تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه
دخان كثيف، أصوات دمار، آلة عسكرية هائلة رفع عنها اللجام، خراباً أُريد له أن يكون كاملا، بشر أضحوا أرقاماً. آلة عسكرية امبريالية أمريكية إسرائيلية في أكثر لحظات تجلياتها سفورا ووحشية دون حتى ورق توت قانونية. ملحمة للدمار والخراب أريد لها أن تكون سيزفيه فتمت تسميتها ب”الغضب المحلمي” سعياً لأسطرة الخراب. مرثية الحرب التي لا ينتصر فيها أحد، شاعرية الخراب وإيقاعه الدموي؛ فهذا ليس رهاناً ترى في نهايته كاسب وخاسر، منتصر ومنهزم، هذا ليس رهاناً سياسياً. بل هو بالأحرى استمرار لجدل عميق في دوائر التنظير الامبراطوري الأمريكي؛ هل تندرج الحرب على إيران ضمن الأخطاء الاستراتيجية لمكانية القوة الأمريكية التي ربما بدأت من الحرب الكورية وحرب فيتنام ولم تنتهي بأفغانستان والعراق. لكن، حقيقة هل هذه هي الحرب التي نعرف، أم ثمة حرب أخرى تجرى منذ عقود في الأفنية الداخلية لإمبراطورية الكوكب. هذه محاولة لتفكيك خلفيات التآكل الديمقراطي، في ضوء الإفراط الرئاسي الإمبراطوري.
ربما تمثل الحروب، لحظات كاشفة لماكينة عمل القوة، بقدر ما هي إدارة الفعل السياسي في لحظة حرجة. إذ يحدث تجلي للسياق الإمبراطوري على أرض الواقع. ولهذا، فإنها تعد أداة مناسبة لقياس الصلابة والاتساق الأخلاقي لمنطق القوة والسياسة الأمريكية؛ من الصعود للصمود للتآكل. بل إن الحروب بالمجمل أداة مهمة لقياس صلابة الفكرة الديمقراطية في تجربة خشنة تصوغها روائح الدم والبارود. ومن ثم، فهذه دراسة تبتغي بناء قراءة تقييمية لتجربة مفهوم الديمقراطية كمنتج غربي في هبوط، أو بالأحرى أسسه الفكرية والاخلاقية والاستراتيجية ومدى تآكلها المستمر إزاء أزمات بنيوية تبدأها الحروب أو على الأقل تشعلها؛ فمنذ سقوط حائط برلين، كشف النزق الغربي والأمريكي – على سبيل التحديد – في إيران ومن قبلها أوكرانيا وحروب الشرق الأوسط كالعراق وأفغانستان عن هشاشة النموذج الديمقراطي، الذي يجري هندسة الرأي العام فيه، لا الاستماع إلى مساحات العقل. ولهذا، تبدو الحرب على إيران مفتاحاً كاشفاً لهشاشة بل وتفاهة الأفكار الكبرى المعلنة كالليبرالية والحداثة، والديمقراطية، فتلك الحرب هي امتداد تراكمي لمسار تصاعدي من فشل قدرة الديمقراطية على لجم المصالح الإمبراطورية وتأطيرها بممكنات السيادة الشعبية التمثيلية. وقد أثبتت الحروب التي تأتي من روع القوى العظمي سيطرة العامل الشخصي أحيانا على المسار السياسي والاستراتيجي، ربما وجود ترامب مثال فج الدلالة على هذا الأمر، لكن في الإجمال لم ينتف تأثر العامل الشخصي في أعلي مناسيب الديمقراطية، فهي في النهاية يحكمها العامل البراجماتي الإمبراطوري. ومن ثم سنحاول هنا قراءة الدمقراطية فشلا وتآكلاً وصعوداً تضخمياً وصولاً لما يسمي “الرئاسة الإمبراطورية”.
الديمقراطية الليبرالية والحرب.. التوتر التأسيسي بين السلام والعدوان
ثمة سؤال يبدو بسيطاً في صياغته لكنه يحمل في أعماقه واحدة من أكثر إشكاليات الفكر السياسي الحديث استعصاءً على الحل؛ هل الديمقراطيات سلمية بطبيعتها؟ الإجابة التي تُقدّمها الليبرالية عن نفسها دائماً نعم — وهذه الإجابة هي في حد ذاتها جزء من المشكلة، لأنها تبني شرعية النظام الديمقراطي على ادعاء يكذّبه التاريخ مرة بعد مرة، دون أن يتزعزع الادعاء. لفهم هذه المفارقة لا بد من العودة إلى جذورها الفكرية، لأن التوتر بين الديمقراطية والحرب ليس طارئاً طرأ على نظرية سليمة، بل هو متضمَّن في بنية النظرية ذاتها منذ لحظتها التأسيسية. يعود تاريخ هذا الادعاء إلى إيمانويل كانط وكتيّبه الصغير «نحو سلام دائم» (Zum ewigen Frieden) الصادر عام 1795، الذي يُعدّ المنبع الفكري لكل ما سيأتي لاحقاً من نظرية «السلام الديمقراطي». كانط يُؤسّس حجته على مقدمتين متشابكتين: الأولى أن الجمهوريات — بمعنى الأنظمة ذات الفصل بين السلطات والتمثيل الشعبي — تميل إلى السلم لأن المواطنين الذين يتحمّلون تكاليف الحرب من دم وضريبة وثكل هم أنفسهم من يُقرّرون خوضها، ومن المرجّح أن يتريّثوا قبل قبول أعبائها. والثانية أن التوسّع التدريجي لـ«الاتحاد السلمي» (foedus pacificum) بين الجمهوريات سيُرسي نظاماً دولياً تتراجع فيه الحرب إلى هامش المعادلة السياسية. غير أن كانط نفسه — وهذا ما كثيراً ما يُغفله من يستشهدون به — أدرج في صلب نصه شرطاً مضمراً بالغ الأهمية: النظام الجمهوري لا يضمن السلم مع الجميع، بل مع الجمهوريات الأخرى فحسب. أما ما وراء هذه الدائرة — أي التعامل مع «البرابرة» وغير المتحضّرين بمعاييره — فقد ترك فيه كانط باباً مفتوحاً لا يضيق.
هذا الباب الكانطي المفتوح هو ما رصده مايكل دوايل برهافة في مقالته التأسيسية «الليبرالية والسياسة العالمية». دوايل يُفرّق بين ثلاثة تقاليد ليبرالية متمايزة لا يمكن ردّها إلى تقليد واحد: السلامية الليبرالية التي تُؤسّس على شومبيتر وكوبدن وتُقدّم الرأسمالية والتجارة الحرة بوصفهما قوى تُذيب دوافع الحرب؛ والإمبريالية الليبرالية التي تُقدّم التوسع والهيمنة بوصفهما ضرورة لحماية الحرية ونشرها حيث تغيب؛ ثم الدولية الليبرالية بمعناها الكانطي الجامعة لعناصر من السابقتين. والخلاصة التي يبلغها دوايل بعد مسح إمبيريقي واسع لسلوك الدول الليبرالية منذ القرن الثامن عشر هي عبارة لا تقبل التأويل: «الدول الليبرالية سلمية فيما بينها. لكنها مستعدة لشن الحرب على غيرها؛ فقد اكتشفت الدول الليبرالية أسباباً ليبرالية للعدوان». إذن، الحروب الليبرالية ليست انتكاسات تُصيب النظام الديمقراطي أو انحرافات عن مبادئه، بل هي نتاج منطقي لإحدى الدوافع المتضمّنة في بنيته. حين تُقرّر ديمقراطية ليبرالية خوض حرب، فإنها تفعل ذلك أحياناً لا على الرغم من قيمها، بل باسمها: حماية الحرية حيث تتهدد، ردع الطغيان قبل أن يتمدد، نشر الديمقراطية بوصفها واجباً حضارياً. وهذا التأطير القيمي — لا البراغماتي — هو ما يُضفي على الحروب الليبرالية شرعيتها الخاصة ويُميّزها في الخطاب الرسمي عن حروب «الاستبداد» الصريح. غير أن الأثر العملي على الضحايا لا يتغير بتغيّر التأطير.
ما بناه دوايل نظرياً عمّقه مايكل هاورد تاريخياً في كتابه «الحرب والضمير الليبرالي» الصادر عام 1978، الذي يبقى من أكثر الأعمال التاريخية إحكاماً في استجلاء هذا التوتر عبر الزمن. هاورد — أستاذ تاريخ الحرب في أكسفورد — يتتبع منذ إيراسموس في مطلع القرن السادس عشر حتى خروج أمريكا من فيتنام، كيف أن «الرجال ذوي الضمير الليبرالي» كانوا دائماً «مذعورين من الألم والهدر اللذَين تُسبّبهما الحرب»، ومع ذلك يجدون أنفسهم مراراً في مواقف يُبرّرون فيها هذا الألم والهدر أو يصمتون عنه. يرصد هاورد موجة من التفاؤل الليبرالي في القرن التاسع عشر حين آمنت الطبقات التجارية الصاعدة بأن التجارة الحرة ستُنهي الحرب لأنها تجعل الحرب مكلفة اقتصادياً — ثم يُبيّن كيف أن هؤلاء الرأسماليين أنفسهم أصبحوا يُتّهمون بأنهم وقود الحروب الاستعمارية والإمبريالية. ثم جاءت موجة ليبرالية قومية أخرى آمنت بأن صعود الدول القومية المستقلة سيُحرّر إرادة «الجماهير المسالمة بطبيعتها» — وتحوّلت الدول القومية ذاتها إلى مولّدات الحرب الأكثر كفاءة في التاريخ. هذا النمط المتكرر في تاريخ هاورد — الحل الليبرالي يتحوّل إلى مشكلة جديدة — هو ما يجعل نقد الديمقراطية كآلية إنتاج سلم أمراً مختلفاً جذرياً عن مجرد الانتقاد الأيديولوجي. إنه نقد يصدر عن قراءة صارمة للسجل التاريخي، ويُفضي إلى نتيجة لا مفر منها: لا توجد آلية ذاتية في بنية الديمقراطية الليبرالية تجعلها مانعة للحرب بالمعنى البنيوي. ما يمنع الحرب بين ديمقراطيتين ليس أن كلاً منهما ديمقراطية، بل أنهما تنتميان إلى شبكة مصالح ومؤسسات ومرجعيات مشتركة تجعل الحرب فيما بينهما خسارة صافية — وهذا شرط تاريخي قابل للتغيّر، لا قانون سياسي ثابت.
وقد أسهم جوزيف شومبيتر قبل دوايل وهاورد في تفكيك الصيغة الأكثر رواجاً للحجة السلمية الليبرالية. ففي كتابه «الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية» الصادر عام 1942 في ذروة أكبر حروب التاريخ، كتب شومبيتر فصلاً عن «سوسيولوجيا الإمبرياليات» يستحضر فيه الحجة الكوبدنية-التجارية كاملةً — ثم يُبيّن إشكاليتها. الرأسمالية «تُنتج توجهاً غير محارب»، والأفراد في مجتمعاتها «ديمقراطيون وأفراد وعقلانيون» — لكن هذا لا يمنع الرأسمالية من إنتاج إمبرياليات، لأن الإمبريالية عنده ظاهرة سياسية لا اقتصادية في جوهرها: إنها بقايا النزعات الأرستقراطية المحاربة التي تُعيد إنتاج نفسها في هياكل الدولة الحديثة حتى داخل الديمقراطيات. هذا التفسير ذو أهمية خاصة لأنه يقطع مع الحتمية الاقتصادية ويُعيد الفاعلية إلى البنى المؤسسية والثقافية داخل الدول الديمقراطية ذاتها. غير أن تحليل شومبيتر يظل قاصراً عن استيعاب التطور الذي شهده القرن العشرون في طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والحرب. فما تكشفه التجربة الأمريكية تحديداً منذ الحرب العالمية الثانية هو ظاهرة أكثر تعقيداً من مجرد «بقايا أرستقراطية» — هي نشوء مؤسسة أمنية دائمة لها منطقها المستقل وأجنداتها البنيوية، تعمل داخل الديمقراطية وباسمها لكن بدرجات متصاعدة من الاستقلالية عن آليات التمثيل الشعبي. هذا ما رصده سي رايت ميلز في «النخبة الحاكمة» عام 1956، حين وصف «المثلث الحديدي» للسلطة الأمريكية المكوّن من قادة المجال العسكري والسياسي والمؤسسي، معلناً أن «الديمقراطية في أمريكا أصبحت في معظمها ديمقراطية رسمية وسياسية، لا بنية اجتماعية ديمقراطية فعلية، وحتى الآليات السياسية الرسمية هي آليات هشة».
هذا التشخيص الميلزي لا يُلغي حجة كانط بل يُحدّدها زمنياً: إذا كانت الجمهورية الكانطية تُقيّد الحرب لأن من يتحمّل تكاليفها هو من يُقرّرها، فإن الديمقراطية الأمريكية في صورتها المتأخرة طوّرت آليات بنيوية لفصل هاتين العمليتين. الضرائب لا ترتفع في وقت الحرب بل تنخفض أو تتحوّل إلى دين. الخدمة العسكرية الإلزامية انتهت بعد فيتنام وحلّت محلها قوة محترفة من ذوي الدخل المنخفض الذين يجدون في الجندية سبيلاً للحراك الاجتماعي لا تعبيراً عن إرادة وطنية مشتركة. والديون الحربية تُحمَّل على الأجيال القادمة التي لم تُصوّت على الحرب ولن تُصوّت عليها. بهذا تكون الديمقراطية الأمريكية قد طوّرت نموذجاً حربياً لا يُثير المقاومة الشعبية التي توقّعها كانط — لأنه نجح في توزيع تكاليفه بصورة تجعلها غير محسوسة للأغلبية في الوقت المباشر.
وهنا تتشكّل الإجابة على سؤال مضمَر كثيراً ما يُتهرّب منه في النقاشات حول الديمقراطية والحرب، لماذا يرفض أغلب الأمريكيين حرب إيران في استطلاعات 2026 ومع ذلك تُشنّ الحرب وتستمر؟ الجواب ليس أن الديمقراطية فشلت — بل أنها نجحت في إنتاج مواطن يعارض الحرب بالرأي دون أن يتحمّل من تكاليفها ما يُحرّكه إلى فعل سياسي ضاغط. فصل تكلفة الحرب عن قرارها — الذي بدأ بانتهاء التجنيد الإلزامي وتمويل الحروب بالدين — هو المرحلة الأكثر تطوراً في تطوّر «الإمبريالية الليبرالية» التي أشار إليها دوايل. إنها لم تعد بحاجة إلى التغلّب على مقاومة الجمهور — بل هي ببساطة لا تُثيرها بالكثافة الكافية. هذا المسار يجد تأطيره التاريخي الأشمل في عمل مايكل دوايل الأوسع «طرق الحرب والسلم» (Ways of War and Peace, 1997)، الذي يُقدّم فيه قراءة تاريخية مقارنة لكيف تتعامل الأنظمة الليبرالية والواقعية والماركسية مع الحرب والسلم عبر الزمن. دوايل يُبيّن كيف أن «الإمبريالية الليبرالية» المستمدة من لوك وبنتام وميل تُفرز نظرة للعالم تُقسّمه إلى «أهل للحرية» و«قاصرين عنها»، وأن هذا التقسيم بالغ المرونة والقابلية للتطبيق على سياقات متجددة — من الاستعمار الكلاسيكي إلى «نشر الديمقراطية» في العراق وأفغانستان وإيران. ما يتغيّر هو الخطاب التبريري، لا البنية الأساسية للمعادلة.
ربما بعد هذا ندرك أن الحرب الأمريكية على إيران ليست شذوذاً يكذّب النظرية الديمقراطية الليبرالية، بل هي تعبير عن أحد قطبَي التوتر التأسيسي الذي تحمله هذه النظرية في بنيتها منذ كانط. «الأسباب الليبرالية للعدوان» التي رصدها دوايل لا تُفرز نفسها في كل حالة ولا في كل إدارة، لكنها موجودة كإمكانية بنيوية في كل ديمقراطية ليبرالية وصلت إلى درجة من القوة تجعل لديها ما تُصدّره أو تفرضه. والأمريكية منها تبقى الحالة الأكثر كثافةً في التوثيق وفي الحضور الراهن، لأنها تحتل موقع القوة المهيمنة التي يُتاح لها أكثر من سواها تحويل «الأسباب الليبرالية» إلى فعل حربي. غير أن الكشف الأعمق الذي تُقدّمه هذه الحرب تحديداً — بعيداً عن أطر الحرب الباردة وحروب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر — هو أن الحرب على إيران جرت في ظروف تآكلت فيها الغطاءات الخطابية التي كانت تُخفّف وطأة التوتر البنيوي، حيث لا أسلحة دمار شامل موثّقة تُشكّل الخطر الوجودي، ولا تفويض أممي أو تحالف دولي واسع يُضفي شرعية جماعية، ولا إجماع شعبي داخلي ولو مصنوع. وربما ما بقي هو الجوهر الخام للإمبريالية الليبرالية في أكثر صورها فجرا — قوة تُقرّر بذاتها ولذاتها، دون أن تعود في حاجة إلى إقناع كافٍ. وهذا تحديداً ما يجعلها لحظة كاشفة لا مجرد حدث آخر في سجل الحروب الأمريكية، إنها اللحظة التي تكشف فيها الديمقراطية الليبرالية عن قطبها الإمبراطوري بأقل قدر من المجهود لإخفائه.
تآكل الديمقراطية.. الحرب بوصفها مرآة لا حدثاً
الحروب لا تُولد الأزمات — تُجلّيها. هذه العبارة التي تبدو بسيطة في صياغتها تحمل في باطنها واحدة من أكثر الأدوات التحليلية نفاذاً في قراءة التاريخ السياسي. الأزمات البنيوية الكبرى — تآكل الشرعية، وتفسّخ التماسك الاجتماعي، وتمركز السلطة في يد جهاز تنفيذي يتجاوز رقابة المؤسسات التمثيلية — هذه كلها عمليات بطيئة تجري في الداخل على مدى عقود، محجوبة في الغالب بضجيج السياسة اليومية وإيقاع الانتخابات وبريق الخطاب المؤسسي. ثم تأتي الحرب، في مفاجأتها وحدّتها وحاجتها إلى قرارات سريعة تكشف ما كان مخفياً، لا لأنها تخترع شيئاً جديداً، بل لأنها تُسرّع الزمن وتُكثّف العمليات البطيئة في لحظة واحدة قابلة للرصد والقياس.
كلاوزفيتز فهم هذا حين كتب في «في الحرب» أن الحرب ليست مجرد فعل سياسي بل أداة سياسية حقيقية، استمرار للتعامل السياسي، تحقيق له بوسائل أخرى. لكن ما لم يُعبّر عنه كلاوزفيتز بهذا الوضوح هو الاتجاه المعكوس؛ الحرب ليست فقط استمراراً للسياسة، بل كاشفٌ لها — تعكس في مرآتها ما تُخفيه السياسة في زمن السلم خلف طبقات من الخطاب والإجراءات والشرعية المُنتَجة. حين تصطدم الادعاءات بالواقع في لحظة لا تتحمّل التأجيل، يظهر على السطح ما عمل تحته لسنوات. والتاريخ الأمريكي يُقدّم في هذا الصدد سجلاً يكاد يكون كاملاً. فيتنام كشفت تمركز قرار الحرب في الجهاز التنفيذي وضعف الرقابة التشريعية. العراق 2003 كشف أن المؤسسة الاستخباراتية يمكنها تصنيع الحقيقة لخدمة قرار مُتّخَذ مسبقاً. وإيران 2026 تكشف شيئاً أكثر جذرية من كليهما: أن المنظومة وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها بحاجة إلى تصنيع الحقيقة بالجهد الكافي، ولا إلى إنتاج إجماع شعبي ولو مصطنع، ولا إلى الحصول على تفويض تشريعي ولو شكلي. وهذا التجاوز لكل هذه الخطوات معاً في حرب واحدة هو ما يجعلها «لحظة الكشف» بالمعنى الأكثر عمقاً.
ربما الخطأ الأكثر شيوعاً في تحليل تآكل الديمقراطية هو اختزاله في مستوى الهياكل، غياب التوازن بين السلطات، وضعف الرقابة التشريعية، وتمركز القرار في الجهاز التنفيذي. هذه كلها تشخيصات صحيحة لكنها تصف الأعراض لا الجذر. الجذر أعمق بكثير، ويكمن فيما يُمكن تسميته «المواد التكوينية» للديمقراطية — تلك العناصر التي لا تُصاغ في الدساتير ولا تُقاس بنسب الاقتراع، بل تشتغل فيما هو أسبق من الهياكل، في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، وفي طبيعة الثقة التي تُتيح للمؤسسات العمل، وفي طبيعة المعنى المشترك الذي يجعل «الشعب» كياناً سياسياً لا مجرد تجمعاً سكانياً. لقد تآكل الفضاء العام تدريجيا. في هذا الإطار، يُقدّم يورغن هابرماس في «التحوّل البنيوي للفضاء العام، المفهوم الأكثر أهمية في هذا السياق: «الفضاء العام البرجوازي» الذي نشأ في القرن الثامن عشر كفضاء للنقاش العقلاني بين مواطنين متساوين في قدرتهم على المشاركة في تشكيل الرأي والإرادة العامة. هابرماس يُبيّن كيف أن هذا الفضاء تآكل تدريجياً في القرن العشرين ليس بإلغائه بل بتجويفه: تحوّل من فضاء للتداول إلى فضاء للاستهلاك، ومن نقاش بين مواطنين إلى عرض تُديره وسائل الإعلام المُموَّلة بالإعلانات. حين يتآكل الفضاء العام بهذا المعنى، لا تُلغى الديمقراطية — تبقى في أشكالها الإجرائية بينما يجفّ الرحيق الذي كان يُغذّيها. الانتخابات تجري، والبرلمانات تنعقد، والصحافة تُصدر — لكن العملية الكيميائية الحقيقية التي تُحوّل الرأي إلى إرادة جمعية وتُحوّل الإرادة إلى سياسة تعمل في بيئة شديدة الفقر. أما شيلدون وولين في «السياسة والرؤية» يُضيف إلى هذا التشخيص بُعداً يمسّ جوهر ما نعالجه، «الشمولية المعكوسة» (inverted totalitarianism) فهي ليست نقيضاً للديمقراطية بل طورها المتأخر. ففي الشمولية الكلاسيكية، تُعلّق الدولة الديمقراطية وتستبدلها. أما في الشمولية المعكوسة، تبقى الديمقراطية قائمة في أشكالها، بينما تنتقل السلطة الفعلية إلى تشابك بين المؤسسات الاقتصادية والأمنية التي تعمل بمنطق لا يُحكَم عليه بمعايير الديمقراطية التمثيلية. وولين يُؤكد أن هذا التحوّل لا يُنتج مُستبداً مرئياً يمكن تحديده ومعارضته — يُنتج «قوة دون مركز» (power without a center) تشتغل في كل مكان ولا تتجلّى في مكان بعينه بصورة قابلة للمواجهة.
ويمكن أن يُضيء هذا التشخيص جانباً محدداً من مشهد إيران 2026 لم يحظَ بما يستحقه من تحليل؛ فلم يكن ثمة «مُقرِّر» واحد يمكن تحديده كمصدر للقرار. الرئيس وقّع الأمر — لكن الرئيس يعمل ضمن بنية من المشورة الاستخباراتية والضغط العسكري والاعتبارات الجيوسياسية ومطالب الحلفاء التي تُشكّل نطاق «الخيارات المعقولة» قبل أن يُقرّر. «الخبراء» الذين يُطوّقون القرار لم ينتخبهم أحد ولا يخضعون لمساءلة مباشرة. والمؤسسة الأمنية التي تُنتج «الحقيقة الاستخباراتية» التي تُحرّك القرار تعمل خارج دائرة الرؤية الديمقراطية. القرار يبدو في النهاية وكأنه جاء من «الضرورة» لا من «الإرادة» — وهذه الصياغة بالذات هي الأكثر تعبيراً عن وولين، السلطة تعمل لكنها لا تتجلّى بصورة تُتيح مساءلتها. لكن ما هو أعمق من تآكل الفضاء العام الهابرماسي هو ما يُمكن تسميته تآكل «الجسم الاجتماعي» للديمقراطية — تلك البنية من العلاقات والثقة والهوية المشتركة التي تجعل المؤسسات الديمقراطية ممكنة في الأصل. روبرت بوتنام في «البولينغ منفرداً: انهيار وإحياء المجتمع الأمريكي» يُقدّم بيانات ممتدة عبر عقود تُظهر تراجعاً حاداً في ما يُسمّيه «رأس المال الاجتماعي» الأمريكي؛ من حيث تراجع في العضوية في التنظيمات المدنية، وفي الثقة بين الأفراد، وفي الثقة في المؤسسات، وفي المشاركة السياسية خارج الانتخابات. هذا التراجع — الذي رصده بوتنام قبل ربع قرن — تسارع في العقدين التاليين بصورة جعلت بعض المؤشرات تصل إلى مستويات يصعب قياسها. الخطر في هذا التراجع لا يُدرك إن نظرنا إلى الديمقراطية بوصفها نظاماً إجرائياً، يمكن أن تستمر الانتخابات وتبقى المحاكم وتُصدر الصحف في بيئة يفتقر فيها المجتمع إلى التماسك الكافي لتحويل هذه الإجراءات إلى إرادة سياسية فعّالة. الديمقراطية تحتاج إلى مجتمع مدني حيّ يُنتج القيادة ويُشكّل الرأي ويُراقب المؤسسات ويحشد الضغط — وهذا المجتمع المدني بات أضعف مما يُعترف به في الخطاب الرسمي.
ما تكشفه الحرب على إيران في هذا البُعد تحديداً هو غياب حركة معارضة منظمة وفعّالة، ليس لقلة الرافضين للحرب — كشفت الاستطلاعات عن أغلبية واسعة — بل لغياب البنية التحتية الاجتماعية والمدنية القادرة على تحويل هذا الرفض إلى قوة تفاوضية. الحركات الاحتجاجية ضد العراق في 2003 جمعت في أحد أيامها مليون شخص في شوارع نيويورك وحدها. وعارضة الحرب على إيران لم تُنتج ما يُقارب ذلك في حجمه ولا في تنظيمه. وهذا ليس مؤشراً على قلة الغضب بل على ضعف البنى التنظيمية التي كانت تُحوّل الغضب إلى حضور. إن الفضاء الرقمي الذي بدا وعداً بتوسيع التنظيم الجماعي أنتج في الواقع ما يُسمّى «النشاط السطحي» (shallow activism): تعبئة سريعة وواسعة تفتقر إلى العمق التنظيمي الذي يُحوّل الاهتمام الآني إلى التزام مستدام. فالملايين يُعبّرون عن معارضتهم على الشاشات دون أن تتحوّل هذه المعارضة إلى حضور فيزيائي ضاغط في الأماكن التي تُتّخذ فيها القرارات. كما أن الثقة ليست قيمة أخلاقية في الحياة السياسية — هي مادة بنائية تكوينية بالمعنى الحرفي. فالديمقراطية تعمل طالما يثق المواطنون بأن المؤسسات تعمل بقدر كافٍ من الأمانة وبقدر كافٍ من الاتساق مع مبادئها المُعلنة. هذه الثقة ليست مطلقة في أي مجتمع، لكنها تحتاج إلى حد أدنى دون أن تنهار آليات التفويض الديمقراطي كلها. ما تُبيّنه بيانات «مركز بيو للأبحاث» الممتدة من 1958 إلى 2023 هو صورة صادمة: نسبة الأمريكيين الذين يقولون إنهم يثقون «في الحكومة الفيدرالية في معظم الأوقات أو كل الأوقات» تراجعت من 73% عام 1958 إلى 16% عام 2023. هذا انهيار في الثقة يمتد على ستة عقود ونيف، ويُمثّل ظاهرة تاريخية لا مجرد تذبذب دوري. وما لم يُقَل بوضوح كافٍ هو الأثر الارتدادي لهذا الانهيار على آليات الديمقراطية: المواطن الذي لا يثق بالحكومة لا يتوقف عن التصويت بالضرورة — لكنه يتوقف عن الاستثمار الوجداني والمدني في العملية السياسية بما يجعل مشاركته شكلية لا جوهرية.
ولهذا، يُقدّم روبرت دال في «الديمقراطية وناقدوها» تمييزاً دقيقاً بين «الديمقراطية الإجرائية» والديمقراطية كنظام يُنتج «فاعلية سياسية ذاتية» (political efficacy) — أي شعور المواطن بأن مشاركته تُفضي فعلاً إلى تأثير. حين تتآكل هذه الفاعلية الذاتية، تبقى الإجراءات لكن يجفّ الحافز الذي يُحييها. والانهيار في الثقة الذي تُظهره بيانات بيو هو انهيار مُتوازٍ في هذه الفاعلية: المواطن الأمريكي لا يؤمن في معظمه بأن صوته يُحدث فرقاً في القضايا الكبرى — وفي مسألة الحرب والسلم تحديداً، هذا الاعتقاد مدعوم تجريبياً بشكل يصعب الجدال فيه. إيران 2026 لم تكن سبباً في هذا الانهيار — كانت تعبيراً عن مرحلته المتقدمة. الأمريكيون الذين عارضوا الحرب في استطلاعات مارس 2026 لم يُفاجَؤوا في معظمهم بأن معارضتهم لم تُوقفها — لأنهم لم يكونوا يتوقعون ذلك. وغياب المفاجأة هو ربما أكثر دليل على عمق الأزمة من وجودها: حين يُصبح انفصال القرار عن الإرادة الشعبية في الحروب أمراً متوقعاً ومُقبَلاً كواقع، تكون الديمقراطية قد أنجزت آخر مراحل تجويفها. وهنا وجب الذكر، ثمة عنصر تكويني في الديمقراطية أقل حضوراً في الأدبيات الأكاديمية السائدة لكنه لا يقل أهمية عن غيره: الهوية المشتركة التي تجعل «الشعب» كياناً سياسياً متماسكاً. في الديمقراطيات الناضجة بمعناها الكلاسيكي، كانت هذه الهوية تُبنى حول مفهوم «الصالح العام» (common good) مصلحة مشتركة تتجاوز الانتماءات الحزبية والطبقية والإثنية. هذا المفهوم — الذي يُشكّل لحمة المجتمع السياسي عند كل من أرسطو وروسو وتوكفيل — تآكل في الديمقراطية الأمريكية المتأخرة بصورة تجعل الحديث عنه يبدو ساذجاً. شانتال موف في «السياسة التناحرية» تُقدّم تشخيصاً دقيقاً، الاستقطاب السياسي لا يُمثّل فشلاً في الديمقراطية إن كان يجري بين «خصوم» يتقاسمون إطاراً مشتركاً ويتنافسون داخله. لكنه يُمثّل أزمة حقيقية حين يتحوّل إلى عداء بين «أعداء» لا يتقاسمون هذا الإطار ولا يعترفون بشرعية الآخر. ما رصدته استطلاعات 2026 بشأن إيران — 91% من الديمقراطيين يعارضون مقابل 75-79% من الجمهوريين يؤيدون — ليس مجرد اختلافاً في الرأي، بل هو عداء هوياتي يجعل الموقف من الحرب جزءاً من «من أنت» لا «ماذا تفكر». وهذا التحوّل من النقاش إلى الهوية يُميت السياسة الديمقراطية بمعناها الأعمق لأنه يجعل التغيير بالإقناع مستحيلاً في مجتمع تحوّلت مواقفه إلى علامات هوياتية.
أما كارل شميت في «مفهوم السياسي» يُقدّم التشخيص الأشد حدّة، السياسة في جوهرها تقوم على التمييز بين الصديق والعدو. لكن ما يحدث في الديمقراطيات المتأخرة هو استيراد هذا التمييز إلى الداخل — العدو لم يعد في الخارج بل أصبح هو الجار والزميل والناخب المُخالف. وهذا التحوّل يجعل الحرب الخارجية — كإيران — وسيلة لإعادة تركيب «العدو الخارجي» كعامل يُوحّد الداخل. لكن حين يكون الانقسام الداخلي متجذّراً بما يكفي، لا تستطيع الحرب الخارجية إنتاج الوحدة التي كانت تُنتجها في مراحل سابقة — وهذا بالضبط ما حدث: إيران 2026 لم تُوحّد الأمريكيين، بل أضافت بُعداً آخر إلى انقسامهم. ولذلك، ثمة عنصر تكويني آخر في الديمقراطية يُهمَل في تحليلات الأزمة عادة: الذاكرة الجمعية والتعلّم السياسي. الديمقراطية كنظام تصحيح ذاتي تحتاج إلى أن يحتفظ المجتمع السياسي بذاكرة قادرة على ربط الأفعال بنتائجها وتوليد دروس قابلة للتطبيق على المواقف المستقبلية. بول ريكور في «الذاكرة والتاريخ والنسيان» يُميّز بين «الذاكرة المُمارَسة» (exercised memory) التي تُنتج معنى وتُوجّه الفعل، و«الذاكرة المُستحضَرة» (declared memory) التي تُستدعى رمزياً دون أن تُترجَم إلى موقف سياسي فعلي. الذاكرة الأمريكية للعراق في 2026 بدت ذاكرةً مُستحضَرة لا مُمارَسة. الجيل الذي عاش صدمة الكشف عن أسلحة الدمار الشامل المُخترَعة، والانسحاب من أفغانستان المُذل، والتريليونات المُهدَرة دون نتيجة استراتيجية واضحة — هذا الجيل يستطيع سرد التاريخ لكنه عجز عن تحويله إلى مقاومة فعّالة لتكراره. وهذا الفصل بين الذاكرة والفعل ليس فشلاً فردياً — هو نتاج منظومة تعمل بصورة منتظمة على قطع الصلة بين الذاكرة والفعل السياسي: عبر تجديد التهديد الوجودي في كل أزمة، وعبر تحريك الانتماء الهوياتي بما يُغلق باب التساؤل النقدي، وعبر تضخيم ضجيج اللحظة الراهنة حتى يُخفت صوت التاريخ المتراكم. هذا ما يجعل كلمة «نموذج» في تعبير «الحرب على إيران نموذجاً» كلمةً تحتاج إلى تدقيق: إيران ليست نموذجاً بالمعنى الاستثنائي — هي الكاشف الأكثر وضوحاً لنمط يشتغل منذ عقود لكنه كان يُدار بقدر من الإخفاء ينتج وهم الاستثناء. ما تُضيفه إيران 2026 تحديداً هو أن هذا الإخفاء بات أقل اتقاناً — ليس لأن المؤسسة أصبحت أقل مهارة، بل لأنها أصبحت أقل اهتماماً بإتقانه.
إفراط الإمبراطورية
يُقدّم بول كينيدي في «صعود القوى العظمى وسقوطها» مفهوم «الإفراط الإمبراطوري» بوصفه ظاهرة تاريخية متكررة في مسارات القوى الكبرى، لكنه يُوضّح شيئاً غالباً ما يُختصر في قراءته، الإفراط لا يبدأ عادةً بالضعف بل بالقوة. القوة العظمى في ذروتها تتوسّع لأن توسّعها نجح — وكل نجاح يُنتج التزامات جديدة تستدعي توسّعاً أكثر لحمايتها. المشكلة لا تُرى في بداياتها لأن الإمبراطورية في طور صعودها تملك الموارد الكافية لاستيعاب تكاليف التوسّع. المشكلة تُرى حين يبدأ الفارق بين تكاليف الالتزامات وعائداتها يتسع — وحين يتسع هذا الفارق تبدأ دوامة يصعب وقفها لأن التراجع يبدو أكثر تكلفةً على المدى القصير من الاستمرار. ربما الولايات المتحدة في 2026 تقع في منتصف هذه الدوامة. فقواعدها العسكرية في أكثر من سبعين دولة، وحاملات الطائرات المنتشرة في كل محيط، والالتزامات الأمنية مع حلفاء يمتدون من اليابان إلى أوروبا إلى الشرق الأوسط — كل هذه تُنتج ضرورات استراتيجية تسبق أي قرار ديمقراطي. المسألة ليست «هل نريد هذه الحرب؟» — المسألة «كيف نُدير هذا التهديد في ضوء التزاماتنا الاستراتيجية الأوسع؟» وهذا الانتقال في صياغة السؤال هو بالضبط الانتقال من منطق الديمقراطية إلى منطق الإمبراطورية. إن المؤسسة العسكرية التي تتضخّم لخدمة الطموح الإمبراطوري تعود بمنطقها الخاص إلى الداخل. ذلك أن المسؤولون الذين يُقرّرون الحروب هم أنفسهم الذين قضوا مساراتهم المهنية في مؤسسات تعمل بمنطق الإمبراطورية — الحل العسكري ليس لهم خياراً بين خيارات بل هو الفضاء المعرفي الذي يُفكّرون فيه. وهذا يُنتج ما يُسمّى جونسون «إدمان القوة»؛ فالمؤسسة الأمنية لا تسعى إلى الحرب لأن أفرادها يُحبّون العنف، بل لأن القوة العسكرية هي الأداة الوحيدة التي تُحسن استخدامها لحل المشكلات المعقدة.
إن الإفراط الإمبراطوري لا يُفسّر بالطموح الاستراتيجي وحده، بل بـ«إسراف الحرية»؛ أي نمط الاستهلاك الأمريكي الذي يستوجب ضمانات استراتيجية خارجية (الطاقة، الممرات البحرية، الأسواق) تستدعي حضوراً عسكرياً مستمراً. الحرب على إيران في هذا الإطار لا تُفهم فهماً كاملاً دون ربطها بمعادلة الطاقة الإقليمية وتوازن التأثير في الشرق الأوسط وارتباطهما بالاقتصاد الأمريكي — لكن هذا الربط لا يُقال في الخطاب الرسمي لأن قوله يُعرّي المصلحة المادية خلف الخطاب القيمي. وحين تُجمع هذه الطبقات التحليلية كلها — من تآكل الفضاء العام الهابرماسي، وتجويف الثقة المؤسسية عند بوتنام ودال، وتحوّل الهوية من صالح مشترك إلى عداء هوياتي عند موف وشميت، وتعطّل الذاكرة الجمعية عند ريكور، وإفراط الإمبراطورية عند كينيدي— يتشكّل نسق تفسيري متماسك لما جرى في فبراير 2026. الحرب على إيران لم تُنتج لحظة الكشف من العدم — كشفت لحظة ناضجة كانت تنتظر حدثاً يُجلّيها. كانت المادة التكوينية للديمقراطية — الثقة، والهوية المشتركة، والفضاء العام الحيّ، والذاكرة المُترجَمة إلى فعل — في حال تآكل متقدّم. وكانت آليات تمركز القرار الحربي في الجهاز التنفيذي ومنطق الإمبراطورية قد تطوّرا عبر ثمانية عقود من السوابق التراكمية. وكانت قدرة الرأي العام على التحوّل إلى ضغط سياسي فعّال قد تراجعت تراجعاً منهجياً. وكانت آلة إنتاج المعنى الحربي قد بلغت مرحلة تكتفي فيها بالطاقة الدنيا.
ما أضافته إيران 2026 هو اجتماع هذه العوامل كلها في لحظة واحدة دون أن تُبذل جهود كافية لإخفائها. الرئيس أطلق الحرب دون تفويض. الكونجرس أسقط محاولة إيقافها بمنطق حزبي صريح. الأغلبية الشعبية أعلنت معارضتها بأرقام موثّقة ولم تجد آلية تُترجمها. وسرد الحرب بُني بجهد أقل مما اعتادته الحروب السابقة. هذا التزامن ليس مصادفة — هو مرحلة. يُفرّق المؤرخون عادة بين طور «قوة الشباب» في مسيرة الإمبراطوريات — حين تُشنّ الحروب بعنفوان وجماهيرية وقدرة على إنتاج الشرعية الكافية لها — وطور «التآكل التدريجي» حين تُشنّ الحروب بقوة عضلية لا تزال هائلة لكن بقدرة متراجعة على إنتاج المعنى والشرعية المُقنعة. إيران 2026 تقع بوضوح في الطور الثاني. القوة الأمريكية العسكرية لا تزال الأضخم في التاريخ البشري بلا منافس قريب. لكن الديمقراطية التي كانت تُضفي شرعيتها المعنوية على هذه القوة — وتجعل منها قوة «عادلة» بالمعنى الرمزي الكوني — باتت تعاني من عطب في آليات إنتاج هذه الشرعية، عطب لم يبلغ مرحلة الانهيار الكامل بعد لكنه يتقدّم بصورة يصعب عكسها بإصلاحات جزئية. والحرب — بقدرتها الاستثنائية على تعرية ما يعمل في الخفاء — أظهرت هذا العطب في أوضح صوره. ليس لأنها أسوأ ما فعله النظام في تاريخه، بل لأنها الأقل اهتماماً بإخفاء ما تفعله. وهذا التراجع في الاهتمام بالإخفاء هو — ربما أكثر من أي معطى آخر — الدليل الأوضح على أن ما نواجهه ليس أزمة إدارة قابلة للتصحيح، بل مرحلة بنيوية في مسار طويل لا يُقاس بفترة رئاسية ولا يُعالَج بتشريع فردي.
مَن يُقرّر الحرب فعلاً.. تآكل الرقابة التمثيلية وصعود الجهاز التنفيذي
ثمة لحظة في تاريخ كل نظام سياسي يتكشّف فيها الفارق بين ما يقوله عن نفسه وما يفعله فعلاً. وفي التجربة الأمريكية، كانت هذه اللحظات دائماً لحظات حرب. ليس لأن الحرب تجلب معها استثناءات طارئة تُعطّل ما هو طبيعي، بل لأنها تُعرّي ما هو طبيعي من غلافه الخطابي وتُجلّيه على حقيقته. حين تنفجر الأزمة وتضيق الأفق الزمني للقرار وترتفع حدّة المصالح، يكشف النظام عن بنيته الفعلية لا عن بنيته المُعلنة. والبنية الفعلية للديمقراطية الأمريكية فيما يخص قرار الحرب — هذا ما يستدعي التشريح الدقيق. الدستور الأمريكي في مادته الأولى صريح إلى حد لا يقبل التأويل: الكونجرس وحده يملك صلاحية إعلان الحرب. وهذه الصياغة لم تأتِ عفواً، بل صِيغت بقصد مُحدَّد تُفصح عنه وثائق المؤتمر الدستوري عام 1787. جيمس ماديسون، أحد أبرز واضعي الدستور، كتب في إحدى رسائله أن «الحرب هي الأم الحقيقية للنمو الاستبدادي»، وأن منح المشرّعين المُنتخَبين صلاحية إعلانها هو الضمانة الوحيدة لمنع تمركزها في يد فرد واحد. الحجة كانت بسيطة وبلاغية معاً: السلطة التنفيذية بطبيعتها تميل إلى الحرب لأنها تتمدد بها، فلا بد أن تُوازنها سلطة تشريعية تتحمّل المسؤولية المباشرة أمام الناخبين الذين يدفعون ثمنها. لكن ما أراده ماديسون في 1787 وما آل إليه الحال في 2026 بينهما مسافة تستغرق كتابة تاريخ كامل لتحولات السلطة.
كتب آرثر شليزنجر جونيور هذا التاريخ، أو قسطاً وافراً منه، في «الرئاسة الإمبراطورية» الصادر عام 1973 في ذروة صدمة فيتنام وووترجيت. شليزنجر لم يكن ناقداً راديكالياً للنظام الأمريكي — كان مؤرخاً ليبرالياً عمل مستشاراً في إدارة كينيدي وكان يُؤمن بضرورة الرئاسة القوية، لكنه أُرغم بفعل الأحداث على مواجهة ما أنتجت هذه القوة حين تجاوزت حدودها. الكتاب يرصد بالوثائق مساراً تاريخياً يمتد من جيمس بولك — الذي استدرج الكونجرس إلى الحرب مع المكسيك في 1846 بنشر القوات في أرض متنازع عليها حتى اندلعت المواجهة — إلى لندن جونسون الذي حصل على تفويض خليج تونكين بصياغة تُخفي أكثر مما تكشف. المسار في تشخيص شليزنجر ليس سلسلة انحرافات فردية، بل تراكم منهجي لسوابق يصبح كل منها سنداً للتالي، حتى تتشوّه البنية الدستورية من الداخل دون أن يُعلَن تعديلها. الرئاسة لم تسرق صلاحيات الكونغرس — استولت عليها تدريجياً في «لحظات الأزمة» التي لا تتوقف. والكونغرس، في معظم هذه المحطات، لم يُقاوم بل تراجع، إما خشيةً من أن يبدو «ضعيفاً أمام العدو»، وإما لأن الانتماء الحزبي جعل الرقابة على الرئيس مكلفةً سياسياً حين يكون من الحزب ذاته. ما رصده شليزنجر عام 1973 أكمله أندرو روداليفيج في «الرئاسة الإمبراطورية الجديدة» الصادر عام 2005، بعد أن أتاحت له أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومعطيات الحرب على الإرهاب مادةً جديدة تُثبت أن ما وصفه شليزنجر لم يكن حادثة تاريخية بل بنية متجددة. روداليفيج يُركّز على مفارقة محددة وعميقة: إصلاحات السبعينيات التي جاءت استجابةً لصدمة فيتنام وووترجيت — ومنها قانون صلاحيات الحرب 1973، ولجان الرقابة الاستخباراتية في الكونجرس، وقيود الميزانية الحربية — كانت في ظاهرها إعادة توازن دستوري. لكنها في باطنها أنتجت شيئاً آخر: منحت الرئاسة إطاراً إجرائياً شكلياً يُمكّنها من التصرف ضمن حدود مرئية تُسكت الاعتراض دون أن تُقيّد الفعل الحقيقي. قانون صلاحيات الحرب الذي صِيغ لكبح الرئاسة أصبح في الممارسة «شهادة إجرائية» تُتيح إطلاق الحروب بمجرد «الإبلاغ»، لا بالتفويض. الإطار القانوني تحوّل إلى رافعة شرعية لما كان يبدو سابقاً تجاوزاً فاضحاً.
لكن التشريح الأدق لآليات هذا التحوّل يأتي من مصدر مفاجئ: دراسة أكاديمية محكّمة نشرتها American Political Science Review في يونيو 2025، أي في خضم الحرب على إيران ذاتها، وهو توقيت يُضفي عليها قيمة استثنائية لقارئها الراهن. الدراسة المعنونة «الحرب والمسؤولية» تُقدّم نموذجاً نظرياً يُسمّيه الباحث «تكاليف مسؤولية الخسارة» (Loss Responsibility Costs)، ومفاده أن الرؤساء لا يطلبون تفويضاً رسمياً حين يُريدون تجنّب تقاسم المسؤولية السياسية في حالة الفشل، بينما يطلبونه حين يُريدون تحميل الكونجرس جزءاً من عبء المساءلة في الحروب الكبرى والمكلفة. أما المفارقة التي تُؤسّس لها الدراسة فهي أن «الكونجرس لا يُجرَّد من السلطة — بل يتخلى عنها طوعاً»، لأن المشرّعين يُفضّلون تجنّب المحاسبة الانتخابية في قضايا السياسة الخارجية الملتهبة. الرئيس لا يُخاطر بحرب شاملة إلا حين يمتلك الغطاء السياسي المتمثل في التفويض الرسمي الذي يُجبر المشرّعين على تقاسم المسؤولية. أما التدخلات الأصغر فتُنفَّذ بشكل منفرد لأن انفراد الرئيس بالقرار يتوافق مع رغبات الكونغرس في تفادي المحاسبة. هذا النموذج يكشف شيئاً أكثر إزعاجاً من مجرد «رئاسة إمبراطورية» — يكشف كونغرساً يُساهم طوعاً في إضعاف رقابته على ذاته. وهنا تتقاطع النظرية الأكاديمية مع الشهادة الداخلية بطريقة لا تتكرر كثيراً. دانيال إلزبرغ — محلل الاستراتيجية الذي عمل في وزارة الدفاع الأمريكية وأمضى سنوات في صياغة تقارير حربية سرية قبل أن يُسرّب «أوراق البنتاجون» — يُقدّم في مذكراته «أسرار» شهادة من الداخل تُجسّد بالتفصيل الحي ما يصفه النموذج النظري. الأمر الذي صدمه حقيقة لم يكن أن صانعي القرار يكذبون على الجمهور، لكنهم كانوا في أحيان كثيرة يكذبون على أنفسهم بنفس القدر؛ إذ يواصلون حرباً يعلمون أن لا مسار لها نحو الانتصار، لا لأنهم يؤمنون بالنصر بل لأن البنية المؤسسية تجعل الاستمرار أقل تكلفةً سياسياً من الاعتراف بالفشل. ولهذا كان ما يمكن تسميته «الغموض المُدار» أداة العمل اليومية؛ من حيث صياغة التقارير بما يُبقي الباب مفتوحاً أمام التفاؤل دون تأكيده، وتمرير المعلومات بما يُلائم ما يريد صانع القرار سماعه لا ما هو عليه الواقع. النظام لا يُنتج مؤامرة واحدة كبيرة — يُنتج حوافز بنيوية يومية تقود آلاف القرارات الصغيرة في الاتجاه ذاته.
ما يُكمل هذه الصورة هو الفهم الأعمق للمؤسسة الأمنية بوصفها كياناً ذا منطق ذاتي لا يتوقف بتغيّر الرئيس. سي رايت ميلز رسم ملامح هذا الكيان في «النخبة الحاكمة» عام 1956 بصورة لا تزال أكثر صحة مما تمنحه لها الأوساط الأكاديمية السائدة. ميلز يصف «المثلث الحديدي» للسلطة الأمريكية — العسكريون والسياسيون والمدراء التنفيذيون للمجمّع الصناعي — بوصفه شبكة تداخل المصالح والمسارات الوظيفية والمرجعيات الثقافية. لا يوجد «مقر قيادة» لهذه الشبكة، ولا مؤامرة تُحرّكها بقرار مركزي. يوجد ما هو أشد إحكاماً من المؤامرة؛ تماثل في الرؤية، وتشابك في المصالح، وتداخل في التجربة يجعل أعضاءها يفكّرون بصورة متقاربة دون الحاجة إلى تنسيق مسبق. الرئيس يتغيّر، والوزراء يتغيّرون، لكن شبكة العلاقات التي تُؤطّر ما هو «ممكن» و«معقول» و«ضروري» تبقى في جوهرها متماسكة. ميلز يشخّص تراجع السياسة كنقاش عام حقيقي للبدائل، مع أحزاب ذات مسؤولية قومية وتوجّه سياسي متماسك — وأمريكا صارت في معظمها ديمقراطية سياسية رسمية لا بنية اجتماعية ديمقراطية. ربما التناقض الذي يُنتجه هذا الوضع ليس مجرد تناقض دستوري قابل للإصلاح التشريعي — هو تناقض عضوي في بنية السلطة الأمريكية الراهنة. الديمقراطية التمثيلية تفترض أن القرارات الكبرى تُتّخذ بعد تداول علني، ومساءلة، وتفويض من الناخبين. لكن قرارات الحرب — بطبيعتها الحساسة الاستخباراتية وضيق أفقها الزمني وتعقيدها التقني — تُتّخذ في دوائر ضيقة تجمع كبار المستشارين الأمنيين والاستخباراتيين والعسكريين الذين لم ينتخبهم أحد ولا يخضع معظمهم لأي إجراء تصويتي. حين تصل القضية إلى الكونجرس — إن وصلت — تصل عادةً بعد أن تكون الحقائق على الأرض قد رُسّخت والخيارات قد ضاقت. الكونجرس هنا لا يختار بين الحرب والسلم — يختار بين نوع من الحروب ونوع آخر، أو بين الموافقة والمعارضة على ما يبدو أمراً واقعاً.
هذه الديناميكية تبلغ تجلّيها الأكثر كثافةً في الحرب على إيران. فبحسب ما رصدته وثائق مجلس الشيوخ الأمريكي وتقارير خدمة أبحاث الكونجرس (CRS) الصادرة في مارس 2026، شُنّت الضربات بعد «إبلاغ» عدد محدود من قادة الكونجرس — أي «مجموعة الثمانية» (Gang of Eight) — قُبيل انطلاق العمليات بوقت قصير، لا بعد مشاورة تشريعية حقيقية. الإبلاغ ليس التفويض، وإن كان يُوفّر غطاءً إجرائياً يُصعّب الطعن القانوني لاحقاً. ثم حين تحرّك السيناتور تيم كين لتفعيل قانون صلاحيات الحرب بعد ساعات من الضربات الأولى، أُسقط قراره بأغلبية جمهورية شبه موحّدة، وكان الأكثر دلالةً في المشهد هو التبرير الذي قدّمه رئيس لجنة القوات المسلحة، إن القرار «يُقيّد يد القائد الأعلى في لحظة تستوجب المرونة القصوى». عبارة «المرونة القصوى» هي الصياغة التقنية لتفويض مفتوح لا حدود له — وهي الصياغة التي تُفرّغ الرقابة التشريعية من أي محتوى فعلي. إذن فإن قرار الحرب على إيران لم يُتّخذ في جلسة كونجرس مفتوحة بعد نقاش عام، بل في دوائر ضيقة من المسؤولين المُعيَّنين. ثم لم يُعرَض للتصويت بل للإبلاغ — والفارق بين الاثنين هو الفارق بين الديمقراطية التمثيلية وإدارة المعلومات. ثم حين حاول الكونجرس استعادة دوره التشريعي، أُسقطت المحاولة لا باستناد إلى حجة دستورية بل بضغط حزبي. والنتيجة هي ما وصفه مؤرخو القانون الدستوري الأمريكي بـ «أزمة شرعية حقيقية»؛ المجتمع الدولي يجد نفسه رهينة أهواء قوة متصدّرة فقد فاعلوها الرئيسيون خلال ثلاثة عقود الوضوح حول أهداف تلك الدولة ورؤيتها الشاملة.
لكن الإشكالية الأعمق ليست في هذه الواقعة المحددة بل فيما تكشفه عن تحوّل بنيوي طويل الأمد. برنارد فاللنتاين في «الجيوش الإمبراطورية والجمهوريات الليبرالية» يُقدّم رصداً تاريخياً مقارناً يُبيّن كيف أن كل قوة إمبراطورية في التاريخ طوّرت مؤسستها العسكرية الدائمة التي تراكمت لها مصالح في الاستمرار والتوسع، وكيف أن هذه المؤسسة دائماً ما تتقدّم في السلطة على حساب الأجسام التمثيلية حين تطول مدة الإمبراطورية. الفارق الأمريكي ليس أن هذه الديناميكية غائبة، بل أنها تسير جنباً إلى جنب مع خطاب ديمقراطي يُنكرها. وهذا الإنكار ذاته — الإصرار على أن ما يجري يسير وفق المبادئ الدستورية — هو ربما الأشد خطورة من الاعتراف الصريح، لأنه يُسدّ به الباب أمام أي إصلاح حقيقي. إن ما يقود إليه هذا الخيط، في نهاية المطاف، السؤال الذي لا تستطيع الليبرالية الأمريكية الإجابة عنه بمصطلحاتها الرسمية: إذا كان الكونجرس يتنازل طوعاً عن صلاحياته، وإذا كانت المؤسسة الأمنية تعمل باستقلالية متصاعدة عن الرقابة الشعبية، وإذا كانت الحرب تُشنّ رغم معارضة الأغلبية — فما الذي يجعل النظام ديمقراطياً بمعنى التمثيل الفعلي لا الشكلي؟ الإجابة الصادقة هي أنه ديمقراطي في فضاءات معينة وفي قضايا معينة، لكنه يتوقف عن كونه كذلك حين تصطدم إرادة الأغلبية بضرورات الجهاز الإمبراطوري. وهذا الحد — الحد الذي تنتهي عنده الديمقراطية وتبدأ الإمبراطورية — هو بالضبط ما تُرسمه الحرب على إيران 2026 بخط فاقع وحاد.
من جهة أخرى، يمكن أن يُقرأ ما كتبهكارل فون كلاوزفيتز بوصفه واحداً من أشدّ التشخيصات نفاذاً لكيفية عمل السلطة السياسية في لحظتها الأكثر عرياً. فالجملة التي حفظها الجميع — «الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى» — كثيراً ما تُستشهد بها كإعلان عن طبيعة الحرب وحدها، لكن المعنى الأعمق فيها يتعلق بالسياسة لا بالحرب. ما يقوله كلاوزفيتز حقاً هو أن الحرب لا تقطع مع السياسة كما قد تبدو في ضجيجها وعنفها، بل هي لحظة تتجرّد فيها السياسة من خطابها وتظهر في صورتها الأكثر صدقاً — المصالح عارية من الزخرفة، والأهداف مُجلَّاة من الضباب، والقوة مكشوفة في طبيعتها الحقيقية بعيداً عن الإجراءات الرسمية التي تُلطّفها في زمن السلم. الحرب بهذا المعنى ليست استثناءً يُعطّل السياسة — هي استئناف للسياسة دون قناع. هذه الفكرة تبدو في أول وهلة مجرد مقولة عسكرية استراتيجية، لكنها حين تُطبَّق على التجربة الأمريكية المعاصرة تُصبح أداةً تحليلية ذات حدّ قاطع. فإذا كانت الحرب تعكس السياسة في صورتها غير المعالَجة، فإنها تعكس كذلك ما يكمن خلف خطاب القيم الذي تصنعه الديمقراطيات الليبرالية عن نفسها. حين تُعلن الولايات المتحدة حرباً باسم الحرية أو الأمن أو منع الانتشار النووي، ثم تكشف مسيرة هذه الحرب عن منطق مختلف جذرياً — منطق التمركز والهيمنة الإقليمية وقطع مسالك التأثير المنافس — فإن المرآة الكلاوزفيتزية تُظهر شيئاً لا تُريده الديمقراطية أن يُرى: أن الخطاب القيمي كان في الغالب أداةً لإنتاج القبول الداخلي، لا وصفاً للدافع الحقيقي. غير أن كلاوزفيتز وحده لا يكفي لمقاربة ما نحن بصدده، لأنه كان يكتب في سياق دول قومية ما قبل صناعية لم تعرف بعد المؤسسة الأمنية الدائمة بوصفها كياناً مستقلاً داخل الدولة. ما يُضاف إليه في فهم التجربة الأمريكية هو ما رصده شالمرز جونسون في ثلاثيته الإمبراطورية، تلك الثلاثية التي يُضفي عليها ثقلاً استثنائياً كون كاتبها ضابطاً سابقاً في وكالة الاستخبارات المركزية وأكاديمياً متخصصاً في الشؤون الآسيوية — أي شاهداً من الداخل نادراً ما يُجاهر بما يعرف. في «ارتداد الصدى» الصادر عام 2000، قبل أحداث سبتمبر بعام واحد فارق، يُقدّم جونسون مفهوم الـ«Blowback» — الارتداد — لا بالمعنى الضيق للعملية الاستخباراتية التي تُنتج نتائج معاكسة، بل بالمعنى التاريخي الأوسع؛ الإمبراطورية العسكرية تزرع في الخارج ما تحصده على شكل عنف يعود إليها في صور لم تتوقعها. لكن الإسهام الأعمق يأتي في الجزء الثالث من الثلاثية، «نيميسيس: الأيام الأخيرة للجمهورية الأمريكية» الصادر عام 2006، حيث يُحوّل جونسون محور التحليل من الخارج إلى الداخل: الإمبراطورية لا تُدمّر الجمهورية بضربة خارجية، بل تُحلّل روابطها الداخلية ببطء، لأن المؤسسة العسكرية التي تتضخّم لخدمة الطموح الإمبراطوري تعود بمنطقها إلى المشهد السياسي الداخلي وتُشكّله بحوافزها ومصالحها وثقافتها.
ما يجعل تشخيص جونسون بالغ الأهمية في سياقنا هو أنه لا يقوم على مجرد الحكم الأخلاقي على الإمبريالية، بل على رصد آلية بنيوية؛ القواعد العسكرية المنتشرة في أكثر من سبعين دولة لا تُمثّل «دفاعاً» بالمعنى الحرفي — تُمثّل شبكة مصالح وارتباطات استراتيجية تُنتج «ضرورات» تتجاوز أي قرار ديمقراطي محدد. حين تتهدّد هذه الشبكة، لا يُطرح السؤال على الشعب الأمريكي: «هل نريد الحرب؟» — بل يُطرح في أضيق الدوائر: «كيف ندير هذا التهديد؟» وهذا الانتقال من السؤال الأول إلى الثاني هو بالضبط الانتقال من الديمقراطية إلى الإمبريالية في ممارستها اليومية لا في خطابها. وفي هذا السياق تأخذ أطروحة أندرو باكيفيتش في «حدود القوة» (2008) معناها الأكمل. باكيفيتش — الجنرال الأمريكي المتقاعد والأستاذ الجامعي الذي فقد ابنه في العراق — يكتب بنبرة مَن يعرف من الداخل ويحزن من الداخل في آنٍ معاً، وهذا ما يمنح كتابه ثقلاً أخلاقياً يتجاوز الحجة التحليلية. يُشخّص باكيفيتش «مثلث الأزمة» الأمريكي: إسراف اقتصادي يحتاج إلى ضمانات استراتيجية خارجية لإدامته، وتوسع عسكري يُغذّيه هذا الإسراف ويُشرعنه، وفقر سياسي يُعطّل القدرة على مساءلة الاثنين ومراجعتهما. الحرب في هذا الإطار ليست قراراً يتخذه رئيس في لحظة معينة — هي نتاج حتمي لتضافر هذه القوى الثلاث التي لا تتوقف حين يتغيّر الرئيس، بل تستمر لأنها تعشش في بنية النظام لا في شخص فرد.
لكن لفهم كيف تحوّل هذا المنطق إلى ممارسة يومية في إدارة القرار الحربي، لا بد من قراءة وثيقة نادراً ما تُقرأ بوصفها مصدراً تحليلياً: «الدراسة التاريخية البنتاجونية لصنع قرار سياسة فيتنام» — التي باتت تُعرف بـ«أوراق البنتاجون» — التي سرّبها إلزبرغ عام 1971 وأدّت إلى واحدة من أعنف المواجهات بين السلطة التنفيذية والصحافة الحرة في التاريخ الأمريكي الحديث. ما يُظهره هذا الملف الضخم البالغ سبعة آلاف صفحة ليس مجرد كذبة هذه الإدارة أو تلك — يُظهر نمطاً ممتداً عبر أربع إدارات متعاقبة (ترومان، أيزنهاور، كينيدي، جونسون) لا تتقاسم كثيراً من القواسم المشتركة الأيديولوجية، لكنها تتقاسم جميعها منطقاً واحداً: الاستمرار في سياسة يعرف كبار المسؤولين أنها فاشلة، لأن تكلفة الاعتراف بالفشل تبدو — من منطق مؤسسي ضيّق — أعلى من تكلفة الاستمرار. هذا بالضبط ما يعنيه الكشف الكلاوزفيتزي: الحرب لا تكشف فحسب ما تُريده الدولة، بل تكشف كيف تُقيّم الدولة تكاليف أفعالها — وهذا التقييم، في معظم الحالات التي وثّقتها الأوراق، كان تقييماً مؤسسياً سياسياً لا تقييماً استراتيجياً وطنياً. الفرق هائل: الأول يخدم بقاء صانع القرار، والثاني يخدم الصالح العام.
حين يُعاد قراءة الحرب الأمريكية على إيران في فبراير 2026 بهذه العدسة المركّبة، تتكشّف طبقات من المعنى لا تُدركها قراءة الحدث المنفرد. الضربات لم تُشنّ في فراغ استراتيجي، بل في سياق تراكمت فيه محطات الإخفاق طويلاً؛ الانسحاب المُهين من أفغانستان في 2021، والمأزق الأوكراني الذي أظهر حدوداً للالتزام الغربي، والصعود الصيني الذي يُحوّل محور التوازن الاستراتيجي نحو الشرق. في هذا السياق تحديداً، يُمكن قراءة إيران لا بوصفها هدفاً استراتيجياً أولوياً بالمعنى الحرفي، بل بوصفها فرصة لإعادة التأكيد — للحلفاء قبل الخصوم — على أن الإرادة الأمريكية لم تتآكل. الحرب كرسالة ردع ممتدة لا تستهدف إيران وحدها، بل تستهدف كل من يُراقب. وهذا بالضبط نمط «حروب الصورة» التي رصدها كينيدي في مراحل الإفراط الإمبراطوري عبر التاريخ — تُخاض لما تقوله للآخرين أكثر مما تُحقّقه على أرض المواجهة. ومن هنا تبرز المفارقة المُحرجة التي لا يستطيع الخطاب الديمقراطي الرسمي احتواؤها: حين يُشنّ البرلمانيون — وهم الممثلون المنتخبون للإرادة الشعبية — محاولتهم لتقييد الحرب، فتُسقَط المحاولة لا بحجة دستورية بل بمنطق «الردع» و«المرونة الاستراتيجية» — أي بمنطق الإمبراطورية بصورته الأكثر صراحة. الإمبراطورية لا تُعلن نفسها وتُلغي البرلمان — تُبقيه قائماً وتجعله يُلغي نفسه بأدواته. هذا ما يصفه شيلدون وولين في «الديمقراطية المُدمجة» بـ«الشمولية المعكوسة» (Inverted Totalitarianism): نظام لا يُعلّق الديمقراطية بل يستنزفها من الداخل حتى تُصبح غلافاً بلا مضمون — وتبقى المؤسسات كما هي بينما تتحوّل وظيفتها.
غير أن ما تُضيفه الحرب على إيران إلى هذه الصورة المركّبة هو بُعد لم يُختبَر بهذا الوضوح في الحروب السابقة؛ تقلّص الجهد التبريري إلى حدّه الأدنى الوظيفي. في العراق 2003، استُثمر جهد ضخم — تقارير استخباراتية، شهادات في مجلس الأمن، تجييش رأي عام — في بناء حالة تبدو مقنعة. في أفغانستان 2001، كان التفويض الشعبي شبه كامل في ذروة صدمة سبتمبر. في إيران 2026، بدا هذا الجهد ضئيلاً إلى حد لافت — كأن المؤسسة المُقرِّرة توصّلت إلى أنه لم يعد ضرورياً، أو أن تكلفة إنتاجه باتت أعلى من العائد الذي يُحقّقه. وهذا الحكم المؤسسي الضمني — لا نحتاج إلى إقناع كافٍ — هو ربما أكثر كاشف لمرحلة التآكل من أي معطى آخر. لأن الإمبراطورية في مرحلة صعودها تجتهد في إنتاج شرعيتها الرمزية. وفي مرحلة إفراطها تتكاسل عن هذا الإنتاج. وفي مرحلة تآكلها تتوقف عنه كلياً. هذه المراحل الثلاث التي يرسمها التاريخ المقارن — الصعود والإفراط والتآكل — ليست تسلسلاً زمنياً بسيطاً بل تتداخل وتتعايش في الجسد الإمبراطوري الواحد. ما تكشفه الحرب على إيران هو أن الإمبراطورية الأمريكية قد دخلت زمناً تعمل فيه هذه المراحل معاً وفي آنٍ واحد: قوة تحتفظ بجبروتها العسكري الهائل (الصعود)، لكنها تخوض حروباً تتجاوز ما تستطيع إدارته بصورة مستدامة (الإفراط)، في حين تتآكل قدرتها على إنتاج الشرعية الداخلية والخارجية لهذه الحروب (التآكل). والحرب — بالمعنى الكلاوزفيتزي الكامل — هي المرآة التي تعكس هذه المعادلة المركّبة بأكثر وضوح مما تفعله أي عملية سياسية أخرى، لأنها اللحظة التي تصطدم فيها الادعاءات بالواقع، ويُفصح فيها الفعل عن نفسه بعيداً عن الخطاب الذي كان يستره. إذن، يظهر نسق تحليلي متماسك يُتيح قراءة الحرب على إيران لا بوصفها حدثاً معزولاً يُحكم عليه بمعايير أخلاقية فورية، بل بوصفها بناءً دلالياً يُجلّي في لحظة واحدة ما تراكم عبر عقود من التحوّل البنيوي في طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والإمبراطورية في التجربة الأمريكية. «الملك عارٍ» — لكنه لم يتعرَّ في يوم واحد. تعرّى على مدى ثمانية عقود من التآكل التدريجي، وكانت كل حرب خيطاً آخر يسقط من ثوبه حتى وصل إلى اللحظة التي يتوقف فيها عن الإحساس بالحاجة إلى الثوب.
الرأي العام والهوّة التمثيلية
ثمة مشهد يتكرر في الديمقراطيات الغربية المتأخرة بانتظام يكاد يكون إيقاعياً، شعب يُعلن رأيه بوضوح، وبرلمان يُصوّت، وصحافة تُغطّي، وحكومة تفعل ما تُريد — ثم يتفرّق الجميع كمن لم يحدث شيء. لا انقلاب، لا قمع صريح، لا تعليق للدستور. مجرد نظام يعمل بمؤسساته المرئية الكاملة وينتج نتيجة تبدو وكأنها صدرت عن نظام آخر غير مرئي يعمل في الخلفية. هذه الظاهرة — التي باتت تُشكّل ربما أكثر سمات الديمقراطية الليبرالية الراهنة تمييزاً لها عمّا كانت عليه — هي ما يُسمّيه الباحثون أحياناً «الهوّة التمثيلية»، وما يُسمّيه آخرون «فشل الاستجابة»، وما يُسمّيه الشعب في حديثه اليومي بعبارات أكثر مباشرةً وأقل أكاديمية. لكن المسألة أعمق من مجرد هوّة بين رأي عام ومسؤولين منتخَبين. تلك الهوّة موجودة في كل ديمقراطية وفي كل عصر، ولا يجعلها وجودُها مشكلةً مستعصية. ما يجعل الظاهرة التي نصفها مختلفة نوعياً هو أنها ظاهرة منهجية تتكرر في فئة محددة من القرارات — القرارات الحربية الكبرى — بانتظام يكشف عن بنية لا عن استثناء. الأمريكيون عارضوا التدخل في فيتنام — وتصاعدت الحرب. عارض كثيرون غزو العراق — وجرى الغزو. عارضت أغلبية واضحة الحرب على إيران — وشُنّت الحرب. ثلاث حروب في ثلاثة أجيال، وفي كل مرة يُسجّل النظام الديمقراطي المعارضة الشعبية توثيقاً نظيفاً ثم يمضي في طريقه كأن التوثيق لم يحدث. هذا التكرار يطرح سؤالاً لا مناص منه: هل المشكلة في هذا الرئيس أو ذاك، أم في بنية تجعل أصوات الأغلبية في هذه القضايا صوتاً بلا صدى؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من فهم كيف تعمل العلاقة بين الرأي العام والقرار الحربي، وهذا الفهم بدأ يتشكّل أكاديمياً في أعقاب صدمة فيتنام. جون موللر في كتابه «الحرب والرؤساء والرأي العام» الصادر عام 1973 أرسى أول إطار كمّي منهجي لفهم هذه العلاقة. موللر رصد نمطاً ممتداً عبر حربَي كوريا وفيتنام، الدعم الشعبي للحرب يبدأ مرتفعاً في لحظة التعبئة الأولى، ثم يتآكل بصورة منتظمة كلّما تصاعدت الخسائر البشرية — لا بالأرقام المطلقة بل بلوغاريتم الأرقام، أي أن كل ضعف في الخسائر يُنتج تراجعاً ثابتاً في الدعم بصرف النظر عن المستوى الذي بلغته الخسائر. ما كشفه موللر كان ثورياً في أثره: الرأي العام ليس عاطفياً وغير متّسق كما كان يُصوَّر، بل له منطق داخلي يمكن رصده ولو لم يكن دائماً مُعبَّراً عنه بمفردات استراتيجية واضحة. الناس، ببساطة، يرفضون دفع الثمن حين يبدو الثمن غير متناسب مع العائد. وهذا حكم لا يستدعي تحليلاً جيوسياسياً بل يستدعي حساباً يومياً عادياً يُجيده كل مواطن. لكن موللر كتب في سياق حرب الجيش الإلزامي، حيث كانت تكاليف الحرب موزّعة بصورة مباشرة على الطبقات الوسطى والعاملة التي تُشكّل غالبية الناخبين. ما تغيّر بعد فيتنام هو بالضبط هذا التوزيع. إلغاء التجنيد الإلزامي عام 1973 وتحوّل الجيش الأمريكي إلى قوة محترفة طوعية أحدث تحويلاً جذرياً في طبيعة العلاقة بين الرأي العام والحرب، الحرب انفصلت عن الحياة اليومية لغالبية الأمريكيين وأصبحت تجربة يخوضها «آخرون» — أبناء المجتمعات الأقل حظاً اقتصادياً الذين يجدون في الخدمة العسكرية فرصة للتعليم والحراك الاجتماعي. بروس جنتلسون في دراسته المحورية «الجمهور الحكيم نسبياً» المنشورة عام 1992 يُبيّن بالبيانات الإمبيريقية أن الرأي العام الأمريكي منضبط ومتّسق أكثر مما يُقال عنه، يقبل التدخل العسكري حين يستهدف تقييد عدوان خارجي، ويرفضه حين يستهدف هندسة الأنظمة الداخلية في دول أخرى. إيران 2026 تنتمي بجلاء إلى النوع الثاني — وهو ما تؤكده أرقام معارضة الأغلبية بصرف النظر عن الجهة التي أجرت الاستطلاع.
والأرقام في هذه الحالة لافتة بحد ذاتها. استطلاع Pew Research على 3,524 بالغاً أمريكياً في الفترة من 16 إلى 22 مارس 2026 أظهر 59% يرون أن الولايات المتحدة أخطأت في ضرب إيران، و61% يرفضون أداء الرئيس في إدارة الصراع. استطلاع Marist/NPR/PBS أظهر 56% معارضين للعمليات. واستطلاع Ipsos في أبريل 2026 كشف أن 24% فقط يرون أن القرار العسكري كان يستحق تكاليفه. حتى استطلاع Fox News — المنبر الأكثر ترحيباً بسياسات الإدارة — أظهر 58% معارضين. مصادر الاستطلاعات. لكن الأرقام المجرّدة — مثيرة كانت — لا تُفسّر نفسها بنفسها. ما يجعلها كاشفة هو ليس حجم المعارضة بل عجزها. وفهم هذا العجز يستدعي قراءة إطارَين نظريَّين مكمِّلَين أحدهما يعمل على مستوى بنية النظام والآخر على مستوى نفسية المواطن. على مستوى بنية النظام، يُقدّم روبرت دال في «الديمقراطية وناقدوها» (1989) تحليلاً لما يُسمّيه مشكلة «الكفاءة» في الديمقراطية التعددية الحديثة: حين تتضخّم الدولة وتتعقّد قراراتها وتبتعد تقنياً عن قدرة المواطن العادي على تقييمها، يتقلّص الفضاء الفعلي للمشاركة إلى الانتخابات الدورية فحسب. والانتخابات في سياق السياسة الخارجية والقرارات الحربية تحديداً تعاني من قصور بنيوي: هي إجراء عام جامع يصدر حكماً كلياً على مرشح بأجمعه، في حين أن المواطن قد يُعارض سياسة حربية بعينها ويُوافق على عشر سياسات أخرى لنفس الرئيس. لا توجد آلية في النظام الانتخابي الأمريكي تُتيح للمواطن إرسال إشارة سياسية دقيقة تقول: «أُوافق على اقتصادك وأُعارض حربك» — هو يُصوّت للشخص كله أو لا يُصوّت. وهذا الإجمال في آلية الحكم يُلطّف فاعلية المعارضة الشعبية في القضايا الفردية حتى حين تكون هذه المعارضة واضحة وموثّقة.
لكن ما يُضيفه التحليل النفسي-السياسي إلى هذا الإطار البنيوي هو البُعد الأشد إزعاجاً، الرأي العام الأمريكي في قضايا السياسة الخارجية يعاني مما يُمكن تسميته «الضعف الارتدادي» — هشاشة الموقف أمام الضخ الإعلامي المحكم في لحظة الأزمة. ليبي سوني وآخرون في دراسات تجريبية متعددة أثبتوا أن مواقف الرأي العام من الحروب قابلة للتأثر الكبير بصياغة السؤال ومصدر المعلومة وسياق التلقّي. الأمريكيون الذين يعارضون «الحرب على إيران» حين يُصاغ السؤال بهذه المباشرة يُبدون تردداً أكبر حين تُصاغ القضية بعبارة «الردع النووي» أو «حماية إسرائيل» أو «منع الانتشار الذري». لا يعني هذا أن الرأي العام غبيٌّ أو طيّع — يعني أنه في قضايا بعيدة ومعقدة ذات أبعاد تقنية يصعب الحكم عليها مباشرة، يظل هشاً أمام الإطار الذي يُقدَّم فيه. وهذا بالضبط ما رصده هيرمان وتشومسكي في «صناعة الإجماع» حين أثبتا أن الإعلام الأمريكي لا يفرض آراءً محددة بالقسر، بل يُدير الإطار الذي يُقرأ فيه الحدث — يُحدّد ما هو «المنطقي» أن تُفكّر فيه، وما هو «المتطرف» الخروج عنه. في سياق إيران 2026، استطلاع CNN وجد أن المعارضة تتراجع من 52% إلى 40% حين تُبدَّل عبارة «ضربات ترامب» بعبارة «الحملة العسكرية الأمريكية» — فارق في الصياغة يقفز بنسبة الدعم اثني عشر نقطة مئوية. هذا الرقم يُخبر بشيء جوهري: المعارضة مُرتبطة جزئياً بالشخص وبالاسم وبالهوية الحزبية، لا بموقف استراتيجي متماسك من الحرب ذاتها. وحين تنفصل المعارضة عن موقف مستقل وترتبط بهوية حزبية، تُصبح قابلة للتحييد بإعادة الصياغة.
وهنا يدخل عامل الاستقطاب الحزبي بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم عجز الرأي العام عن الترجمة إلى فعل سياسي ضاغط. استطلاعات مارس وأبريل 2026 أظهرت انقساماً حزبياً حاداً: 91% من الديمقراطيين يعارضون الحرب في مقابل 75-79% من الجمهوريين يؤيدونها. هذا الانقسام ليس مجرد إحصاء يصف تبايناً في الآراء — هو كاشف لآلية تعطيل المساءلة الديمقراطية في جوهرها. حين تتحوّل المسألة الدستورية (هل خالف الرئيس صلاحياته الدستورية؟) إلى مسألة هوياتية (هل تؤيد رئيسك؟)، يُحوَّل الاعتراض من طاقة سياسية قادرة على بناء ائتلاف عابر للأحزاب إلى شهادة ولاء داخل أحد القطبين. الجمهوري الذي يعارض الحرب في قرارة نفسه لكنه يُصوّت معها دعماً لرئيسه لا يُلغي الديمقراطية بسوء النية — هو يعمل وفق حوافز بنيوية تجعل الولاء الحزبي الضيق أقل تكلفةً من الاعتراض المبدئي العام. يُسمّي ياشا مونك في «الشعب في مواجهة الديمقراطية» (2018) هذه الظاهرة «تفكيك المركّب الديمقراطي-الليبرالي»: ما كنا نُسمّيه «الديمقراطية الليبرالية» كان دائماً مزيجاً هشّاً بين مبدأين يسيران معاً لكنهما ليسا متطابقَين — الليبرالية بوصفها نظام ضمانات لحقوق الفرد والأقليات ضد طغيان الأغلبية، والديمقراطية بوصفها آلية تعبير الأغلبية عن إرادتها. حين ينفك هذا المركّب، وهو ما نشهده منذ عقود، نحصل إما على «ليبرالية بلا ديمقراطية» — تكنوقراطية تحكم باسم الكفاءة والخبرة — وإما على «ديمقراطية بلا ليبرالية» — شعبوية تُعبّر عن غضب الأغلبية دون أن تُقيّدها ضمانات. في مسألة الحرب على إيران تحديداً، ما نراه يُشبه النوع الأول: قرار اتُّخذ في دوائر الخبرة الاستراتيجية والمؤسسة الأمنية بمعزل عن الأغلبية الشعبية المعارضة
لكن ثمة طبقة أعمق في هذه الإشكالية لا تُدركها النظريات التي تُركّز على البنية المؤسسية وحدها. إنها طبقة تتعلق بما يُمكن تسميته «التعلم السياسي» للمواطن — أو بالأحرى، ما يُنتجه غيابه. جيل الأمريكيين الذين يعيشون 2026 هو الجيل الذي نشأ بعد العراق ورأى كيف انتهت أسلحة دمار شامل وُعدوا بها لم تكن موجودة، وديمقراطية وُعدوا بنشرها أُجهضت في مهدها، وتريليونات دولارات صُرفت دون أن يُحاسَب أحد. هذا الجيل يحمل في ذاكرته السياسية «درس العراق» — ومع ذلك، حين جاءت إيران، لم تتحوّل هذه الذاكرة إلى فعل سياسي ضاغط كافٍ. لماذا؟ الإجابة الجزئية تُقدّمها دراسة من الأهم في فهم علاقة الرأي العام بالحرب، ديفيد ماير في «سياسة الاحتجاج» (Politics of Protest, 2007) يُبيّن أن فاعلية حركات معارضة الحرب مشروطة بثلاثة عوامل: أن يُقدّم المحتجون بديلاً سياسياً واضحاً لا مجرد رفض، وأن يجدوا حليفاً داخل المؤسسة السياسية يُترجم ضغطهم تشريعياً، وأن تكون الحرب في مرحلة تجعل تكلفة الاستمرار مرئية بصورة مباشرة. حركة معارضة الحرب على إيران — بقدر ما وُجدت — افتقرت إلى العامل الأول والثاني وربما الثالث. المعارضون كثيرون لكن بلا صوت مؤسسي موحّد يُترجمهم إلى قوة تفاوضية. والديمقراطيون الذين كان يُنتظر منهم أن يُجسّدوا هذا الصوت انقسموا بين معارضة جوهرية ومناورة حزبية لا تقدر — أو لا تُريد — تقديم بديل حقيقي يتجاوز الاعتراض.
ما يزيد هذا المشهد تعقيداً هو ظاهرة رصدها استطلاع Reuters/Ipsos في مارس 2026 وهي من أكثر النتائج دلالةً في المشهد كله: نصف الأمريكيين لم يسمعوا «كثيراً» بالضربات على الإطلاق في الأسابيع الأولى، وأقل من سدسهم يُبدون «اهتماماً بالغاً» بتطوراتها. حرب تشنّها الولايات المتحدة، تُعارضها أغلبيتها حين تُسأل عنها، ولا تعلم بها ولا تعبأ أصلاً أغلبية أخرى — هذا ليس فشل الرأي العام بمعنى قصوره، بل هو نجاح منظومة كاملة تعمل على تحييد الاشتباك الديمقراطي الحقيقي بأناة وصبر. منظومة تُغرق الفضاء العام بالضجيج ليس لتمنع المعلومة بالقمع المباشر، بل لتُتلفها بالإغراق — إغراق المواطن بما هو غير ذي صلة حتى يُصبح ما هو ذو صلة محاصراً بالإرهاق المعرفي. هذه الآلية هي ما يُسمّيه نيل بوستمان في «الترفيه حتى الموت» (Amusing Ourselves to Death, 1985) «إبستيمولوجيا الإعلام»: ليست الرقابة على المحتوى هي الأشد خطراً، بل هي التغيير في الطريقة التي يُعالج بها المواطن المعلومة أصلاً. التلفزيون ثم الشاشات الرقمية لم تمنع الأخبار — غيّرت الطريقة التي تُستهلك بها، من تأمل نقدي مطوّل إلى استهلاك متقطع سريع لا يُنتج موقفاً مستقراً. المواطن يرى خبر الحرب على إيران بين خبر رياضي وخلاف ترفيهي وإعلان تجاري — والمخ البشري بطبيعته يُعامل ما يُقدَّم له في سياق واحد بالطريقة الوجدانية ذاتها. النتيجة: معارضة للحرب دون أن تتحوّل هذه المعارضة إلى غضب مُدوٍّ يُعيد ترتيب الأولويات السياسية
وهنا يُصبح التقاطع بين ما وصفه وولين في «الديمقراطية المُدمجة» وما وصفه بوستمان شديد الإيحاء: النظام لا يحتاج إلى منع المعارضة — يحتاج فحسب إلى إبقائها منفصلة عن الفعل. يحتاج إلى معارضة تُسجَّل في الاستطلاعات دون أن تنزل إلى الشوارع بما يكفي، وتنزل إلى الشوارع دون أن تتحوّل إلى ائتلاف سياسي منظّم، وتتحوّل إلى ائتلاف سياسي دون أن تجد حليفاً مؤسسياً يُترجمها إلى تشريع. وفي كل خطوة من هذه الخطوات، يوجد ما يمنع الانتقال الكامل: الاستقطاب الحزبي في الخطوة الأولى، والإرهاق الإعلامي في الثانية، وضعف المعارضة التشريعية في الثالثة. ليست هذه مؤامرة مُحكمة بل هي توافق وظيفي بين عوامل بنيوية متعددة المصادر، وهذا ما يجعلها أشد صموداً وأصعب مجابهة من مؤامرة يكفي لإسقاطها كشف خيوطها. لكن الطبقة الأخيرة والأعمق في هذا الخيط هي الأكثر إزعاجاً لأنها تتعلق بمسألة لا تُحلّها إصلاحات مؤسسية ولا إصلاح إعلامي ولا إعادة هيكلة حزبية: مسألة ما إذا كان الرأي العام في الديمقراطيات الليبرالية المتأخرة قد أصبح — في فئة محددة من القضايا — رأياً بلا فاعلية بنيوية. ليس لأن المواطنين جهلاء أو مخدوعون، بل لأن الآليات التي كانت تُحوّل الرأي إلى ضغط، والضغط إلى قرار، والقرار إلى سياسة — هذه الآليات تآكلت في مجال السياسة الأمنية والعسكرية إلى حد يجعلها رمزية لا إجرائية. يبقى صندوق الاقتراع، وتبقى الاستطلاعات، ويبقى الخطاب — لكن السلسلة التي كانت تربط هذه العناصر بالقرار الفعلي تحوّلت إلى ديكور.
وهذا بالضبط ما تُعلّمنا إياه أرقام إيران 2026 حين تُقرأ بعيون هذه الطبقات التحليلية المتراكمة، 59% يعارضون الحرب — لكن المعارضة ليست موحّدة ولا مُنظَّمة. 91% من الديمقراطيين يرفضون — لكن رفضهم مُصبوغ بلون حزبي يجعله مُقيَّداً في سقفه الائتلافي. 24% فقط يرون أن القرار كان يستحق تكاليفه — لكن هذا الحكم يُصدَر في ما بعد ولا يملك آلية ترجمة إلى تبعة مباشرة. نصف الأمريكيين لا يهتمون كثيراً — وهذا اللامبالاة ليست غباءً بل هي نتاج عقود من تعليم الناخب أن رأيه في هذه القضايا لا يُغيّر شيئاً. حين تتعلّم الأغلبية — عبر تكرار التجارب — أن معارضتها لا تُوقف حرباً، تتوقف عن الاستثمار الوجداني العميق في المعارضة. وهذا التعلم بالإحباط المتكرر هو ربما أكثر التداعيات البعيدة الأثر للهوّة التمثيلية — يُنتج مواطناً يعارض لكنه لا يؤمن بأن معارضته تعني شيئاً. وحين يفقد المواطن هذا الإيمان، تُصبح الديمقراطية إجراءً يجري دون أن تُحرّك نتائجه إرادة حقيقية — وهذا بالضبط ما يبدو أنه يحدث.
إنتاج سردية الحرب
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، حين انطلقت الصواريخ الأمريكية نحو المنشآت الإيرانية، لم تنطلق وحدها. انطلق معها في الوقت ذاته — بدقة توقيت لا تقل عن دقة التوقيت العسكري — تدفق هائل من الصور والبيانات والتحليلات والتصريحات التي تُشكّل «الحرب» في ذهن المواطن بقدر ما تُشكّلها الصواريخ على أرض الواقع. كانت هذه التدفقات متزامنة مع الضربات لا تالية لها، كأنما جرى تخطيط لكليهما في غرفة واحدة — وهذا في جوهره صحيح. منذ فيتنام، تعلّمت المؤسسة العسكرية الأمريكية أن الحرب لها جبهتان: جبهة الميدان وجبهة المعنى. وإذا كان الخسران في الأولى مُؤلماً، فإن الخسران في الثانية هو ما يُهدّد استمرار الحروب ذاتها. لا تُخسر الحروب فقط بالهزيمة العسكرية — تُخسر حين يتوقف الناخب عن تصديق ما يقال له. هذه الحقيقة ليست اكتشافاً حديثاً، لكن فهمها الأعمق يبدأ مع والتر ليبمان الذي كتب في «الرأي العام» عام 1922 — في أعقاب الحرب العالمية الأولى وما رافقها من دعاية حكومية مكثفة — ما يُمكن اعتباره الشهادة التأسيسية على آليات تشكيل الحقيقة السياسية في عصر الإعلام الجماهيري. ليبمان يُقدّم تمييزاً لا يبدو في وهلته الأولى ثورياً لكنه تمييز يُقلب فهمنا للديمقراطية رأساً على عقب: التمييز بين «العالم الخارجي» والصورة التي يحملها الناس عن هذا العالم في رؤوسهم. ليبمان يُسمّي هذه الصورة الذهنية «الصور في رؤوسنا» (pictures in our heads)، ويُبيّن أن السياسة الديمقراطية لا تستجيب للواقع المباشر بل تستجيب لهذه الصور. من يتحكم في الصور — لا في الواقع — يتحكم في السياسة. وهذه المقولة، التي بدت في 1922 وصفاً نظرياً لظاهرة إعلامية، أصبحت في 2026 وصفاً إجرائياً لممارسة يومية في إدارة الحروب.
لكن ليبمان — وهذا ما يُغفله كثير من مَن يستشهدون به — لم يكن يُدين هذه الظاهرة تماماً بل كان يُبرّرها جزئياً. رأى في «الرأي العام» وفي كتابه اللاحق «الجمهور الوهمي» (1925) أن الجمهور العام غير قادر على معالجة تعقيد القرارات الحديثة، وأن ما يُسمّيه «الصواب» في الديمقراطية يستلزم وجود «خبراء» يُدارون الشأن العام بكفاءة بينما يُتاح للجمهور توهّم المشاركة. هذه الرؤية النخبوية الصريحة عند ليبمان ليست هامشاً في فكره بل قلبه — وهي الرؤية التي أُضمِرت لاحقاً في ممارسات الإدارة الإعلامية الحربية دون أن تُعلَن. حروب أمريكا المتتالية بُنيت ضمنياً على منطق ليبماني؛ الجمهور لا يحتاج إلى الحقيقة الكاملة، يحتاج إلى الصور الصحيحة. في هذا السياق، قرأ ادوارد برنيز — ابن أخت فرويد والأب المعترف به لصناعة العلاقات العامة —ليبمان وبنى عليه ما هو أكثر صراحة في «البروباغندا» الصادر عام 1928. لم يُخفِ برنيز ما يصفه بل أعلنه بكل ثقة: «التلاعب الواعي والذكي بالعادات والآراء المنظّمة للجماهير هو عنصر مهم في المجتمع الديمقراطي». التلاعب المنظّم ليس نقيض الديمقراطية عند برنيز — هو شرط عملها. والذين يُديرون هذا التلاعب يُشكّلون «الحكومة الخفية» الفعلية في أي مجتمع ديمقراطي. ما كتبه برنيز عام 1928 وصفاً لممارسات تجارية وسياسية أصبح في عقود لاحقة مناهج تُدرَّس في أقسام الاتصال والعلاقات العامة والإدارة السياسية في الجامعات الأمريكية — أي تحوّل من الوصف إلى التدريس إلى التطبيق الممنهج.
هذا الخط الممتد من ليبمان إلى برنيز هو ما يجعل إسهام إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في «صناعة الإجماع» (1988) بالغ الأهمية المنهجية — ليس لأنه يكشف مؤامرة، بل تحديداً لأنه يُبيّن أنه لا توجد مؤامرة. النموذج الذي يُقدّمانه — «نموذج الدعاية» (Propaganda Model) — يعمل بلا مركز قيادي واحد ولا مخطط مُحكم. يعمل من خلال خمسة «مصفّيات» بنيوية، تمركز ملكية الإعلام في أيدي مؤسسات كبيرة ذات مصالح محددة، وتمويل الإعلانات الذي يجعل الإعلام رهيناً بمزاج الشركات الكبرى، وإدمان الإعلام على «المصادر الرسمية» التي تُغذّيه بالمعلومة وتُقدّمها بالإطار الذي تُريده، وآليات «إسكات المعارضة» (flak) من تهديدات قانونية وضغوط إعلانية تجعل التغطية الجريئة مكلفة، ثم أيديولوجيا «مكافحة التهديدات» التي تُضفي مشروعية مسبقة على الحروب. هذه المصفّيات الخمس مجتمعة تُنتج صحافة «حرة» تُؤدّي في معظم الأوقات ما كانت الرقابة المباشرة ستُنتجه — دون الحاجة إلى الرقابة. ما يُضيف إلى هذا الإطار صوتاً نادراً هو شهادة فيليب نايتلي في «الضحية الأولى: المراسل الحربي بين البطولة والدعاية وصناعة الأساطير» (1975)، الكتاب الأكثر استناداً إلى الأرشيف التاريخي في هذا الملف. نايتلي يتتبع عبر قرن ونيف كيف تطوّرت إدارة الإعلام الحربي من المنع الخشن في الحرب العالمية الأولى — حين حاولت الحكومات إخراج الصحفيين من ساحات المعارك كلياً — إلى ما هو أكثر تطوراً بكثير؛ دمج الصحفيين في الوحدات العسكرية بصورة تُنشئ علاقة تماهٍ عاطفي وعملي تجعل التغطية المستقلة نفسياً أصعب من التغطية الموالية. نظام «الصحفي المضمَّن» (embedded journalist) الذي تطوّر في العراق 2003 ثم أصبح معياراً في كل حرب لاحقة هو الإنجاز الأمثل لهذه المنهجية: الصحفي حر رسمياً — ومقيَّد عملياً بكل ما يُرى وما يُقال وما يُروى.
لكن فهم المشهد الراهن يستدعي تجاوز نماذج القرن العشرين إلى ما أنتجه الفضاء الرقمي من آليات جديدة لا تحكمها نخبة إعلامية مركزية بل تعمل بشكل موزّع وفوضوي يبدو في ظاهره تحرراً من سلطة البوّابين التقليديين. سوزان سونتاغ في «حول ألم الآخرين» (2003) كتبت في اللحظة التي بدأ فيها هذا التحوّل يتشكّل، وكانت تُحلّل ما هو أعمق من التكنولوجيا؛ طبيعة العلاقة بين الصورة والحقيقة والتعاطف في الوعي الغربي. سونتاغ تُبيّن أن الصورة الحربية لا تُنتج بالضرورة فهماً ولا موقفاً ولا فعلاً — يمكنها بل أن تُنتج عكس ذلك تماماً: التخدير عبر التكرار، والإشباع الوجداني دون التزام أخلاقي. «الجمهور الذي يرى صور الحرب بكثافة لا يشعر بالدافع للفعل، بل يشعر بإشباع معرفي يُسكّن القلق دون إجابته». ما رصدته سونتاغ في 2003 وُصف بعدها نظرياً بشكل أكثر دقة. جاي روزن الناقد الإعلامي يُسمّي الظاهرة الأوسع «تطبيع اللاتوقع» (normalization of the extraordinary): الشاشات الرقمية بإيقاعها المتسارع تُعالج الأحداث الاستثنائية بنفس الأسلوب الذي تُعالج به الأحداث العادية، مما يُسوّي بينها في المستوى الوجداني لدى المتلقي. حرب تشنّها الولايات المتحدة على إيران وتقتل مرشدها الأعلى تتلقّاها الخوارزمية بوصفها «محتوى» يُنافس على المشاعر مع عشرين حدثاً آخر في نفس اللحظة. ما يُقرّر مكانتها في هذا التنافس ليس أهميتها التاريخية بل مدى «التفاعلية» التي تُثيرها — وهذا معيار لا صلة له بالمحتوى الحقيقي.
غير أن الأكثر إثارةً في مشهد إيران 2026 من الناحية الإعلامية ليس ما قيل بل ما كُشف عن كيفية تشكيل «الفهم» الأولي للحدث. فبينما كانت الضربات تجري، كانت تتدفق رسائل من حسابات «خبراء» وصفحات متخصصة تُقدّم المشهد بإطارات متعددة ومتعارضة في وقت واحد: «نهاية التهديد النووي»، و«جريمة حرب»، و«نقطة تحوّل تاريخية»، و«مغامرة طائشة»، و«ضرورة استراتيجية». هذا التعدد لم يُوسّع الفهم — شتّته. والمواطن الذي يواجه هذا الفيض المتناقض في وقت واحد لا يُوسّع فهمه بل يلجأ إلى اختصار معرفي طبيعي، يُصادق المصدر الذي يتوافق مسبقاً مع هويته السياسية. والاستقطاب الحزبي الذي رصدناه آنفا يُغذّي هذا الاختصار ويتغذّى منه في دوامة لا تتوقف. هذا ما تُسمّيه كاس سنشتاين في «Echo Chambers» و«#Republic» «غرف الصدى» — الفضاءات الرقمية التي تُعزّز المعتقد القائم دون أن تُعرّضه للاحتكاك النقدي الكافي. لكن سنشتاين كانت تُحذّر من غرف الصدى باعتبارها مشكلة تتعلق بالجمهور العريض. ما يُضيفه مشهد إيران هو أن غرف الصدى لا تُضعف المعارضة فحسب — تُضعف القدرة على بناء ائتلاف معارض. المعارض الديمقراطي يعيش في فضاء رقمي يُكثّف له أدلة صحة موقفه المعارض فتشتد قناعته. لكن هذه القناعة المتصاعدة لا تُنتج فعلاً سياسياً مؤثراً خارج الفضاء الرقمي لأن الفضاء ذاته يُوهمه بأن التعبير هو الفعل. ولمن يريد فهم الآلية الجيل أعمق لإنتاج سرد الحرب في التجربة الأمريكية تحديداً، فإن وثيقة واحدة تُغني عن كثير: دراسة لجنة تشيلكوت البريطانية التي صدرت عام 2016 وحللت قرار بريطانيا الانضمام لغزو العراق. اللجنة لم تُشكّل لدراسة أمريكا بل دراسة بريطانيا، لكن ما كشفته ينطبق على الشريك الأكبر أكثر مما ينطبق عليها: القرارات الكبرى اتُّخذت قبل أن تُجمَع الأدلة، ثم اشتُغل على الأدلة لتبرير ما كان مُقرَّراً، وكان التبرير العلني موجَّهاً للرأي العام لا معبِّراً عن الحسابات الحقيقية. «إنتاج الإجماع» لم يكن جانبياً في عملية القرار — كان جزءاً عضوياً من البنية التي أوصلت إلى الحرب.
لكن ما يُميّز الحرب على إيران عن العراق في بُعد صناعة السرد تحديداً هو تحوّل كيفي لافت: تقلّص الجهد الإقناعي إلى أدناه كما أشرنا، لكن هذا التقلّص لم يُفضِ إلى فوضى في الرواية الرسمية — أفضى إلى شيء مختلف وأكثر لفتاً للنظر: خصخصة إنتاج السرد. بدلاً من ماكينة دعاية مركزية تُوحّد الرسالة، ظهر مئات «الخبراء» والمحللين والمعلّقين في الفضاء الرقمي يُنتجون تبريراتهم الخاصة المتباينة في التفاصيل المتحدة في الخلاصة. الوحدة ليست في الحجة بل في الاتجاه. وهذا في الواقع أكثر مرونة وأصعب مجابهة من الرواية المركزية الواحدة التي يكفي دحضها لزعزعة البنية كلها. ما نخرج به هنا صورة مركّبة لآلة إنتاج المعنى في زمن الحرب؛ آلة لا تعمل بالقمع المباشر ولا بالكذب الصريح، بل بتوجيه الإطار وإدارة الانتباه وخصخصة التبرير وتشتيت التحقق. وما أضافته الحرب على إيران إلى هذه الصورة هو أن الآلة وصلت إلى مرحلة تكفيها فيها الطاقة الدنيا للاشتغال — لا لأنها أُحكمت أكثر، بل لأن البيئة التي تعمل فيها، من استقطاب حزبي وإرهاق معرفي وانفصال بين التعبير والفعل، باتت تُؤدّي وظيفة الإقناع دون أن تحتاج إلى دعاية مُحكمة. النظام لا يُنتج الإجماع — يُنتج الشلل. والشلل يكفي.
إيران 2026 .. الملتقى وتشريح البناء الدلالي الكاشف
ما يُميّز هذه الحرب عن سابقاتها ليس فداحتها أو جرأتها أو تداعياتها الجيوسياسية وحدها — هذه كلها عوامل يمكن تقديرها نسبياً. ما يُميّزها تحليلياً هو أنها وقعت في لحظة تاريخية محددة؛ اللحظة التي أصبح فيها النظام الأمريكي يعمل بأقل قدر من الغطاء التبريري وأقل إجراءات الإقناع التي اعتادت الحروب السابقة الاستعانة بها. وهذا التقلّص في جهد الإقناع — كما سبق أن رصده الخيط الخامس — ليس غفلة أو تقصيراً، بل هو في نفسه مؤشر على مرحلة في عمر الإمبراطورية يتراجع فيها حاجتها إلى تبرير نفسها لجمهورها، إما لأنها وثقت بأن التبرير لم يعد يُغيّر شيئاً في النتيجة النهائية، وإما لأن قدرتها على إنتاج تبرير مُقنع قد تآكلت بعد إيران وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، أو لأن الاثنين معاً يصفان الحال في آنٍ واحد. في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ما سُمّي «عملية الغضب الملحمي» Operation Epic Fury — ضربات جوية وبحرية استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية ومواقع قيادية. أُعلن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في اليوم الأول. ضُربت عشرات الأهداف في موجات متتالية. واستمرت العمليات في أشكال متدرجة في الأسابيع التالية. كان الهدف المُعلَن منع إيران من امتلاك السلاح النووي. كان الهدف غير المُعلَن — الذي يُفصح عنه السياق لا النص — إعادة رسم معادلة القوة الإقليمية في الشرق الأوسط وإرسال رسالة ردع ممتدة لكل من يُراقب، من طهران إلى بكين. ما يجعل هذه الوقائع مادة للتشريح التحليلي لا مجرد أحداث يُضاف بعضها إلى بعض هو الطريقة التي وقعت بها. الحرب شُنّت دون تفويض رسمي من الكونغرس. «أُبلغ» عدد محدود من قادة التشريع في اللحظة الأخيرة قبل الضربات لا قبلها بما يكفي للمداولة. ثم جرى تصوير هذا الإبلاغ على أنه «استشارة». وحين تحرّك السيناتور تيم كين لتفعيل قانون صلاحيات الحرب في الساعات الأولى، أُسقط قراره بأغلبية جمهورية وصفها رئيس لجنة القوات المسلحة بأنها ضرورة لحفظ «المرونة الاستراتيجية للقائد الأعلى». والأغلبية الشعبية التي كشفت عنها استطلاعات مارس وأبريل 2026 — 59% عند Pew، 56% عند Marist/NPR/PBS، وحتى 58% عند Fox News — لم تجد آليةً دستوريةً فعّالة تُترجم معارضتها إلى وقف أو تقييد.
أربعة مستويات تتوافر في هذا المشهد الواحد؛ قرار الحرب في يد الجهاز التنفيذي، والرقابة التشريعية تُسقطها الحزبية، والمعارضة الشعبية توثّقها الاستطلاعات دون أن تُغيّر شيئاً، وسرد الحرب يتشكّل في فضاء إعلامي مُشتَّت يُنتج الشلل لا الإجماع. هذه الأربعة ليست أحداثاً مستقلة يجمعها التزامن — هي أجزاء من منظومة واحدة تشتغل على درجات متفاوتة من الوعي والقصد، لكنها تُنتج نتيجةً واحدة، حرب تقع بلا تفويض شعبي كافٍ وبلا رقابة تشريعية فعّالة وبلا مساءلة مرئية في الأفق. آنفا سبقت الإشارة أن الكونجرس لا يُجرَّد من صلاحياته بالقوة بل يتنازل عنها طوعاً. لكن ما أضافته إيران 2026 إلى هذه الصورة هو بُعد لم يبلغه بوضوح أي من الحروب السابقة، تنازل الكونجرس عن صلاحية الرقابة في اللحظة ذاتها التي كان فيها متاحاً له ممارستها. في العراق 2003 صوّت الكونجرس على تفويض — صوّت خطأً ومدفوعاً بمعلومات مُلفَّقة، لكنه على الأقل صوّت. في إيران 2026، جرى تصوير التفويض كأنه إجراء غير ضروري لا كأنه حق دستوري مُهدَر. وحين حاولت الأقلية التشريعية استعادته رُدَّت بمنطق حزبي لا بمنطق دستوري. هذا الفارق جوهري. ففي حروب سابقة كان الرئيس على الأقل يُنتج تبريراً دستورياً ولو ملتوياً — يستند إلى تبزير مطاط أو قرار مجلس الأمن أو تفسير موسَّع لصلاحيات الدفاع عن النفس. في إيران 2026، تقلّص هذا الجهد إلى أدناه — كأن المؤسسة توصّلت بصمت إلى أن إنتاج الغطاء الدستوري بات تقليداً شكلياً لا ضرورة فعلية. وهذا التقلّص، بحد ذاته، مؤشر أكثر أهمية من الحرب نفسها على مسار العلاقة بين السلطة التنفيذية والمنظومة الديمقراطية. تقرير خدمة أبحاث الكونجرس (CRS) الصادر في مارس 2026 يُوثّق هذه الإشكالية بدقة قانونية نادراً ما تُجاهر بها وثيقة رسمية.
اكتشفت الدول الليبرالية «أسباباً ليبرالية للعدوان» — أي أن الحروب الغربية لا تنقض منطق الليبرالية بل تعبّر عن أحد فروعها البنيوية. وإيران 2026 تُجسّد هذا بصورة لا تحتاج إلى تأويل، مبرر «منع الانتشار النووي» مبرر ليبرالي بامتياز — يستند إلى منطق حماية النظام الدولي والحدّ من التسلّح والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. لكن هذا المبرر الليبرالي المُعلَن يُغطّي أهدافاً أعمق وأقل ليبرالية في طبيعتها؛ الحفاظ على التفوق الاستراتيجي الإقليمي لإسرائيل، وقطع مسالك النفوذ الإيراني الممتد من اليمن إلى لبنان، وإرسال رسالة ردع للصين في حالة تايوان. هذه الأهداف لا تُعلَن لأنها تكشف المنطق الإمبراطوري خلف الخطاب الليبرالي — لكنها الأهداف التي تُفسّر توقيت الحرب وطبيعة أهدافها ومنطق استمرارها. هذا بالضبط ما وصفه جون ميرشهايمر في «الوهم الكبير» بـ«الهيمنة الليبرالية» التي تناقض ذاتها؛ حين تُصدَّر الديمقراطية والاستقرار بالإكراه العسكري يُنتَج نقيضهما لأن الإكراه نفسه نفيٌ للشرعية الطوعية التي تحتاجها الليبرالية لتُثمر. إيران ما بعد الضربات لن تصبح بيئة تنبت فيها الديمقراطية والاستقرار — الأرجح أن تنبت فيها موجة من الاستياء القومي يحمل بذور المقاومة والانتقام بصور يصعب التنبؤ بأشكالها. وهذا النمط تكرّر في كل حرب أمريكية استعانت بـ«الأسباب الليبرالية للعدوان» منذ فيتنام.
إن ما تكشفه الحرب على إيران في 2026، لم يعد الإفراط الإمبراطوري مجرد إفراطاً في الموارد بل أصبح إفراطاً فيما يمكن تسميته «الرصيد الرمزي» — القدرة على إنتاج الشرعية الدولية والداخلية لأفعال القوة. في الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال استنزفت الموارد الأمريكية الهائلة لكنها ضاعفت الرصيد الرمزي. حرب كوريا استنزفت الموارد مع تآكل محدود في الرصيد. فيتنام كانت انعطافة الرصيد الرمزي الكبرى — أول حرب أمريكية كبرى تخرج منها الولايات المتحدة بعجز رمزي واضح. والعراق 2003 ضاعف هذا العجز بعد أن كشفت الأكذوبة الاستخباراتية أن حتى «الضرورة الاستراتيجية» المُعلنة كانت مُصنَّعة. وفي كل حرب تالية بات الرصيد الرمزي المتاح أقل، وبالتالي أصبح جهد الإقناع المطلوب أكبر — حتى بلغت إيران 2026 نقطة يبدو فيها الرصيد شبه منفد والجهد الإقناعي يُجرى بصورة شكلية لا جوهرية. هذا بدوره يُفسّر ظاهرة لافتة في مشهد إيران لم تُحظَ بما تستحقه من تحليل: ردود فعل الحلفاء الغربيين جاءت فاترة إلى حد لافت. أوروبا — التي وقفت تاريخياً إلى جانب الموقف الأمريكي في الحروب الكبرى ولو بعد مداولة — بدت متحفظة وغير مُرتاحة لم تُعبّر عنها بصراحة لكن يمكن قراءتها في صياغة البيانات الدبلوماسية المُقيَّدة. وهذا التحفظ الأوروبي لم يأتِ من موقف مبدئي معلن بل من حسابات براغماتية تتعلق بالتداعيات الاقتصادية والإقليمية — لكنه في كلتا الحالتين يعكس أن «الشرعية الدولية» التي كانت الولايات المتحدة تبنيها بعناية في حروبها الكبرى أصبحت موضع شك حتى عند أقرب حلفائها.
إن الجيل الأمريكي الذي يعيش 2026 هو الجيل الذي شهد تفكيك رواية أسلحة الدمار الشامل الأفغانية، والانسحاب المُذل من أفغانستان في 2021، وعقدين من حروب لا نهاية لها لم تُنجز شيئاً مما وُعد به. هذا الجيل يحمل في ذاكرته السياسية قدراً استثنائياً من الأدلة التجريبية على أن الوعود الحربية الكبرى ليست ما تبدو عليه. ومع ذلك، حين جاءت إيران، كانت أرقام المعارضة مُرتفعة لكن الفعل السياسي المُقيِّد غائباً. لماذا؟ ثمة بُعد لم يُستوفَ بعد يتعلق بما يُمكن تسميته «إرهاق الاعتراض» (protest fatigue) — وهو ظاهرة رصدها عدد من الباحثين في سياق الحركات الاجتماعية بعد الموجة الاحتجاجية الكبرى التي أعقبت 2008 ثم تصاعدت وتبدّدت بين 2011 و2020. الباحث دوغ ماكآدام في دراسته «حركات السياسة الخارجية في الولايات المتحدة» يُبيّن أن الحركات المعارضة للحرب تحتاج إلى دورة كاملة من التعبئة والتنظيم والائتلاف مع مؤسسات سياسية راسخة لتُنتج ضغطاً كافياً. وهذه الدورة تستغرق وقتاً — وحروب القرن الحادي والعشرين تُصمَّم بصورة مُتعمّدة أو غير مُتعمَّدة لتُشنّ بسرعة تُعطّل هذه الدورة. حين تتقدم المعارضة الشعبية، تكون الحقائق على الأرض قد ترسّخت بصورة تجعل وقف الحرب أكثر تكلفة من استمرارها — وهذا منطق يُعيد إنتاج الاستمرار في كل مرحلة.
أضف، إن ما يجعل الحرب الأمريكية علي إيران 2026 «بناءً دلالياً كاشفاً» بالمعنى الحقيقي للتعبير. المقارنة مع النسق التدخلي في الحروب الأمريكية السابقة، ففي فيتنام، كانت الهوّة بين الخطاب والواقع تحتاج إلى سنوات لتتكشّف للرأي العام — كانت المؤسسة تملك وقتاً كافياً لإدارة الصورة قبل أن تُدركها حقيقة الإخفاق. وحين كشفت «أوراق البنتاغون» الفجوة بصورة موثّقة عام 1971، كانت قد مضت سنوات على الحرب. آلة إنتاج المعنى كان لها متّسع كافٍ قبل أن تتآكل. أما في العراق 2003، كانت الفجوة بين الخطاب والواقع متوفرة منذ البداية — لكن المؤسسة استثمرت جهداً ضخماً وبنت طبقات متعددة من الغطاء التبريري: وثائق استخباراتية، وشهادات أمام مجلس الأمن، وبناء تحالف دولي ولو محدود. كذبة أسلحة الدمار الشامل احتاجت إلى عام كامل لتنكشف بصورة لا تقبل الجدل. وحين انكشفت، جاء الحساب على دورتين انتخابيتين لا على الفور. لكن في إيران 2026، تقلّصت هذه المسافات كلها. الجهد التبريري ضئيل. الغطاء القانوني شكلي. الرأي العام معارض منذ اليوم الأول. والمسافة بين الضربة الأولى وإعلان نتائج الاستطلاعات المعارضة قيسَت بأيام لا بأشهر. ومع ذلك لا شيء توقّف. هذا التقلّص في كل المتغيرات مع بقاء النتيجة ثابتة هو بالضبط ما يجعل إيران لحظة كاشفة لا مجرد لحظة مُتكرِّرة. وما تُخبرنا به هذه المقارنة هو أن المنظومة لم تعد تحتاج إلى الوقت الذي كانت تحتاجه. لم تعد بحاجة إلى بناء إجماع — تكتفي بتجاوزه. لم تعد بحاجة إلى إقناع الأغلبية — تكتفي بشلّها. ولم تعد بحاجة إلى إخفاء الهوّة بين الخطاب والفعل — تكتفي بالإبقاء عليها في مستوى من الضجيج لا يُفضي إلى أزمة قابلة للتعبئة.
لكن التشريح الراهن لا يكتمل دون السؤال الأبعد مدىً: ماذا تعني إيران 2026 بالنسبة لمستقبل النموذج الديمقراطي الليبرالي بوصفه نموذجاً قابلاً للتصدير والاحتجاج به في السياسة الدولية؟ بقدر ما تكون جاذبية الدستورانية الأمريكية في تراجع لدى صانعي السياسات الأمريكيين والفاعلين الأجانب على حد سواء، فهذا يعني أن القوة الأمريكية ذاتها تواجه أزمة شرعية حقيقية. المجتمع الدولي يجد نفسه رهينة أهواء قوة متصدّرة فقد فاعلوها الرئيسيون خلال ثلاثة عقود الوضوح حول أهداف تلك الدولة ورؤيتها الشاملة. هذا التشخيص القانوني الصادر عن مجلة جامعة شيكاغو للقانون يصف بلغة أكاديمية رصينة ما يُدركه دبلوماسيون ومحللون بلغات أكثر مباشرة: القوة الأمريكية تفقد شيئاً يتجاوز الشرعية الآنية لهذه الحرب بعينها — تفقد مصداقية الادعاء الكلي بأنها قوة تُمثّل نموذجاً يستحق القياس به. وهذا التحوّل في المصداقية هو ما يُغلق الدائرة مع فكرة كانط وفوكوياما وكل من بنى على أطروحة «نهاية التاريخ»: حين يفقد النموذج الديمقراطي الليبرالي مصداقيته الداخلية — حين يتصرف خارج مبادئه الدستورية في اللحظات المصيرية — يفقد في الوقت ذاته شرعيته بوصفه «المحطة النهائية للتاريخ» التي يجب أن تسعى إليها الشعوب الأخرى. لا يمكنك أن تدعو العالم إلى نموذجك بينما هذا النموذج يُشنّ الحروب دون تفويض ويعمل خارج دستوره في اللحظات الأكثر أهمية.
ما يخلص إليه هذا التشريح المركّب ليس حكماً بـ«انهيار الديمقراطية الأمريكية» — هذا حكم مُتسرِّع لا تُسنده الوقائع ولا يخدم الفهم. الديمقراطية الأمريكية لم تنهر — ما زالت تُنتج انتخابات، وصحافة، واعتراضاً قابلاً للتسجيل. لكن ما كشفته الحرب على إيران في 2026 بصورة لا يمكن دفعها هو الحدود الفعلية لهذه المنظومة: حدودها في فرض رقابة تشريعية على القرار الحربي، وحدودها في ترجمة الإرادة الشعبية إلى سياسة في الفضاء الأمني، وحدودها في إنتاج شرعية رمزية مقنعة حين يتقلّص الرصيد المتراكم. الملك ليس عارياً تماماً — هو يلبس آخر ما تبقّى من ثيابه. لكنه ولأول مرة بهذا الوضوح توقّف عن الاهتمام بما يُرى منه وما لا يُرى. وهذا التوقف عن الاهتمام — لا العري نفسه — هو الأكثر كشفاً في المشهد كله. لأن الملك الذي يُدرك عريه ويخجل منه لا يزال يحتاج إلى رأيك. أما الملك الذي توقّف عن الاهتمام برأيك — فقد انتقل بهدوء من نظام يطلب المشاركة إلى نظام يُسجّلها فحسب. بين الطلب والتسجيل مسافة قصيرة في الشكل وشاسعة في المحتوى. هذه المسافة هي ما رسمت خيوطنا الستة مجتمعة، وما جعلت الحرب على إيران — بكل ما رافقها من استطلاعات وتصويتات وضربات وتبريرات — لحظةً من أنصع لحظات الكشف في مسار الديمقراطية الليبرالية المتأخرة. ليس لأنها أسوأ ما فعله النظام — بل لأنها الأكثر وضوحاً في الكيف الذي يفعله.
الدور الإسرائيلي في بناء القرار الإمبراطوري الأمريكي.. التآكل الديمقراطي من الداخل
ثمة قضايا في الفكر السياسي تُتجنَّب لا لأنها غامضة أو مفتقرة إلى أدلة، بل لأن الأدلة المتوفرة تُزعج — تُزعج التصنيفات المريحة وتُكلّف أصحابها ثمناً أكاديمياً ومهنياً. الدور الإسرائيلي في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية واحدة من هذه القضايا بامتياز: لا تشحّ فيها الأدلة ولا تنقص الأبحاث الموثّقة، لكن الحديث عنها بصراحة أكاديمية في المؤسسات الغربية السائدة يستلزم قدراً من الجرأة الفكرية لا يملكها الجميع. ما سنُقدّمه هنا هو قراءة تحليلية موثّقة في آليات تأثير مجمّع السياسة الإسرائيلي-الأمريكي على القرار الاستراتيجي الأمريكي، وفي كيف يُشكّل هذا التأثير جزءاً لا يُتجاهَل من منظومة التآكل الديمقراطي التي رصدها هذا النص على امتداد خيوطه السابقة. البداية الضرورية هي في الاعتراف بما هو موثّق، العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية لا تُشبه في بنيتها أي علاقة أمريكية مع حليف آخر. المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية لإسرائيل منذ 1948 تجاوزت بحلول 2023 مئة وستين مليار دولار — أعلى مجموع مساعدات قدّمته الولايات المتحدة لأي دولة في التاريخ. واستُخدم حق النقض الأمريكي في مجلس الأمن الدولي منذ 1972 أربعاً وأربعين مرة لحماية إسرائيل من قرارات إدانة — ما يُعادل أكثر من ضعف مجموع استخدام الفيتو الأمريكي في كل قضايا العالم الأخرى مجتمعة. هذه أرقام لا رأي فيها.
في مارس 2006 نشر جون ميرشهايمر وستيفن وولت ورقة بحثية في «مجلة كلية كينيدي للحوكمة» بهارفارد أشعلت جدلاً لم يهدأ حتى اليوم. الورقة التي توسّعت لاحقاً في كتاب «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» تُقدّم حجة مركّبة لا يمكن اختزالها في شعار. ميرشهايمر ووولت — وكلاهما من أبرز منظّري العلاقات الدولية الواقعيين في الأكاديميا الأمريكية — يُبيّنان أن «اللوبي الإسرائيلي» ليس مؤامرة يهودية ولا مجموعة متجانسة ذات قيادة مركزية، بل شبكة من التنظيمات والأفراد الذين يعملون بصورة مشروعة في الفضاء السياسي الأمريكي لجعل دعم إسرائيل أولوية في السياسة الخارجية الأمريكية بصرف النظر عن الحسابات الاستراتيجية الموضوعية للولايات المتحدة ذاتها. الحجة المركزية التي يُقدّمانها، والتي تبقى من أكثر الحجج إثارةً للجدل في الأدبيات الأكاديمية، هي أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يُفسَّر بالمصلحة الاستراتيجية الأمريكية الموضوعية في الشرق الأوسط. إسرائيل ليست احتياطياً نفطياً ولا موقعاً عسكرياً لا تعويض عنه ولا حليفاً تُنتج تكاليف دعمه أقل مما تُنتج من فوائد استراتيجية. الحجة الاستراتيجية الواقعية الخالصة — لو طُبِّقت على العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية بمعزل عن عوامل الضغط السياسي الداخلي — كانت ستُفضي إلى علاقة أكثر توازناً وأقل انحيازاً غير مشروط. ما يُفسّر الانحياز المطلق ليس الاستراتيجية بل السياسة الداخلية — قدرة مجمّع اللوبي الإسرائيلي على التأثير في انتخابات الكونجرس والتمويل الانتخابي والخطاب السياسي بما يجعل التباعد عن الموقف الإسرائيلي مكلفاً انتخابياً بصورة لا تُبيحها معظم التقييمات الاستراتيجية الموضوعية.
ميرشهايمر ووولت يوضّحان بجلاء أن هذا الوصف لا يُعادل الادعاء بأن اللوبي يتحكم في السياسة الأمريكية بشكل كامل ولا أنه السبب الوحيد في توجهاتها — يُعادل الادعاء بأنه يتمتع بتأثير يتجاوز ما تُبرّره المصلحة القومية الأمريكية الموضوعية، وأن هذا التجاوز يُكلّف الولايات المتحدة استراتيجياً وأخلاقياً وديمقراطياً. ما أثاره هذا الكتاب ليس غرابته بل قِدَمه بمعنى آخر، ما يصفه ميرشهايمر ووولت لم يكن سراً على من تابع الشأن الاستراتيجي الأمريكي بعيون مفتوحة. ما كان جديداً هو أن شخصين من وزن أكاديمي مؤسسي بالغ — أستاذ في شيكاغو وعميد كلية كينيدي في هارفارد — قرّرا قوله بصراحة وتوثيقه بصرامة. الضجة كانت دليلاً على صحة ما قالا بقدر ما كانت دليلاً على حراسته المؤسسية. غير أن ما يهمنا هنا أعمق من مجرد التأثير على هذا القرار أو ذاك. ما يهمنا هو الكيف الذي يُعمّق فيه نشاط اللوبي الإسرائيلي التآكلَ الديمقراطي الذي رصدناه سابقا. وهذا يستدعي تحليلاً في مستويين متمايزين. المستوى الأول — تضييق النقاش العام المشروع: الديمقراطية الصحية تشترط أن يكون النقاش السياسي الجاد حول المصالح والخيارات ممكناً دون أن يُؤدّي إلى تكلفة مهنية أو اجتماعية مفرطة تُثبط المشاركة. ما يُوثّقه ميرشهايمر ووولت وما يُؤكّده ناعوم تشومسكي في «المثلث القاتل» (The Fateful Triangle, South End Press, 1983) وما يُدعمه نورمان فينكلشتاين في «صناعة الهولوكوست» (The Holocaust Industry, Verso, 2000) هو أن ثمة آلية تشغيلية تُؤدّي إلى تضييق النقاش المشروع حول السياسة الأمريكية-الإسرائيلية؛ توصيف كل انتقاد جاد بوصفه «معادياً للسامية» أو «معادياً لإسرائيل» بصورة تُنهي النقاش بدل الإجابة عنه. هذه الآلية — التي يُوثّق كل منهم أمثلة عليها من تجارب أكاديميين وصحفيين وسياسيين طاولتهم تبعاتها — لا تُلغي النقاش بالقوة بل تُكلّفه بصورة تُنتج رقابة ذاتية واسعة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية والسياسية. إن الأثر الديمقراطي لهذه الآلية يُشخّصه ميرشهايمر ووولت بدقة حين يُصبح بُعد من أبعاد السياسة الخارجية محمياً من النقاش الجاد في الفضاء العام، ينكسر أحد الشروط الأساسية للديمقراطية التداولية — شرط إمكانية مساءلة كل قرار وكل تحالف في ضوء المصلحة العامة الموثّقة. اللوبي الإسرائيلي لا يعمل خارج الديمقراطية بل يعمل من خلالها — لكنه يُنتج حول مساحة محددة من السياسة «حصانة من المساءلة» لا تتمتع بها معظم المجالات السياسية الأخرى.
أما المستوى الثاني — تشويه الحساب الاستراتيجي للمصلحة الوطنية، لديمقراطية تفترض أن السياسة الخارجية تخدم مصلحة المواطنين الذين يُموّلونها بضرائبهم ويُؤدّيها أبناؤهم بأرواحهم. حين تُشكَّل هذه السياسة بشكل يُعظّم مصالح دولة حليفة على حساب المصلحة الأمريكية الموضوعية، يتآكل المبدأ التمثيلي الجوهري — مبدأ أن المنتخَبين يُمثّلون من انتخبوهم لا من يُموّلون حملاتهم الانتخابية. الأرقام هنا موثّقة: منظمة AIPAC (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية) تُصنَّف باستمرار ضمن أكثر مجموعات الضغط نفوذاً في واشنطن. ومنذ 2000، تجاوزت المساهمات المرتبطة بالمؤيدين الإسرائيليين للحملات الانتخابية الأمريكية مئة وخمسة وعشرين مليون دولار موثّقة — وهذا الرقم لا يشمل الإنفاق «الناعم» غير المُصنَّف رسمياً. وأعضاء الكونغرس الذين تجرّأوا على انتقاد السياسة الإسرائيلية بصراحة — من بول فيندلي في الثمانينيات إلى إلهان عمر في العقد الأخير — وجدوا أنفسهم في مواجهة حملات مُموّلة تستهدف مقاعدهم تحديداً.
ولفهم الحرب على إيران 2026 في بُعدها الإسرائيلي-الأمريكي، لا بد من تتبّع مسار أطول بكثير من الحدث ذاته. إيران لم تظهر كأولوية استراتيجية أمريكية من فراغ — بل صِيغت هذه الأولوية تدريجياً عبر عقود من التأطير الاستراتيجي الإسرائيلي الذي أُدخِل إلى الخطاب الاستراتيجي الأمريكي بصورة منهجية. وثيقة «نقطة انقطاع نظيفة» (A Clean Break) التي أعدّها عام 1996 فريق من المستشارين الاستراتيجيين لصالح بنيامين نتنياهو حين كان يستعدّ لرئاسة الوزراء هي المستند التأسيسي في هذا المسار. الوثيقة — التي صاغها ريتشارد بيرل وداغلاس فيث وديفيد وورمسر وآخرون ممن انتقلوا لاحقاً إلى مناصب في إدارة بوش الابن — تُقدّم استراتيجية لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم الأمن الإسرائيلي، وتشمل صراحةً، إزالة صدام حسين من السلطة في العراق كخطوة أولى، ثم «احتواء» سوريا وإيران. والمفارقة المُذهلة أن مَن صاغوا هذه الوثيقة لصالح الحكومة الإسرائيلية في 1996 هم بالضبط من صاغوا في 2002-2003 حجج الغزو الأمريكي للعراق من داخل الإدارة الأمريكية. السياسة الإسرائيلية لم تنتظر — جاءت إلى واشنطن بأصحابها.
ما يُكمل هذا المسار هو توثيق رشيد خالدي في «حرب المئة عام على فلسطين» لكيفية عمل الحالة الاستراتيجية الإسرائيلية داخل المنظومة السياسية الأمريكية، ليس كضغط خارجي يُمارَس على سياسة أمريكية مستقلة، بل كصياغة تشتغل من الداخل — من خلال مسؤولين يحملون هذه الرؤية كجزء من تكوينهم المهني والأيديولوجي ويحتلون مواقع حساسة في صناعة القرار. الاستراتيجي الذي تشرّب التقييم الإسرائيلي لإيران بوصفها «التهديد الوجودي» لا يحتاج إلى لوبي يضغط عليه — هو يُقرر بناءً على قناعة داخلية تتطابق مع الموقف الإسرائيلي لأنها تشكّلت بالجزء الأكبر من خلاله. وحين تُقرأ الحرب على إيران 2026 في ضوء هذا المسار، تتضح عناصر كانت تبدو غامضة في التحليل المنعزل عن سياقه. الحجة الأمريكية الرسمية — «منع الانتشار النووي الإيراني كتهديد للاستقرار الإقليمي» — هي ترجمة دقيقة للتأطير الاستراتيجي الإسرائيلي الذي يُقدّم البرنامج النووي الإيراني بوصفه «تهديداً وجودياً» لإسرائيل، لا مجرد اختلالٍ في موازين القوى الإقليمية قابل للإدارة بالوسائل الدبلوماسية. غير أن هذه الترجمة تحمل مشكلة منطقية ذات أهمية تحليلية: «التهديد الوجودي لإسرائيل» و«التهديد الاستراتيجي للمصلحة الأمريكية» ليسا مفهومَين متطابقَين. إسرائيل دولة في محيط إقليمي مباشر تقع فيه إيران وتُؤثّر بنفوذها عليه تأثيراً مباشراً. الولايات المتحدة دولة عابرة للقارات تفصلها عن إيران محيطات ولا حدود مشتركة لها معها. تقييم مدى التهديد الإيراني للمصلحة الأمريكية الموضوعية ينبغي أن يسير بمنطق مختلف عن تقييم التهديد الإسرائيلي — لكن ما يُظهره السجل هو أن التقييم الأمريكي يكاد أن يكون نسخة عن التقييم الإسرائيلي في معظم فترات التوتر الأمريكية-الإيرانية. وفي هذا السياق نجد أن تشومسكي في «هيمنة أم بقاء» يُفرّق بين «المصلحة القومية الأمريكية» كما تُصاغ في الخطاب الرسمي وكما تُعرَّف فعلاً في القرارات المحددة. ويُبيّن أن المصلحة التي كثيراً ما يُحارب في سبيلها الجندي الأمريكي هي مصلحة شبكات من الفاعلين الاستراتيجيين لا مصلحة «الشعب الأمريكي» بالمعنى الديمقراطي المعلَن. وإيران تُقدّم مثالاً نادر الوضوح؛ فالاستطلاعات تُظهر أن الأغلبية الأمريكية لا ترى في إيران تهديداً يستحق الحرب — لكن المصلحة المُحرِّكة للقرار ليست هذه الأغلبية بل شبكة من الفاعلين الاستراتيجيين والمؤسسيين الذين تتشابك مصالحهم وأجنداتهم مع التقييم الإسرائيلي للتهديد.
ما أضافه السياق الأمريكي في الفترة 2016-2026 إلى هذه الصورة هو تحوّل نوعي لافت: التأثير الإسرائيلي الذي كان يعمل تاريخياً عبر قنوات غير مرئية أصبح في فترات معينة يعمل علانيةً دون اعتذار. بنيامين نتنياهو كسر بصورة علنية وغير مسبوقة المعيار الدبلوماسي القاضي بعدم التدخل في الانتخابات الداخلية لدولة حليفة — حين خطب في الكونجرس الأمريكي عام 2015 ضد اتفاقية أوباما النووية مع إيران، مُعارضاً بصراحة سياسة الرئيس الأمريكي أمام برلمانه. الأمر الأكثر لفتاً للنظر من الخطاب نفسه هو أن الكونغرس وقف له مُصفّقاً سبعاً وعشرين مرة — ما أدهش المراقبين الأجانب وكشف بصورة نادرة كيف تُمارَس شبكة التأثير حتى في أكثر لحظاتها وضوحاً. في سياق الحرب على إيران 2026، الرواية المتاحة من المصادر الصحفية الموثوقة تُشير إلى أن التنسيق العسكري الأمريكي-الإسرائيلي في «عملية العضب الملحمي» كان وثيقاً إلى حد يجعل تصنيف الحرب «أمريكية» بالمعنى الانفرادي مُضلِّلاً. إسرائيل لم تكن حليفاً يُستشار — كانت شريكاً في التخطيط العملياتي شرّح فيه كل طرف مجاله. والأهم أن التأطير الاستراتيجي للحرب — «منع الوجودي» — كان تأطيراً إسرائيلياً اعتمده المسؤولون الأمريكيون كأساس للقرار بصورة تُثير التساؤل: من الذي قرر فعلاً أن الخطر «وجودي»؟ ومن الذي يتحمل تبعات هذا التأطير الأعلى — الجندي الأمريكي أم المستوطن الإسرائيلي؟
من يُقرّر باسم مَن؟
هذا السؤال يعيدنا إلى صلب ما رصدناه سابقا، لكن بإضافة بُعد يُغيّر من حدة التشخيص. آنفا، رصدنا تمركز قرار الحرب في الجهاز التنفيذي الأمريكي. لكن حين نُضيف البُعد الإسرائيلي، يتضح أن «الجهاز التنفيذي الأمريكي» نفسه يعمل ضمن قيود وضغوط وتأطيرات تجعل بعض قراراته نتاج عملية تأثير تتجاوز الديناميكيات الداخلية الأمريكية وحدها. المواطن الأمريكي الذي يرفض الحرب على إيران — ويُمثّله استطلاع Pew بنسبة 59% — لم يُشارك فقط في تشكيل قرار لم يُعبَأ برأيه، بل في تشكيل قرار تُشارك في صناعته عوامل لم يُؤذَن له حتى بمعرفة حجم تأثيرها. وهذا التداخل بين غياب الشفافية الداخلية وحضور التأثير الخارجي يُنتج تآكلاً ديمقراطياً مركّباً يجعل «الإرادة الشعبية» رهينة مزدوجة — مرة أمام جهازها التنفيذي الخاص، ومرة أمام شبكات تأثير خارجي تعمل عبره. هذا ما يُسمّيه ميرشهايمر ووولت في خلاصتهما «أزمة الشفافية في الديمقراطية الأمريكية» حين يتعلق الأمر بالسياسة الإسرائيلية، السياسة الخارجية في الديمقراطية يجب نظرياً أن تخضع للنقاش العام ذاته الذي تخضع له السياسات الداخلية. لكن حين تُحاط مساحة محددة من السياسة الخارجية بحصانة من النقاش الجاد — عبر آليات التكلفة الأكاديمية والمهنية التي وصفناها — تُنتج ثغرة في الديمقراطية التداولية، الناخب لا يستطيع تقييم ما لا يُتاح له مناقشته بحرية، ولا يستطيع المساءلة فيما لا تصله معلومات كاملة عنه.
الصورة الأكثر اتساقاً تستدعي فهم «المثلث» الاستراتيجي لا «الثنائي»؛ الولايات المتحدة وإسرائيل والمجمّع الصناعي-العسكري الأمريكي الذي تُمثّل الحروب بالنسبة إليه — بصرف النظر عن ذريعتها — مصلحة اقتصادية مباشرة. هذا المثلث لا تُحرّكه أيديولوجيا واحدة بل تتقاطع فيه مصالح متباينة تنتهي إلى نتيجة واحدة؛ الحرب. المجمّع الصناعي-العسكري الذي حذّر منه أيزنهاور في خطاب وداعه عام 1961 — «يجب أن نحرص على عدم السماح للمجمّع الصناعي-العسكري باكتساب نفوذ غير مشروع سواء طُلب أم لم يُطلَب» — لم يتراجع منذ ذلك الحين، بل توسّع وعمّق ارتباطاته مع دوائر صنع القرار. وشركات صناعة الأسلحة الأمريكية الكبرى — Raytheon وLockheed Martin وBoeing وغيرها — تُنفق سنوياً مئات الملايين على اللوبينغ في واشنطن وتُموّل حملات انتخابية لأعضاء الكونجرس الذين يُقرّرون ميزانيات الدفاع. في الحرب الأمريكية الإسرائيلية علي إيران في 2026 أُطلقت آلاف الصواريخ والقنابل الذكية التي تبلغ كلفة الوحدة الواحدة منها بين مئة وخمسمئة ألف دولار. هذا إثراء مباشر لشركات تُموّل المنظومة السياسية التي قرّرت الحرب. كما يمكن القول، إن تقاطع مصالح المجمّع الصناعي-العسكري مع الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية مع الجهاز التنفيذي الأمريكي المتمركز ينتج بنية قرار تعمل بمنطقها الخاص المستقل إلى حد بعيد عن ما تُسمّيه الديمقراطية «الإرادة الشعبية». وهذا الاستقلال — لا العدائية المُدبَّرة — هو ما يُنتج التآكل الديمقراطي في صورته الأكثر إحكاماً؛ منظومة لا تحتاج إلى تزوير الانتخابات ولا إلى إلغاء الصحافة ولا إلى تعليق الدستور — تحتاج فقط إلى الاستمرار في العمل بمنطقها الداخلي المتماسك في مواجهة منظومة ديمقراطية لم تعد تملك من التماسك ما يُتيح لها فرض رقابة فعلية.
وحين تُقرأ العلاقة الإسرائيلية-الأمريكية في صنع القرار الحربي بهذه الأدوات التحليلية، يتضح أنها ليست هامشاً يُضاف إلى تحليل مستقل — هي عنصر بنيوي في منظومة القرار التي أنتجت الحرب على إيران. لكن هذا البُعد لا يُلغي ما قدّمته الخيوط السابقة — يُضيف إليها طبقة تُكمل الصورة؛ المشكلة ليست في إسرائيل وحدها ولا في اللوبي وحده ولا في الجهاز التنفيذي وحده ولا في المجمّع الصناعي-العسكري وحده. المشكلة في التقاء هذه العناصر في منظومة تعزّز بعضها وتُنتج نتيجة — الحرب — لا تخدم بالضرورة المصلحة الموضوعية للأغلبية التي تُموّلها وتدفع أبناؤها ثمنها. وهذا بالضبط هو التعريف الأكثر دقة للتآكل الديمقراطي في صورته البنيوية؛ ليس انقلاباً ولا استبداداً صريحاً، بل هو الحالة التي تتحوّل فيها القرارات الكبرى — الحرب والسلم، الحياة والموت — من تعبير عن إرادة مجتمع سياسي إلى محصّلة تقاطع مصالح شبكات قوة لا يُسمع صوت هذا المجتمع فيها بما يكفي لتغيير وجهتها. وما قدّمته إيران 2026 هو ربما أوضح نموذج راهن لهذه الحالة — حيث وُثّقت المعارضة الشعبية وسُجّل العجز الدستوري وكُشف التأثير الخارجي في آنٍ واحد، مما يُتيح للقارئ المتأمل رؤية المنظومة كاملةً في لحظتها الأكثر عرياً. هذا العري — لا بالمعنى الفضائحي بل بالمعنى الكاشف — هو ما يجعل الحرب على إيران ليست مجرد حدث يُدان أو يُبرَّر، بل وثيقة تاريخية حيّة تُتيح فهم المرحلة التي وصل إليها نظام كان في لحظة من لحظاته أكثر النماذج البشرية قدرةً على الجمع بين القوة والشرعية. فهم هذه الوثيقة بصدق — دون مبالغة في الإدانة ودون إغماض عمّا تكشفه — هو ما يصنع الفرق بين القراءة الأكاديمية التي تُضيء وتلك التي تُعيد إنتاج ما تزعم تفسيره.
الخطأ الأكثر شيوعاً في تحليل الدور الإسرائيلي في القرار الأمريكي هو اختزاله في «ضغط اللوبي» — كأن ثمة سياسة أمريكية مستقلة وموضوعية تتعرّض لضغط خارجي يُحرفها عن مسارها الطبيعي. هذا النموذج يُخطئ في أمرين: أولاً يفترض وجود «مسار طبيعي» للسياسة الأمريكية منفصل عن الضغط الإسرائيلي يمكن تحديده، وهو افتراض يصعب إثباته بعد ثمانية عقود من التشابك. وثانياً يُقدّم العلاقة بوصفها علاقة فاعل ومُتلقٍّ — مجموعة ضغط خارجية تُحرّك قرارات داخلية — في حين أن الواقع الأكثر دقة هو علاقة تشابك أيديولوجي حقيقي يصعب فيه الفصل بين «الأمريكي» و«الإسرائيلي» في بنية القناعة الاستراتيجية لكثير من صانعي القرار. أنتوني بلينكن الذي شغل منصب وزير الخارجية الأمريكية قبيل الحرب على إيران نشأ في عائلة كان والده المتبنّى ومحاميه الشخصيون مرتبطَين ارتباطاً وثيقاً بالمجتمعات اليهودية الأمريكية الداعمة لإسرائيل. جيك سوليفان مستشار الأمن القومي أمضى سنوات في التفكير الاستراتيجي حول الملف الإيراني من زاوية تُقدّم التهديد الإيراني للأمن الإسرائيلي بوصفه مدخلاً أوّلياً للتحليل. هذا لا يعني أن هؤلاء «عملاء» لإسرائيل — يعني شيئاً أكثر تعقيداً وأعمق أثراً: أنهم تشرّبوا إطاراً معرفياً يجعل المصلحة الإسرائيلية جزءاً طبيعياً من حسابات المصلحة الأمريكية بصورة تسبق الحسابات الاستراتيجية الموضوعية وتُشكّل الأسئلة قبل البحث عن أجوبتها.
إن ما يُسمّيه أنطونيو جرامشي في «دفاتر السجن» «الهيمنة الثقافية» هو بالضبط ما يصف هذه الظاهرة في أدقّ تعبير نظري متاح. الهيمنة عند جرامشي لا تشتغل بالإكراه المباشر بل بتطبيع رؤية للعالم تُصبح «الحس المشترك» (common sense) الذي يُفكّر فيه الجميع بصورة تبدو طبيعية لا مفروضة. حين يُصبح تأطير إيران بوصفها «التهديد الوجودي» الأول في الشرق الأوسط «حساً مشتركاً» في المؤسسة الأمنية الأمريكية — حين يُنتج هذا التأطير بصورة متواصلة في مراكز الفكر والكليات الحربية والتقارير الاستخباراتية والنقاشات التلفزيونية — فإنه يُصبح الإطار الذي «يُفكّر» من خلاله صانع القرار لا مجرد الإطار الذي «يُفكّر فيه» كخيار أيديولوجي واعٍ هذا التمييز الجرامشي حاسم؛ اللوبي لا يُقنع الجميع في كل مرة — ينجح حين يُرسّخ الإطار المعرفي الذي يجعل خياره يبدو استنتاجاً منطقياً لا ضغطاً سياسياً. حين يُصبح «منع إيران من النووي» مقدمةً محسومة لا موضع نقاش، لا يحتاج اللوبي إلى ضغط في كل مرة — يحتاج فقط إلى الحفاظ على هذه المقدمة راسخة في «الحس المشترك» للمؤسسة. وهذا ما فعله على امتداد عقود باستثمار في الأوساط الأكاديمية ومراكز الفكر والإعلام والتعليم العسكري والدبلوماسي. النتيجة، صانع القرار الأمريكي الذي يواجه الملف الإيراني يجد نفسه في مشهد معرفي يبدو فيه التشدد الخيار «العقلاني» والمفاوضة الجدية تنازلاً «خطيراً» — ليس لأن أحداً أملى عليه هذا الحكم بل لأن الإطار الذي تشكّلت فيه أدواته التحليلية نفسها صِيغ بهذه الطريقة.
لا يكتمل فهم العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية دون ضمّ الضلع الثالث الذي يُهمَل في معظم التحليلات العلمانية، التيار الإنجيلي الأصولي الأمريكي وعلاقته الأيديولوجية-اللاهوتية بإسرائيل. هذا التيار الذي يُمثّل أكثر من ستة وعشرين مليون ناخب أمريكي — وهم من أكثر قواعد التصويت انضباطاً وانتظاماً — يرى في الدولة الإسرائيلية تحقيقاً نبوياً لأسفار العهد القديم وشرطاً لاهوتياً للعودة الثانية للمسيح. هذه الرؤية اللاهوتية التي تُسمّى «اللاهوت التدبيري» (dispensationalist theology) لا تُفرّق في جوهرها بين التأييد السياسي لإسرائيل والالتزام الديني — بل تُقدّم الأول امتداداً طبيعياً للثاني. يُوثّق غارثي روبين في «صلب المسيحيين الأصوليين: سياسة اليمين الديني» وبالتفصيل كيف أن منظمات كـ«المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل» (Christians United for Israel) التي أسّسها جون هاغي وتضم قرابة عشرة ملايين عضو تُقدّم دعم إسرائيل ومعارضة إيران بوصفهما فريضة دينية لا موقفاً سياسياً. وما يُضيفه هذا البُعد إلى التحليل هو أن قاعدة التأييد الأمريكية لإسرائيل ليست مقتصرة على الجاليات اليهودية الأمريكية — بل هي تحالف أوسع يجمع المصلحة السياسية اليهودية الأمريكية مع العقيدة الدينية الإنجيلية البروتستانتية في منظومة سياسية لا مثيل لها في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة.
هذا التحالف يُنتج ظاهرة ديمقراطية مركّبة؛ الناخب الإنجيلي الذي يُصوّت جزئياً بناءً على موقف المرشح من إسرائيل لا يتصرف بدوافع مادية بل بدوافع لاهوتية — وهذا يجعل هذا الناخب غير قابل للإقناع بالحجج الاستراتيجية الموضوعية. حين تُقال له «المصلحة الأمريكية الموضوعية لا تستدعي هذا المستوى من الالتزام مع إسرائيل» يُجيب بأن هذا ليس قراراً استراتيجياً بل أمراً إلهياً. وهذا يُرسّخ قاعدة انتخابية لا تُحكمها حسابات عقلانية قابلة للتغيير بالأدلة — مما يُضيّق الهامش السياسي أمام أي رئيس أو مرشح يُريد مراجعة العلاقة مع إسرائيل أو مقاربة إيران بصورة أكثر مرونة. الأثر الديمقراطي لهذه المعطيات يصفه فيليب غورسكي في «البروتستانتية الأمريكية والأمة الأمريكية» بمصطلح الوطنية الكتابية (biblical nationalism) توظيف السرديات الدينية لتأطير الفعل السياسي بصورة تُسبغ عليه قداسة تعلو على المساءلة الديمقراطية العادية. وهنا يصبح القرار الحربي الذي يُكسى برداء الواجب الديني — حماية «أرض الميعاد» من التهديد الإيراني — محصّناً من النقد بطريقة لا يستطيعها أي حجة استراتيجية خالصة. وهذا التحصين هو جزء من المنظومة التي يعجز المعترض على الحرب عن اختراقها حتى حين يمتلك الأدلة والأرقام الكافية.
يمكن البناء علي ذلك إذن بالقول، إن ما شهده العقد الأخير هو تحوّل نوعي في طبيعة التحالف الأمريكي-الإسرائيلي يتجاوز العلاقة الاستراتيجية التقليدية نحو تقارب أيديولوجي أعمق بين يمين اليمين الأمريكي واليمين الإسرائيلي المتصهين. هذا التقارب لا يشتغل عبر قنوات اللوبي التقليدية بل عبر شبكة أوسع من المؤسسات الأيديولوجية المشتركة؛ مراكز فكر محافظة تتقاسم أجندة مناهضة للإسلام السياسي ومناهضة للتعددية الثقافية ومناهضة لما يُسمّيه كلا الطرفين «اليسار العالمي». وفي هذا الإطار الأيديولوجي المشترك، تُصبح إيران ليست فقط تهديداً لإسرائيل بل «رمزاً» لكل ما يُعادي هذه الرؤية المشتركة — الإسلام المسلّح، والأيديولوجيا المعادية للغرب، والقوة الإقليمية التي تتحدى النظام الذي يرى فيه كلا اليمينَين الأمريكي والإسرائيلي صورته. كتب أوري أفنيري — الصحفي الإسرائيلي اليساري الذي قضى عقوداً في نقد السياسة الإسرائيلية من الداخل —قبيل وفاته مقالاً يستشهد به ناعوم تشومسكي في «من يحكم العالم؟» يُقدّم فيه ملاحظة نادرة من موقعه الداخل،: التحالف بين اليمين الإسرائيلي والمبشّرين الأمريكيين يحمل مفارقة عميقة — المبشّرون يُريدون اليهود في أرض إسرائيل لأن عودتهم شرط للغياب النهائي للسكان اليهود في نهاية الزمان وفق لاهوتهم. واليمين الإسرائيلي يتحالف معهم لأن التمويل السياسي والانتخابي الذي يُوفّرونه يُعوّض عن الانحسار التدريجي في التأييد الشعبي الداخلي للسياسات الاستيطانية. هذا تحالف يستند إلى مصالح آنية متقاطعة لا إلى رؤية مشتركة حقيقية — لكنه يعمل، ويُنتج أصواتاً في الكونجرس وتمويلاً للحملات الانتخابية وضغطاً على المرشحين. ولا يمكن إغفال ما يُجلّيه المعيار المزدوج الأمريكي في التعامل مع الملف النووي وملف أسلحة الدمار الشامل في المنطقة — إذ يُضيء بصورة ساطعة الكيف الذي تُشكّل فيه الاعتبارات الإسرائيلية الإطار الأخلاقي الانتقائي للسياسة الأمريكية. إسرائيل تمتلك ما يُقدَّر بمئة وثمانين رأساً نووياً — وهذا الرقم موثّق في التقارير الاستخباراتية الغربية وإن لم تُعترَف به الحكومة الإسرائيلية رسمياً — ولم تنضمّ إلى معاهدة عدم الانتشار النووي. الولايات المتحدة لم تضغط يوماً على إسرائيل للانضمام إلى هذه المعاهدة، ولم تُقدّم برنامجها النووي بوصفه «تهديداً للاستقرار الإقليمي».
في المقابل، إيران — العضو في معاهدة عدم الانتشار والخاضعة لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية — قُدّمت برنامجها النووي بوصفه «تهديداً وجودياً» يستدعي الحرب. هذا المعيار المزدوج ليس مجرد تناقض أخلاقي مزعج — هو شاهد على كيف تُشكّل الاعتبارات الإسرائيلية الإطار التحليلي الذي يُقيَّم من خلاله التهديد في المنطقة: ما يخدم الأمن الإسرائيلي «استقرار»، وما يُهدده «تهديد وجودي» — بصرف النظر عن أي معيار موضوعي مستقل. محمد البرادعي المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية — الذي حاز نوبل السلام وكان أكثر الأطراف اطلاعاً على الملف الإيراني — كتب في مذكراته «عصر الخداع» أن الضغط الأمريكي على عمله كمفتش تجاوز في أحيان كثيرة الحد المهني إلى التدخل في صياغة التقارير بما يخدم أجندات سياسية محددة — وأن الدفع نحو التصعيد في الملف الإيراني جاء مراراً من جانب أطراف كانت الأدلة لديها تُشير إلى إمكانية الحل الدبلوماسي لكنها آثرت التصعيد لاعتبارات لا تتعلق بالأمن النووي بالمعنى الموضوعي. ربما يُؤكد هذا ما يُوثّقه ميرشهايمر في «وهم الأمن الإسرائيلي» من أن «التهديد الوجودي» الإيراني تضخّم في الخطاب الاستراتيجي الأمريكي بصورة غير متناسبة مع التقييمات الاستخباراتية الموضوعية، وأن هذا التضخيم اشتغل في خدمة أجندة استراتيجية إسرائيلية تريد إزالة أي قوة إقليمية قادرة على تحدّي التفوق الإسرائيلي، لا منع امتلاك الأسلحة النووية بالمعنى المعياري المتسق. ربما الخطورة أيضاً، أن بعض قرارات السياسة الخارجية الأمريكية الكبرى لا تُشكَّل فقط بضغط خارجي بل بإعادة تعريف «الأمن القومي الأمريكي» نفسه بصورة تُدرج فيها مصالح طرف ثالث بوصفها مصالح أمريكية ذاتية. وهذا الإدراج — حين يتراكم عبر الأجهزة التعليمية والاستخباراتية والدبلوماسية والإعلامية على امتداد عقود — يُنتج ما يمكن تسميته «استعارة الأمن» (security borrowing) الدولة الأمريكية تستعير تعريف تهديداتها من دولة حليفة وتُعيد بناء استراتيجيتها وفقه بصورة تُلزمها بما لم تكن ملتزمة به تقييماً موضوعياً مستقلاً. طور ريتشارد فوك في «تحدي الإمبراطورية الإنسانية» هذه الفكرة من منظور قانون دولي: حين تُشنّ الولايات المتحدة حروباً تُشكّل فيها المصلحة الإسرائيلية عاملاً تأسيسياً في القرار — لا مجرد اعتبار جانبي — فإنها تُنتج نموذجاً من «الحرب بالوكالة المعكوسة» (reverse proxy war) ليس القوى الكبرى تخوض حروباً بالوكالة عبر أطراف أصغر، بل الطرف الأصغر يُحرّك جزئياً توجهات القوة الكبرى بصورة تجعل الكبير يخوض حرب الصغير في حرب تُقدَّم باسم مصالح الكبير. ولا يوجد في التاريخ الحديث نموذج على هذا النمط يُضاهي الحالة الإسرائيلية-الأمريكية في الاستدامة والعمق والتجذّر المؤسسي.
إذن بتنا أمام صورة بالغة التعقيد لمنظومة تآكل ديمقراطي لا مثيل له في التاريخ المعاصر من حيث عمقه وتشعّبه ومقاومته للإصلاح. ليست أزمة رئيس استبدادي يمكن إزاحته ولا أزمة قانون يمكن تعديله ولا أزمة لوبي يمكن تقييده — هي أزمة تشابك بنيوي بين عوامل متعددة تُشكّل كل منها جزءاً لا يكتمل المشهد بدونه. فالجهاز التنفيذي الذي تمركزت فيه صلاحيات الحرب عبر ثمانية عقود. والمؤسسة الأمنية التي أدارت باستقلالية متصاعدة عن الرقابة التشريعية. والمجمّع الصناعي-العسكري الذي يجد في الحرب مصلحة اقتصادية مباشرة. والأيديولوجيا الغرامشية المشتركة التي تُطبّع التقييم الاستراتيجي الإسرائيلي بوصفه حساً مشتركاً في المؤسسة الأمريكية. واللاهوت السياسي الإنجيلي الذي يُقدّم الالتزام بإسرائيل فريضةً دينية تعلو على الحساب الاستراتيجي. وتضييق الفضاء المعرفي والأكاديمي حول هذه القضية تحديداً. وانهيار الثقة في المؤسسات وتجويف الهوية الجمعية وتآكل رأس المال الاجتماعي. وإفراط الإمبراطورية في الاتساع حتى صارت تبحث في حروبها عن المعنى الذي تعجز عن إنتاجه في السياسة. كل هذه العوامل تتقاطع في لحظة الحرب علي إيران في 2026 لتُنتج حرباً لا يُقرّرها الشعب الأمريكي ولا يُفيد منها بشكل واضح ولا يستطيع إيقافها بأدواته الديمقراطية المتاحة — حرباً تجري باسمه وعلى حسابه وتُلزم أبناءه وتكلف ضرائبه دون أن تستوفي الحد الأدنى من الشروط التي تجعل قرار الحرب في ديمقراطية قراراً يعكس إرادة من يدفع ثمنه. والأخطر في هذا كله ليس الحرب بذاتها — الحروب كانت دائماً جزءاً من التاريخ الإنساني حتى في أكثر مجتمعاته ديمقراطية. الأخطر هو ما يُعبّر عنه غياب المفاجأة؛ المواطن الأمريكي الذي عارض الحرب في مارس 2026 ولم يُفاجَأ بأن معارضته لم تُوقفها — هو مواطن تعلّم أن إرادته لا تُغيّر شيئاً في القضايا التي تُقرّرها الشبكات الأعمق من شبكة الانتخاب والبرلمان. وهذا التعلّم بالإحباط المتكرر هو — فيما يرى هذا النص — أكثر العلامات على التآكل الديمقراطي الحقيقي. ليس حين يُقمع الشعب بل حين يتوقف عن توقّع أن يُسمع. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 2026 ليست نهاية هذه القصة — وربما ليست أسوأ فصولها بعد. لكنها الفصل الذي خُطّت فيه بخط واضح المسافة بين الادعاء والواقع، بين المبدأ والممارسة، بين خطاب الديمقراطية وسلوك الإمبراطورية.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
Antonio Gramsci: Prison Notebooks, trans. Hoare & Smith, Lawrence and Wishart, 1971
Aslı Bâli and Aziz Rana: Constitutionalism and the American Imperial Imagination, The University of Chicago Law Review, March 04, 2018, pp 257 – 292 , https://lawreview.uchicago.edu/print-archive/constitutionalism-and-american-imperial-imagination
Arthur M. Schlesinger, Jr.: The Imperial Presidency, Mariner Book Houghton Mifflin Company, Boston New York. 1989
HULME MP. War and Responsibility. American Political Science Review. 2026;120(1):267-290. doi:10.1017/S0003055425000206
karl schmidt: The Concept of the Political, trans. Schwab, University of Chicago Press, 1996
CHALMERS JOHNSON: Nemesis the last days of the American Republic, New York Metropolitan Books, 2006
chantal mouffe: Agonistics: Thinking the World Politically, Verso, 2013
Congressional Research Service U.S. Conflict with Iran, https://www.congress.gov/crs-product/R48887
Clausewitz: On War, trans. Howard & Paret, Princeton University Press, 1976
C. Wright Mills: The Power Elite, Oxford University Press, 1956,
Edward S. Herman, Noam Chomsky: Manufacturing consent : the political economy of the mass media, New York : Pantheon Books, 1988
Edward L. Bernays: Propaganda, new york, horace liveright, 1928
Michael howard: war and the libral conscience, New Brunswick, N.J. : Rutgers University Press, 1978
Michael W. Doyle: Liberal internationalism: peace, war and democracy,
IMMANUEL KANT: PERPETUAL PEACE A PHILOSOPHICAL ESSAY, 1795.
nell postman: Amusing ourselves to death : public discourse in the age of show business, New York : Penguin Books, 1986
Noam Chomsky: Who Rules the World?, Metropolitan Books, 2016
joseph A. schumpeter: capitalism socialism and democracy, harper colophon books, 1975
jurgen habermas: The Structural Transformation of the Public Sphere, trans. Burger, MIT Press, 1989
john mueller: Presidents and Public Opinion, New York: Wiley, 1973
john j. mearsheimer: The Great Delusion LIBERAL DREAMS AND INTERNATIONAL REALITIES, New Haven Yale University Press, 2018.
john j. mearsheimer and stephen m. walt: the israel lobby and u.s. foreign policy, farrar, straus and giroux, new york, 2007
robert putnam: Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community, Simon & Schuster, 2000
robert dahl: Democracy and Its Critics, Yale University Press, 1989
Rashid Khalidi: The Hundred Years’ War on Palestine, Metropolitan Books, 2020
Randall balmer: Thy Kingdom Come: How the Religious Right Distorts the Faith and Threatens America, Basic Books, 2006
paul kennedy: The Rise and Fall of the Great Powers, Random House, 1987
Pew Research Center. “Americans Broadly Disapprove of U.S. Military Action in Iran. March 25, 2026. https://www.pewresearch.org/politics/2026/03/25/americans-broadly-disapprove-of-u-s-military-action-in-iran/
Poe, Steven C., C. Neal Tate, and Linda Camp Keith. “Repression of the Human Right to Personal Integrity Revisited: A Global Cross-National Study Covering the Years 1976-1993.” International Studies Quarterly 43, no. 2 (1999): 291–313. http://www.jstor.org/stable/2600757.
Philip Knightley: The first casualty : the war correspondent as hero and myth-maker from the Crimea to Iraq, Baltimore, Md. : Johns Hopkins University Press, 2004
Philip Gorski: American Covenant: A History of Civil Religion from the Puritans to the Present, Princeton University Press, 2017
Ipsos: The Iran Conflict, https://www.ipsos.com/en/global-opinion-polls/the-iran-conflict
Yascha Mounk: The People vs. Democracy: Why Our Freedom Is in Danger and How, Harvard University Press, 2018
Sheldon s wolin: Democracy incorporated : managed democracy and the specter of inverted totalitarianism, Princeton : Princeton University Press, 2008
Walter lippmann: public opinion , New York, Harcourt, Brace and Company, 1922



