تحليل: د. فرناز عطية
كان قرار إقالة ” أوزجور أوزيل” رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض بتركيا إثر إلغاء مؤتمر الحزب الـ38 عام 2023 الذي انتُخب فيه “أوزيل” رئيسًا للحزب، بمثابة الفتيل الذي أشعل أزمة تحتدم حاليًا في تركيا، ومما زاد الأمر سوءًا وتعقيدًا وجعله قاب قوسين أو أدنى من السخط الشعبي العارم، هو رفض محكمة الاستئناف التركية في أنقرة الطعن الذي تقدم به حزب الشعب الجمهوري بعد عزل زعيمه “أوزجورو أوزيل”، وقد قدم حزب المعارضة الرئيسي في البلاد الطعن أمام اللجنة العليا للانتخابات مبررًا بأنها الجهة الوحيدة التي تشرف على جميع الانتخابات، بما في ذلك المؤتمرات الحزبية، وأن قرار محكمة أنقرة 21 مايو 2026، والجدير بالذكر أن حزب الشعب الجمهوري هو حزب معارض بارز يواجه حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”.
جذور الأزمة:
في نوفمبر 2023 بالمؤتمر الـ38 للحزب الجمهوري الذي شهد تطورًا مفصليًا وحساسًا تمثل في الإطاحة بزعيمه “كمال كليجدار أوغلو” الذي استمر زعيمًا للحزب خلال 13 عامًا مضت على توليه القيادة من 2010 إلى 2023 ، وذلك عقب خسارته للانتخابات الرئاسية أمام الرئيس “أردوغان” في مايو من العام نفسه، تمكن ” أوزيل” وقتئذ من الحصول على تأييد 812 مندوبًا، مقابل 536 صوتًا لـ”كليجدار أوغلو” في الجولة الثانية من التصويت، وبذلك نجح “أوزيل” في اعتلاء منصب رئاسة الحزب، وهكذا أضحى نائب عن ولاية مانيسا، ورئيسًا ثامنًا لحزب الشعب الجمهوري.
بدء معركة الطعون:
لم يمضِ وقت طويل على ذلك التغيير داخل الحزب، إذ بدأت معركة الطعون بشأنها والمرفوعة من أعضاء في الحزب وتتهم قيادات فيه بارتكاب “مخالفات إجرائية” و”شراء أصوات” خلال مؤتمر 2023، وتشمل القضايا 12 عضوًا، بينهم رئيس بلدية إسطنبول الموقوف “أكرم إمام أوغلو”، ورغم تلك الطعون لم تفصل المحكمة في القضية وهو ما دفع قيادة الحزب لتنظيم 3 مؤتمرات استثنائية، ورغم ذلك أعيد انتخاب “أوزغور أوزيل” رئيسًا لحزب الشعب الجمهوري 3 مرات على مدار مايقرب من العامين، وقد فاز أولاً في المؤتمر العادي الـ38 المنعقد يومي 4 و5 نوفمبر 2023، ثم في المؤتمر الاستثنائي الـ21 بتاريخ 6 أبريل 2025، وصولاً إلى المؤتمر الاستثنائي الـ22 سبتمبر 2025.
وفي 21 مايو2026، أصدرت محكمة الاستئناف في أنقرة قرارًا قضى بالإطاحة بزعيم المعارضة الرئيسية “أوزغور أوزيل” من منصبه، وألغت المحكمة المؤتمر بسبب مخالفات، وقضت بأن يتولى الرئيس السابق لحزب الشعب “كمال كليجدار أوغلو” المنصب رئيسًا مؤقتًا بهدف تسيير الأعمال وتنظيم مؤتمر عام جديد للحزب خلال 40 يومًا.
الثقل السياسي لحزب الشعب الجمهوري بتركيا:
يمثل حزب الشعب الجمهوري التركي (CHP) ثقلًا سياسيًا وتاريخيًا محوريًا في تركيا باعتباره حزب المعارضة الرئيسي، ورمزًا للإرث العلماني الذي أسسه “مصطفى كمال أتاتورك”، وتبرز أهميته أيضًا من خلال عدة أبعاد رئيسية، هي:
- الإرث التأسيسي والتاريخي: يُعد الحزب أقدم الأحزاب السياسية في تركيا (تأسس عام 1923)، وهو الكيان الذي أعلن قيام الجمهورية التركية ووضع أسس الدولة الحديثة ونظامها العلماني.
- تمثيل المعارضة والمدنية: يعمل كقوة سياسية رئيسية توازن سياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم، حيث يتبنى أيديولوجية الديمقراطية الاجتماعية ويدافع عن الحريات الفردية، وحقوق العمال، والفصل بين الدين والدولة.
- السيطرة على الإدارات المحلية الكبرى: يمتلك الحزب نفوذًا قويًا في إدارة كبرى المدن والمراكز الاقتصادية والحيوية في تركيا مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، مما يجعله رقيبًا وشريكًا فعليًا في إدارة الشؤون اليومية لملايين الأتراك.
- إعادة ترتيب المشهد السياسي: برز الحزب كقوة متصدرة في الانتخابات البلدية الأخيرة، مما أعاد تشكيل الخريطة السياسية في البلاد وجعله المنافس الأبرز على قيادة السلطة التنفيذية في المستقبل.
- ثقل مؤسسي في البرلمان: يشغل الحزب مقاعد المعارضة الرئيسية في البرلمان التركي، ويمتلك كتلة نيابية تؤثر بشكل مباشر في التشريعات والرقابة على أداء الحكومة.
- خاض رئيس الحزب “كليجدار أوغلو” الانتخابات الرئاسية في مايو 2023 في مواجهة الرئيس “رجب طيب أردوغان”.
من هو” أوزجورو أوزيل”:
هو سياسي تركي وزعيم حزب “الشعب الجمهوري” منذ عام 2023، ولد في 21 سبتمبر 1974 في مدينة مانيسا لعائلة تركية بلقانية ( تركية مقدونية ) أصلها من سكوبيي، بمقدونيا الشمالية وكذلك سالونيك باليونان، أكمل تعليمه الابتدائي فيها، ثم أكمل التعليم الثانوي وبدأ دراسته الجامعية في مدرسة إزمير “بورنوفا” الأناضول الثانوية، لكنه عاد إلى مانيسا حيث تخرج في كلية الصيدلة هناك، في جامعة إيجه، شغل سابقًا منصب نائب زعيم المجموعة البرلمانية لحزب “الشعب الجمهوري” منذ شهر يونيو 2015، عمل كصيدلي سابق وكان عضوًا في البرلمان عن دائرة مانيسا الانتخابية منذ الانتخابات العامة 2011، عرف بنشاطه فيما يتعلق بحقوق عمال المناجم في مقاطعة مانيسا، عام 2015 حصل على جائزة أوغور مومجو لأفضل سياسي من قبل جمعية الفكر الأتاتوركي وجمعية الصحفيين المعاصرين.
تصدر “أوزيل” إلى جانب نواب آخرين من حزب الشعب عن مانيسا عناوين الأخبار في العالم بعد كارثة منجم سوما في مايو 2014، حيث قُتل 301 من عمال المناجم بعد انهيار منجم سوما للفحم في سوما بمقاطعة مانيسا، حيث تسببت الكارثة في انتقادات واسعة لحكومة حزب العدالة والتنمية، لأنها رفضت اقتراحًا برلمانيًا تقدم به أوزيل للتحقيق في حوادث التعدين في سوما ومدن أخرى قبل شهرين فقط من الكارثة، وقد حظيت خطاباته قبل الكارثة وبعدها باهتمام على الصعيد الوطني.
دلالات موقف القضاء من حزب الشعب الجمهوري وزعيمه:
- التضييق على الأحزاب واستمرار سياسة تكميم الأفواه والسلطوية وتوجيه انتهاكات للعملية الديمقراطية.
- التدخل في الشئون الداخلية للأحزاب بحجة المخالفات الإجرائية .
- إرساء مبدأ الوصاية والحجر على اختيارات الجماهير.
- الإطاحة بالخصوم السياسيين في كل المجالات بكافة الطرق وبأي ذريعة مصطنعة.
- إقحام القضاء في الشئون والحياة الحزبية ، والإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث: القضائية والتنفيذية والتشريعية.
- تركيز السلطة في يد الرئيس “رجب طيب أردوغان” لدرجة أن الحزب الحاكم أصبح عاجزًٍا عن تقديم مرشحين بديلين عنه.
- إضعاف حزب الشعب الجمهوري وإغراقه في نزاعات داخلية، قبل أن تتفاقم آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتلقي بآثارها الاقتصادية والتضخمية على الناخبين.
ماوراء معركة الطعون ضد حزب الشعب الجمهوري:
يسعى الرئيس التركي “أردوغان ” وحزبه الحاكم إلى تحقيق عدة أمور من خلال تدخل القضاء في الشئون الداخلية لحزب الشعب الجمهوري، ورئيسه “أوزيل”، ورفض محكمة الاستئناف الطعن المقدم من الأخير، ومن أبرز هذه الأمور:
- أهداف شخصية ترتبط برغبة “أردوغان” في إبعاد كل من يتجرأ على الوقوف في وجهه وزعزعة هيمنته على السلطة، كما حدث مع رئيس بلدية إسطنبول “أكرم إمام أوغلو”، الذي تقدم حينها على الرئيس “أردوغان” في استطلاعات الناخبين، وعلى الجانب الآخر، كان الأخير هو من دعم وصول “أوزيل” إلى سدة الحزب، الذي قاد بدوره فيما بعد التظاهرات ضد “أردوغان” اعتراضًا على اعتقال “إمام أوغلو”، وبالتالي غدا “أوزيل” غير مرغوب به، وأصبح هناك ضرورة لإبعاده عن الساحة واللعبة السياسية في تركيا نظرًا لموقفه الناقم على السلطة.
- أهداف عامة ترتبط بالتنافس السياسي والحزبي، وترجع إلى رغبة حزب “العدالة والتنمية” الحاكم إلى التفرد بالسلطة والاستئثار بها، وبالساحة السياسية التركية، من خلال الإطاحة بغرمائه من الأحزاب المنافسة، حيث يعتبر “حزب الشعب الجمهوري” ثاني أكبر الأحزاب التركية المتسابقة على السلطة ومنافس رئيسي للحزب الحاكم.
- أهداف تتعلق بطموحات السلطة والهيمنة وتثبيت أقدام “أردوغان” في الحكم، لاسيما مع بلوغه الحد الأقصى لولاياته، فهو يحكم تركيا منذ 23 عامًا، (12 عام رئيس وزراء، ومثلها رئيس جمهورية) ويبلغ من العمر 72 عامًا، ولا يستطيع الترشح مجددًا إلا إذا كانت هناك انتخابات مبكرة أو عُدّل الدستور، ولا يملك حاليًا لتعديله سوى أغلبية 360 نائبًا من أصل 600 لطرح تعديل دستوري على الاستفتاء.
التداعيات المترتبة على معركة الطعون ضد حزب الشعب الجمهوري:
تصاعدت الأزمة عندما تدخلت شرطة مكافحة الشغب واقتحمت مقر حزب “الشعب الجمهوري” في أنقرة لإخراج القيادة المعزولة، بعدما أمرت السلطات بتنفيذ الحكم القضائي، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، وأخرجت “أوزيل” من المقر بالقوة، وبعد مغادرته، قاد مسيرة إلى البرلمان التركي، معلنًا أن البرلمان سيكون “المقر الجديد” للحزب “إلى أن تحرر هذه المعركة الحزب من الاحتلال” – على حد تعبيره- وقد جاءت معظم ردود الأفعال معارضة لموقف القضاء من حزب “الشعب الجمهوري”، حيث قال السيد “عبد الله أوجلان” تعقيبًا على هذا الحدث أنّ الأحداث التي وقعت فيما يتعلّق بحزب الشعب الجمهوري مرتبطة بغياب السياسة الديمقراطية والفشل في تطبيق ديمقراطية حقيقية، والسبب وراء وصول الوضع إلى هذا المستوى هو حرمان البلاد من المعيار الديمقراطي الموجود في جوهر الجمهورية، إنّ النهج الذي يرى بأن الديمقراطية هي ترف، أو ديماغوجية، أو ثرثرة، كما أنه لا يُوليها أهميّة، له عواقبه، إنّه خطأ فادح، لا يوجد وضع أكثر إلحاحاً من بناء وتطوير الطابع الديمقراطي للجمهورية، كما رأى “دولت بهتشلي”، حليف أردوغان، أن القضاء لا ينبغي أن يتدخل في الشؤون الداخلية للأحزاب، فيما أدان حزب “المساواة والديمقراطية” للشعوب المؤيد للكرد، وثالث أكبر قوة في البرلمان، حكم المحكمة والتدخل الأمني، كما انتقدت أحزاب معارضة أصغر الحكم واعتبرته مخالفًا للديمقراطية، وعلى الصعيد الخارجي انتقد الاتحاد الأوروبي حكم المحكمة وأعرب عن القلق بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء والتعددية الديمقراطية في تركيا.
وترتب على هذا الوضع لاحقًا:
- اهتزاز للأسواق التركية بقوة نتيجة قرار المحكمة، فقد تراجعت بورصة إسطنبول 6% بعد صدور الحكم، ما أدى إلى تفعيل آلية وقف التداول، واضطرت بنوك الدولة إلى بيع أكثر من 8 مليارات دولارًا لدعم الليرة، مما يؤثر سلبًا على الاقتصاد التركي.
- تشير هذه المؤشرات الاقتصادية إلى احتمال أن يلجأ “أردوغان” إلى انتخابات مبكرة، ربما هذا الخريف، قبل موعد الانتخابات المقرر في مايو المقبل 2028.
- تفكيك المعارضة والتفرد بالساحة السياسية، لاسيما مع بروز التوجه إلى تبكير الانتخابات.
وهنا يبدو اليوم الموقف أن السياسي للرئيس “أردوغان” أضحى أكثر هشاشة من ذي قبل، مما يفسر ملاحقته وإطاحته لمنافسيه وخصومه السياسيين، وتقنين التهم التي يلحقها بهم، وسعيه الحثيث لتوظيف كل ما أتيح له من أدوات، كالجهاز القضائي وتوريطه فيما ليس من اختصاصه للالتفاف على العملية الديمقراطية، والإجهاز على اللاعبين السياسيين المنافسيين، والانفراد باللعبة السياسية، وضمان الفوز بالانتخابات القادمة.



