك شجاعة المعرفة، وانحيازًا للحقيقة، والتزامًا بدوره التنويري قبل أي اعتبارات أخرى.

ومن هنا، فإن إعادة صياغة العلاقة بين الإعلام وثقافة المخاطر لم تعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية؛ إعلام يفسر بدل أن يخوف، يوازن بدل أن يبالغ، يحقق بدل أن يروج، ويضع الإنسان في قلب المعادلة لا في هامشها. إعلام يدرك أن كل خبر عن خطر هو في حقيقته مسؤولية أخلاقية، وأن كل كلمة تُقال قد تساهم في إنقاذ وعي أو تضليله.

وفي عالم تتنازع فيه الروايات، وتتصادم فيه الحقائق مع التأويلات، يصبح الوعي الإعلامي هو خط الدفاع الأول، ليس فقط ضد المخاطر، بل ضد سوء فهمها. فالمجتمعات التي تمتلك إعلامًا واعيًا، لا تخلو من المخاطر، لكنها تمتلك القدرة على إدارتها، وتحويلها من مصدر للقلق إلى دافع للفهم، ومن تهديد إلى فرصة لإعادة البناء.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر عمقًا أن الخطر لا يبدأ حين يقع، بل حين يُساء فهمه. هناك فرق كبير بين إعلام يختار أن يكون جزءًا من المشكلة، وآخر يسعى لأن يكون جزءًا من الحل

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب المعلومات، بل في كيفية تقديمها وفهمها. فالعالم اليوم مليء بالمخاطر، لكن الخطر الأكبر قد يكون في الطريقة التي نُدرك بها هذه المخاطر.

وبين إعلام يصنع الخوف، وإعلام يبني الوعي، تتحدد قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات

فمستقبل المجتمعات العربية لا يتحدد فقط بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على امتلاك إعلام واعٍ ومسؤول، يصنع الفهم بدل الخوف، ويقود المجتمع نحو الوعي لا نحو الارتباك

ا.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

ما وراء الرصاص .. إشكاليات الديمقراطية والإمبراطورية: الحرب الأمريكية على إيران نموذجاً

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه دخان كثيف، أصوات دمار، آلة عسكرية هائلة رفع عنها اللجام، خراباً أُريد له أن يكون

Read More...

منتدى آتون الثقافي يناقش دور الإبداع والوعي في عصر الإعلام الرقمي في افتتاح موسمه الصيفي

نظم منتدى آتون الثقافي، ندوة ثقافية بعنوان "الإبداع والوعي" ضمن افتتاح موسمه الصيفي، وذلك بحضور نخبة من المهتمين بالشأنين

Read More...

“أمهات السلام الكُرديات” Dayîkên Aştiyê الحياةُ في مواجهة الفقد والحرب

تحليل: د. عزة محمود في الجغرافيا التي أنهكتها كثرة الدم، تُولد أحيانًا رموز لا تحمل السلاح، لكنها تهزم العنف بصبرٍ

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل