نظم منتدى آتون الثقافي، ندوة ثقافية بعنوان “الإبداع والوعي” ضمن افتتاح موسمه الصيفي، وذلك بحضور نخبة من المهتمين بالشأنين الإعلامي والثقافي. والتي تناولت عدداً من القضايا المرتبطة بمستقبل الإعلام الرقمي، وآليات تطوير المحتوى الإعلامي، ودور الثقافة والمعرفة في بناء وعي مجتمعي قادر على التعامل مع تحديات العصر.
شارك في المنصة الرئيسية للندوة المهندس حسام صالح، الرئيس التنفيذي للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وخبير تكنولوجيا الاتصالات والإعلام الرقمي، الذي تحدث للمرة الأولى في المنتدى عن التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا الرقمية، وأثرها في صناعة المحتوى وتشكيل الرأي العام.
كما شارك في الندوة الدكتور ياسر ثابت، رئيس التحرير الأسبق لقناة الحرة ومستشار قناة القاهرة الإخبارية، حيث استعرض العلاقة بين الإعلام والوعي العام، ودور المؤسسات الإعلامية في مواجهة تحديات التضليل ونشر المعرفة.
تقديم الندوة
أدار الندوة الكاتب الصحفي أحمد ناجي قمحة، رئيس تحرير مجلتي “السياسة الدولية” و”الديمقراطية”، والتي في مستهلها أكد أهمية مناقشة العلاقة بين الإبداع والوعي في ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة وتداعيات تكنولوجية غير مسبوقة، متسائلاً عن كيفية الحفاظ على الإبداع الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي وما يفرضه من تحديات على المجتمع بمختلف قطاعاته.
وأشار إلى أن العالم بات يواجه تحديات حقيقية تمس الإعلام والثقافة وعدداً من الصناعات الإبداعية، من بينها الصحافة والسينما والإنتاج المرئي والتصميم، لافتاً إلى أن الاستسهال في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يثير العديد من الإشكاليات. لكنه شدد على أن هذه الأدوات لا يمكن أن تلغي الإنسان، لأن الإبداع البشري كان أساس تطويرها وإنتاجها في المقام الأول.
وأضاف أن قضية الوعي أصبحت أكثر تعقيداً في ظل تراجع تأثير المصادر التقليدية والموثوقة للمعلومات أمام صعود المنصات الرقمية القصيرة مثل “تيك توك” وغيرها، وما تفرضه من أنماط جديدة في تشكيل القناعات والتأثير على الرأي العام.
تحولات كبرى
من جانبه، تناول حسام صالح التحولات الكبرى التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، متسائلاً عما إذا كانت هذه التقنية تسهم في تحرير العقل البشري أم استبداله، وإلى أي مدى أدى اختصار الوقت والجهد إلى تراجع الاعتماد على التفكير العميق.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس وليد السنوات الأخيرة، بل تعود جذوره إلى خمسينيات القرن الماضي بوصفه محاولة لمحاكاة الذكاء البشري، إلا أن تطوره تسارع بصورة كبيرة خلال فترة جائحة كورونا، عندما كثفت شركات التكنولوجيا استثماراتها وأبحاثها في هذا المجال.
وأشار إلى أن العالم يقف اليوم أمام مرحلة جديدة من التطور التقني، تتسابق فيها الشركات العالمية نحو تطوير نماذج أكثر تقدماً، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يركز فقط على محاكاة العقل البشري، بل بدأ يتجه أيضاً إلى محاكاة المشاعر والإبداع والسلوك الإنساني بصورة أوسع.
ولفت إلى أن هذه التقنيات تحتاج إلى قدرات هائلة من الطاقة والبنية التحتية، مستشهداً بالاستثمارات الضخمة والاتفاقيات التي تشهدها المنطقة والعالم في هذا المجال، مؤكداً أن السباق العالمي حول الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من معادلات القوة الاقتصادية والتكنولوجية.
كما تطرق إلى التطورات المتسارعة في عالم الروبوتات، موضحاً أن هناك تقدماً كبيراً في هذا القطاع، إلا أن محاكاة الإنسان بصورة كاملة لا تزال تواجه عقبات كبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالأعصاب والحركة الدقيقة والتفاعلات البشرية المعقدة.
وأكد صالح أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي قد يقع على الأجيال الشابة التي لا تمتلك رصيداً معرفياً أو محتوى فكرياً كافياً تعتمد عليه، موضحاً أن هذه الأدوات ينبغي النظر إليها باعتبارها وسائل مساعدة تسرّع العمل وتوفر الوقت، بينما تبقى مهمة المراجعة والتدقيق وضبط المحتوى مسؤولية الإنسان.
وأشار إلى الجدل الدائر في الأوساط الفنية حول الأعمال المنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الإشكاليات القانونية والأخلاقية لا تزال مطروحة بقوة، خاصة فيما يتعلق بالمسؤولية عن الأخطاء أو الانتهاكات المحتملة. وشدد على أن المرحلة المقبلة ستعيد الاعتبار إلى القيمة الإنسانية في المحتوى والإنتاج الفكري، داعياً الأجيال الجديدة إلى اكتساب المهارات والمعارف التي تضمن قدرتها على المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي.
العلاقة بين الإبداع والوعي
بدوره، تناول الدكتور ياسر ثابت العلاقة بين الإبداع والوعي من زاوية أخرى، متسائلاً: إذا أصبحت الأفكار متاحة للجميع عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، فأين تكمن القيمة الحقيقية للمبدع؟
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أسهم بالفعل في رفع الإنتاجية، إلا أن زيادة حجم الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة الفهم أو جودة التفكير، مؤكداً أن السرعة في إنجاز المحتوى لا يمكن اعتبارها معياراً للحكم على قيمته الفكرية أو الإبداعية.
وأشار إلى أن المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ليست جديدة، مستشهداً بإضراب كتاب السيناريو في الولايات المتحدة، الذي استمر 148 يوماً، حيث طالب المشاركون فيه بوضع ضوابط واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية ومصادر تغذية النماذج الذكية بالبيانات والمحتوى.
وأكد أن هذه المطالب عكست إدراكاً متزايداً لأهمية الحفاظ على العنصر البشري باعتباره الضامن الأساسي للمصداقية والجودة، مشيراً إلى أن المجتمعات لا تزال تفتقر إلى وعي كافٍ بشأن ما يمكن أن تمنحه تقنيات الذكاء الاصطناعي وما يمكن أن تسلبه في المقابل.
وأوضح أن العملية الإبداعية بطبيعتها عملية دائرية تبدأ بالوعي ثم تتحول إلى فكرة وإنتاج، قبل أن تعود مجدداً إلى الوعي عبر المراجعة والتدقيق والتقييم، معتبراً أن هذه المرحلة الأخيرة هي الأكثر أهمية والأصعب في الوقت نفسه، وهي مما يصعب على الذكاء الاصطناعي القيام به بالكفاءة نفسها التي يمتلكها الإنسان.
وأضاف أن النصوص التي تنتجها تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتسم غالباً بالتشابه في البناء والصياغة والتركيب، بينما يظل الإبداع الحقيقي مرتبطاً بالخبرة الإنسانية والقدرة على التحليل والارتجال والتفاعل مع المواقف غير المتوقعة.
كما أشار إلى أن هناك قدراً كبيراً من المعلومات والمعارف لا يزال الوصول إليه يعتمد على الجهد البشري المباشر والبحث الميداني والتقصي، وهي أمور لا تستطيع النماذج الذكية القيام بها بصورة مستقلة.
وشدد ثابت على أهمية مواكبة التطور التكنولوجي دون الوقوع في فخ الاستسهال أو تدريب العقل على الكسل، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي جزء من المستقبل لكنه لا يمكن أن يكون المستقبل بأكمله، وأن المطلوب هو الاستفادة من إمكاناته مع الحفاظ على التفكير النقدي والقدرة على التحليل والإبداع.
واستشهد بالتجربة العربية مع الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أن قيمة أي تقنية لا تتحدد بوجودها فقط، بل بكيفية توظيفها والاستفادة منها، داعياً إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة يمكن تسخيرها لخدمة الإنسان لا قوة تهيمن عليه.
وفي ختام الندوة، أكد أحمد ناجي قمحة أن مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي سيظل مرتبطاً بقدرة البشر على توجيه هذه التقنيات وتغذيتها بالمعرفة والخبرة، مشدداً على ضرورة استخدامها لإنتاج قيمة حقيقية دون السماح لها بالإضرار بالعقل الإنساني أو تشويه دوره المركزي في الإبداع وصناعة الوعي.
عقب ذلك جرى فتح المجال أمام تساؤلات ومداخلات الحضور، والذي شمل نخبة من المثقفين والسياسيين والكتاب الصحفييين. وقد عكست مشاركاتهم مدى الإدارك لخطورة موضوع النقاش في الندوة. وذلك قبل أن يقدم الكاتب الصحفي فتحي محمود مدير مركز آتون للدراسات درع المركز للمتحدثين في الندوة.



