تحليل: د. ياسيمن السبع
انضمت تركيا إلى حلف الناتو عام 1952 عقب عامين من رفض الناتو لهذا الانضمام، لأسباب عديدة منها مخافة تورط الحلف في صراعات الشرق، ولكن إصرار تركيا تخطى هذا الرفض من خلال مغازلة الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق حليفتها كوريا، إذ أرسلت تركيا قواتها إلى كوريا الجنوبية ضمن قوات الأمم المتحدة، وذلك لدعمها في حربها ضد كوريا الشمالية التي كان يدعمها الاتحاد السوفيتي، ما عزز مكانتها العسكرية لدى الولايات المتحدة لمواجهة الخطر السوفيتي، ولم تجد الولايات المتحدة بدا من الضغط على الحلف لقبول انضمام تركيا، لتصبح فيما بعد أحد الأعضاء في الجناح الجنوبي الشرقي للحلف وثاني أكبر قوة عسكرية به بعد الولايات المتحدة .
وربما ليس هذا هو السبب الوحيد لأهمية تركيا بالنسبة للحلف وإنما تكمن أهميتها في موقعها الاستراتيجي، كونها تحمل أوجه ثلاث أوروبية شرق أوسطية و أسيوية، إضافة إلى الممرات والمضائق المياه فيها، وبذلك تصبح جزء مهم من هندسة التوازنات الدولية، وقوة يمكن توجيهها بقيادة الولايات المتحدة من خلال الحلف، وقد شاركت تركيا في العديد من عمليات ومهام الناتو على مدار سنوات الانضمام، وعلى الرغم من ذلك لم تكن العلاقات سلسة بينهما فقد شهدت مراحل من التوتر بسبب قضايا عديدة مثل قبرص، والخلافات مع اليونان، والسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، حتى تصاعدت الخلافات بعد شراء تركيا منظومة إس 400 الروسية عام 2019، ورغم تلك الخلافات إلا أنهم تخطوها إلى حد كبير لأن تركيا بحاجة ملحة إلى المظلة الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يوفرها الحلف، كما أن الناتو يحتاج زراعه الجنوبي المسيطر على الممرات المائية الحيوية، وتضم تركيا اليوم ثلاث قواعد عسكرية للناتو أهمها قاعدة إنجرليك الجوية في أضنة والتي تضم أسلحة نووية أمريكية، كما تشرف على أكبر مخزون للأسلحة الحربية التابعة للقوات الجوية الأمريكية في الخارج، وذلك بموجب اتفاقات الحلف .
واليوم وبموجب الموعد الدوري لانعقاد القمة والذي قد تقرر عام 2024 أن يكون في أنقرة، يستعد أعضاء الحلف للاجتماع يومي 7 و8 يوليو القادم، في ظل الأحداث العالمية الجارية، فالحرب الروسية الأوكرانية مازالت تلقي بظلالها على الأمن الأوروبي، والشرق الأوسط يشهد وتيرة سريعة من التوترات المتصاعدة إزاء حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران، ولا زالت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين قائمة. ربما جاء توقيت الاجتماع هذه السنة في ظل تطورات سياسية وأمنية في المنطقة، فمنذ اندلاع الحرب الأوكرانية ركز الناتو بصورة كبيرة على الجبهة الشرقية في مواجهة روسيا، لكن أحداث الشرق الأوسط الأخيرة أظهرت أن التهديدات القادمة من جانبه والتي لا تقل خطورة عن التهديدات الروسية .
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي تسبق القمة
في يناير جاءت أكبر موجة احتجاج على النظام الإيراني منذ تولي ولاية الفقيه الحكم، وقد تم قمعها باستخدام العنف ما خلف قتلى بالآلاف، وفي الثامن والعشرين من فبراير 2026 أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل ما باتت تعرف بعملية الغضب الملحمي، مستهدفة منشآت إيران النووية والعسكرية وقياداتها السياسية والعسكرية بما فيها المرشد الأعلى علي خامنئي، جاء هذا الحدث ليشكل نقطة الانفجار في مسار تصعيدي طويل، تجاوزت الحرب إيران وإسرائيل لتنال من دول الخليج العربي، إذ تعرضت لضربات إيرانية متتالية طالت بنيتها التحتية الحيوية، وكانت البحرين وقطر والكويت والإمارات في المقدمة، وشهدت لبنان موجة جديدة من القتال بين حزب الله وإسرائيل، والتي خلفت أكثر من ألفي قتيل وما يزيد على مليون نازح، أما مضيق هرمز _الشريان الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية_ فقد شهد أزمة ملاحية حادة، زعزعت أسواق الطاقة عالميا وسلاسل الإمداد الدولية .
هذه الحرب ربما تكون قد وضعت بنية إقليمية جديدة، فإيران لازالت ترغب في الثأر لمرشدها المغتال ولحزب الله اللبناني شقيق العقيدة والمذهب، وعلى الجانب الآخر تقف الولايات المتحدة وإسرائيل التي محاولين إتمام لوحة الغضب الملحمي والتي ربما كانت جزء من خطة كبرى تتضمن السيطرة على مزيد من أراضي قطاع غزة و الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني وامتداد في الجنوب السوري ، وهو ما حدث بالفعل، وفي الخلفية تنشط التحالفات بين القوى الإقليمية في ضوء اختبار لم يكن متوقعا .
ومن جانب آخر فثمة معادلة نووية معلقة لا تزال تشكل مصدر قلق بالنسبة للناتو و للولايات المتحدة كقوة عظمى كما تحب أن تعرف، فقبيل الحرب كشف تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تمتلك ما يكفي من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% لتصنيع تسع رؤوس حربية نووية، وقد أفاد وزير الدفاع الأمريكي بأن الضربات أخرت البرنامج النووي الإيراني قرابة عامين. جدير بالذكر أن محاولات الاستعانة عسكريا و لوجستيا من قبل الولايات المتحدة بحلف الناتو في حربها مع إيران لم تكن وفق الطلب الأمريكي المستعجل ومستواه، وذلك لأسباب عدة منها اختلاف الاولوية الأمنية، ففي الوقت الذي تواجه الولايات المتحدة فيه إيران والصين كتهديدات عالمية، يولي أعضاء حلف الناتو وخاصة من الأوربيين الأهمية للاستقرار الإقليمي وتجنب المخاطر الاقتصادية، وربما الدفع ببعض أعضاءه كستار لمواجهة مخاطر الحرب بدلا عن بقية الأعضاء، وربما ما يؤيد هذه السردية مشاركة بعض الدول في الحرب و التي سمحت للولايات المتحدة استخدام قواعد الناتو على أراضيها لتنطلق منها الطائرات الأمريكية، كما قدمت المملكة المتحدة البريطانية وغيرها دعما استخباراتيا و لوجستيا، وشاركت بقطع بحرية محدودة في حماية الملاحة بالخليج، ورغم ذلك لم تكن جميعها مرضية للولايات المتحدة التي لم تستطع استخدام الناتو في حربها بصورة مرضية، مما قد أحدث توترات بين الولايات المتحدة وأوروبا حول تقاسم الأعباء الدفاعية، إذ يضغط الرئيس الأمريكي ترامب من جانبه ليجعل نسبة 5% من الناتج المحلي التزاما رسميا من قبل الحلف من أجل الإنفاق الدفاعي، وفي المقابل تبدو محاولات أوروبا في التقليل من الاعتماد على واشنطن في ظل احتمالات التراجع الأمريكي ضمن الناتو حول التزاماتها بحماية أوربا .
وعلى الجانب الآخر أعادت الحرب الروسية الأوكرانية إحياء الوظيفة التقليدية للناتو باعتباره تحالفًا دفاعيًا ضد روسيا، وقد دفعت هذه الحرب دول الحلف إلى تعزيز قدراتها العسكرية وزيادة إنفاقها الدفاعي بصورة غير مسبوقة، و في هذا السياق تبرز تركيا كعضو في الناتو وهي تحاول أثبات أهميتها للأوضاع الجديدة المحتملة، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات سياسية واقتصادية مع موسكو، مما يجعل الثقة في تركيا ضعيفة.
مكتسبات تطمح لها تركيا
ترغب أنقرة في استثمار القمة لإظهار نفسها باعتبارها الدولة الوحيدة داخل الناتو القادرة على الربط بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز، رغم كونها أداة تنفيذ وظيفية بالنسبة للناتو أكثر من كونها شريك، إذ يحاول من خلالها تحقيق أقصى استفادة من الظروف الصعبة الحالية، كما تطمح إلى فتح أبواب الصناعات الدفاعية التركية فالحكومة التركية تدرك أن أوروبا دخلت مرحلة إعادة تسلح واسعة النطاق، ولذلك تسعى أنقرة إلى أن تصبح جزءًا من سلاسل الإنتاج الدفاعي الأوروبية ،وتشير التقارير الحديثة إلى أن تركيا تحاول أن تكون الصناعات الدفاعية أحد المحاور للقمة، وأن الحلف يعتزم تنظيم أكبر منتدى دفاعي في تاريخه على هامش اجتماع أنقرة، كما ترغب في كسر العزلة الأوروبية الجزئية، وربما أيضا تعزيز العلاقات مع واشنطن بشكل أفضل في ظل اشتراكات الكونغرس على الدعم العسكري لتركيا، كما تسعى لتقديم نفسها كوسيط استراتيجي له القدرة على إداراة علاقات دبلوماسية مع الغرب وروسيا ودول الشرق الأوسط في آن واحد .
حرب الشرق في قمة شمال الأطلسي
لقد أظهر التصعيد بين إيران وإسرائيل أن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط يمكن أن تمتد آثارها إلى دول الناتو نفسها، وقد شهدت تركيا بالفعل حوادث تتعلق باعتراض منظومات دفاعية تابعة للحلف لصواريخ مرتبطة بالتصعيد الإقليمي، الأمر الذي أعاد إحياء النقاش داخل الحلف حول حماية الجناح الجنوبي ، كما أشارت التقارير الأخيرة إلى أن إدارة ترامب غير راضية عن تحفظ بعض الحلفاء الأوروبيين تجاه العمليات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وأن هذه المسألة ستكون حاضرة بقوة في مناقشات القمة، بمعنى آخر، القمة قد تتحول إلى منصة لإعادة تعريف دور الناتو في أزمات الشرق الأوسط، وحدود الدعم الذي يمكن أن يقدمه الحلف للولايات المتحدة وإسرائيل، كما أن أنقرة لا ترغب في انتصار إيراني يغير ميزان القوى، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انهيار إيران أو تفكيكها، لأن ذلك قد يؤدي إلى تداعيات تؤثر عليها.
وقد بات معروفا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، تهدد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار النفط والاقتصاد الأوروبي، وقد أدى التصعيد الأخير بالفعل إلى اضطرابات في الأسواق العالمية قبل ظهور مؤشرات على محاولات التهدئة، وبالتالي فإن ملف أمن الطاقة وطرق الإمداد والملاحة البحرية، سيكون أحد الملفات غير المعلنة المهمة في قمة أنقرة.
تركيا بين التوجيهات الأمريكية وأزماتها الداخلية
تحاول تركيا الاستفادة من استضافتها للقمة لتسويق دورها وأهميتها وصناعاتها الدفاعية، وأيضا محاولة رفع قيود التسليح غير المعلن عنها، غير أن القوى الأكثر تأثيرا في الحلف تستخدم تركيا وفق منظور التوظيف العملياتي الذي يمليه التطورات الحالية بالمنطقة، إذ تفرض الجغرافيا التركية المتاخمة لإيران والعراق وسوريا على الحلف استخدام أنقرة كقاعدة ارتكاز استخباراتية ولوجستية، كما تعتبر حائط دفاعي أول لما قد ينتج عن الحرب، كما أن التوجه العام داخل القمة لا يسير نحو تلبية الشروط التركية، بل نحو إيجاد “صيغ تنسيق عملياتية ثنائية” محددة تخدم تلبية متطلبات الناتو اللوجستية دون منح أنقرة أي مكاسب سياسية أو مؤسسية بعيدة المدى في المنظومة الأوروبية، وربما جاء ذلك على إثر مقترحات القوى الفاعلة لمعالجة المشاكل الهيكلية الناجمة عن تحول السياسة الأمريكية. وقد اشارت بعض التقارير أن واشنطن ممكن أن تقترح مجموعة تخطيط انتقالية لتنظيم انتقال الأدوار القيادية والعملياتية إلى القوات الأوروبية، مع الإبقاء على الدعم اللوجيستي الجوي والاستخبارات تحت السيطرة الأمريكية، لضمان بقاء توجيهات الحلف بين يدي الولايات المتحدة، وعلى صعيد آخر جاءت دعوة تركيا لبعض رؤساء دول الخليج لحضور القمة لاستعراض ما يمكن أن تقوم به من دور إقليمي قد يفيد الناتو، وكمحاولة لاستجداء دور قيادي بالمنطقة .
ومن ثم، فإن قمة أنقرة قد تكون في الواقع قمة لإدارة تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية أكثر من كونها مجرد قمة دورية للناتو، كما يبدو أن أنقرة ستتفاعل مع معطيات اجتماع القمة بما يضمن مصالحها داخل الحلف .
ربما يقود التصور السابق نحو سؤال بديهي: كيف ستتمكن تركيا من الظهور كفاعل إقليمي بالمنطقة دون تسوية الملف الكردي بالداخل؟ خاصة في ظل عملية السلام الحالية، بعدما طرح الجانب الكردي عملية السلام والمجتمع الديمقراطي ممثلاً بالزعيم عبدالله أوجلان وحزب العمال الكردستاني بعد عقود من القتال، الأمر الذي يعد تطور استثنائي في الملف الكردي، بل لقد قدم الجانب الكردي خطوة تاريخية حينما قرر الانتقال من استراتيجية الكفاح المسلح إلى استراتيجية السياسة الديمقراطية، طلبا للسلام والاندماج الديمقراطي للشعب الكردي كمجتمع ديمقراطي ضمن الجمهورية، وبذلك وضع حزب العمال تركيا بين خيارين لا ثالث لهما، إما قبول خطوات الحزب نحو السلام، وبالتالي تشريعات دستورية وقانونية تفتح المجال للسلام والأخوة الكردية-التركية، واستخدام حق الأمل بالإفراج عن مؤسس حزب العمال عبد الله أوجلان، مع تقنين أوضاع مقاتلي الحزب للعودة لحياة مدنية سلمية، وإما العودة بالبلاد نحو ثقب أسود كلف الدولة التركية خسائر بشرية تعد بالآلاف، وغيرها اقتصادية، ففي دراسة منشورة لإحدى كليات الاقتصاد بلندن لتقدير الأثر الاقتصادي للنزاع، قد أفادت بأن الناتج المحلي كان سيزيد بنسبة 14% لو لم تشهد البلاد هذا الصراع، مع زيادة سنوية تقارب 0.62 % في معدل النمو الاقتصادي، كما خلصت الدراسة إلى أن مناطق شرق وجنوب شرق الأناضول كانت ستحقق دخلا للفرد أعلى بنحو 6.6 % في حال غياب النزاع على أراضيها، جدير بالذكر أن حلف شمال الأطلسي كانت له اليد الطولى في كواليس حرب الدولة التركية مع الكرد وحزب العمال، إذ لا يمكن تبرئة ساحته من استخدام مادة الحلف المقرة بالدفاع عن الأعضاء، للتدخل السافر في شأن داخلي شديد الحساسية كالملف الكردي، و الذي يظل بالنهاية قضية وطنية عادلة وشأن داخلي بين مواطنين دولة واحدة .
وأخيرا، تعد قمة الناتو المرتقبة محطة مفصلية تفرضها التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة، فبينما تحاول تركيا استثمار استضافتها للقمة كفرصة ذهبية لتسويق قدراتها العسكرية، وصناعاتها الدفاعية، وإظهار نفسها كجسر استراتيجي بين الشرق والغرب، تظل النظرة الدولية لها محكومة بمنظور التوظيف العملياتي واللوجيستي والذي تمليه الضرورة الأمنية للحلف والولايات المتحدة، دون تقديم مكاسب سياسية أو مؤسسية بعيدة المدى، ولا يمكن لأنقرة أن تكرس حضورها كفاعل إقليمي وازن ومستقر في المنطقة دون حسم ملفاتها الداخلية كالملف الكردي، خاصة مع طرح مبادرات السلام الأخيرة والانتقال نحو استراتيجية السياسة الديمقراطية .