أزمة الدولة القومية (العلمانية والإسلامية) في الشرق الأوسط

دراسات :
- تم تحديثه في

تحليل: د. رائد المصري

أستاذ محاضر في الفكر السياسي والعلاقات الدولية

توطئة

تتجلَّى أزمة الحكم في قلب المشهد السياسي العربي المعاصر، كظاهرة متجذِّرة تعصف بإستقرار المجتمعات وتُعيق تطورها السياسي والإجتماعي والإقتصادي،هي أزمة ليست وليدة اللَّحظة، بل نتاج قرون من التفاعلات التاريخية، والتطورات الإجتماعية، والتدخُّلات الأجنبية التي صاغت مسار الأنظمة السياسية العربية، وشكَّلت على الدوام طبيعة علاقتها بمواطنيها، وهي كذلك أزمة مركبة يتشابك فيها الإرث التاريخي للإستعمار، مع غياب قيم الشفافية والمساءلة، ليُسْهم في تكريس بيئة سياسية هشَّة وإستبدادية في احيانٍ كثيرة.

فقد دخلت العلمانية إلى العالم الإسلامي ومنه العالم العربي، بوصفها إيديولوجيا سياسية، لحظة تشكّلها في الغرب الأوروبي في القرن التاسع عشر، وهذه الإيديولوجيا كانت نتاج عملية تشكّل العلمانية بوصفها مقولة معرفية، والتي بدأت عقب حروب القرن السادس عشر الدينية، وبوصفها محاولة لحلِّ المشكلات والنزاعات السياسية للمجتمع المسيحي الغربي في صدر الحداثة، ولذلك فإن معظم المفاهيم والمؤسسات والممارسات العلمانية، فُرِضَت على كافة البلدان المستعمَرة بطرق متنوعة من خلال الحكم الكولونياليّ الغربي، فلم يكن ممكناً وقتها وكذلك في المستقبل، الفصل بين الكولونيالية والإمبريالية واللِّيبرالية والعلمانية، فهي مكوِّنات شكَّلت الذات والكينونة الغربية وطموحاتها العالمية بالهيمنة والسيطرة، كما لعِبت الكولونياليّة دوراً مركزياً في نشأة وتطوُّر اللِّيبرالية، وكان الإسلام حاضراً في لحظة تشكّل اللِّيبرالية، بوصفه نقيضاً معرفيًاً وخطراً جيوسياسياً على المركزية الغربية، فلم تكُن الكولونيالية والإمبريالية والعنصرية التفوقية العرقية البيضاء، تشكل مجرَّد آثار وأضرار محدودة لمشروع الكونية اللِّيبرالية، وإنما هي سِمة تأسيسية في تكوينها وبُنيتها، وهنا يجب التنبُّه إلى أنَّ العلمانية، مصطلح يندرج في إطار مفهوم المحيط الإشكالي الذي إكتشفه الأنثروبولوجي ديفيد سكوت، فمقاربة الديني والعلماني، تعني أن ننظر إليها من خلال ما شكَّله تاريخياً من أسئلة ورهانات وأجوبة مطروحة، ويقع في صُلبها مجموعة متكاملة حول الحدِّ الفاصل بين الدين والسياسة، وتوضح هذه المقاربة ماهية التوافق التاريخي بين العلمانية واللِّيبرالية، من خلال التمييز الذي بات واضحاً منذ تسعينيات القرن الماضي، حول العلماني بوصفه مقولة معرفية، والعلمانية بوصفها عقيدة سياسية، والعلمنة بوصفها عملية تاريخية.

ففي سياق التدخُّل الكولونيالي الإمبريالي الأوروبي الإبادي العنيف في العالم الإسلامي والعربي عامة، دخل مصطلح العلمانية إلى المنطقة، بالتزامن مع الغزو الإستعماري، بعد أن فُرِضَت العلمانية بالقوة المادية على العالم، ومنذ خضوع العالم الإسلامي ودول المشرق في بداية القرن التاسع عشر للإستعمار الأوروبي، تمَّت إزالة وتفكيك وطمْس النظام الإجتماعي السياسي والإقتصادي، الذي كانت تُنظِّمه الشريعة هيكلياً، وتمَّ إفراغها من مضمونها لتقتصرعلى تزويد تشريعات قوانين الأحوال الشخصية في الدولة الحديثة، وحتى في هذا النطاق الضيق، فقدت الشريعة إستقلالها ودورها بوصفها فاعلاً إجتماعياً لمصلحة الدولة الحديثة، فلم تكن عملية إزاحة الشريعة وإستبدالها نتاج عملية تثاقف، لكن واقع الحال، أنَّ الإستعمار الأوروبي فرض حكمَه بعنف كولونيالي لا نظير له في التاريخ الإنساني، فخلال القرن السادس عشر الذي شهد نشأة الكولونيالية، أكد الفيلسوف إنريكي دوسيل أنَّ الذات الغازية كانت شرطًا لذاتية ديكارت، فمقولة “أنا أغزو إذن أنا موجود” هي أساس “أنا أفكر إذن أنا موجود”، وهو ما أدَّى إلى سلسلة من أربع عمليات إبادة منذ عام ۱٤۹۲م، إستهدفت الأولى مسلمي الأندلس، والثانية السكان الأصليين في الأمريكيتَيْن، وكانت الثالثة والرابعة ضدَّ الأفارقة والسحرة الأوروبيين، فالمنطق العملي للإستعمار الاستيطاني هو “القضاء على السكان الأصليين” ولكن الشعوب الأصلية موجودة وهي تقاوم وتستمر.(1)

من هنا، فقد أدَّت العوامل التاريخية والإجتماعية دوراً أساسياً في صناعة واقع مأزوم، حيث عانى العالم العربي ودوله المشرقية، من تفكُّك بُنى مؤسسات الدولة التقليدية، بعد إنهيار الخلافة العثمانية وتعرُّضها للتقسيم وفق مخططات إستعمارية، مثل إتفاقية سايكس_بيكو، التي زرعت بذور التفكك الجغرافي والسياسي، وبإعادة رسم الحدود بما يخدم مصالح هذه القوى الإستعمارية على حساب التوازنات الإجتماعية والثقافية للسكان، ممَّا أدَّى إلى نشوء كيانات سياسية ضعيفة تفتقر إلى الشرعية الشعبية، وتعتمد في بقائها على التحالفات الخارجية والقوة القسرية والعنف الدولتي القوموي، ولم يكتفِ الإستعمار بإعادة رسم الحدود، بل عمل على تشكيل الأنظمة السياسية بطريقة تضمن إستمرار السيطرة على مقدرات الدول حتى بعد إستقلالها الشكلي، إذ دعمت القوى الإستعمارية نُخباً محلية موالية لها، وأضعفت القوى الوطنية المطالبة بالإستقلال الحقيقي، كما فرضت هذه القوى أنماطاً إقتصادية ريعية، تُركّز على إستخراج الموارد الطبيعية لصالح الأسواق الغربية، ممَّا جعل الدول العربية والشرق أوسطية، تعتمد على الأنظمة الريعية التي تعزِّز النزعة الإستبدادية للحكام، وتزيد من الفجوة بين النُّخب الحاكمة والشعوب، وهكذا إذن، لم تكن العلمانية في العالمَيْن العربي والإسلامي مجرَّد عملية تثاقف وتأثير وتبادل، وإنما عملية غزو وإزالة ومحو.

أصل ونشأة الدولة القومية: موروث الإستبداد والفساد

لَم يَعرِفْ المجتمعُ البشريُّ طيلةَ تاريخِه حدوداً من نمطِ الدولةِ القومية، فهكذا حدودٌ، هي مُخالِفةٌ لطبيعةِ الإنسانِ الثقافية، ولذلك يرى المناضل والمفكر عبدالله أوجالان، أنّ إشباعَ نَهَمِ الرأسماليةِ عموماً ورأس المالِ الماليِّ خصوصاً، والذي لا يَعرفُ حدوداً في الإكثارِ من الربحِ ورأسِ المال، غيرُ ممكنٍ إلاَّ بالقيامِ يومياً بتنميطِ هويةِ جميعِ المواطنين وإنشائِها بنحوٍ يتوافقُ ومآربَها داخلَ المدارسِ والثكناتِ والجوامعِ والكنائسِ والكنيست والشعائر الرسمية، وهو يعتبر أنه لا يُمكنُ تحليل المجتمعِ العصريّ، ما لَم تُدرَكْ العلاقةُ بين بناءِ الدولةِ القوميةِ عن طريقِ التعليمِ وبين الربحِ ورأسِ المال، وهو يقول في بيروقراطية الدولة القومية، بأن الحداثةُ الأوروبيةُ تتحلَّى بإمتيازاتِها في تضخيمِ البيروقراطيةِ إلى أقصاها داخلَ كافةِ البنى الاجتماعية، والبيروقراطيةُ هي العنصرُ الإصطناعيُّ على الأكثر، والذي يُفَسِّخُ الطبيعةَ الإجتماعية، كما أنّ البيروقراطيةَ المتضَخِّمةَ على ظهرِ المجتمعِ كالوَرَم، شرطٌ لا إستغناءَ للدولةِ القوميةِ عنه، ويعتبر أوجالان في الدولة القومية والجنسوية، أنه لَطالَما تَوَطَّدت الحاكميةُ الذكوريةُ التي طَوَّرَتها الهرميةُ التقليديةُ وسَلَّطَتها على المرأةِ طيلةَ تاريخِ المدنية، والسلطةُ التي بلغت حَدَّها الأقصى في شكلِ الدولةِ القومية، إنما تنتهلُ قوتَها هذه بنسبةٍ كبرى من الجنسويةِ التي وسَّعَتها وعَمَّقَتها، ذلك أنّ الجنسويةَ ليست وظيفةً بيولوجيةً إعتيادية، بل هي أيديولوجيا تُنتِجُ السلطةَ والدولةَ القوميةَ بقدرِ نزعةِ القومويةِ كأقلِّ تقدير، فجنسُ المرأةِ بالنسبةِ للرجلِ الحاكم برأيه، هو موضوعٌ شيئانيٌّ وأداةٌ طَبَّقَ عليها شتى أشكالِ طمعِه وجَشَعِه، وعبارةُ “نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثَكم أنّى شئتم” المذكورةُ في الكتبِ المقدسة، وعبارةُ المدنيةِ القائلةُ “المرأةُ كالعُود، فإعزفوا عليه ما تشاءُون”، إنما تُشِيران إلى هذه الحقيقة، علاوةً على أنّ مقولةَ “لا تُنقِصْ العصا عن ظهرِها، ولا المَنيَ من رَحمِها” تَعكِسُ الطابعَ الفاشيَّ للسيطرةِ الحاكمية، فالجنسويةُ الإجتماعيةُ وحشٌ إجتماعيٌّ خطيرٌ كما الرأسمالية بأقلِّ تقدير.(2)

من هنا، ركَّز التاريخ الرسمي للدولة ما بعد الكولونيالية في العالم العربي إهتمامه، حول العلمانية ضمن عملية التثاقف بين الشرق والغرب، ودور النُّخب المحلية من خلال آلية التفاوض التي جرت بين المستعمِر والمستعمَر، دون الإشارة إلى عملية الفرض والإكراه والعُنف التي كانت سائدة، ومع حصول البلاد العربية على إستقلالها، بقيت الهياكل السياسية الموروثة من الإستعمار قائمة، غير مهيأة لإدارة شؤون الحكم بفاعلية،وغير قادرة على تمثيل تطلُّعات المواطنين، وقد تفاقمت الأزمة مع غياب الشفافية والمساءلة، كعنصر أساسي للحُكم الرشيد، ففي غياب الشفافية، أصبحت القرارات السياسية تُتخذ خلف الأبواب المُغلقة، بعيداً عن أعْيُن الشعوب، مما أتاح للنُّخب الحاكمة الإستيلاء على موارد الدول دون حسيب أو رقيب، في الوقت نفسه، أدَّى غياب المساءلة إلى إفلات المسؤولين من العقاب، وهو ما رسَّخ ثقافة الفساد والمحسوبية.

أما على الصعيد الإجتماعي، فقد ساهمت المتغيِّرات الديموغرافية، وزيادة معدلات الفقر والبطالة، وتدهور التطور في جودة الخدمات العامة، بتعميق الهوَّة بين الحاكم والمحكوم، هذه العوامل، المتلازمة مع ضعف المؤسسات التشريعية والقضائية والرقابية، جعلت الأنظمة الحاكمة أكثر إستبداداً وعجزاً عن تحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة، وفي ظل هذا الواقع، لا زالت الأنظمة السياسية العربية تعيش في أزمة مزدوجة، أزمة شرعية تجعلها معزولة عن شعوبها،وأزمة إدارة تضعف من قدرتها على مواجهة التحديات المتصاعدة،وبينما تبذل الشعوب جهوداً متواصلة للمطالبة بالإصلاح وتحدِّي الأنظمة الفاسدة، تبقى محاولاتها ضعيفة في تجاوز إرثها المثْقل بالتاريخ والإستبداد والتأسيس لحكم يقوم على الشفافية والمساءلة والعدالة،فالأسباب التي أسْهمت في نشوء أزمة الحكم في الدولة القومية في العالم العربي والمشرقي، هي عديدة، منها أسباب تاريخية تتعلق بالإرث الإستعماري وإعادة تشكيل الدولة العربية، ومنها أسباب إجتماعية تتعلَّق بالتنوُّع العرقي والطائفي، ومنها ما يتعلَّق بالأبعاد الدولية والتدخُّلات الأجنبية.

فبعد سقوط الدولة العثمانية ونهاية الحرب العالمية الأولى، أعادت القوى الإستعمارية في ذلك الوقت وهي بريطانيا وفرنسا، رسم حدود البلدان العربية وفق إتفاقية سايكس_بيكو، دون إقامة الإعتبار للتكوينات القبلية أو الدينية أو العرقية أو الثقافية للمجتمعات، ممَّا أدى ذلك إلى ظهور دول تتميَّز بتنوُّع سكاني غير متجانس، وهو ما صعّب من عملية بناء هُوية وطنية موحَّدة، حيث تمَّ تفكيك النُّظم التقليدية، ولهذا كان الإستعمار مهتماً بتقويض البُنى السياسية التقليدية، مثل الأنظمة القبلية أو السلطانية، وإستبدالها بأنظمة تخدم مصالحه، هذا التغيير خلق فراغاً مؤسساتياً وسياسياً بعد الإستقلال، حيث لم تكن النُّخب الوطنية جاهزة لإدارة الحكم بشكلٍ يضمن إستقراراً طويل الأمد.

كما تمَّ زرع بذور الصراع الداخلي، فالقوى الإستعمارية عمِلت على إستغلال التنوع العرقي والطائفي والقومي، لتعزيز هيمنتها من خلال سياسة التفريق بين المكوِّنات السكانية والشعبية، ممَّا أدى إلى تصدُّع المجتمعات التي بقيت منقسمة، وصراعات إستمرَّت داخل الدول بعد الإستقلال،وقام بالتركيزعلى السلطة المركزية،إذ أنه وبعد إستقلال البلدان العربية، سَعَت النُّخب السياسية الحاكمة إلى تركيز السلطة في أيديها، خوفاً من التشرذم أو فقدان السيطرة، وهو ما أدَّى إلى تهميش القوى الإجتماعية والسياسية الأخرى، وأعاق بناء مؤسسات تضمن تداول السلطة، فكثير من البلدان العربية، شهدت إنقلابات عسكرية قادها ضباط عسكريون، إستولوا على السلطة تحت شعار تحقيق العدالة الإجتماعية أو القومية، لكن هذه الأنظمة العسكرية غالباً ما تحوَّلت إلى حكم فردي إستبدادي، بتسخير أجهزة الدولة لقمع المعارضين وإطالة أمد الحكم.

على أنه بالأساس ومع إنهيار الخلافة العثمانية، فقدت هذه المنطقة العربية نموذجها التقليدي للحكم، فحاولت النُّخب العلمانية تبنِّي القومية كبديل موحَّد، لكن ظهور التيارات الإسلامية التي إعتبرت القومية تفريطًاً في الهُوية الإسلامية، أدى إلى صراع سياسي طويل الأمد، أضعف الأنظمة القائمة، وجاء توظيف الدين أو القومية في الحكم، بديلاً عن بناء أنظمة سياسية شاملة، فإستغلَّ الحكام العرب القومية والدين لتبرير سلطتهم، ممَّا أدَّى إلى إستقطابات مجتمعية، حالت دون تحقيق التوافق السياسي.

إن التنوع الثقافي والديني والعرقي في المجتمعات العربية مثل الأمازيغ، الأكراد، والمسيحيين والدروز وغيرهم، تمَّ إهمالهم في سياسات الحكم، وهو ما أدَّى إلى شعور هذه الفئات بالتهميش والتمييز، وخلَقَ بيئة خصبة للإضطرابات والإنقسامات، وقامت الأنظمة الحاكمة بإستغلال هذه الانقسامات لضمان بقائها، بتعزيز الولاءات الضيقة، مثل القبلية أو الطائفية،على حساب الهوية الوطنية الشاملة، فمعظم البلدان العربية،عانت من نُظم إستبدادية قيَّدت الحريات السياسية والمدنية، ممَّا جعل المشاركة الشعبية في صنع القرار ضعيفة أو معدومة، وهذا القمع رسَّخ حالة من اللامبالاة أو الخوف لدى الشعوب تجاه السياسة، وقد أدَّى إتساع الفجوة بين النُّخب والشعوب، بسبب هيمنة هذه النُّخب الحاكمة وإستفادتها من موارد الدولة، لتعزيز سلطتها وبناء شبكات من المحسوبيات، لتبقى غالبية الشعوب تعاني من الفقر والتهميش، مع تصاعد الإحتقان الإجتماعي وفقدان الثقة في الحكومات، فالقوى الكبرى غالباً ما دعمت الحكومات الإستبدادية في العالم العربي، لضمان مصالحها الإقتصادية أو الجيوسياسية، مما أدَّى إلى تعزيز الفساد وقمع الحركات الإصلاحية، فيما لا تزال المنطقة العربية والشرق أوسطية تشهد صراعات إقليمية تغذيها الدول الكبرى، وهذه الصراعات ساهمت في زعزعة إستقرار الأنظمة السياسية.

أزمة إصطناع الصراع القومي والدولة المستوردة

شكَّلت مرحلة ما بعد التحرُّر الوطني، حالاً من الفرقة والصراع البيني، بدءاً من الصراعات الإقليمية الناجمة، عن خلق أطرٍ جغرافية للخلاف والشقاق بين البلدان العربية والإسلامية، كمشكلات الحدود على سبيل المثال، حتى في إطار الوعاء الثقافي والإقليمي الواحد، وتفاعل ديناميات التشرذم والتفكُّك الداخلي، بإسم النزعة القومية داخل الكيانات القطرية، ناهيك عن التعقيدات الإجتماعية والسياسية الناشئة عن التعايش بين الأنساق التقليدية للولاءات كالقبائل والعشائر، وبين إطار الدولة القومية أو القطرية، وإنتهاء بوضعية الإستضعاف والتدني التي فُرضت هيكليًّا على مجموعة البلدان الإسلامية والعربية، في إطار المنظومة الدولية الإقتصادية والسياسية القائمة، وأخيراً الإنتهاك المتزايد والمتعاظم لسيادة الدولة، كانت آخر مزاياه بإسم العولمة الإقتصادية والثقافية، وبالمحصلة،إرتبطت نظرية الدولة القومية، ومنظومة العلاقات الدولية القائمة على أساسها، بقدرٍ هائل من التعقيدات والإشكالات الفكرية والواقعية وبما يمكن وصفه، بعدم الملاءمة الفكرية والعملية ضمن سياق التعبير عن واقع ملايين من البشر الذين يعيشون خارج إطار الغرب، الذي نشأ في أحضانه مفهوم القومية، ولا تقتصر ظاهرة عدم الملاءمة هذه على دول المنطقة، بل تظهر بصورة أكثر حدة في مناطق وثقافات أخرى، فقدت ظاهرة الدولة_القومية والحدود السيادية فيها كل قيمة ومعنًى، مثل: أفريقيا جنوب الصحراء، ممَّا أنتج خللًاً في بُنية ومؤسسات هذه الدول وأصبحت تعاني من سوء فهم للديمقراطية، وصولاً لإستحالة تخيُّل للنظام الديمقراطي وآلياته على الإطلاق، ومن ثم جعل أي معارضة عاجزة عن الإندماج أو حتى عن ممارسة دورها بمشروعية، وهذا كلُّه أدَّى إلى تراجع شرعية النُّظم الحاكمة في هذه الدول، مقابل بروز ملامح التأثير والتشظِّي للداخل، مع بروز إختراق الخارج لداخلها وفق مصالحه وآليات القوة التي يستخدمها، ممَّا أنتج وفق تعبير “برتران بادي” أمثلة للسيادة العاجزة والمعطَّلة والمنهارة أحيانًا على صعيد تلك الدول في سياق فكر برتران بادي، هنا لا يُنظر إلى العجز والتعطيل والإنهيار كحالات فردية معزولة، بل من خلال ظواهر إجتماعية وسياسية ناتجة عن خلل في بُنية الدولة والنظام الدولي، من هنا يرى بادي، أنَّ العالم إنتقل من صراع القوة ضد القوة، إلى زمن عجز القوة أمام المجتمعات المريضة أو المنهارة، وهذا يعني الحديث عن الدولة المستوردة L’État importé، وهي الدول التي تبنَّت أنظمة غربية لا تناسب نسيجها الإجتماعي، فهذا يؤدِّي إلى فجوة بين النخبة والمجتمع،والسيادة المعطلة هنا، هي التي تعيش في مجتمع موازٍ، فالدولة قد تضع قوانين وَرَقِية للمساواة، لكن الواقع الإجتماعي والقَبَلي أو التقليدي يُعطل دورها،وهي معطلة بالأساس، لأن الأدوات السياسية للدولة لا تصل إليها، أو لأن الدولة نفسها تخشى دمجها خوفاً من خلخلة التوازنات التقليدية التي تعتمد عليها السلطة للبقاء.(3)

لقد مرَّت البلدان العربية والشرق أوسطية، بمسارات من العَلمنة والتحديث، وبعقود الإستعمار وغرس جذور القومية والدولة العلمانية، فحتى التنظيمات الإسلامية التي تدَّعي مناهضة العلمانية والبُنية الحداثية للدولة، نجد أن معظمها ذو بِنية حداثية بإمتياز، بعيداً عما تقوله هي عن نفسها، فالدولة الحداثية التي بُنيت في المنطقة، قد أصابت نسيج المجتمع جراء تغيُّر الصيغ العمرانية، وأبرزها المدينة الحديثة وخرائطها كمجال إقتصادي وإنتاجي وتجاري، يتأسَّس على تفتيت البنية المجتمعية والدينية لما قبل الحداثة، بل وبنية العدالة ومنظومات الأعراف والقيم الجماعية، فضلًاً عن غياب الفهم لما تنتجه المدن كآلة حداثية لتمايزات طبقية وثقافية عميقة، وتقديم رؤية معاصرة للتعامل معها، ليس فقط تحت ملف العدالة الإجتماعية والتعامل مع مساحات الرأسمالية المتوحشة، بل أيضاً لفهم تأثيرها على المنظومة الأخلاقية والقيمية، التي يتأسَّس عليها بُنيان الإصلاح والتحوُّلات التي شهدها النسيج الإجتماعي، وأثرت على صِيغ التديُّن التي نشأت ودرجة تجريف الثقافة المجتمعية، وفي العُرف والتضامن الإجتماعي، ليس لأسباب تتعلَّق بميل الناس للصلاح والفساد، بل لوجود بيئة تفرض هذه الوقائع، وما فعلته الحداثة بالدين، لا تكفي فيه محاولة بناء جيل فريد يُعيد بناءَ أمةٍ لا يعرف تضاريس ثقافتها، بل يستلزم فهم عميق لمرتكزات الحداثة، ومن ثم، فإن إدراك سقوط الخلافة لم يكن بسبب ضعف دولة الإسلام فحسب، بل بسبب ضعف كل الدوائر العلمية والمجتمعية،التي لم تنجح في الصمود في مواجهة الخارج وإختراقاته،حيث هناك أزمة حضارية شاملة تشملجوانب فكرية تبلورت حديثًاً، زاد من حدَّتها على الصعيد الإقتصادي العولمة الرأسمالية، التي وسَّعت الفجوة بين الشمال والجنوب، وبينما تطورت دول على سلَّم التقدم، بقيت أغلب دول العالم العربي متراجعة عن الرَّكب والتطوُّر، صحيح أن بعض الدول إنطلقت خلال التحوُّلات العالمية، فإندمجت داخل أطر حسَّنت أوضاعها كالآسيان التي شكلت تجمُّعات إقليمية من نمط جديد على أساس إقتصادي، وبعضها تجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية 1998 بكفاءة كماليزيا وإندونيسيا، لكن لم تؤدِ أيٌ من تلك التحوُّلات إلى إندماج إقتصادي أو سياسي بين دول المشرق العربي والإسلامي على وجه التحديد.

السلطة والدولة القومية في الشرق الأوسط

يذهب بعض أهل الفلسفة ومن المنظِّرين السياسيين، إلى أنّ الدولة هي المظهر المطلق في التاريخ أو العالم، في الوقت الذي يرى فيه آخرون، أنّ الدولة هي إصطناعٌ بشري قابل للتطور في نشوئه، فكلُّ دولة تحكمها مجموعة من القواعد القانونية الأساسية، وهذه القواعد هي التي تحدّد شكل الدولة من حيث البساطة والتركيب، وتبيّن نظام الحكم فيها، وتوضح سلطاتها العامّة وعلاقتها بعضها ببعض، وعلاقة الأفراد بها، كما تقرّر حقوق الأفراد وحريّاتهم المختلفة، وضمانات هذه الحقوق والحريّات، وهذه القواعد قد تدوّن بالدستور أو تبقى عُرفية ولها قيمة دستورية، وتنفِّذ إرادة الدولة في مواطنيها ولو بالقوة تحقيقاً للمنفعة العامّة للمجتمع.

وعليه، فإنّ هذه الدولة هي نقطة إرتكاز نهائية لأيِّ نشاط سياسي، وإنتاج يسمو على أي مشروع مطلبي أو تغييري، والهدف النهائي لأيّ رؤية مجتمعية، فهذه الدولة ليست مضافة إلى المجتمع، بل هي المجتمع نفسه، الذي يُنظر إليه من أعلى مستويات تنظيمه لنفسه، وفي هذا الإطار الأوسع، تتعثَّر كثير من الفلسفات والبحوث المعاصرة في تقديم إجابات وافية لأزمات العصر، ولا سيَّما في ما يتَّصل بتنامي قوة الدولة، وتصاعد العُنف المرافق لها، وتداخلها العميق مع البُنى الإقتصادية والإعلامية، فكلُّ سلطة سياسية تتجسّد بالضرورة، ضمن شكل تاريخي معيّن من أشكال الدولة، ولا وجود لسلطة مجرّدة خارج هذا الإطار، وقد لجأت سلطات عديدة عبر التاريخ، إلى توظيف خطاب شعبوي أو إيديولوجي، بهدف إعادة إنتاج الهيمنة، وإبقاء المحكومين داخل منطق الإنغلاق والخضوع والإمتثال.

وفي المقابل،إرتبط تشكّل الدولة الحديثة تاريخياً بضرورة تنظيم المجتمع ضمن إطار قانوني واضح، ومع تطوُّر الفكر السياسي في مجال الحقوق والحريات، برزت الحاجة إلى الدساتير المكتوبة، والفصل بين السلطات، بوصفها آلية لضبط القوة ومنع إنفلاتها، وخلق توازن يحمِي الحريات العامة، إلاَّ أنّ هذه الشروط لم تكتمل في المشرق العربي بعد الإستقلال، وهو ما أفضى إلى نشوء وضع هجين ومشوَّه، تأرجحت فيه الدولة بين نموذجها التقليدي بوصفها دولة الملك أو الأسرة الحاكمة، ونموذجها الحديث بوصفها دولة الأمّة أو الشعب، ونتيجة لهذا الوضع المُبهَم، بقيت الشرعية منقوصة، والمؤسسات ضعيفة، والسلطات ميّالة إلى الإستبداد بدل الحكم.

ومن هنا، يميّز المناضل والمفكر الأممي عبدالله أوجالان بوضوح، بين الإجتماعي والسياسي من جهة، وبين السياسي والدولتي من جهة أخرى، فالمجتمع في نظره، سابق على الدولة، والسياسة هي ممارسة إجتماعية طبيعية،وليست حكراً على مؤسسات الحكم، ولذلك،فإنَّ إضفاء الشرعية على الدولة جرى تاريخياً عبر الإيديولوجيا، لا عبر المشاركة الحقيقية.

من هنا، فإنَّ الدولة القومية، هي تعبير عن شكلٍ من أشكال التنظيم الإداري والمجتمعي، ظهرت إلى الوجود مع تطوُّر الحاجة الإنسانية إلى تشكيل كيانات متمايزة، تقوم على خصائص ومقوِّمات محدَّدة ومشتركة بين أفراد الجماعات البشرية، وتطوَّرت مع تطور العلوم الإنسانية والمعارف، لتتَّخذ أنماطاً مختلفة، إعتماداً على عوامل نشوئها وبلوغها وتشكُّلها، وقد إرتبطت ولادتها مع مرحلة معينة من التاريخ البشري، وتميَّزت بحدَّة الخلافات بين الدول الدينية، وخاصة في أوروبا التي شهدت حروباً دينية طويلة ودامية، لتنتهي بإقرار تشكيل الدول القومية، المعتمدة على عناصر اللُّغة والتاريخ والإرادة في العيش المشترك ووحدة المصير. (4)

إذن، لم تنشأ الدولة القومية في سياق التطور التاريخي للمجتمعات والشعوب، بل عبر نتاج أفكار بعض القادة العسكريين والسياسيين، في الإستحواذ على السلطة لبقاء وتأمين إستمراريتها، ولم تنتج هذه الدولة لا في الغرب ولا في الشرق، قِيماً حضارية تشاركية إنسانية تمثِّل أنموذجاً، بل جلبت معها الصراعات الإثنية والقومية المعتمدة على العرق الواحد، والعلم الواحد واللُّغة الواحدة، ولا تزال شعوب العالم وخاصة في الشرق الأوسط، أسيرة النظريات القومية المنغلقة على نفسها، والتي تتناقض في أحيان كثيرة مع الموروث الحضاري الإنساني.

وعليه،فإن الظروف التاريخية التي نشأت فيها الدولة القومية، قد أعطتها دفعاً عبر تطوُّرها لوصولها إلى أعلى درجات العنصرية والفاشية، ومعها وصلت الدولة القومية في الشرق الأوسط، الى أعلى مراحل تشكُّلها وقوتها بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك الحرب الباردة بين القطبين الإشتراكي والرأسمالي، وهي إستفادت وتمكَّنت من حالة اللا حرب واللا سِلم بينهما، لتأخذ مكانتها بين الحلفين، وتُقوِّي إحكام قبْضتها عبر التحكُّم في مجتمعاتها بغلق مساحات الحرية، والتحوَّل بسرعة قياسية إلى دول قمْعية وديكتاتورية، سواء كانت جمهورية أم ملكية أو أوليغارشية، وتخلق صراعات وهْمية لشعوبها لتستمر سلطتها، إضافة الى فشلها في حل مسائل التنمية والتعليم والصحة والبُنى التحتية، وتطوير الصناعة والزراعة والثقافة.

وهذه الفلسفة والرؤية إنطوت على مخاطر بمعاداة كلّ ما هو حضاري،ولم تطرح بدائل واقعية تتناسب مع تطلُّعات شعوب المنطقة، فإنْ كانت الدولة القومية قد أثبتت فشلها في كلِّ مناحي الحياة، فهذا لا يعني بالضرورة أنَّ الدولة الدينية المعتمدة على الدين الواحد أو المذهب الواحد، هي البديل المناسب، بل على العكس، هذه الفلسفة تحمل معها بذور صراعات دائمة ودامية، كما حصل في مراحل معينة من تاريخ الشرق في العصور الأموية والعباسية، وقد تكون شبيهة بمرحلة الحروب الدينية التي مرَّت بها أوروبا أيضاً، وما تمرُّ به سوريا والمنطقة اليوم أكبر دليل ومثال، فالحروب الدينية في أوروبا، قد أسَّست لفكرة نشوء الدولة القومية العلمانية المنفصلة عن الدين، فشكَّلت كل قومية دولة خاصة بها، ورسمت حدوداً لدولتها، لتُعيد تقسيم أوروبا وفق التوزُّع والإنتماء القومي الإثني،المعتمد بالدرجة الأولى على عنصر اللُّغة والإنتشار الجغرافي للإثنية، وكذلك على التاريخ والمصير المشترك، وكذلك فإنّ الدولة القومية،وعند وصولها إلى ذروة تمثُّلها للفكر والإيديولوجية القومية، تنتج نماذج ديكتاتورية فاشية للأنظمة، وتُغلق كلَّ مساحات الحرية والرأي الآخر، لتفكر إلى ما بعد الحدود القومية، حيث يسعى الديكتاتور الأوحد، لفرض نفسه زعيماً أوحداً على الإقليم أو القارة.

ففي الشرق الأوسط، كان الإستقلال السياسي والتحرُّر من الإستعمار الغربي، على عاتق قوى كان يُطلق عليها البرجوازية الوطنية، التي كان من مصلحتها تأميم السوق المحلية وتنمية أوطانها، لكن البرجوازية الشرقية التي وُلِدت في أحضان الغرب الرأسمالي، لم تلعب هذا الدور الوطني المأمول، بل جعلت نفسها برجوازية كومبرادورية، تابعة للغرب وتمثِّل مصالحه ضمن أوطانها، ورغم نهوض حركات التحرُّر الوطنية وجبهات اليسار الثورية بعد الحرب العالمية الثانية،وتحت مِظلة الأممية الإشتراكية، وتحقيقها إنتصارات تاريخية على الرأسمالية الإمبريالية في مناطق عديدة من العالم، إلاَّ أنها في الشرق الأوسط، أخذت إتجاهاً وأبعاداً أخرى، مخالفة لكل ما كان معمولاً به في دول عديدة حقَّقت إستقلالها السياسي مثل بعض دول أمريكا اللاتينية، وبسبب غياب دور الطبقة البرجوازية الوطنية، حَمَلَت البرجوازية الصغيرة أعباء الإستقلال الوطني، لتقود حركات التحرُّر الوطنية في بلدانها، مستفيدة من مناخ الحرب الباردة الذي ساد العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشكُّل القطبين الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي والرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

إن الطبيعة البنيوية المركّبة لهذه الطبقة وإزدواجيتها،والتي لا تعرف الإستقرار والثبات،وسهولة الإنقياد خلف المشاريع الخارجية، جعلتها أكثر ليونة للإندماج مع مصالح الغرب الإستعمارية في المنطقة، فحوَّلت أوطانها إلى ساحات للصراع، بين فئات أوليغارشية تؤمن بالعمل العسكري الإنقلابي، وترسيخ دور العسكر في الحياة المدنية، وفي تثبيت أسُس وركائز حكْمَها، وكذلك في تصفية جميع خصومها بالحديد والنار بأبشع الصور وحشية، إلى جانب محاربتها أي صوت وتيار وقوة ديمقراطية، تدافع عن حقوق شعوبها في وجه طغمة أو فئة صغيرة، إستأثرت بالحكم والسلطة وسخَّرتها لصالحها.

فقد حُكِمت منطقة الشرق الأوسط، من قبل أنظمة رَبَطَت مصيرها ووجودها بعَجَلة الغرب وحركته، وحوَّلت شعوبها إلى مجرَّد قطعان تسير خلفها، بعد أن سَلَبت منها إرادتها في التغيير والبناء والتنمية، فكانت حالة فريدة بتقييد الحريات الفردية والمجتمعية، وأعاقت كلَّ تطوُّر مهم في بلادها، والغريب أنَّ الغرب دافع عن هذه الأنظمة وأعطاها الشرعية، فكرَّست لواقع مريض، ظلَّ يتناسل ويتوارث عبر الزمن، دون إتاحة أي مجال للتغيير، أو إحداث طفرة مجتمعية صغيرة،لفتح الباب للسير في طريق التغيير الديمقراطي المنشود، إذ يطلق المفكر والمناضل عبد الله أوجلان هنا، على هذه النماذج من الدول إسم الدول المحافظة، أي التي تحافظ على الأوضاع السائدة، وتعتاش عليها وتطيل من أمدها، ومعظم تلك الدول لا تزال مستمرة في تلك الصيغة، ولا تقبل التغيير من نهجها ولو بشكل بسيط، وإذا كانت الدولة القومية،تدرك أنَّها تلك الدولة التي تتشارك فيها الغالبية الكبرى نفس الثقافة والوعْي بالدولة، وتُعتبر مثالية حيث تتوافق حدودها الثقافية مع حدودها السياسية، فإنها أيضاً دولة سيادية يتَّحِد معظم رعاياها أيضاً بعوامل تحدِّد قوميتها كاللغة أو الأصل المشترك، من هنا لا يرفض أوجالان فكرة الأمة بوصفها رابطة، بل يرفض تتقييدها ضمن خطاب سلطوي يختزل التنوّع، ويحيلها إلى أداة قهرٍ وإقصاء، فليست الأمة الديمقراطية حسب رأيه مجرّد شعار إيديولوجي، بل إطار نظري وعملي، يؤسِّس لنموذج إجتماعي يقوم على التعددية وحرية التنظيم، والإعتراف بالتنوُّع الثقافي والإثني والديني، دون إختزالها في مفاهيم ضيقة للهُوية.

ولأنَّ معظم الدول القومية، أسَّست نظريتها بالإعتماد على عنصر اللُّغة والتاريخ بالدرجة الأولى، فقد أدّى ذلك الى ظهور إتجاهات عنصرية في الفكر والممارسة، وهو ما عرَّض وحدة الدولة بشكل دائم لأخطار كبيرة، في حين زعم أصحاب تلك النظريات القومية في نشوء الدول، أنها الطريق الأنسب للوصول إلى الأمة الدولة ذات العنصر النقي الصافي، فالتراكمات السَّلبية التي خلقتها الدول القومية عبر التاريخ، كانت كفيلة لتقسم مجتمعاتها المتعايشة والمتلاقحة حضارياً طيلة قرون طويلة من الزمن، إلى مجتمعات متناحرة على أسُس قومية متمايزة، مضافاً إليها الإنقسامات الدينية والمذهبية، والتي إستفادت منها الأنظمة القومية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، لتكرِّس واقع سلطاتها وحكمها، وتُعطي لنفسها الشرعية الدينية والإلهية، وليبرِّر الحاكم المستبدّ لرجل الدين أن يتلاعب بمشاعر الناس، فكلُّ واحد منهما يمدُّ الآخر بالشرعية المزيَّفة.(5)

وتُعدّ معضلة الدولة القومية، إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في تاريخ مجتمعات الشرق الأوسط الحديث،إذ أخفقت النماذج السائدة في إنتاج دولة تعبّر عن تعددية مجتمعاتها وتنوّعها الثقافي والإثني والديني، وأسهمت بدلًا من ذلك في إعادة إنتاج الإنقسام والعنف والهيمنة، ورغم وفرة التنظير الفلسفي والسياسي على مدى عقود طويلة، فإنَّ معظم هذه المقاربات، لم تنجح في تقديم بدائل تحرّرية فعّالة، بل إنخرط بعضها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تبرير أنماط الحكم القائمة، وأضحى جزءاً من بنيتها الإقصائية وأجهزتها الرمزية.

إن تجاوز مأزق الدولة القومية، وفق هذه الرؤية، لا يتحقَّق عبر إستبدال سلطة بسلطة،ولا من خلال إعادة إنتاج القومية بصيغ جديدة،بل يستلزم قطيعة معرفية وسياسية مع الفكر القومي الأحادي،ومع تصوّرات الدولة الواحدة والهُوية الواحدة واللغة الواحدة، سواء على مستوى النخب الفكرية والسياسية أم في بنية الثقافة العامة، فقد تحوّلت هذه التصوّرات إلى عبء تاريخي على مجتمعات المنطقة، وهو ما تكشّف بوضوح عند إندلاع الحركات الإحتجاجية والشعبية، التي كشفت الحدود البنيوية للدولة القومية، وعجزها عن تمثيل مجتمعاتها أو إدارة تنوّعها.

وفي هذا السياق، تبرز التجربة الكردية، بوصفها إحدى أكثر التجارب تقدّماً في نقد الدولة القومية والسَّعي لتخطِّيها، لكن ليس من خلال تفكيك الدولة أو تقويض المجتمع، بل من خلال إعادة تعريف دور الدولة ووظيفتها وعلاقتها بالمجتمع، وفي هذا مقاربة للمناضل والمفكر الأممي عبد الله أوجلان، بأن لا تتمثّل وظيفة الدولة في إحتكار السلطة أو السيادة، بل في توفير إطار سياسي وقانوني،المجتمع من تنظيم ذاته ذاتياً، وممارسة السياسة بوصفها شأنًا إجتماعياً عاماً، لا امتيازاً تحتكره النخب الحاكمة. ومن هنا، تُطرح صيغ بديلة، كالديمقراطية الكونفدرالية أو نموذج الأمة الديمقراطية، القائمة على التعددية والمشاركة والتنظيم القاعدي، في مقابل المركزية الصلبة ومنطق الهيمنة.

وبناءً عليه، فإن إنتقال دول الشرق الأوسط إلى حياة وطنية دستورية مستقرَّة، لا يُمكن أن يتحقق من دون ترسيخ ثقافة سياسية، تميّز بوضوح بين الدولة بوصفها كياناً عاماً دائماً، والسلطات المنبثقة عنها بوصفها ممارسات مؤقتة وقابلة للمساءلة، ويستدعي هذا الإنتقال، الإقرار بحق المواطنين في مراقبة السلطة ونقدها وتصويب مسارها عبر الأدوات الدستورية والقانونية، من فصلٍ فعلي بين السلطات، وضمان إستقلال القضاء، وحماية الحقوق والحريات العامة، وصولاً إلى بناء مؤسسات دستورية فاعلة.

كما يقتضي هذا التحوّل، بضرورة القطع مع الثقافة السياسية التي تُجرّم نقد الحاكم، أو تَعتبر مساءلته مساساً بهيبة الدولة، وتخلط بين الدولة بإعتبارها إطاراً جامعاً للمجتمع، والسلطة بوصفها ممارسة سياسية محدودة في الزمن والوظيفةً، فقد أدّت الممارسات السلطوية السائدة في معظم دول المشرق العربي، إلى إفراغ الدساتير من مضمونها، وتقييد الحقوق المدنية والسياسية، وإخضاع السلطتين التشريعية والقضائية للسلطة التنفيذية، بما حوّلهما إلى مؤسسات شكلية فاقدة للإستقلال والفاعلية.

أولوية الدولة القومية في تثبيت الأمن عبر الريع لا عبر التنمية

تتعدَّد مداخل دراسة التحوُّلات في العالم العربي والشرق أوسطي،عبر مراحل تطوُّر وضعه تاريخياً في النظام الدولي، فقد أدَّى نشوء نموذج الدولة القومية في العالم الإسلامي، في إطار الإستعمار التقليدي وإرثه الممتد إلى يومنا هذا، إلى تعزيز وتجذُّر شبكة من الأزمات المتلاحقة، أدَّت بدورها إلى تحوُّلات نوعية وهيكلية، أخذت تتزايد وطأةً وحجماً الى اليوم، بعد أن إصطُنعت قسمة غير طبيعية، لكثير من دول المنطقة العربية في قلبها، وإستبدالها بهيكلية من الحكم قائمة على تجزئة إستعمارية، وتواطأت معه نُخبة سياسية وثقافية متغرِّبة في إصطناع وهْم الشعب القومي، الذي يمتلك صفات معينة وتاريخاً معيناً ونعرات قومية ووطنية مستقلة، حتى يُثبِّتَ عرى الدولة القومية التي أنشاها، وإستخدمت في سبيل ذلك لأجلها ولم تزل، أدوات كالإقتصاد وإعادة كتابة التاريخ القومي،والدراما والفنون والإعلام والكتب الدراسية، والإندماج الإجتماعي والخدمة العسكرية، ورغم أنَّ القومية ذاتها لم تزل موضِع نقاش طويل وصعب بين علماء الإجتماع، سكتت النخب الثقافية عن جدل القومية في بلاد مزَّقت الدولة قوميتها، وهو تمزُّق يعود بالأساس إلى حلول رابطتي القومية والوطنية المستوردتين من الغرب، والمهيمِن حضارياً منذ أكثر من قرن، وفي هذا السياق تموضعت القومية بوصفها بديلاً لرابطة العقيدة آنذاك، ورغم ذلك،إستمر الصراع الفكري بين تلك المفاهيم في صعودٍ وهبوطٍ عبر منعطفات مهمة، كعجز الدول القومية عن إنجاز التنمية المستقلة، وظاهرة الإحياء الإسلامي في الربع الأخير من القرن الماضي، ذلك على المستوى النظري والفكري، أما على المستوى الواقعي، فقد أثبتت الدولة القومية والنظام الدولي القائم عليها، قدراً أكبر بكثير من عدم الملاءمة في المنطقة،لكن الأخطر،أنَّ هذا التقسيم والتفتيت السياسي إلى دول وأقطار، قد أثَّر في الوعْي الجمْعي للشعوب، وفي التصوُّر والإدراك  لمفهوم الجماعة في الحاضر،أي في مفهوم الجماعة الإجتماعية والسياسية،الذي إستمر مستنداً لمفهومها العقيدي والحضاري الإسلامي، من عصر إنتشار الإسلام إلى العصر الحديث، فإرتدَّ ذلك على التاريخ، إذ أنَّ صناعة نسق تاريخي متميِّز ومنفصل لكل قطر من الأقطار العربية والإسلامية، قد أدَّى إلى فساد كامل في الرؤية التاريخية وتقويمها،وتمَّ تأجيج الصراعات البينية في العالم العربي والإسلامي بين القوميات الناشئة، وزاد في ذلك نشأة إسرائيل كأمة دينية إصطنعت لنفسها قومية على يد الحركة الصهيونية العالمية، بزعم خلق وطنٍ قومي لليهود، وهو ما أجَّج الصراع البيني في دول المنطقة العربية والشرق أوسط والعالم الإسلامي.(6)

فمنذ عام 1948، إستنزف الصراع مع إسرائيل الموارد السياسية والإقتصادية للدولة العربية، وخاصة دول الشرق الأوسط، حيث ركَّزت الأنظمة على تعزيز الأجهزة الأمنية والعسكرية، بدلاً من الإستثمار في التنمية أو في بناء أنظمة حُكْم رشيدة، وبالتالي، فإنَّ أزمة الحكم في العالم العربي، ليست نتيجة عامل واحد، بل نتاج تفاعل بين عوامل تاريخية، مثل الإستعمار وتفكيك المؤسسات التقليدية والإجتماعية، كالتعددية المنقوصة الحقوق والتفاوت الإقتصادي، بالإضافة إلى التدخُّلات الدولية والصراعات الإقليمية.

 فالتدخلات الخارجية، تركت موروثاً سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً طويل الأمد، لا تزال تعاني منه دول المنطقة الى اليوم، ويمكن فهم تأثيرها على الأنظمة السياسية لدول المنطقة، من خلال إستعراض الأدوار المختلفة التي لعبتها هذه القوى في مراحل تاريخية متعددة، منها إقصاء الحركات الوطنية، التي سعَت للإستقلال الحقيقي عن القوى الإستعمارية والتي قوْبِلت بالقمع، وتمَّ إستبدالها بقوى سياسية تفتقر إلى قاعدة شعبية قوية لكنها موالية للخارج، كما أنَّ القوى الخارجية صمَّمت الأنظمة الإقتصادية في البلدان العربية، لتكون قائمة على إستخراج الموارد الطبيعية كالنفط والغاز، وتصديرها إلى الدول المستعمرة، وهذا النموذج الإقتصادي، ساهم في خلق دول تعتمد على الرَّيع الإقتصادي بديلاً من بناء إقتصاد منتج، مما أدَّى لاحقًاً إلى هشاشة سياسية مرتبطة بإعتماد الأنظمة على العائدات الريعية، مع التركيز على بناء أجهزة قمعية تهدف إلى الحفاظ على النظام وحماية المصالح الإستعمارية، وبعد الإستقلال، ورثت دول المنطقة هذه الأجهزة، التي أصبحت أداةً لترسيخ الحكم الإستبدادي، ومواجهة المعارضين السياسيين.

فالولايات المتحدة دعمت أنظمة إستبدادية في العديد من هذه البلدان العربية،وإستخدمتهم كحلفاء إستراتيجيين ضدَّ النفوذ السوفيتي وقتذاك، مثل نظام الشاه في إيران، ونظام عدد من الدول العربية، وممالك دول الخليج، هذا الدعم عزَّز بقاء هذه الأنظمة رغم إفتقارها أغلبها إلى الشرعية الشعبية،كما أدَّى إكتشاف النفط، خاصة في الخليج،الى جعل المنطقة محوراً إستراتيجياً للتدخُّلات الأجنبية، فالقوى الغربية دعمت أنظمة حكم تخدم مصالحها الإقتصادية، وضَمَنت أن تبقى العائدات النفطية تحت سيطرة أنظمة تتعاون معها، مستغلَّة العقوبات أو المساعدات المالية، كأداة للضغط على الحكومات العربية لتبنِّي سياسات تخدم مصالحها، كفرض العقوبات على العراق بعد غزو الكويت، وهو ما  أدَّى إلى إضعاف الدولة العراقية وزعزعة إستقرارها وتفكيك بُناها، فالقوى الأجنبية عزَّزت الأنظمة الريعية التي تعتمد على تصدير الموارد الطبيعية كالنفط والغاز، وتوزيع العائدات على شكل رواتب وإعانات، هذه الأنظمة الريعية كرَّست إستبداد السلطة، لأنَّها أضعفت الحاجة إلى بناء قاعدة إقتصادية إنتاجية أو تعزيز الديمقراطية، وأضعفت الشرعية السياسية، إذ أنَّ كثيراً من الأنظمة العربية فقدت شرعيتها، لأنَّها ظهرت نتيجة تدخُّلات أجنبية، أو بالأحرى إعتمدت على دعم خارجي للبقاء في السلطة.

وهذه التدخُّلات الأجنبية، أسْهمت في إثارة الإنقسامات العِرقية والطائفية، حيث دعمت قوى خارجية فئات معينة ضدَّ أخرى، كما حدث في العراق وسوريا ولبنان والسودان والصومال، وهذه التدخلات جعلت أغلبية بلدان الشرق الأوسط، تعتمد على الخارج بدلاً من بناء مؤسسات وطنية قوية،وهو ما أدَّى إلى هشاشة الدولة وعجزها عن تلبية تطلُّعات شعوبها،إضافة الى الدعم الغربي للأنظمة الإستبدادية، الذي أضعف من فرص التحوُّل الديمقراطي في العالم العربي، إذ خشيت الدول الكبرى من أن تأتي الديمقراطية بأنظمة سياسية معادية لها.

إسرائيل وتكريس معادلة دولة الإستبداد القومية

القوى الغربية دعمت تأسيس إسرائيل، ككيان إستعماري في قلب منطقة الشرق الاوسط والبلاد العربية، وهو ما أدَّى إلى نشوب صراع عربي_إسرائيلي طويل الأمد، لا يزال الى اليوم من دون أفق للحل، هذا الصراع كان له تأثيره الكبير على الأنظمة السياسية العربية، حيث عزَّزت  هذه الأنظمة الحاكمة من أجهزة القمع والأمن، تحت شعار حماية الأمن القومي، فالصراع مع إسرائيل أدَّى إلى إنقسام الدول العربية بين معسكرات مختلفة، معسكر المقاومة مقابل معسكر التسوية، ممَّا أضعف من وحدة الموقف والتضامن، وساهم في تآكل شرعية الأنظمة السياسية.

وبالرغم من الدور الكبير الذي لعبته التدخُّلات الأجنبية الخارجية في تشكيل الأنظمة السياسية لدول المنطقة العربية، فإنَّ النخب المحلية تتحمل جزءاً من المسؤولية، بسبب تواطؤها مع القوى الأجنبية وسوء إدارتها للحكم بعد الإستقلال، وعليه فإنَّ معالجة هذا الإرث، تتطلَّب إعادة النظر في الهياكل السياسية والإقتصادية، وتعزيز الإستقلال الوطني عبر بناء مؤسسات قوية تعبِّر عن إرادة الشعوب، كون غياب الشفافية والمساءلة، هي من السِّمات البارزة في كثير من الأنظمة السياسية العربية، وهو عامل جوهري في تفاقم أزمة الحكم التي تعيشها المنطقة، هذه الأزمة لا تقتصر على ضعف المؤسسات السياسية، بل تمتد لتشمل كافة قطاعات الدولة والمجتمع، من هنا يرى البعض، أن هناك إنعدام في رؤية شاملة تعالج الجذور التاريخية والإجتماعية للأزمة،من خلال بناء مؤسسات ديمقراطية للعمل على تعزيز العدالة الإجتماعية، وإحترام التنوُّع الثقافي والعرقي.

فعندما تُدار الدولة القومية العربية بعيداً عن أعين شعوبها، تصبح المؤسسات الحكومية موضع شكٍّ وريبة، لأنَّ المواطنين يفقدون الثِّقة في الحكومات، كجهات تحقِّق العدالة وتلبِّي إحتياجاتهم، ممَّا يؤدِّي إلى عزوفهم عن المشاركة السياسية،ومع غياب الإنتخابات النزيهة، من  دون إشراف مستقل ودون ضمان الشفافية، يتمُّ إنتاج نُخب سياسية لا تمثِّل الشعب، فتصبح الإنتخابات أداة لتعزيز السلطة بدلاً من كونها وسيلة للمساءلة،ترافق ذلك مع غياب الشفافية في قمع الإعلام المستقل وحركة المجتمع المدني، ومحاصرة المكوِّنات والتعدديات الإثنية والعرقية والأقوام، ومنع حرية التعبير عن ذواتها،إذ تخشى الأنظمة من كشف فسادها وأخطائها، وكلُّه أدَّى إلى غياب النقد البنّاء، ممَّا عمَّق الأخطاء السياسية والإقتصادية، وزاد من إحتكار السلطة وعنفها، حيث الأنظمة الحاكمة تفتقر إلى آليات لتداول السلطة بسبب غياب المساءلة، وهذا أدى إلى تكرار نفس النُّخب في الحكم لعقود، وهو ما عزّز من دور وحضور كتل الإستبداد، وحوَّل الدولة إلى مشروع شخصي أو عائلي.

وفي المجمل، فإنَّ غياب الشفافية والمساءلة في الدولة القومية، ليس مجرد خلل إداري، بل هو أزمة وجودية تهدِّد إستقرار الأنظمة والمجتمعات، فتجاوز هذه الأزمة، يتطلَّب إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، ومشاركة فعَّالة من الشعوب في صناعة مستقبلها، وبدون ذلك ستظلُّ أزمة الحكم في الدولة العربية مستمرة،مع بقاء خطر إنعدام التنمية والإستقرار والكرامة الإنسانية، وبقاء التوتُّرات السياسية والإجتماعية.

في ختام الحديث عن أزمة الحكم في الواقع السياسي العربي المعاصر، يتَّضح، أنَّ هذه الأزمة ليست مجرَّد إنعكاس لمشكلات الحاضر، بل هي نتاج تراكمي لعوامل تاريخية أعمق، وتحوُّلات إجتماعية معقَّدة، وتدخُّلات إستعمارية، تركت موروثاً كبيراً وثقيلاً من التشظِّي السياسي والهشاشة المؤسسية، فقد ساهم غياب الشفافية والمساءلة في تعزيز بُنية الإستبداد وتفشِّي الفساد، مما جعل الأنظمة الحاكمة منفصلة عن شعوبها، وغير قادرة على تلبية تطلُّعاتهم للعدالة والتنمية، فإستمرار هذه الأزمة، لا يعني فقط عرقلة مسار التنمية والإستقرار، بل تهديد لوجود الدولة الوطنية ذاتها، حيث تفقد المؤسسات الحاكمة شرعيتها يوماً بعد يوم، وتتفاقم الفجوة بين الحكام والمحكومين،ومع كلِّ محاولة للإصلاح، تصطدم الإرادة الشعبية بجدران القمع والمحسوبيات التي تشكَّلت عبر عقود من الحكم غير الرشيد، فتحقيق هذا التحوُّل ليس مهمَّة سهلة، لكنه ضروري لإنقاذ المنطقة من دوامة الإستبداد والفساد والفوضى، وفي النهاية، يُعْقَد الأمل على نضوج وعْي شعبي وإصراره على إستعادة زمام المبادرة، لأنَّ الحكم الرشيد ليس ترفًاً، بل هو ضرورة لتحقيق الكرامة والعدالة والتنمية، التي طالما ناضلت من أجلها هذه الشعوب عبر تاريخها الطويل.

الدولة القومية وجنسوية المرأة

لا شكَّ أنَّ الدولة أخذت أشكالاً كثيرة خلال تطوُّرها المزمن، لكن نموذج الدولة القومية، يُعتبر من أكثر أشكال الدولة فاشية، بسبب إعتماده ذهنيةً تكرِّس ممارسة الظلم على الشعوب والنساء منذ أن تبلور كنظام حكم، فالدولة القومية التي ظهرت بأوروبا في أواخر القرن السابع عشر، تمَّ تصديرها من قبل الغرب إلى الشرق الأوسط، بهدف تقسيم المنطقة، ليحقق سيطرته على منابع النفط والثروات الطبيعية فيها، وأيضاً منع الشرق الأوسط من تحوُّله إلى قوة تهديد للغرب كما كان سابقاً وكما تمَّ ذكره سالفاً.

كذلك تمَّ إعتماد إستراتيجية تجاه هذه المنطقة، قائمة على منطق التشتُّت المؤدي إلى حالة تشرذم، وإلى حروب بحيث لم تسلم أي دولة من الحرب والفوضى خلال أكثر من قرن، فالحرب الفلسطينية الإسرائيلية،إتفاقية لوزان التي خلقت وضربت مشروع بناء الهوية الكردية وأسَّست لصراع كردي مزمن في المنطقة، كان يمكن تفاديه منذ حينها، ومنع هذا الشعب من تحقيق أحلامه التاريخية، والحرب العراقية الإيرانية، ثم الحرب الأهلية في لبنان، والإنهيار الأخير لدول المنطقة، بعد ما سمِّي مشروع الشرق الأوسط الجديد، كلّها حلقات من نفس السلسلة، وهي وضع المنطقة في حالة فوضى وصراع دائمين، بحيث تعجز على أن تُشكِّل طرحاً بديلاً للنظام العالمي الذي يحكمه الغرب في القرون الأخيرة.

من هنا نرى بأنَّ الدولة القومية المستورَدة من الغرب، وحالة الحرب الدائمة هذه، دمَّرت دولها من كلِّ النواحي، ترافق ذلك، مع التعصُّب الفكري والديني والقومي والجنسوي والعشائري، ممَّا جعل المنطقة في حالة صراع داخلي، وفي حرب مستمرَّة، بالرغم من كل التقدم العلمي والفكري في العالم، إلاَّ أنَّ جرائم الشرف المرتبطة بالمرأة وجرائم الثأر في الشرق الاوسط، قد أدَّت إلى تداعيات خطيرة، عبر تبنِّي الدولة القومية لإيديولوجيات شتّى أنواع التعصُّب والتزمُّت الفكري، فنهج القومية قاد إلى إبادة الشعوب منذ بداية القرن العشرين،إبادة الكرد والأرمن والسريان والشعب الفلسطيني، وتعرَّضت اللُّغات إلى الإنقراض والضمور، فالتعصب الديني والذهني أيضاً، أسس وقاد إلى حروب عقيمة مثل حرب إيران والعراق، وترك آثاراً لا تمحى لعصور، والتعصُّب الجنسوي كذلك عرَّض النساء في المنطقة إلى إبادة صامتة، حيث يقتل النساء تحت مسمَّيات كثيرة، إما الشرف أو الإنتحار، والرجل الذي فشل سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً وعلمياً وإجتماعياً في المنطقة العربية، حاول دائما أن ينتصر على المرأة، فأصبحت العائلة مكاناً لكي يُطًمْئِن الرجل نفسه، عن طريق تسلُّطه على زوجته وأولاده، ليكون صورة طبق الأصل عن كاريكاتور الدولة القومية.

وعندما نعود إلى فترة المجتمع الطبيعي، نرى بأنه كان للمرأة بصمات واضحة على النظام السياسي والإجتماعي والقِيم الأخلاقية، فهي لعبت الدور الفعّال والريادي في قيادة المجتمع، وهذا ما يمكن أن نستنتجه من التماثيل واللَّوحات والكتابات والأساطير، التي بقيت وقاومت كلَّ أنواع الإبادات التاريخية، التي تعرَّضت لها من قبل النظام الذكوري، وكذلك جميع الأبحاث والدراسات التاريخية تؤكِّد، أن الفترة التي كان فيها النظام الأمومي سائداً، كانت هناك حياة يسودها قدراً كبيراً من الحرية والمساواة.

لكن بعد ظهور النظام الأبوي، شكَّلت البُنية الهرمية والسلطوية أساس المجتمع في ذلك الحين، ومصطلح الهرمية يدلُّ في معناه على أول مثال بارز لمفهوم الإدارة السلطوية المتحدة مع السلطة المقدَّسة للرهبان، ولدى إزدياد تقدُّم هذه المؤسسة السلطوية المتعالية على المجتمع، وتَوَجُّهِها مع الوقت نحو التمايز الطبقي، تحوَّلت إلى سلطة الدولة، فلن يكون من المبالغة القول، أن العلاقة بين الدولة والنظام الذكوري،هي تجسيد لجدلية أي منهما خلق الآخر، فإلتزام المفهوم العقائدي والديني في الدولة القومية، جعل من البيت والدولة سجناً للنساء، فالمرأة بالنسبة للدولة والمؤسسات الدينية، هي الأم المضحية والصامتة وتخدم أولادها، والزوجة المُطيعة، هي عبدة لزوجها ومصنع ينتج الأولاد، فهي مجرَّد شيء لخدمة الرجل لا تملك إرادة الإختيار، فهي مركز السوء والشهوة، لذلك يجب أن يتمَّ إخفاء كل جماليتها عن طريق النقاب، فهي الحقل الذي يحقُّ للرجل أن يزرع فيه ما يشاء، لذلك تمَّ تشريع ختان النساء، وجرائم الشرف، وتعدُّد الزوجات، وزواج القاصرات، وكذلك حرمان المرأة من التعليم، ومنع النساء من قيادة السيارات وقيادة الأوطان، وتحريمها من التصويت والترشيح  في دساتير الكثير من الدول في المنطقة.

في الختام:

مع ترسُّخ القومية بشكل أكبر خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، سعَت العديد من الدول، إلى تعزيز هُويتها عبر غرس شعور الإنتماء والفخر والتضامن بين المواطنين،ومع إنتشار القومية في أوروبا، أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالرومانسية، القائمة على العاطفة بدلاً من العقل، والحدس بدلاً من المنطق، فلم تتجذَّر هذه القومية بل تحوَّلت إلى شيء شبه الرمنسة، يربطها بمفاهيم القدر الثقافي والشعب، وعليه لم يكن بإمكان ظهور الدولة القومية الحديثة، أن يتحقق دون الثورات التكنولوجية الهائلة، حيث جلبت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، أشكالًا جديدة من الإتصال والتحكُّم للدول، وظهرت إدارات مركزية، عزَّزتها قدرتها المكتسبة حديثًاً على الحكم بفعالية في مجالات واسعة، وأصبح مفهوم السيادة، الذي كان يوماً ما فكرة مجرَّدة، واقعاً عملياً مع إمتلاك القادة الوطنيين، أدوات لحماية الحدود والحفاظ على النظام والتسلُّط على الحكم في أحيانٍ كثيرة.

إن التنوُّع الثقافي والديني والعرقي في المجتمعات العربية، والذي تمَّ إهماله في سياسات الحكم العربية والشرق أوسطية، هو ما أدَّى إلى شعور هذه الفئات بالتهميش والتمييز، وخلق فيها بيئة خصبة للإضطرابات والإنقسامات، فإستغلَّت الأنظمة الحاكمة هذه الإنقسامات لضمان بقائها، فعزَّزت الولاءات الضيقة، مثل القبلية أو الطائفية،على حساب الهوية الوطنية الشاملة، فمعظم البلدان العربية،عانت من نُظم إستبدادية قيَّدت الحريات السياسية والمدنية، ممَّا أضعف المشاركة الشعبية في صناعة القرار، وهذا القمع رسَّخ حالة من اللامبالاة أو الخوف لدى الشعوب تجاه السياسة، وقد أدى إتساع الفجوة بين النُّخب والشعوب، بسبب هيمنة الأولى وإستفادتها من موارد الدولة، لتعزيز سلطتها وبناء شبكات من المحسوبيات، لتبقى غالبية الشعوب تعاني من الفقر والتهميش، ومع تصاعد الإحتقان الإجتماعي وفقدان الثقة في الحكومات، قاد دعم القوى الكبرى عالمياً لهذه الحكومات الإستبدادية في العالم العربي، الى ضمان مصالحها الإقتصادية أو الجيوسياسية، وإلى تعزيز الفساد وقمع الحركات الإصلاحية، فيما لا تزال المنطقة العربية والشرق أوسطية تشهد صراعات إقليمية تغذيها الدول الكبرى، وهذه الصراعات ساهمت في زعزعة إستقرار الأنظمة السياسية، والتي لا تزال تعيش الى يومنا الحالي، أزمات إضطراب وقلاقل وضعف في شرعية الحكم، وإستبداد دائم في أنماط الحكم الكولونيالي التابع والضعيف لقوى الغرب الإمبريالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

1-العلمانية والإسلامية في سياق الاستعمار والتحرّر- حوار مع حسن أبو هنية

https://nohoudh-center.com/dialogs/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%91%D8%B1-%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B9-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D9%87%D9%86%D9%8A%D8%A9

2-عبدالله أوجالان،مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الرابع، الدولة القوميةوبيروقراطيتها والجنسانية، صفحة 175 و176 و 177.

https://democraticac.de/?p=100978

 3- سلام المقداد،السيادة بين المفهوم والعوائقhttps://mahkama.net/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85/

4-عزمي بشارة مفكّكًا مفاهيم الدولة والأمة ونظام الحكم في افتتاح مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية،الدوحة 21 مارس ، 2021

5-جميل رشيد، نشوء الدولة القومية المركزية والانتقال إلى الدولة متعددة الانتماءات

6-التحولات المعاصرة في العالم الإسلامي: اصطناع الدولة القومية ودواعي الخصوصية الحضارية في التحليل

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

ما وراء الرصاص .. إشكاليات الديمقراطية والإمبراطورية: الحرب الأمريكية على إيران نموذجاً

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه دخان كثيف، أصوات دمار، آلة عسكرية هائلة رفع عنها اللجام، خراباً أُريد له أن يكون

Read More...

منتدى آتون الثقافي يناقش دور الإبداع والوعي في عصر الإعلام الرقمي في افتتاح موسمه الصيفي

نظم منتدى آتون الثقافي، ندوة ثقافية بعنوان "الإبداع والوعي" ضمن افتتاح موسمه الصيفي، وذلك بحضور نخبة من المهتمين بالشأنين

Read More...

“أمهات السلام الكُرديات” Dayîkên Aştiyê الحياةُ في مواجهة الفقد والحرب

تحليل: د. عزة محمود في الجغرافيا التي أنهكتها كثرة الدم، تُولد أحيانًا رموز لا تحمل السلاح، لكنها تهزم العنف بصبرٍ

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل