المرأة والسياسة: نقدُ العدالة حين تمشي على قدمٍ واحدة

دراسات :
- تم تحديثه في

تحليل: د/ إكرام البدوي

مقدمة:

تكشف علاقة المرأة بالسياسة عن واحد من أعمق التناقضات في تاريخ الفكر السياسي. فقد أعلنت الفلسفة السياسية دفاعها عن الحرية والمساواة والعدالة، ثم صاغت هذه المفاهيم من داخل تصور ضيق للإنسان، جعل الذكر معيارًا للذات العاقلة والمواطنة الكاملة. هكذا ظهر الإنسان في الخطاب السياسي كائنًا محايدًا في الظاهر، غير أن هذا الحياد أخفى انحيازًا طويلًا استبعد النساء من مركز النظرية، وحصر حضورهن في الهامش الاجتماعي والأسري والرمزي.

لا تبدأ أزمة المرأة مع السياسة من نقص المشاركة أو ضعف التمثيل وحدهما، إنها تبدأ من السؤال المؤسس: من عُدَّ إنسانًا كاملًا داخل النظرية السياسية؟ ومن مُنح حق الكلام باسم العقل والحق والمدينة؟ ومن تُرك خارج تعريف المواطنة رغم حضوره في صناعة الحياة ورعاية المجتمع وحفظ استمراره؟ هذه الأسئلة تجعل الفكر السياسي النسوي مدخلًا نقديًا لإعادة فحص المفاهيم الكبرى التي قامت عليها السياسة الحديثة، وفي مقدمتها الحرية، والمساواة، والعقد الاجتماعي، والعدالة، والمواطنة.

لقد أسهم تاريخ الفلسفة في ترسيخ هذا الإقصاء عبر صور متعددة. منح أفلاطون النساء موقعًا نظريًا داخل طبقة الحراس، لكنه ربط هذا الموقع بالانضباط داخل نموذج سياسي صاغه العقل الذكوري. وجعل أرسطو التراتب بين الرجل والمرأة جزءًا من نظام الطبيعة، فربط السياسة بالعقل والسيادة، وأبقى المرأة في موقع أدنى داخل الأسرة والمدينة. ثم جاء روسو ليؤسس حرية المواطن داخل العقد الاجتماعي، ويترك المرأة خارج هذا العقد، محصورة في التربية والعاطفة وخدمة النظام العائلي.

ومع الفكر الحديث، استمر الإشكال في صور أكثر نعومة؛ إذ دافع جون ستيوارت ميل عن المساواة القانونية، غير أن حدود تحليله ظلت عاجزة عن كشف العنف الرمزي الذي يسكن الأسرة والعادات والتنشئة. أما جون رولز، فقد بنى نظريته في العدالة على ذات مستقلة قادرة على الاختيار، من دون أن يمنح عناية كافية للفوارق الواقعية التي تعيشها النساء، خاصة في البيوت والحقول والأطراف الريفية والصحراوية، حيث يصبح الوقت والوعي والاختيار والحق في السعادة امتيازات بعيدة المنال.

من هنا، يسعى هذا البحث إلى مساءلة السياسة من داخل أساسها النظري، فالسؤال المركزي هو: كيف صيغ المجال السياسي؟ ولمن صيغت مفاهيم الحرية والمواطنة والاستقلال؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة سياسية ما دامت تجارب النساء وأجسادهن وأعمال الرعاية وشروط وجودهن خارج مركز التفكير؟

  1. تحويل سؤال العدالة السياسية:

لا يبدأ الفكر النسوي من سؤال دخول المرأة إلى السياسة، لأن هذا السؤال يفترض أن المجال السياسي مكتمل ومحايد، وأن المطلوب هو إلحاق النساء به. يبدأ النقد النسوي من سؤال أسبق: كيف صيغت السياسة نفسها؟ ومن هو المواطن الذي تخيلته النظرية السياسية حين تحدثت عن الحرية، والعقل، والاستقلال، والحق؟ هنا تظهر قراءة كارول بيتمان Carole Pateman[1] للعقد الاجتماعي؛ فقد كشفت أن الحرية المدنية الحديثة لم تُبنَ على تعاقد محايد بين أفراد متساوين؛ إذ قام هذا التصور على ترتيب جندري سابق جعل الرجل هو الطرف الأصلي في التعاقد، وربط المرأة بالمجال الخاص وبنظام التبعية الأسرية.[2]

تكشف هذه القراءة أن السياسة الحديثة لم تتعامل مع الإنسان كما يعيش في شروطه الواقعية، فقد صاغت صورة لمواطن مستقل، متماسك، مالك لقراره، قادر على المشاركة، ومتحرر من الأعباء اليومية التي تستهلك الجسد والوقت والطاقة. هذه الصورة لا تصف الإنسان العام، إنها تصف ذاتًا امتلكت تاريخيًا امتياز الفراغ، والحركة، والثقة، والاعتراف. لذلك يصبح الحياد المعلن في النظرية السياسية موضع مساءلة؛ لأنه يخفي نموذجًا اجتماعيًا محددًا لذكر يجد من يؤدي خلفه أعمال الرعاية والتنظيم المنزلي والدعم العاطفي. ومن هذه الزاوية، رأت سوزان مولر أوكين[3] Susan Moller Okin أن “نظريات العدالة التي تتجاهل الأسرة وتستخدم لغة محايدة ظاهريًا تنتهي إلى إعادة إنتاج التفاوت نفسه، لأنها تفترض فردًا حرًا داخل المجال العام، من دون أن تسأل عن علاقات اللامساواة التي تصنع هذا الفرد داخل البيت[4].

من هنا ينتقل الفكر النسوي من عدالة الحقوق إلى عدالة الشروط. فالمرأة قد تمتلك الحق في التعليم والعمل والمشاركة والترشح، ثم عند ممارسة هذا الحق تصطدم بغياب الوقت، وضعف الموارد، وضغط التوقعات الاجتماعية، ونقص الاعتراف. لذلك لا تكفي المساواة القانونية إذا ظلت منفصلة عن القدرة الفعلية على استعمالها. وتفيد مقاربة مارثا نوسباوم Martha C. Nussbaum[5] للقدرات في هذا الموضع؛ لأنها تنقل العدالة من سؤال: ماذا يملك الفرد في النصوص؟ إلى سؤال: ماذا يستطيع أن يفعل وأن يكون داخل واقعه الاجتماعي، والثقافي، والاقتصادي؟ فالحق لا يصبح حقًا كاملًا إلا عندما تتحول شروطه إلى إمكانية، واقعية للحياة، والفعل، والاختيار.[6]

وتظهر الأسرة هنا بوصفها المؤسسة السياسية الأولى، لا مساحة خاصة معزولة عن العدالة. فالبيت هو المكان الذي تتكون فيه علاقة المرأة بالصوت، والطاعة، والاختيار، والاستحقاق، وحدود الطموح. وما يحدث داخله لا يبقى داخله، لأن تقسيم الأدوار في الأسرة ينتقل إلى المدرسة والعمل والمؤسسات ومواقع صناعة القرار. فإذا تربّت المرأة على أن حضورها العام يحتاج إلى تبرير، وأن وقتها متاح للآخرين، وأن رغبتها تأتي بعد الواجب العائلي، فإن دخولها المجال السياسي لا يلغي هذه البنية دفعة واحدة. ولهذا شددت أوكين على أن “العدالة العامة لا يمكن أن تستقيم مع تجاهل اللاعدالة داخل الأسرة، لأن البيت يصنع المواطن قبل أن يدخل المجال العام”.[7]

وتأخذ الرعاية في هذا السياق معنى سياسيًا حاسمًا. فالرعاية ليست عاطفة نسائية فطرية، ولا خدمة منزلية هامشية، ولا شأنًا عائليًا محدودًا. إنها عمل اجتماعي يحفظ الحياة، وينتج شروط استمرار المجتمع، ويجعل المجال العام نفسه ممكنًا. حين تُلقى هذه المسؤولية على النساء وحدهن، يصبح حضورهن في السياسة مشروطًا بعبء لا تراه النظرية التقليدية ولا تعترف به المؤسسات. لذلك جعلت جوان ترونتو Joan C. Tronto[8] الرعاية في قلب الديمقراطية، مؤكدة أن “السياسة لا ينبغي أن تنحصر في الانتخابات والتنافس الحزبي، وأن العدالة تقتضي إعادة توزيع مسؤوليات الرعاية بين الأسرة والسوق والدولة”.[9]

وتدفع الأدبيات الحديثة هذا التحليل خطوة أبعد، من خلال الانتقال من صورة الفرد المستقل إلى صورة الإنسان المتداخل في علاقات اعتماد متبادل. كما يؤكد بيان الرعاية The Care Manifesto: The Politics of Interdependence)[10]) الصادر عن جماعة الرعاية (The Care Collective)[11] على أن البشر لا يعيشون كذوات منفصلة، وأن البقاء والازدهار يرتبطان دائمًا بشبكات من الرعاية والاعتماد والدعم. تكتسب هذه الفكرة أهميتها في موضوع المرأة والسياسة لأنها تمنع اختزال المواطنة في صورة الفرد المنفرد بذاته، وتكشف أن المشاركة السياسية تتطلب شروطًا يومية مادية ورمزية: وقتًا، ورعاية موزعة بعدالة، واعترافًا، ومساحة آمنة للظهور والكلام.[12]

ولا يكتمل تحويل سؤال العدالة السياسية من دون مساءلة التمثيل ذاته. فتمثيل النساء لا يعني أن يتحدث الآخرون عن قضاياهن داخل المؤسسات، ولا يعني الاكتفاء بأفكار عامة تُرفع باسم المساواة. حضور النساء بأجسادهن وخبراتهن داخل المجال السياسي يغير طبيعة الأسئلة المطروحة، ويكشف موضوعات ظلت خارج الأولويات العامة. هنا تأتي أهمية طرح آن فيليبس Anne Phillips[13] حول سياسة الحضور: إذ ترى “أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بتمثيل الأفكار والبرامج، وإنما أيضًا بمن يملك حق الكلام داخل المؤسسة، ومن تُعد خبرته جزءًا من المعرفة السياسية المشروعة”[14].

وقد عادت فيليبس حديثًا إلى هذه الفكرة مع توسيعها في اتجاه أكثر حساسية للتعدد والتقاطعية. فحضور النساء لا ينبغي أن يُفهم كأنه تجربة واحدة متجانسة، لأن “موقع المرأة السياسي يتشكل أيضًا عبر الطبقة، والتعليم، والعمل، والمكان، والعائلة، والقدرة على الحركة والظهور. وهذه فكرة مهمة لأنها تمنع تحويل المرأة إلى كتلة عامة صامتة، ويجعل السياسة مجالًا تتقاطع داخله الخبرات لا مجرد ساحة لزيادة الأعداد”.[15]

وعليه، لا يقدم الفكر النسوي إضافة جزئية إلى الفلسفة السياسية، إنه يعيد ترتيب سؤال العدالة من داخله. فالعدالة لا تعني توزيع الحقوق فقط، إنها تعني بناء الشروط التي تجعل المرأة قادرة على الكلام، والاختيار، والمشاركة، وصياغة المصير العام. ومن هنا تصبح المرأة اختبارًا حاسمًا لصدق النظرية السياسية: فإذا ظلت النظرية تتحدث باسم الإنسان العام، وتتجاهل الزمن المستنزف في الرعاية، والأسرة غير العادلة، والتمثيل الناقص، والقدرات المعطلة، فإن عدالتها تظل ناقصة مهما بدت محايدة في لغتها.

2. المرأة الغربية بين التمثيل والسلطة:

بعد تحويل سؤال العدالة السياسية من مستوى الحقوق المجردة إلى مستوى الشروط الفعلية للمشاركة، يصبح من الضروري فحص وضع المرأة سياسيًا في الواقع المعاصر. لقد اكتشفنا مما سبق أن المشكلة لا تتعلق بدخول النساء إلى مجال جاهز ومحايد، وإنما بطريقة بناء المجال السياسي نفسه، وبالصورة التي يفترضها عن المواطن، والوقت، والقيادة، والحق في الكلام العام. ومن هنا علينا أن نتساءل: كيف تبدو مشاركة المرأة سياسيًا في الغرب؟ وكيف تتشكل في العالم العربي؟ وما الفارق بين وجود النساء داخل المؤسسات وامتلاكهن سلطة فعلية في صناعة القرار؟

يكشف الواقع الغربي أن تقدم المرأة سياسيًا لا يسير في خط مستقيم، ولا يعني أن الديمقراطيات الليبرالية تجاوزت المسألة الجندرية. فقد قطعت دول كثيرة شوطًا كبيرًا في حق التصويت، والترشح، ودخول البرلمان، وتولي المناصب الوزارية، غير أن هذا التقدم ظل متفاوتًا بين دولة وأخرى. ففي الاتحاد الأوروبي، “ما زلن النساء أقل تمثيلًا في صنع القرار السياسي على المستويات المحلية والوطنية والأوروبية، رغم مرور أكثر من قرن في بعض الدول على حصولهن على حق التصويت ودخول البرلمانات. ويكشف التقرير نفسه أن تمثيل النساء في البرلمان الأوروبي وصل إلى 39.9% في عام 2024، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي للبرلمانات الوطنية في بداية 2024، لكنها، في الوقت نفسه، لا تلغي التفاوت الكبير بين الدول الأوروبية نفسها”[16]. غير أن هذا الرقم لا يمنح صورة كاملة؛ فالتمثيل داخل البرلمان الأوروبي لا يتحول دائمًا إلى سلطة متوازنة داخل الأحزاب والحكومات الوطنية ومراكز القرار التنفيذي. وتؤكد الدراسات في البرلمان الأوروبي أن الأحزاب ووسائل الإعلام تؤدي دورًا مزدوجًا: قد تدعم مشاركة النساء، وقد تعيد إنتاج الصور النمطية التي تقيد صعودهن السياسي.[17]

ويكشف مؤشر المساواة بين الجنسين في الاتحاد الأوروبي أن مجال السلطة ما زال من أكثر المجالات حساسية في قياس الفجوة بين النساء والرجال. قد تحقق النساء تقدمًا في التعليم والصحة والحضور المهني، ثم تتراجع النسبة عند الانتقال إلى مواقع القرار. هذه المفارقة تعني أن المشكلة لا تكمن في كفاءة النساء، ولا في غياب المؤهلات، إنها تكمن في هندسة السلطة نفسها: شبكات حزبية مغلقة، ثقافة سياسية طويلة اعتادت القيادة بصوت ذكوري، تقاليد ترشيح تمنح الرجال فرصة الظهور المبكر، وتوزيع غير عادل للوقت والرعاية يجعل السياسة مهنة أكثر كلفة بالنسبة إلى النساء.[18]

ومن هنا يصبح مفهوم السقف الزجاجي [19]Glass Ceiling محدودًا إذا فُهم بوصفه حاجزًا فرديًا أمام امرأة طموحة. السقف في السياسة الغربية ليس حاجزًا واحدًا في القمة، إنه سلسلة من الفلاتر المتدرجة تبدأ من اختيار المرشح داخل الحزب، ثم تمويل حملته، ثم صورته في الإعلام، ثم قدرته على البقاء في المجال العام من دون أن يُختزل في مظهره أو عمره أو حياته الخاصة. الرجل السياسي يُقرأ غالبًا من خلال برنامجه، موقعه الحزبي، قدرته على المناورة، خبرته. أما المرأة السياسية فتُقرأ كثيرًا عبر نبرة الصوت، الثياب، الجسد، الأمومة، الحدة، اللين، السن، والحياة العائلية. هذا لا يلغي تقدم الغرب، لكنه يكشف أن المساواة القانونية لم تمحُ القواعد الرمزية التي تصنع القائد المقبول.

وتزداد المشكلة وضوحًا في السلطة التنفيذية. فوجود النساء في البرلمانات لا يعني بالضرورة وصولهن إلى رئاسة الحكومات أو الوزارات السيادية. تُظهر خريطة النساء في السياسة الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة والاتحاد البرلماني الدولي أنهن ما زلن ممثلات تمثيلًا ناقصًا في مواقع رؤساء الدول والحكومات والوزارات. كما تُظهر بيانات 2025 أن ملفات مثل: حقوق الإنسان والمساواة والشؤون الاجتماعية والثقافة والبيئة تميل إلى أن تكون أكثر حضورًا للنساء من ملفات الدفاع، والمالية، والداخلية، والطاقة. هذا التوزيع ليس تفصيلًا إداريًا؛ إنه يكشف تصورًا سياسيًا يقبل النساء في الملفات المرتبطة بالرعاية والحقوق الاجتماعية، ويتردد في منحهن مفاتيح الدولة الصلبة.[20]

لهذا يجب قراءة الغرب من زاويتين متلازمتين: زاوية التقدم المؤسسي، وزاوية استمرار الفجوة داخل بنية القرار. فوجود النساء في البرلمان أو الحكومة لا يعني تلقائيًا انتقالًا كاملًا إلى المساواة السياسية. قد تتحسن الأرقام، وتظل الحقائب السيادية واللجان المؤثرة ومواقع القيادة الحزبية أكثر قربًا من الرجال. تشير بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2025 إلى أن أوروبا تمتلك أعلى درجة إقليمية في التمكين السياسي مقارنة ببقية المناطق، وأنها تحقق مستويات متقدمة في التمثيل الوزاري والبرلماني، غير أن هذا التفوق النسبي لا يعني اكتمال العدالة، لأن فجوة التمكين السياسي عالميًا ما زالت الأوسع بين أبعاد الفجوة الجندرية.[21]

لهذا تحتاج قراءة المرأة الغربية سياسيًا إلى تجاوز منطق النسبة العامة. قد تكون النسبة مرتفعة داخل مؤسسة ما، ثم يبقى النفوذ محدودًا في القرار الاستراتيجي. وقد تدخل النساء البرلمان بأعداد معتبرة، ثم تظل رئاسة اللجان الكبرى، وقيادة الكتل، ورسم السياسات الاقتصادية والأمنية في يد الرجال. هنا يظهر الفارق بين التمثيل الوصفي والتمثيل الفعلي. التمثيل الوصفي يعني وجود النساء في المقاعد. التمثيل الفعلي يعني قدرتهن على صياغة القرار. والتقدم الحقيقي لا يتحقق عند لحظة الدخول، بل عند القدرة على تغيير قواعد النقاش السياسي نفسه.

ولا يمكن تجاهل أثر الأحزاب في هذه المسألة. فالمرأة الغربية لا تواجه الدولة وحدها، تواجه الحزب بوصفه البوابة الأولى للسياسة. الحزب يختار المرشحين، يمنح التمويل، يحدد الدوائر الآمنة، يصنع الوجوه الإعلامية، ويدفع بعض الأعضاء نحو القيادة ويترك آخرين في الهامش. لذلك يصبح تمثيل النساء رهينًا ببنية الحزب الداخلية: هل توجد قواعد شفافة للترشيح؟ هل توجد حصص انتخابية فعالة؟ هل تُمنح النساء دوائر قابلة للفوز؟ هل يحصلن على دعم مالي وإعلامي مساوٍ؟ هل تُدفع النساء الشابات إلى الصفوف الأولى مبكرًا؟ من دون هذه الشروط، يتحول الحق في الترشح إلى إمكانية قانونية لا تكفي وحدها لصناعة قيادة سياسية.

وتكشف التجربة الغربية أيضًا أن صعود النساء لا يحل تلقائيًا سؤال العدالة النسوية. فقد تصل امرأة إلى منصب رفيع وتدير السياسة بالمنطق نفسه الذي استبعد النساء تاريخيًا. لذلك لا ينبغي الخلط بين وجود امرأة في السلطة ووجود سياسة نسوية. المرأة في المنصب قد تكون علامة تقدم مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. المعيار الأعمق هو: هل يتغير تعريف الأولويات؟ هل تدخل الرعاية ضمن أجندة الدولة؟ هل تُصمم السياسات الاقتصادية مع إدراك عبء العمل غير المدفوع؟ هل يصبح الوقت العائلي، والإجازات الوالدية، ودعم الطفولة، وحماية العمل المرن، جزءًا من مفهوم المواطنة لا مجرد خدمات اجتماعية؟ هنا يعود التحليل إلى العنصر الأول: العدالة ليست عددًا فقط، إنها شروط حياة وممارسة.

وتؤكد بيانات الاتحاد البرلماني الدولي الصورة نفسها. فعلى المستوى العالمي، لم تتجاوز النساء 27.5% من مجموع مقاعد البرلمانات في أبريل 2026، بينما وصلت النسبة في أوروبا إلى 32.3%، وفي أوروبا الغربية إلى 36.2%. هذه الأرقام تكشف تقدمًا واضحًا مقارنة بمناطق أخرى، لكنها تكشف أيضًا أن التمثيل المتوازن لم يصبح قاعدة راسخة حتى في الديمقراطيات الأقدم. فالسياسة لا تُقاس بعدد المقاعد فقط؛ تُقاس كذلك بمن يضع جدول الأعمال، ومن يقود الأحزاب، ومن يترأس اللجان، ومن يملك القدرة على تحويل التجربة النسائية إلى تشريع وسياسة عامة.[22]

بناءً على ذلك، يمكن القول إن وضع المرأة الغربية سياسيًا يكشف درسًا مهمًا للبحث: الحقوق تفتح الباب، لكنها لا تعيد بناء البيت السياسي كله. فقد نالت النساء في الغرب حقوقًا قانونية واسعة، وحققن تمثيلًا معتبرًا في مؤسسات كثيرة، ووصل بعضهن إلى مواقع رفيعة. مع ذلك، بقيت السلطة موزعة على نحو غير متكافئ، وبقيت الثقافة السياسية تقيس القيادة بمعايير ورثت تاريخًا طويلًا من الذكورة العامة. لذلك لا يقدم الغرب نموذجًا نهائيًا، يقدم تجربة مركبة: تقدم قانوني ومؤسسي واضح، مع استمرار فجوات داخل التمثيل، والقرار، والرمز، والحزب، والإعلام، وتوزيع الرعاية. وهذه القراءة تمنع المقارنة الساذجة بين غرب متحرر  وعالم عربي متأخر، وتسمح بتحليل  كل سياق ينتج عوائقه الخاصة، والفارق الحقيقي يظهر في قدرة المؤسسات على تحويل الحضور النسائي إلى سلطة عامة مؤثرة.

3.  المرأة العربية بين الحضور والتأثير

في المقابل، يطرح العالم العربي إشكالية أكثر تركيبًا. لا يمكن اختزال وضع المرأة سياسيًا في ضعف الأرقام وحدها، لأن هذا الضعف يتداخل مع طبيعة الدولة، وبنية الأحزاب، ودرجة الانفتاح السياسي، وطبيعة النظم الانتخابية، وفاعلية المجتمع المدني، وتاريخ الدولة في استخدام خطاب تمكين المرأة. هنا لا تكفي المقارنة الرقمية بين الغرب والعالم العربي، لأن السؤال الأعمق هو: هل يؤدي حضور النساء في المؤسسات إلى توسيع المجال السياسي نفسه، أم يتحول أحيانًا إلى واجهة تحديثية لا تغيّر قواعد القرار؟ هذه النقطة أساسية في تحليل المنطقة العربية، لأن بعض الدول تبنّت إصلاحات شكلية أو كوتا نسائية مع استمرار المجال العام مقيدًا، فتقدمت صورة التمثيل من دون أن تتسع مساحة المشاركة السياسية الحقيقية.

تؤكد البيانات أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما زالت في موقع متأخر مقارنة ببقية الأقاليم. ففي أبريل 2026، بلغت نسبة النساء في جميع غرف البرلمانات في المنطقة 16.2%، مقابل 27.5% عالميًا. ويظهر التفاوت الداخلي بوضوح: الإمارات تصل إلى 50% في المجلس الوطني الاتحادي، ومصر إلى 26.9% في مجلس النواب، والعراق إلى 25.5%، والمغرب إلى 24.3%، في حين تنخفض النسبة في لبنان إلى 6.3%، وفي قطر إلى 6.1%، وفي سوريا إلى 4.9% وفق بيانات أبريل 2026. هذه الفروق لا تعكس الثقافة وحدها، إنها تعكس النظم الانتخابية، والكوتا، وطبيعة التعيين، وقدرة الدولة على فرض تمثيل عددي، وحجم المجال المتاح للمنافسة السياسية.[23]

وتظهر المفارقة العربية في أن بعض أعلى نسب التمثيل العددي لا تأتي دائمًا من فضاء حزبي تنافسي راسخ، وإنما من ترتيبات قانونية أو تعيينية أو كوتا. هذه الآليات مهمة ولا يجوز التقليل منها، لأنها تفتح الباب أمام كسر الاحتكار الذكوري للمؤسسات. غير أن قيمتها تظل محدودة إذا بقيت النساء داخل مقاعد لا تتحول إلى سلطة تشريعية حقيقية، أو إذا جرى حصرهن في ملفات ناعمة ترتبط بالأسرة والطفولة والعمل الاجتماعي، مع إبعادهن عن الاقتصاد، والدفاع، والمالية، والسياسة الخارجية، وإصلاح الدولة. فالتمثيل هنا يتحول إلى صورة مكتملة من الخارج، ناقصة من الداخل.

وقد نبهت دراسات حديثة إلى هذا التعقيد في المنطقة العربية. على أن دعم الكوتا في المغرب وتونس تكشف أن قبول المواطنين للكوتا لا يتشكل من الموقف من النساء وحده، وإنما من الثقة في المؤسسات، وتصور شرعية الانتخابات، وتقييم أداء الحكومة. وهذا يعني أن مسألة المرأة في السياسة داخل النظم الانتقالية أو السلطوية لا تنفصل عن سؤال الثقة السياسية. حين يشعر المواطن أن المؤسسة لا تمثله، تصبح الكوتا نفسها معرضة للتشكيك، لا لأنها تخص النساء فقط، ولكن لأنها تصدر عن نظام سياسي لا يحظى دائمًا بشرعية كافية.[24]

وهنا يختلف المسار العربي عن المسار الغربي في نقطة جوهرية. في الغرب، يدور النقاش غالبًا حول كسر السقف الزجاجي داخل نظام سياسي مستقر نسبيًا، وتوسيع التمثيل داخل مؤسسات تعمل وفق قواعد معلنة. في العالم العربي، غالبًا ما يتداخل سؤال المرأة مع سؤال الدولة ذاتها: هل البرلمان قادر على الرقابة؟ هل الأحزاب تنتج نخبًا حقيقية؟ هل الانتخابات مفتوحة بما يكفي؟ هل الإعلام يمنح النساء السياسيات مساحة مساوية؟ لذلك لا يمكن عزل تمثيل المرأة عن أزمة السياسة العامة في المنطقة. مشاركة النساء تصبح مرآة تكشف ضيق المجال السياسي كله، لا وضع النساء وحدهن.

تؤكد تقارير حديثة حول السياسة العربية بعد 2011 هذه النقطة. فقد رصد تقرير صادر عام 2026 عن معهد تودا للسلام Toda Peace Institute[25] أن المنطقة شهدت ثلاث اتجاهات متداخلة: تراجعًا نسبيًا في التعبئة النسوية القاعدية بعد موجة الانتفاضات، وفصلًا متزايدًا بين قيادة النساء والسؤال الديمقراطي في بعض الدول التي تبنّت خطاب التمكين ضمن ممارسة تحديثية سلطوية، ثم هشاشة أشد في الدول التي أنهكتها الأزمات والنزاعات. قيمة هذا التحليل أنه لا يهاجم حضور المرأة الرسمي، لكنه يرفض اعتباره معيارًا كافيًا للتقدم السياسي. فالسؤال الحاسم ليس: كم امرأة دخلت المؤسسة؟ السؤال الأدق: هل تغيرت قواعد المؤسسة؟[26]

ويظهر ذلك بوضوح في تجارب ما بعد الانتفاضات العربية. فقد شاركت النساء في الاحتجاجات، والتنظيم، وصياغة المطالب العامة، ثم واجهن لاحقًا تقلصًا في المساحات الحزبية والدستورية والمؤسسية. تشير نيرمين علام في دراستها عن النساء في انتفاضة 2011 المصرية إلى أن الأحداث السياسية الكبرى لا تؤثر فقط في السياسات والمؤسسات، وإنما تعيد تشكيل علاقة النساء بذواتهن، وبالجسد، وبالظهور، وبالمجال العام. هذا التحليل مهم لأنه يحرر المشاركة السياسية من معناها الضيق: فالمرأة لا تصبح فاعلًا سياسيًا فقط عندما تدخل البرلمان؛ تصبح كذلك عندما تعيد تعريف علاقتها بالخوف، والصوت، والظهور، والقدرة على العمل الجماعي.[27]

غير أن الانتقال من الشارع إلى المؤسسة ظلّ أحد أعقد اختبارات المشاركة السياسية للنساء في العالم العربي. فقد رفعت تونس، بعد الثورة، تمثيل النساء عبر القوانين الانتخابية، وقدمت نموذجًا مهمًا لتحويل المشاركة الاحتجاجية إلى حضور مؤسسي. لكن التحولات اللاحقة كشفت أن المكاسب القانونية تظل هشة حين لا تستند إلى مؤسسات ديمقراطية مستقرة. وفي مصر، أسهم النص الدستوري وآليات الكوتا في زيادة حضور النساء داخل البرلمان، ولكن ما المواقع التي يشغلنها داخل اللجان؟ وما مدى قدرتهن على صياغة السياسات العامة خارج الأجندة الرسمية للحزب أو الدولة؟

لا يفتقر العالم العربي إلى نساء قادرات على الفعل السياسي؛ فقد حضرت النساء في الحركات الوطنية، والنقابات، والجامعات، والاحتجاجات، والعمل الأهلي. تكمن المشكلة في تحويل هذه الطاقة إلى سلطة مؤسسية مستدامة. فكثيرًا ما تظهر النساء في لحظات التعبئة الكبرى، ثم تُعاد مواقع القرار بعد انتهاء اللحظة لصالح النخب التقليدية. يتكرر حضورهن في الثورة، والحملات الانتخابية، واللجان الاستشارية، ثم يتراجع أثرهن عند صياغة القوانين، وتوزيع الحقائب، وقيادة الأحزاب، وإدارة التفاوض. هذه ليست فجوة تمثيل عادية؛ إنها فجوة تحويل بين المشاركة والقرار، وبين القرار والسياسة العامة، وبين السياسة والأثر الاجتماعي.

لذلك تتطلب قراءة الوضع العربي التمييز بين ثلاثة مستويات: التمثيل الوصفي، أي عدد النساء في البرلمان والحكومة؛ والتمثيل الموضوعي، أي قدرتهن على التأثير في مضمون السياسات العامة؛ والتمثيل التحويلي، أي قدرتهن على تغيير تعريف السياسة نفسها، بحيث تدخل قضايا الرعاية، والعمل، والحماية الاجتماعية، والقوانين الأسرية، والاقتصاد اليومي، في قلب المجال العام[28]. وقد حققت بعض الدول العربية تقدمًا في المستوى الأول عبر الكوتا أو التعيين، بينما ظلّ المستويان الثاني والثالث أكثر هشاشة، لأن الحضور لا يتحول تلقائيًا إلى سلطة.

من هنا لا يُقاس وضع المرأة سياسيًا بسؤال: كم امرأة وصلت؟ السؤال الأدق هو: ماذا تستطيع النساء أن يفعلن بهذا الوصول؟ هل يقدن الأحزاب؟ هل يصغن الأولويات العامة؟ هل تُقرأ خبرتهن بوصفها معرفة سياسية؟ هل توجد بيئة قانونية وإعلامية واجتماعية تجعل مشاركتهن قابلة للاستمرار؟ هذه الأسئلة تنقلنا من الاحتفاء بالأرقام إلى نقد السلطة[29]. فالمرأة في السياسة هي معيار يكشف حقيقة العدالة داخل الدولة، وعمق الديمقراطية داخل المجتمع، وقدرة المجال العام على الاعتراف بمن ظل طويلًا خارج مركز القرار.

4.  من الحضور إلى الأثر:

تكشف البيانات الحديثة حدود الاكتفاء بالأرقام. فقد أوضح الاتحاد البرلماني الدولي أن تمثيل النساء في البرلمانات الوطنية عالميًا ارتفع ببطء شديد من 27.2% في يناير 2025 إلى 27.5% في يناير 2026، وأن النساء لا يشغلن إلا 19.9% من رئاسة الغرف البرلمانية. كما تظل رئاسة لجان الدفاع والمالية أدنى من لجان المساواة والشباب وحقوق الإنسان. [30] وتؤكد خريطة الأمم المتحدة للمرأة والاتحاد البرلماني الدولي لعام 2025 استمرار تمركز النساء في حقائب الشؤون الاجتماعية والثقافة والبيئة، مقابل حضور أضعف في الدفاع، والمالية، والطاقة، والداخلية.[31] هذه الأرقام لا تكشف نقص الحضور فقط، إنها تكشف موقع هذا الحضور داخل هرم السلطة.

يتحقق الأثر السياسي حين تتحول الخبرة النسائية إلى معرفة سياسية معترف بها. فالخبرة هي مدخل لفهم الدولة من زاوية مهملة: كلفة الرعاية، عبء الوقت، هشاشة الدخل، شروط الحركة، وصعوبة الوصول إلى المؤسسة. وقد بيّنت جين مانسبريدج[32] Jane Mansbridge أن حضور الفئات المهمشة يصبح ضروريًا في سياقات انعدام الثقة أو غموض المصالح أو تاريخ الإقصاء، لأن التجربة الاجتماعية تكشف أبعادًا لا تراها المؤسسات من الخارج.[33]

ومن هذا المنظور، لا يصح تحويل المرأة الناجحة إلى دليل على اكتمال العدالة. فالاستثناء قد يفتح الطريق، وقد يُستخدم لإغلاق النقاش. وصول امرأة واحدة إلى موقع رفيع لا يعني أن البنية تغيرت. وقد نبّهت درود داهلروب Drude Dahlerup[34] إلى خطورة الاعتقاد بأن بلوغ النساء نسبة معينة داخل البرلمان يؤدي تلقائيًا إلى تغيير السياسة؛ فالعدد يحتاج إلى مواقع قرار، وتحالفات، وتنظيم، وبيئة حزبية تسمح بتحويل الوجود إلى أثر.[35]

وفي العالم العربي تتضح الفجوة بين الرقم والموقع بحدة أكبر. قد يتحسن حضور النساء عبر الكوتا أو التعيين، بينما تبقى المؤسسات محدودة التأثير في التشريع والرقابة والمساءلة. وتكشف الحالة المصرية ذلك بوضوح؛ فرغم أن النساء يشكلن 27.6% من البرلمان، فإن حضورهن في رئاسة اللجان لا يتجاوز 7.1%، وفي مواقع وكلاء اللجان 14.1%، مع غيابهن تمامًا عن لجنة الشؤون العربية وفق تقرير المركز المصري لحقوق المرأة لعام 2024. [36] هنا بات المشكل في مكان الرقم داخل بنية السلطة.

وبذلك أصبح المعيار واضحًا: هل غيّر حضور النساء قواعد السياسة؟ لا قيمة كافية لمقعد لا يملك حق تحديد ما يُعد قضية عامة. حين تدخل الرعاية، والعمل غير المدفوع، والوقت، والكرامة اليومية، وتوزيع الموارد، وشروط الأمان إلى قلب السياسة، يتحول الحضور إلى أثر. وحين تبقى هذه القضايا في الهامش، تعيد السياسة إنتاج الإقصاء بلغة حديثة.

هنا يظهر الفرق بين سياسة الإدماج وسياسة التحويل. سياسة الإدماج تطلب من المرأة أن تدخل المجال السياسي وفق قواعد جاهزة. سياسة التحويل تسائل هذه القواعد: لماذا صُممت القيادة حول نموذج المتفرغ دائمًا؟ لماذا تُقاس الجدية السياسية بالحضور المستمر خارج البيت؟ لماذا تُعامل الرعاية كعبء خاص؟

خاتمة:

يكشف هذا البحث أن سؤال المرأة والسياسة لا يمكن اختزاله في مسألة الحضور العددي أو في زيادة نسب التمثيل داخل البرلمانات والحكومات. فالمشكلة أعمق من الدخول إلى المجال السياسي؛ إنها تتعلق بالطريقة التي صيغ بها هذا المجال منذ البداية، وبالصورة التي افترضتها النظرية السياسية عن المواطن، والحرية، والاستقلال، والقدرة على الفعل. لقد تحدث الفكر السياسي طويلًا باسم الإنسان العام، غير أن هذا الإنسان كان في كثير من الأحيان ذاتًا مذكرّة، متخففة من أعباء الرعاية، ومحمية بامتيازات اجتماعية جعلت مشاركته في المجال العام ممكنة ومفهومة ومُعترفًا بها.

ومن هنا تصبح مساهمة الفكر النسوي في النظرية السياسية مساهمة تأسيسية لا تكميلية. فهو لا يطالب بإضافة النساء إلى منظومة جاهزة، ولا يكتفي بتوسيع تعريف المشاركة، ولكنه يريد إعادة مساءلة الشروط التي جعلت السياسة نفسها مجالًا منتجًا للاستبعاد. فالعدالة لا تُقاس بما تمنحه النصوص من حقوق فحسب، ولا بما تسجله المؤسسات من أرقام، ولكن بقدرة النساء الفعلية على تحويل الحقوق إلى إمكانات، والحضور إلى تأثير، والتجربة إلى معرفة سياسية معترف بها.

وقد أظهر ت الدراسة أن التجربة الغربية، على الرغم مما حققته من مكاسب قانونية ومؤسسية، لا تمثل نموذجًا مكتملًا للمساواة السياسية؛ إذ ما زالت النساء يواجهن سقوفًا زجاجية، وفلاتر حزبية وإعلامية، وتوزيعًا غير متكافئ لمواقع القرار السيادي. كما بيّن أن التجربة العربية تكشف إشكالًا أشد تركيبًا، حيث يتداخل تمثيل النساء مع طبيعة الدولة، وحدود المجال العام، وضعف الأحزاب، وهشاشة المؤسسات، واستخدام خطاب التمكين أحيانًا كعلامة تحديثية لا كتحول فعلي في بنية السلطة.

وتنتهي الدراسة إلى أن العدالة السياسية للنساء لا تتحقق بسياسة الإدماج وحدها، لأنها قد تسمح للنساء بدخول مؤسسات لم تتغير قواعدها. العدالة الأعمق هي سياسة التحويل: تحويل مفهوم المواطن، وتحويل معنى العمل، وتحويل موقع الأسرة داخل نظرية العدالة، وتحويل التمثيل من مقعد إلى سلطة، ومن مشاركة إلى قدرة على إعادة ترتيب الأولويات العامة.

وعليه، فإن مستقبل السياسة العادلة يتوقف على الانتقال من منطق الحضور إلى منطق الأثر. فكل تمثيل لا يغيّر شروط الحياة اليومية، ولا يعيد توزيع الرعاية والموارد والوقت والاعتراف، يظل تمثيلًا ناقصًا مهما بدا متقدمًا في الأرقام. أما السياسة التي تستحق وصف العدالة فهي تلك التي تجعل خبرات النساء ومعارفهن وأجسادهن وأعباءهن جزءًا من بناء النظرية السياسية والمؤسسة والقرار. عندها فقط لا تعود المرأة موضوعًا للسياسة، وإنما تصبح معيارًا لاختبار صدقها.


[1] منظّرة سياسية نسوية بريطانية-أسترالية. اشتهرت بكتابها The Sexual Contract، وفيه كشفت أن نظرية العقد الاجتماعي الحديثة أخفت داخلها ترتيبًا جندريًا جعل الرجال مركز الحرية المدنية والنساء في موقع التبعية.

[2] Carole Pateman, The Sexual Contract Stanford, CA: Stanford University Press, 1988, p. 2, 6.

[3]  فيلسوفة سياسية نسوية نيوزيلندية-أمريكية. ركزت في كتابها Justice, Gender, and the Family على أن الأسرة ليست مجالًا خاصًا خارج العدالة، لأنها تصنع اللامساواة التي تنتقل إلى العمل والسياسة والمواطنة.

[4] Susan Moller Okin, Justice, Gender, and the Family, New York: Basic Books, 1989, p. 8–9

[5]  فيلسوفة أمريكية معاصرة، من أبرز منظّري مقاربة القدرات. ربطت العدالة بقدرة الإنسان الفعلية على الحياة والاختيار والتعليم والعمل والمشاركة، لا بمجرد امتلاك حقوق قانونية مكتوبة.

[6] Martha C. Nussbaum, Women and Human Development: The Capabilities Approach, Cambridge: Cambridge University Press, 05 June 2012 p. 78–80.

[7] Susan Moller Okin, Justice, Gender, and the Family, p. 25–26, 50- 70.

[8] منظّرة سياسية أمريكية متخصصة في أخلاقيات الرعاية والديمقراطية. جعلت الرعاية قضية سياسية مركزية، ورأت أن العدالة تقتضي توزيع مسؤوليات الرعاية بين الأسرة والدولة والسوق.

[9] Joan C. Tronto, Caring Democracy: Markets, Equality, and Justice, New York: New York University Press, 2013, p. ix–x, 67– 81.

[10] هو كتاب/بيان فكري صدر عن جماعة الرعاية، ويطرح تصورًا سياسيًا يقوم على أن المجتمعات لا تستمر عبر الفردية والتنافس وحدهما، إنما عبر شبكات الرعاية والاعتماد المتبادل.  يرفض البيان حصر الرعاية في البيت أو في النساء، ويعاملها كبنية سياسية عامة تشمل الأسرة، والمجتمع، والدولة، والسوق، والعلاقات الإنسانية اليومية. نُشر الكتاب عن دار Verso Books عام 2020، وهي دار نشر فكرية يسارية مقرها لندن ونيويورك. يدعو الكتاب إلى وضع الرعاية في قلب الدولة والاقتصاد والحياة اليومية، ويقترح توسيع معنى الرعاية بحيث لا تنحصر في الأسرة أو النساء، وإنما تشمل المجتمع، والمؤسسات، والعمل، والمدينة، والعالم الطبيعي.

[11]  تُعد جماعة الرعاية (The Care Collective) مجموعة فكرية نسوية يسارية معاصرة، نشأت في لندن عام 2017 بوصفها حلقة قراءة عابرة للتخصصات، ثم تحولت إلى مشروع نقدي جماعي يعيد التفكير في الرعاية باعتبارها أساسًا للديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وتضم المجموعة أندرياس خاتزيداكيس، وجيمي حكيم، وجو ليتلر، وكاثرين روتنبرغ، ولين سيغال، وقد صدر عملهم الأبرز بيان الرعاية: سياسة الاعتماد المتبادل (The Care Manifesto: The Politics of Interdependence) عن دار Verso عام 2020. ينقل هذا البيان الرعاية من معناها المنزلي الضيق إلى معنى سياسي شامل، يربطها بالدولة، والاقتصاد، والعمل، والمدينة، والقرابة، والبيئة، ويجعلها شرطًا أساسيًا لإعادة بناء المواطنة والعدالة.

[12] The Care Collective, The Care Manifesto: The Politics of Interdependence, London: Verso, 2020, p. 26–29.

[13] منظّرة سياسية بريطانية بارزة في قضايا الديمقراطية والتمثيل. اشتهرت بفكرة “سياسة الحضور”، التي تؤكد أن وجود النساء داخل المؤسسات السياسية يغيّر طبيعة الأسئلة والأولويات العامة.

[14] Anne Phillips, The Politics of Presence, Oxford: Clarendon Press, 1998, p. 57–83

[15] Anne Phillips and Hans Asenbaum, The Politics of Presence Revisited, Democratic Theory 10, no. 2, Winter 2023, p. 80–82.

[16] European Parliamentary Research Service, Women in Politics in the EU: State of Play in 2024 (Brussels: European Parliament, 2024), p.2, 3. See, Women in politics in the EU – State of play in 2024

[17] Gender Equality Index 2024: Sustaining momentum on a fragile path , European Institute for Gender Equality, Luxembourg: Publications Office of the European Union, 2024), p. 48–49.

See, gender-equality-index-2024-sustaining-momentum-on-a-fragile-path.pdf

[18] Ibid, 48–49.

[19] يشير مفهوم «السقف الزجاجي» (Glass Ceiling)، الذي صاغته مارلين لودن (Marilyn Loden) عام 1978، إلى الحواجز غير المرئية التي تعوق صعود النساء والفئات المهمشة إلى مواقع القيادة واتخاذ القرار، لا بسبب نقص الكفاءة، بل نتيجة بنى مؤسسية وثقافية تُعيد إنتاج التمييز داخل فضاءات العمل والسلطة.

[20] UN Women and Inter-Parliamentary Union, Women in Politics: 2025 (New York and Geneva: UN Women and IPU, 2025). See, Women in politics: 2025 | Digital library: Publications | UN Women Knowledge portal

[21] World Economic Forum, Global Gender Gap Report 2025 (Geneva: World Economic Forum, 2025), section “Regional results and time to parity”. See, WEF_GGGR_2025.pdf

[22] Inter-Parliamentary Union, Women in Parliament in 2025: The Year in Review (Geneva: IPU, 2026), 3; IPU Parline, see, IPU_WIP-Report2025_EN_LR (1).pdf

[23] IPU Parline, “Monthly Ranking of Women in National Parliaments,” data as of 1 April 2026.

See, Monthly ranking of women in national parliaments | IPU Parline: global data on national parliaments

[24] Yuree Noh and Marwa Shalaby, “Who Supports Gender Quotas in Transitioning and Authoritarian States in the Middle East and North Africa?” Comparative Political Studies 57, no. 14 (2024): p. 2313–2315.

Who Supports Gender Quotas in Transitioning and Authoritarian States in the Middle East and North Africa?

[25] هو مؤسسة بحثية يابانية مستقلة وغير حزبية، مقرّها طوكيو، تُعنى بتطوير أبحاث السلام وبناء الحوار عبر الحدود الثقافية والدينية والسياسية، من خلال بحوث موجّهة للسياسات وورش عمل متعددة التخصصات. تأسس المعهد عام 1996 على يد دايساكو إيكيدا، مستلهمًا رؤية جوسي تودا للسلام المستدام، ونزع السلاح النووي، واحترام الكرامة الإنسانية.

[26] Layla Saleh, Arab Women’s Inclusiveness: Navigating Terrains of De-Democratization and Gender Backlash, Toda Peace Institute Report no. 276, March 2026, p. 3–5.

Arab Women’s Inclusiveness: Navigating Terrains of De-Democratization and Conflict | Toda Peace Institute

[27] Nermin Allam, Women’s Unveiling in the 2011 Egyptian Uprising: Political Opportunities and Modesty Politics, Published online by Cambridge University Press:  24 October 2022, p. 734–736.

womens-unveiling-in-the-2011-egyptian-uprising-political-opportunities-and-modesty-politics.pdf

[28] Anne Phillips, The Politics of Presence, p. 99–110.

[29] Karen Celis, Sarah Childs, Johanna Kantola, and Mona Lena Krook, “Rethinking Women’s Substantive Representation,” Representation 44, no. 2 2008: p.  99–103.

[30] UN Women, Inter-Parliamentary Union, Women in Parliament in 2025: The Year in Review (Geneva: IPU, 2026), p. 1, 10, 18.  See, Women in parliament in 2025 | Inter-Parliamentary Union

[31]UN Women, and Inter-Parliamentary Union, Women in Politics: 2025 (New York and Geneva: UN Women and IPU, 2025), 1. see, Women in politics: 2025 | Digital library: Publications | UN Women Knowledge portal

[32] عالمة سياسة أمريكية بارزة في حقل النظرية الديمقراطية والفكر النسوي، عُرفت بإسهاماتها في دراسة التمثيل السياسي، والديمقراطية التداولية، والمشاركة، والحركات الاجتماعية.

[33] Jane Mansbridge, “Should Blacks Represent Blacks and Women Represent Women? A Contingent ‘Yes,’” The Journal of Politics 61, no. 3 1999: p. 628–636.

See, Should Blacks Represent Blacks and Women Represent Women? A Contingent “Yes” on JSTOR

[34]  عالمة سياسة دنماركية/سويدية بارزة في دراسات الجندر والسياسة، وأستاذة فخرية في العلوم السياسية بجامعة ستوكهولم، وأستاذة فخرية في جامعة روسكيلده. تركز أعمالها على التمثيل السياسي للنساء، والحركات النسوية، والديمقراطية، ونُظم الكوتا الجندرية، وأسهمت في تطوير النقاش الدولي حول آليات تمكين النساء داخل المؤسسات السياسية والانتخابية.

[35] Drude Dahlerup, The Story of the Theory of Critical Mass, Politics & Gender 2, no. 4 2006, p. 511–515.

See, The Story of the Theory of Critical Mass | Politics & Gender | Cambridge Core

[36] Egyptian Center for Women’s Rights, The 2024 Annual Report on Women’s Rights in Egypt: English Summary (Cairo: ECWR, 2025), p. 3. See,

ECWR Launches the 2024 Annual Report on Women’s Rights – the Egyptian Center for Women’s Rights (ECWR)

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

ما وراء الرصاص .. إشكاليات الديمقراطية والإمبراطورية: الحرب الأمريكية على إيران نموذجاً

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه دخان كثيف، أصوات دمار، آلة عسكرية هائلة رفع عنها اللجام، خراباً أُريد له أن يكون

Read More...

منتدى آتون الثقافي يناقش دور الإبداع والوعي في عصر الإعلام الرقمي في افتتاح موسمه الصيفي

نظم منتدى آتون الثقافي، ندوة ثقافية بعنوان "الإبداع والوعي" ضمن افتتاح موسمه الصيفي، وذلك بحضور نخبة من المهتمين بالشأنين

Read More...

“أمهات السلام الكُرديات” Dayîkên Aştiyê الحياةُ في مواجهة الفقد والحرب

تحليل: د. عزة محمود في الجغرافيا التي أنهكتها كثرة الدم، تُولد أحيانًا رموز لا تحمل السلاح، لكنها تهزم العنف بصبرٍ

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل