تحليل: الباحث/ محمد صابر
لم تعد الحرب في شرق المتوسط تُقرأ بوصفها انقطاعاً مؤقتاً في عمل الدولة أو خللاً أمنياً قابلاً للاحتواء عبر التسويات التقليدية، بل تحوّلت تدريجياً إلى بنية اقتصادية قائمة بذاتها، تمتلك آليات إنتاج وإعادة إنتاج مستمرة، وتُعيد تشكيل توزيع السلطة داخل الدول وعبر الحدود في آنٍ معاً. فمنذ انهيار عدد من المراكز السيادية بعد عام 2011، لم يؤدي التفكك المؤسسي إلى الفراغ بقدر ما أتاح نشوء طبقات هجينة من الفاعلين تجمع بين الوظيفة العسكرية والقدرة الاقتصادية، بحيث أصبحت الميليشيات، وشبكات التهريب، وشركات الواجهة، وممرات الطاقة، والأجهزة البيروقراطية المخترقة، مكونات متداخلة داخل منظومة واحدة تدير التدفقات المالية واللوجستية للإقليم.
وفي ضوء هذا التحول، لم تعد الدولة تحتكر أدوات السيادة، بل باتت في كثير من الحالات وسيطاً داخل شبكات أوسع تتجاوزها، تُحدَّد فاعليتها بقدرتها على التحكم بالتدفقات لا بالحدود. بالتالي انتقل مركز الثقل من الجغرافيا السياسية التقليدية القائمة على السيطرة الترابية، إلى جغرافيا اقتصادية مرنة تحكمها المعابر، والموانئ، والطاقة، وسلاسل التهريب، والعقوبات، والاقتصاد الرمادي، حيث تتراجع أهمية الخطوط السيادية لصالح البنية الشبكية العابرة للحدود.
فقد تداخلت الطاقة بالعقوبات، والممرات التجارية بالاقتصاد غير الرسمي، والحرب بالتراكم الرأسمالي غير المشروع، بصورة جعلت من الصراع نفسه مصدراً لإعادة توزيع الثروة والنفوذ، فالعقوبات الغربية على إيران وروسيا لم تنتج عزلاً كاملاً بقدر ما دفعت نحو ابتكار مسارات مالية وتجارية بديلة، تعتمد على شركات الواجهة، والتهريب البحري، والعملات المحلية، وشبكات الوساطة غير الرسمية، كما أن التحولات التي أعقبت الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة الأوروبية أعادت رفع القيمة الجيوسياسية لشرق المتوسط بوصفه عقدة عبور للطاقة والسلع، الأمر الذي دفع القوى الإقليمية إلى التنافس على هندسة ممرات جديدة تربط الخليج والهند وأوروبا. غير أن هذه الممرات لم تنشأ فوق فراغ جغرافي، بل عبر فضاءات منهكة بالحروب والميليشيات والاقتصادات الموازية، ما جعل البنية الأمنية والاقتصادية للإقليم شديدة الهشاشة. وبدلاً من أن تؤدي الحروب إلى تعطيل الاقتصاد، بات الاقتصاد نفسه يعيد إنتاج الحروب عبر خلق مصالح مستقرة لشبكات العنف المنظمة، التي أصبحت ترى في استمرار الاضطراب شرطاً لبقاء التدفقات المالية التي تقوم عليها.
تأسيساً على ما سبق، تبدو التحولات التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، والضربات الإسرائيلية التي أضعفت البنية المركزية لمحور إيران، لحظة مفصلية في إعادة توزيع الشبكات الإقليمية لا نهايتها. فالشبكات العابرة للحدود لا ترتبط عضوياً بمركز واحد، بل تمتلك قدرة عالية على التكيّف وإعادة التموضع، لأنها تقوم على منطق التدفق لا منطق السيادة. ولذلك، فإن تراجع بعض المراكز التقليدية للنفوذ الإيراني لم يؤدِّ إلى اختفاء اقتصاد الكبتاغون أو التهريب أو التمويل الموازي، بل دفع هذه الأنشطة إلى الهجرة نحو فضاءات جديدة أقل انكشافاً، من ليبيا إلى العراق والسودان والبحر الأحمر. ومن هنا، فإن فهم شرق المتوسط لم يعد ممكناً عبر مقاربة الدول بوصفها وحدات مستقلة، بل عبر تحليل الشبكات التي تخترقها وتعيد تشكيلها من الداخل، حيث تتحول الدولة نفسها إلى مساحة تنافس بين مراكز قوة متداخلة، وتصبح السيادة وظيفة تفاوضية داخل اقتصاد إقليمي للحرب، تتحدد فيه القوة بمن يملك الممرات، ومن يتحكم بالتدفقات، ومن يستطيع تحويل الفوضى إلى بنية ربح مستدامة.
اقتصاد الحرب:
لم تعد الميليشيات في شرق المتوسط فاعلاً عسكرياً يعمل على هامش الدولة، بل تحولت تدريجياً إلى بنى اقتصادية تمتلك مصادر تمويل مستقلة، وقدرات تنظيمية، وشبكات توزيع ووساطة عابرة للحدود، ما جعلها أقرب إلى مؤسسات اقتصادية هجينة تُدير العنف بوصفه مورداً إنتاجياً. حيث تحول اقتصاد الكبتاغون في سوريا من نشاط إجرامي محدود إلى قطاع اقتصادي شبه استراتيجي ارتبط بأجهزة أمنية وشبكات رجال أعمال ووسطاء إقليميين، بحيث أصبحت التجارة غير الرسمية جزءاً من آلية بقاء النظام نفسه. أما في لبنان، لم يعد نفوذ حزب الله قائماً فقط على قدرته العسكرية، بل على امتلاكه شبكات مالية وخدمية واقتصادية تُدير الاستيراد والتهريب والتحويلات النقدية وتتحكم بمساحات واسعة من الاقتصاد غير الرسمي. بينما سمح تضخم الحشد الشعبي في العراق بتشكيل منظومة مالية قائمة على الجباية والسيطرة على المعابر والاقتصاد النقدي الموازي، بما جعل العلاقة بين الدولة والفاعل المسلح علاقة اندماج تنافسي لا انفصال مؤسسي، وهكذا أصبحت الحرب حالة دائمة منخفضة الحدة، وآلية لإعادة إنتاج التمويل والنفوذ، حيث تتحول السيطرة المسلحة إلى أداة لتنظيم التدفقات الاقتصادية لا مجرد فرض أمني مباشر.
أعاد هذا التحول تعريف وظيفة الدولة نفسها، إذ لم تعد المؤسسات الرسمية مركزاً حصرياً للسلطة، بل منصة تتقاطع داخلها شبكات التهريب والطاقة والجباية والوساطة السياسية، فلم تقتصر الميليشيات المرتبطة بحكومتي الشرق والغرب في ليبيا على تقاسم النفوذ العسكري، بل تسربت إلى البنية البيروقراطية والمالية، وسيطرت على الموانئ والمطارات والمؤسسات النقدية، بحيث أصبح الاقتصاد الرسمي نفسه خاضعاً لمنطق الاقتصاد الحربي. وفي البحر الأحمر، أظهر الحوثيون كيف يمكن لفاعل غير دولتي أن يستخدم الجغرافيا البحرية كسلاح اقتصادي واستراتيجي في آنٍ واحد، عبر تهديد الملاحة الدولية وتحويل الممرات البحرية إلى أداة تفاوض إقليمي مرتبطة بالصراع في غزة وبالتوازنات الإيرانية-الأمريكية. كما أن العقوبات الغربية على إيران وسوريا لم تؤدي إلى تفكيك هذه الشبكات، بل أنها دفعتها نحو مزيد من الابتكار المالي واللوجستي، عبر استخدام شركات الواجهة، والتهريب البحري، وأنظمة المقايضة، والعملات البديلة، ما حوّل العقوبات من أداة عزل إلى محفز على توسيع الاقتصاد الرمادي وتدويل شبكاته.
ضمن هذه البيئة، باتت الاستدامة المالية للحرب تعتمد على السيطرة على التدفقات أكثر من السيطرة على الأرض. فالموانئ، والمعابر، وخطوط الطاقة، ومراكز التخزين، وسلاسل النقل، أصبحت جميعها مصادر ريع مستمرة تسمح للفاعلين المسلحين بإعادة إنتاج نفوذهم حتى دون انتصار عسكري حاسم. ومن هنا يمكن فهم الترابط البنيوي بين سوريا ولبنان والعراق وليبيا والبحر الأحمر باعتبارها عقداً داخل منظومة اقتصادية واحدة، تتنقل عبرها الأموال، والسلع، والمخدرات، والسلاح، والوقود، والوسطاء، وفق منطق شبكي شديد المرونة، كما أن انهيار الحدود التقليدية بين الرسمي وغير الرسمي جعل من الصعب الفصل بين الدولة والاقتصاد الموازي، لأن العديد من الأنشطة غير المشروعة باتت تتم عبر مؤسسات رسمية أو تحت حمايتها الضمنية. وهكذا لم يعد اقتصاد الحرب مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح البنية التي تعيد تعريف السلطة نفسها، حيث تُقاس القدرة السياسية بامتلاك شبكات العبور والتمويل، لا فقط بالسيطرة العسكرية أو الاعتراف القانوني.
تحولات التدفق:
شكلت التحولات التي أعقبت 2024 لحظة إعادة توزيع كبرى للشبكات العابرة للحدود في شرق المتوسط، أكثر مما كانت لحظة انهيار نهائي لها، فسقوط نظام “الأسد”، والضربات الإسرائيلية التي استهدفت البنية القيادية لمحور إيران، لم يؤديا إلى تفكيك الاقتصاد الموازي الذي تشكل خلال عقد من الحروب، بل دفعا هذه الشبكات إلى إعادة التموضع جغرافياً ووظيفياً. فاقتصاد الكبتاغون، الذي كان يتمركز بدرجة كبيرة داخل البنية السورية-اللبنانية، بدأ بالانتقال نحو مسارات أكثر مرونة وأقل انكشافاً في العراق وليبيا والسودان وحتى بعض مناطق الخليج، بينما أعادت شبكات التهريب البحري توجيه خطوطها عبر البحر الأحمر وشرق أفريقيا لتفادي الرقابة الدولية المتزايدة، إذ دفعت الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة على إيران إلى تقليل الاعتماد على البنية المركزية التقليدية لمحورها الإقليمي، والانتقال نحو نموذج أكثر لامركزية يعتمد على شبكات مالية وتجارية هجينة، ترتبط برجال أعمال وشركات واجهة وفاعلين محليين يمتلكون قدرة أعلى على الحركة.
وفي المقابل، استفادت قوى خليجية وتركيا والصين من حالة السيولة الجيوسياسية هذه لإعادة التمركز داخل الممرات التجارية والطاقة والبنية اللوجستية للإقليم. ومن هنا، يمكن فهم المرحلة الراهنة بوصفها عملية إعادة هندسة لشبكات النفوذ لا مجرد صراع بين دول، وهي عملية تتجلى عبر خمسة مسارات بنيوية رئيسية يمكن توضيحها على النحو التالي:
(1) هجرة تجارة الكبتاغون: لم يكن اقتصاد الكبتاغون مرتبطاً بالدولة السورية بقدر ارتباطه بالبنية الإقليمية للطلب والتهريب والحماية، ولذلك فإن تراجع المركز السوري بعد 2024 لم يؤدي لإنهاء التجارة بل أنه أعاد توزيعها جغرافياً، فقد بدأت الشبكات المرتبطة بالإنتاج والنقل والتوزيع بالانتقال نحو فضاءات رخوة أمنياً، مثل جنوب ليبيا وغرب العراق وبعض مناطق السودان، حيث تتوافر الحدود الهشة، والاقتصادات النقدية غير الرسمية، وإمكانية بناء تحالفات محلية مع جماعات مسلحة أو شبكات قبلية. وتكشف هذه الحركة أن اقتصاد المخدرات في شرق المتوسط لم يعد نشاطاً هامشياً، إذ أنه بات يمثل بنية مالية إقليمية مترابطة، ترتبط بمسارات التهريب البحري والبري وبأسواق الاستهلاك الخليجية وشبكات غسل الأموال. كما أن تفكيك بعض البنى السورية دفع الفاعلين إلى اعتماد نماذج إنتاج أكثر تشتتاً ومرونة، تقلل من مخاطر الاستهداف المباشر. وبذلك تحوّلت تجارة الكبتاغون من نموذج مركزي شبه احتكاري إلى اقتصاد شبكي متعدد العقد، يمتلك قدرة أعلى للتكيف مع الضغوط السياسية والعسكرية، وهو ما يفسر استمرار التدفقات رغم انهيار بعض المراكز التقليدية للإنتاج.
(2) موانئ إعادة التوزيع: أعادت الحروب والعقوبات في شرق المتوسط إنتاج الموانئ والمعابر بوصفها مراكز سلطة اقتصادية مستقلة نسبياً عن الدولة المركزية، ففي ليبيا وسوريا والعراق وحتى أجزاء من البحر الأحمر، تحولت الموانئ إلى نقاط ارتكاز لشبكات تجمع بين التجارة الرسمية والتهريب والجباية والوساطة السياسية، وأصبح الميناء منصة لإعادة توزيع الريع، وتحديد من يملك حق الوصول إلى التدفقات التجارية والمالية. كما أن العقوبات الغربية على إيران وروسيا دفعت إلى توسيع الاعتماد على أساطيل الظل، وعمليات النقل البحري المعقدة، وإخفاء منشأ الشحنات، ما خلق اقتصاداً بحرياً موازياً يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وضمن هذا التحول، باتت السيطرة على الممرات البحرية والمعابر البرية أكثر أهمية من السيطرة العسكرية التقليدية، لأن القدرة على تنظيم التدفقات تمنح الفاعلين نفوذاً مالياً وسياسياً مستداماً، حتى في ظل غياب الاعتراف الرسمي.
(٣) تطور الحشد الشعبي: يمثل العراق نموذجاً مركزياً لتحول الدولة إلى مساحة تفاوض بين المؤسسات الرسمية والشبكات المسلحة-الاقتصادية، فقد تطور الحشد الشعبي إلى منظومة اقتصادية تسيطر على أجزاء واسعة من المعابر الحدودية، والتجارة غير الرسمية، والاقتصاد النقدي الموازي، وشبكات العقود الحكومية. وقد سمح هذا التغلغل بإنتاج طبقة هجينة تجمع بين الشرعية الرسمية والقدرة المسلحة والهيمنة الاقتصادية، بما جعل الدولة العراقية نفسها جزءاً من اقتصاد الحرب الإقليمي. كما أن الضغوط الأمريكية والعقوبات على شبكات التمويل الإيرانية دفعت بعض الفصائل إلى تطوير أدوات مالية بديلة، تشمل شركات واجهة، وتحويلات غير رسمية، واستثمارات عقارية وتجارية، ما عزز قدرة الاقتصاد الموازي على الاستمرار بمعزل نسبي عن النظام المالي الدولي.
(4) النموذج الليبي: تكشف ليبيا بصورة واضحة كيف يمكن أن تتحول الدولة إلى ساحة نهب مؤسسي تُدار عبر تحالفات متغيرة بين الميليشيات والفاعلين السياسيين وشبكات الاقتصاد غير الرسمي. فالميليشيات المرتبطة بالسلطات المتنافسة لم تكتفِ بالسيطرة العسكرية، بل اخترقت المؤسسات المالية والنفطية والإدارية، بحيث بات الاقتصاد الرسمي نفسه أداة لإعادة توزيع الريوع بين مراكز القوة المسلحة. كما أن الجنوب الليبي تحول إلى عقدة أساسية لتهريب البشر والوقود والسلاح والمخدرات، مستفيداً من هشاشة الحدود وتداخل الشبكات القبلية والإقليمية. وفي هذا النموذج، لا تعمل الدولة ككيان سيادي موحد، بل كمساحة تتنافس داخلها شبكات متوازية على التحكم بالتدفقات والموارد. ولذلك، فإن استمرار الانقسام الليبي لا يرتبط فقط بالفشل السياسي، بل بوجود اقتصاد حربي يمنح عدداً كبيراً من الفاعلين مصلحة مباشرة في بقاء حالة السيولة والانقسام.
(5) البحر الأحمر: أثبتت أزمة البحر الأحمر أن الفاعلين غير الدولتيين باتوا قادرين على التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي عبر التحكم بالممرات البحرية الحيوية. فالعمليات الحوثية ضد الملاحة الدولية لم تكن مجرد تصعيد عسكري مرتبط بغزة، فهي ممارسة استراتيجية هدفت إلى إعادة إدخال اليمن والحوثيين في معادلة التفاوض الإقليمي والدولي عبر استخدام الجغرافيا البحرية كسلاح اقتصادي. وقد أدت هذه العمليات إلى رفع تكاليف الشحن والتأمين، وتحويل جزء من التجارة العالمية بعيداً عن قناة السويس، ما عمق الضغوط الاقتصادية على مصر وأعاد تسليط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. كما كشفت الأزمة أن الممرات البحرية لم تعد تخضع بالكامل لمنطق الردع التقليدي، بل أصبحت عرضة لتأثير شبكات مسلحة منخفضة الكلفة وعالية المرونة. وبهذا المعنى، فإن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري، بل فضاءً تتقاطع فيه الجغرافيا الاقتصادية بالطاقة بالصراع الإقليمي، ضمن نموذج جديد تصبح فيه السيطرة على التدفقات أداة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية على مستوى أوسع من حدود الدولة نفسها.
الممرات البديلة:
أعادت الحرب الأوكرانية، وأزمة الطاقة الأوروبية، واضطرابات البحر الأحمر، إحياء التنافس على الممرات التجارية بوصفها أحد أهم أشكال الصراع الجيوسياسي في شرق المتوسط، فقد أصبح التنافس يدور حول القدرة على احتلال موقع داخل خرائط العبور الجديدة التي تربط آسيا بأوروبا والخليج بالمتوسط. وفي هذا السياق، برزت ثلاثة مشاريع كبرى تعكس تصورات متنافسة لإعادة هندسة الاقتصاد الإقليمي: الممر الاقتصادي الهندي-الأوروبي-الأمريكي(IMEC)، وطريق التنمية العراقي، وممر الشمال-الجنوب الدولي. غير أن هذه المشاريع – رغم طابعها الاقتصادي الظاهري – تحمل في جوهرها صراعاً عميقاً على إعادة توزيع النفوذ بين الولايات المتحدة وتركيا وإيران وروسيا والصين والقوى الخليجية.
يمثل IMEC محاولة أمريكية-أوروبية لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بصورة تقلل الاعتماد على الممرات الخاضعة للنفوذ الصيني أو الروسي، وتمنح الهند موقعاً محورياً في التجارة العابرة للقارات. لكن هذا المشروع بُني على افتراض استقرار إقليمي لم يعد قائماً بعد حرب غزة، إذ يمر عبر إسرائيل ويعتمد ضمنياً على وجود حد أدنى من التطبيع العربي-الإسرائيلي القادر على توفير بيئة آمنة للبنية التحتية العابرة للحدود. ولذلك، فإن استمرار الأزمة الفلسطينية يشكل تهديداً هيكلياً لمنطقه الجغرافي. كما أن استبعاد تركيا من IMEC دفع أنقرة إلى التعامل معه بوصفه محاولة لإعادة رسم خرائط التجارة الإقليمية بعيداً عنها، وهو ما يفسر دعمها القوي لطريق التنمية العراقي باعتباره بديلاً يعيد وضعها في قلب حركة العبور بين الخليج وأوروبا.
في المقابل، يعتمد طريق التنمية العراقي على فكرة تحويل العراق من ساحة صراع إلى عقدة لوجستية تربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر ميناء الفاو الكبير. غير أن التحدي البنيوي للمشروع لا يكمن في التمويل أو البنية التحتية فقط، بل في طبيعة الدولة العراقية نفسها، حيث تتحكم الميليشيات والمعابر غير الرسمية بجزء كبير من الاقتصاد الحدودي. ومن هنا، فإن نجاح المشروع يتطلب درجة من إعادة هيكلة العلاقة بين الدولة العراقية والاقتصاد الموازي، وهو أمر لم يتحقق بعد. كما أن تركيا تنظر إلى المشروع ليس فقط كممر تجاري، بل كأداة لإعادة تثبيت نفوذها داخل العراق وموازنة الحضور الإيراني. أما الخليج، فيرى فيه فرصة لتوسيع شبكات الاستثمار والنقل بعيداً عن هشاشة البحر الأحمر، دون الاصطدام المباشر بالحساسيات السياسية المرتبطة بإسرائيل.
أما ممر INSTC الذي يربط روسيا بإيران والهند وآسيا الوسطى، فقد اكتسب أهمية متزايدة بعد العقوبات الغربية على موسكو إثر حرب أوكرانيا. فالممر لا يمثل مجرد بديل تجاري، بل محاولة روسية-إيرانية لبناء فضاء اقتصادي موازي أقل اعتماداً على النظام المالي واللوجستي الغربي. كما أن الهند، رغم شراكتها مع واشنطن في IMEC تحافظ على انخراطها في INSTCلضمان تعددية المسارات وتقليل المخاطر الجيوسياسية. غير أن الممر يظل رهينة العقوبات الأمريكية على إيران، والتوترات الأمنية الممتدة من القوقاز إلى الخليج. وهكذا، فإن المفارقة المركزية للمشاريع الثلاثة تكمن في أن كل ممر يحمل داخله عنصر هشاشته الخاص، IMEC رهينة الصراع الفلسطيني، وطريق التنمية رهينة الميليشيات العراقية، و INSTC رهينة العقوبات والصدام مع الغرب.
ضمن هذا المشهد، تلعب الصين دوراً أكثر هدوءً لكنه بالغ الأهمية، إذ تحاول الحفاظ على موقعها داخل شبكات التجارة والطاقة دون الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. فبكين تنظر إلى الممرات الجديدة بوصفها امتداداً مرناً لمبادرة الحزام والطريق، وتسعى للاستفادة من تعدد المسارات بدلاً من الاستثمار في مشروع واحد عالي المخاطر. كما أن الخليج، خصوصاً الإمارات والسعودية وقطر، أصبح فاعلاً مركزياً في تمويل البنية التحتية والموانئ والمناطق اللوجستية، ما يمنحه قدرة متزايدة على التأثير في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للإقليم.
وبذلك، فإن حرب الممرات في شرق المتوسط ليست مجرد منافسة على النقل والتجارة، بل صراع على من يملك القدرة على تنظيم التدفقات المستقبلية للطاقة والسلع ورؤوس الأموال. وهي أيضاً تعبير عن انتقال النظام الإقليمي من منطق الحدود الثابتة إلى منطق الشبكات المتحركة، حيث تصبح قيمة الدولة مرتبطة بموقعها داخل سلاسل العبور أكثر من قوتها العسكرية التقليدية.
إدارة الفوضى:
يبقى مستقبل القضية الفلسطينية المتغير الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والسياسية لشرق المتوسط، ليس فقط بسبب بعدها الرمزي أو الأمني، بل لأنها أصبحت عقدة مركزية في مشاريع العبور والطاقة والتحالفات الجديدة. فالممرات الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها IMEC تعتمد ضمنياً على وجود بيئة إقليمية قابلة للتطبيع والاستقرار، بينما يؤدي استمرار الحرب أو التهجير أو الانفجار الإقليمي إلى تعطيل هذا المنطق بالكامل. كما أن الفاعلين المسلحين، من الحوثيين إلى الفصائل المرتبطة بإيران، يستخدمون القضية الفلسطينية بوصفها أداة لإعادة الشرعية السياسية وربط تحركاتهم العسكرية بالاقتصاد العالمي عبر الضغط على الممرات البحرية والتجارية. وبالتالي، فإن أي تحول جذري في الملف الفلسطيني يمكن أن يعيد توزيع التحالفات والممرات والتدفقات بصورة تتجاوز حدود فلسطين نفسها.
في المقابل، يشكل مستقبل إيران الداخلي متغيراً حاكماً لطبيعة النظام الإقليمي حتى 2030، لأن قدرة طهران على تمويل وإدارة شبكاتها الخارجية باتت مرتبطة بشكل متزايد بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخلها، فالعقوبات الغربية وتراجع الموارد والصراع بين الحرس الثوري والتيارات البراغماتية، جميعها عوامل قد تدفع إيران نحو مزيد من التصعيد الشبكي أو نحو إعادة تعريف استراتيجيتها الإقليمية. كما أن التحولات المحتملة داخل بنية القيادة الإيرانية قد تؤدي إلى إعادة توزيع العلاقة بين الدولة والوكلاء، بين منطق المواجهة المفتوحة ومنطق التكيّف الاقتصادي. ولذلك، فإن مستقبل الشبكات المرتبطة بإيران لن يُحدد فقط عبر الصراع الخارجي، بل عبر قدرة النظام نفسه على إعادة إنتاج شرعيته الداخلية وتمويل اقتصاده الموازي.
أما العراق، فيمثل نقطة الاختبار الأوضح لمسألة قدرة الدولة على استعادة احتكارها النسبي للتدفقات الاقتصادية والأمنية. فتماسك الدولة العراقية أو تفككها سيحدد مستقبل الحشد الشعبي، وأيضاً مصير طريق التنمية، وشبكات الطاقة، والمعابر الحدودية، والاقتصاد الموازي الذي يربط الخليج ببلاد الشام وإيران وتركيا. وإذا بقيت الدولة العراقية عاجزة عن إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والاقتصاد الشبكي، فإن العراق سيظل مساحة عبور وتفاوض أكثر منه مركز سيادة متماسك.
يبقى الاستقرار المصري وأسعار الطاقة والتحولات الدولية، خصوصاً في العلاقة الأمريكية-الصينية، من المتغيرات القادرة على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بالكامل. فمصر تمثل نقطة ارتكاز للطاقة والملاحة والتوازن الأمني في شرق المتوسط والبحر الأحمر، وأي تدهور اقتصادي واسع داخلها قد يؤدي إلى اضطراب عميق في شبكات التجارة والطاقة والهجرة. كما أن أسعار النفط والغاز ستحدد قدرة الدول والفاعلين المسلحين على تمويل شبكاتهم، بينما ستؤثر المنافسة الأمريكية-الصينية على طبيعة الممرات والبنية التحتية والتحالفات الاقتصادية في المنطقة.
وختاماً، تكشف التحولات الجارية في شرق المتوسط أن الحرب لم تعد حدثاً استثنائياً يقطع عمل الدولة، بل أصبحت بنية اقتصادية وسياسية تُعيد تعريف معنى السلطة والسيادة والنفوذ في الإقليم. فالشبكات العابرة للحدود، التي نشأت في ظل الحروب والعقوبات والانهيارات المؤسسية، تحولت تدريجياً إلى منظومات قادرة على إدارة التدفقات المالية واللوجستية والطاقة بصورة تتجاوز قدرة الدول التقليدية على الاحتواء أو السيطرة. ومن هنا، فإن القوة الحقيقية لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة العسكرية أو الاعتراف القانوني، بل بالقدرة على التحكم بالممرات، وتنظيم الاقتصاد الموازي، وربط الجغرافيا المحلية بشبكات العبور العالمية. كما أن الميليشيات لم تعد مجرد أدوات عنف، بل فاعلين اقتصاديين يملكون مصالح مستقرة داخل اقتصاد الحرب، ما يجعل تفكيكهم أكثر تعقيداً من مجرد التسويات الأمنية التقليدية.
وتظهر أزمة الممرات والطاقة أن الجغرافيا الاقتصادية الجديدة باتت أكثر تأثيراً من الحدود السياسية الموروثة، إذ أصبحت قيمة الدول مرتبطة بموقعها داخل شبكات العبور والتسييل والتمويل، لا فقط بحجمها العسكري أو مؤسساتها الرسمية. ولذلك، فإن سقوط بعض المراكز التقليدية للنفوذ، كما حدث بعد 2024، لم يؤدي إلى اختفاء الشبكات، بل إلى إعادة توزيعها وتموضعها داخل فضاءات أكثر مرونة. فالشبكات لا تنهار بالطريقة التي تنهار بها الدول، لأنها تقوم على منطق الحركة والتكيف وإعادة التشكل المستمر. وضمن هذا المشهد، يبدو شرق المتوسط متجهاً نحو نظام إقليمي تصبح فيه التدفقات أهم من الحدود، والممرات أهم من العواصم، والقدرة على إدارة الفوضى أكثر أهمية من القدرة على إنهائها، في صورة تعكس انتقال الإقليم من جغرافيا الدول الصلبة إلى جغرافيا الشبكات السائلة التي تعيد إنتاج السلطة عبر الحركة الدائمة لا عبر الاستقرار التقليدي.



