الانتخابات الأرمنية و إعادة تشكيل التوازنات الداخلية والخيارات الجيوسياسية

متابعات :
- تم تحديثه في

تحليل: ﭽاكلين جرجس

​   في مشهد سياسي شديد الاستقطاب وفي قلب منطقة جنوب القوقاز المشتعلة، جاءت الانتخابات البرلمانية الأرمينية لعام 2026 لتمثل أكثر من مجرد اقتراع داخلي؛ بل كانت بمثابة استفتاء شعبي وتاريخي على هوية البلاد المستقبلية. فبين الرغبة في تعميق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والغرب، ومحاولة الحفاظ على شعرة معاوية مع الحليف الاستراتيجي التقليدي في موسكو، خاض الناخب الأرمني هذه الانتخابات مثقلاً بملفات شائكة تتأرجح بين تحديات السيادة، وإعادة تموضع البلاد جيوسياسياً، والسعي نحو سلام إقليمي مستدام.

لم تكن صناديق الاقتراع في أرمينيا هذه المرة مجرد أداة ديمقراطية لفرز المقاعد، بل كانت مرآةً لبلدٍ يحاول النهوض من ركام الأزمات. كأول انتخابات عامة تشهدها البلاد. فبين حزب حاکم يقوده نيكول باشينيان يسعى لتثبيت شرعيته واستكمال مسار التوافق الأوروبي، ومعارضة ترى في التنازلات خطراً على وجود الدولة، تفتح هذه الانتخابات فصلاً جديداً ومصيرياً في كتاب القوقاز المضطرب.

​ ​و عليه شهدت أرمينيا في يونيو 2026 واحداً من أهم الاستحقاقات التشريعية في تاريخها الحديث، حيث توجه أكثر من مليوني ناخب إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء الجمعية الوطنية (البرلمان). وفي الوقت الذي نجح فيه حزب ‘العقد المدني’ الحاكم في حسم الفوز ومواصلة قيادة البلاد، كشفت هذه الانتخابات عن تقدم ملحوظ وقوي لقوى المعارضة، مما يضع الحكومة الأرمينية أمام مشهد سياسي جديد يتطلب توازناً دقيقاً في إدارة ملفات الاقتصاد والحدود وعلاقاتها الخارجية المعقدة.

كما تُمثل الانتخابات البرلمانية الأرمينية لعام 2026 محطة مفصلية في مسار التحول الديمقراطي والسياسة الخارجية لجمهورية أرمينيا؛ إذ تأتي في سياق جيوسياسي بالغ التعقيد يشهد إعادة ترتيب موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز. وتكمن الأهمية التحليلية لهذا الاستحقاق الانتخابي في كونه يتجاوز التنافس الحزبي التقليدي على السلطة التنفيذية، ليعكس صراعاً بنيوياً حول التوجهات الاستراتيجية للدولة بين محوري الانكفاء الإقليمي والانفتاح على المنظومة الأوروبية-الأطلسية.

​لذلك ،تطرح الانتخابات التشريعية  إشكالية جوهرية تتعلق بمدى قدرة النظم الديمقراطية الناشئة على إدارة الأزمات الوجودية وتجديد شرعيتها السياسية في أعقاب التحولات الجيوسياسية والعسكرية القسرية. ففي بيئة داخلية مثقلة بتداعيات إعادة ترسيم الحدود وملف النازحين، جاءت صناديق الاقتراع كأداة مؤسسية لحسم الاستقطاب المجتمعي والسياسي الحاد.

   و إذا تتبعنا نتائج العملية الانتخابية نجد أن الانتخابات البرلمانية الأرمنية لعام 2026 شكّلت حدثاً سياسياً يتجاوز حدود التنافس الحزبي التقليدي، إذ جاءت في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية أعقب التحولات الجذرية التي شهدتها منطقة جنوب القوقاز خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها انتهاء الصراع في ناغورنو كاراباخ وتراجع الدور الروسي التقليدي في المنطقة. ومن هذا المنطلق، اكتسبت الانتخابات أهمية استثنائية باعتبارها اختباراً شعبياً لمسار الدولة الأرمنية وخياراتها الاستراتيجية في المرحلة المقبلة.

وجاءت نتيجة الانتخابات بفوز حزب «العقد المدني» وسط رسم ملامح المرحلة المقبلة ؛ حيث حقق حزب «العقد المدني» الحاكم في أرمينيا، بقيادة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، فوزًا واضحًا في الانتخابات البرلمانية التي جرت يوم الأحد الماضي ، بحصوله على ما يقارب نصف أصوات الناخبين، مؤكّدًا بذلك مكانته كالقوة السياسية المهيمنة في البلاد.

  وبحسب النتائج الأولية التي أعلنتها اللجنة المركزية للانتخابات، حصل الحزب على نحو 49.8% من الأصوات، متقدمًا بفارق مريح على أقرب منافسيه. ويمنح هذا الفوز باشينيان تفويضًا جديدًا في وقت تواجه فيه أرمينيا تحديات سياسية وأمنية وجيوسياسية عميقة. و عليه أعادت النتائج تأكيد حضور رئيس الوزراء نيكول باشينيان وحزبه في المشهد السياسي الأرمني، بما يعكس استمرار ثقة شريحة واسعة من الناخبين في مشروعه القائم على الإصلاح الداخلي والانفتاح الخارجي. غير أن هذا الفوز لا يمكن قراءته باعتباره تفويضاً مطلقاً، بل يعكس في الوقت ذاته غياب بديل سياسي قادر على تقديم رؤية متكاملة لمعالجة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها البلاد.

كما أظهرت الانتخابات استمرار الانقسام داخل المجتمع الأرمني بين تيار يدعو إلى تعزيز العلاقات مع الغرب والانخراط في مسارات التكامل الأوروبي، وتيار آخر يرى أن الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع روسيا يمثل ضرورة أمنية لا يمكن الاستغناء عنها في البيئة الإقليمية الحالية. خاصة أن موسكو قد فرضت الحظر على عدد من صادرات أرمينيا إلى روسيا شمل الكثير من الفواكه والمياه المعدنية وغيرها من المواد الزراعية، إلى جانب ما هددت به من رفع لأسعار الطاقة حتى السعر العالمي في حال انسحاب أرمينيا من الاتحاد الأوروآسيوى. ومن المعروف أن روسيا تبيع الغاز إلى أرمينيا بسعر لا يتجاوز 177.5 دولار لكل ألف متر مكعب، في الوقت الذى يبلغ فيه السعر العالمى ما يزيد على 600 دولار. ورغم وعد رئيس الوزراء الأرميني حول الدعوة إلى استفتاء شعبي حول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى، على ضوء استحالة الجمع بين عضوية الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي الذي يضم روسيا وبيلاروس وقزخستان وقيرغيزستان وأرمينيا، والاتحاد الأوروبى، فقد تراجع باشينيان عن سابق وعده، معلنا «أن بلاده عضو كامل الحقوق في الاتحاد الاقتصادي الأورآسيوي وأن قرارات الاتحاد تتخذ بالإجماع، ولا يمكن تجريدها من عضويتها إلا بموافقتها». وأضاف قوله «إن يريفان تُقرّ بعدم توافق العضوية المتزامنة في الاتحادين الأوروبي والاقتصادي الأوراسي، لكنها ستوائم أجندتها مع الاتحادين لأطول فترة ممكنة.

  من جانب أخر قد اعتُبرت هذه الانتخابات من بين الأكثر أهمية في تاريخ أرمينيا الحديث، حيث لم يقتصر التصويت على اختيار حكومة فحسب، بل شكّل أيضًا تحديدًا لمسار البلاد في مرحلة ما بعد خسارة آرتساخ (ناغورنو كاراباخ)، وفي ظل استمرار مفاوضات السلام مع أذربيجان، والتحول التدريجي في توجهات السياسة الخارجية الأرمنية. و علينا أن نضع في الإعتبار أنه لا تزال تداعيات فقدان ناغورنو كاراباخ تشكل العامل الأكثر تأثيراً في الحياة السياسية الأرمنية. فقد تركت الأحداث الأخيرة آثاراً عميقة على الوعي الوطني الأرمني، سواء من خلال النزوح الجماعي للسكان الأرمن من الإقليم أو من خلال تنامي الشعور بفقدان أحد أهم الرموز التاريخية والقومية بالنسبة للشعب الأرمني.

وفي هذا السياق، تواجه الحكومة تحدياً مزدوجاً يتمثل في احتواء التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للأزمة، وفي الوقت نفسه إدارة حالة الاستقطاب السياسي المرتبطة بتقييم أداء الدولة خلال تلك المرحلة الحساسة.فقد تجاوزت أهمية الانتخابات الأرمنية حدود الدولة نفسها لتنعكس على مجمل التوازنات الإقليمية في جنوب القوقاز.

فمن جهة، ترى أذربيجان وتركيا في استمرار حكومة باشينيان فرصة لتعزيز مسار التسوية السياسية وفتح الحدود وتطوير شبكات النقل والتجارة الإقليمية، بما يسهم في تعزيز الترابط الاقتصادي بين أوروبا وآسيا.

ومن جهة أخرى، تتابع إيران التطورات الأرمنية بحذر بالغ، نظراً لارتباطها بمشروعات الممرات الإقليمية وإعادة تشكيل خطوط النفوذ الجيوسياسي في المنطقة. وتحرص طهران على الحفاظ على التوازنات القائمة ومنع أي ترتيبات قد تؤثر سلباً على مصالحها الاستراتيجية أو تقلص من دورها الإقليمي.

ورغم حصول «العقد المدني» على أغلبية برلمانية واضحة، إلا أنه لا يتوقع أن يبلغ عتبة الأغلبية الدستورية اللازمة لإجراء تعديلات دستورية بشكل منفرد. وهذا يعني أنه، رغم احتفاظ الحزب الحاكم بالسيطرة على تشكيل الحكومة وتحديد الأجندة التشريعية، فإن أي تعديلات دستورية ستتطلب توافقًا أوسع أو تعاونًا مع قوى برلمانية أخرى، ما قد يؤثر على وتيرة وحجم الإصلاحات المستقبلية.

وخلال الحملة الانتخابية، دافع رئيس الوزراء باشينيان عن نهج حكومته القائم على السعي إلى تحقيق السلام الإقليمي وتعزيز التعاون مع أوروبا والغرب. واعتبر أن أمن أرمينيا وازدهارها على المدى الطويل يعتمدان على تطبيع العلاقات مع الدول المجاورة، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، وتقليص الاعتماد على الترتيبات الجيوسياسية التقليدية. ومن المتوقع أن يعزز هذا الفوز موقع باشينيان على المستويين الداخلي والدولي. فيما تواجه حكومته الآن تحديات كبيرة، من بينها دفع مفاوضات السلام مع أذربيجان، وإدارة العلاقة المعقدة مع روسيا، ومعالجة القضايا الاقتصادية، والتعامل مع الانقسامات الداخلية في المجتمع الأرمني.

   في المقابل، ركزت قوى المعارضة حملاتها على انتقاد أداء الحكومة في ملفات الأمن القومي، وخاصة ما يتعلق بالأحداث التي أدت إلى تهجير الأرمن من آرتساخ. واتهمت هذه القوى الحكومة بتقديم تنازلات مفرطة وعدم حماية المصالح الاستراتيجية للبلاد بشكل كافٍ. ومع ذلك، بقيت المعارضة منقسمة، ولم تتمكن من توحيد صفوفها خلف بديل سياسي قادر على منافسة هيمنة الحزب الحاكم.

  كما تحمل نتائج الانتخابات أبعادًا جيوسياسية مهمة، إذ اعتبرها العديد من المراقبين اختبارًا لمدى دعم الشارع الأرمني للتوجه نحو تعزيز العلاقات مع أوروبا والغرب. وتشير النتائج إلى أن شريحة واسعة من الناخبين لا تزال تؤيد هذا المسار رغم التحديات والجدل المحيط به. و هو ما أكدت عليها و أنعكس على نتائج الانتخابات من حيث استمرار التوجه نحو تنويع الشراكات الدولية وتقليص الاعتماد الحصري على روسيا. وتسعى يريفان إلى توسيع تعاونها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مجالات الاقتصاد والطاقة والإصلاح المؤسسي، مستفيدة من المناخ الدولي الداعم لتعزيز حضور الغرب في منطقة جنوب القوقاز.

إلا أن هذا التوجه يواجه حدوداً موضوعية ترتبط بحجم الارتباطات الاقتصادية والأمنية القائمة مع موسكو. فروسيا ما زالت تمثل شريكاً رئيسياً لأرمينيا في عدد من القطاعات الحيوية، كما تحتفظ بأدوات تأثير تجعل من الصعب على يريفان تنفيذ تحول استراتيجي جذري في المدى المنظور.

   ومع استكمال توزيع المقاعد البرلمانية، سيتحول التركيز من الحملات الانتخابية إلى مرحلة الحكم. وسيكون على البرلمان الجديد التعامل مع ملفات حاسمة ستحدد مستقبل أرمينيا لسنوات قادمة، بما في ذلك تحقيق السلام المستدام، وتعزيز صمود الدولة، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، واستعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات.

تمثل الانتخابات في جوهرها تأكيداً شعبياً نسبياً على خيار التسوية السياسية بدلاً من العودة إلى منطق المواجهة العسكرية. إلا أن نجاح هذا الخيار يبقى رهناً بقدرة الأطراف المعنية على معالجة القضايا العالقة، وفي مقدمتها ترسيم الحدود، وضمانات الأمن، وحقوق المهجرين، ومستقبل الممرات التجارية.

وفي المقابل، فإن أي تعثر في عملية السلام أو تصاعد للتوتر بين أرمينيا وروسيا قد يؤدي إلى إعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.

وعليه، فإن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في كونها تعكس بداية إعادة صياغة للهوية الاستراتيجية لأرمينيا ولموقعها في معادلات القوة والتوازن في منطقة جنوب القوقاز.

وبذلك، يمكن اعتبار انتخابات 2026 نقطة تحول جديدة في السياسة الأرمنية؛ إذ أكدت استمرار نهج باشينيان وتوجهه الغربي النسبي، لكنها أظهرت أيضًا أن المجتمع الأرمني ما زال منقسمًا حول قضايا الهوية الوطنية والعلاقة مع روسيا وشروط السلام مع أذربيجان، وهي ملفات ستظل تحدد المشهد السياسي الأرمني خلال السنوات المقبلة.

في النهاية، بعد هذا الفوز يدخل رئيس الوزراء باشينيان ولاية جديدة مدعومًا بتفويض شعبي قوي فلا تبدو انتخابات 2026 مجرد استحقاق ديمقراطي اعتيادي، بل تمثل لحظة مفصلية في تاريخ أرمينيا. فهل تنجح يريفان في تحويل خسائر الماضي إلى فرص لبناء مستقبل أكثر استقراراً وانفتاحاً و تقدماً؟ أم أن تعقيدات المشهد الإقليمي ستعيد إنتاج دوائر الصراع وعدم اليقين؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات لن تحدد مستقبل أرمينيا فحسب، بل ستسهم أيضاً في رسم ملامح التوازنات الجديدة في منطقة جنوب القوقاز بأكملها.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

الحلف في الزمن العاصف .. الناتو من الصعود للعجز

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه عادة ما تكون الانقطاعات الكبرى في تاريخ الإنسانية فترة مواتية لإعادة التأويل الراديكالي لبعض الثوابت.

Read More...

الانبهار بوصفه رؤية شعرية: قراءة أدبية وفلسفية في ديوان «انبهارات» للشاعر شيركو بيكه س

تحليل: د. عزة محمود الشريف مقدمة يُعد شيركو بيكه س (1940- 2013م) أحد أبرز رواد الشعر الكُردي الحديث، وأحد أهم المجددين

Read More...

من التوعية إلى الترند: كيف أعادت الخوارزميات تشكيل أولويات الإعلام العربي؟

تحليل: أ.د. سوزان القليني لم يعد المشهد الإعلامي العربي اليوم كما كان قبل سنوات قليلة فالإعلام الذي ارتبط طويلا بوظائف

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل