تحليل: هدير مسعد عطية
قد يغدو الشعر في مواجهة الحقيقة أو ربما عنوانها، وقد تقف الكلمة في مواجهة الواقع المر، وقد يتحول الحراك من العروض إلي إعادة إنتاج الجمال من البيئة والسهول والجبال وتحويلها إلى موتيفات نصية تبقى في المخيال العام طويلاً. قد يحدث هذا، لكنه يغدو رهناً بشعر ذو مذاق إنساني، ومن ثم هذه فرصة مواتية لنتوقف لدى عبد الله كوران؛ الشعر والشاعر. ولكن، لا يُقرأ عبد الله كوران قراءةً وافيةً إذا اقتصر التناول على ديوانه الشعري بوصفه نصاً أدبياً قائماً بذاته، لأن ما فعله كوران يتجاوز النص إلى ما هو أعمق وأبقى؛ إنه أعاد تعريف ما تستطيع الكلمة الكردية المكتوبة أن تكونه وما يحق لها أن تقوله. في الفضاء الكردي الذي نشأ فيه كوران، كانت الكلمة المكتوبة بالكردية تواجه استحقاقاً مزدوجاً لا يعرفه الشاعر في سياقات أكثر استقراراً: استحقاق الإثبات — أن تُثبت أن الكردية لغةٌ لا لهجة، وأن ما يُكتب بها يستحق الاعتبار — واستحقاق الاستحقاق ذاته، أي أن تتجاوز مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة استكشاف العمق. وبين هذين الاستحقاقين المتوازيين يقع المشروع الكامل لكوران؛ رجل كسر العروض الكلاسيكي الأجنبي واستبدله بإيقاعات الأغنية الشعبية الكردية، لا لأن الأول أدنى قيمةً جمالياً، بل لأنه أدرك أن اللغة التي تستعير موسيقاها من الآخر تظل في مستوى ما تحت وصاية غير مُعلنة، وأن الحرية الجمالية الحقيقية تبدأ حين يتعرف الشعر على نبضه في نفسه لا في موروث غيره. لهذا تحديداً لا يُدرَس كوران بوصفه شاعراً كردياً بارزاً فحسب، بل بوصفه حدثاً ثقافياً في مسار الوجدان الجمعي الكردي.
هذه الدراسة تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن دور كوران في بناء الوجدان الكردي كان في معظمه دوراً غير مباشر — وهو لهذا أشد عمقاً وأطول ديمومةً من الدور المباشر. الأثر المباشر للشاعر يكمن في قصائده المحفوظة والمُرددة والمُدرَّسة، وهذا موجود بالطبع في حالة كوران. غير أن الأثر الأعمق يكمن في المناخ الجمالي الذي أرساه والذي تحوّل ببطء من ابتكار شخصي إلى بداهة ثقافية، بداهة تقول إن الجبل الكردي يستحق قصيدة لا بياناً، وإن خسارة الحب الفردية لها وزنها في الوجدان الجمعي لا أقل من خسارة الأرض، وإن الكردية قادرة على أن تقول بالإيقاع الشعبي ذاته ما كانت تستعير من غيرها لقوله. هذه البديهيات الثلاث — وما بنى عليها كوران وما أضاف إليها من جاء بعده — هي ما تسعى هذه الدراسة إلى تتبعه وتحليله، ليس بوصفها نتاجاً أدبياً مكتملاً يُوصَف، بل بوصفها سيرورة ثقافية حيّة تُشكّل حتى اليوم طريقة الكردي في رؤية نفسه وأرضه وتاريخه من خلال الكلمة الشعرية التي أعاد كوران تعريفها.
الشعر في المخيال الكردي والذاكرة الجمعية — الأساس الوجودي
الفضاء الفاصل بين التقاليد الشفهية والأقليات التي حُظرت لغتها وثقافتها يمثّل صراعاً طويلاً ممتداً بين الثقافات المهيمنة والهويات الوجودية الساعية إلى البقاء والظهور. ولذا فليس مستغرباً أن يُعدّ الأدب الشفهي الكردي كما يُؤدّيه الدنبيج “سيرةً ذاتية للمجتمع”. هذه العبارة — السيرة الذاتية للمجتمع — هي العبارة الأدق لوصف ما يؤدّيه الشعر في الفضاء الكردي، لأنها تُفيد أن الشعر ليس تعبيراً عن المجتمع بل هو المجتمع ذاته في لحظة تأمّله لنفسه. الشعر الكردي غني بالتقليد وذو أهمية ثقافية بالغة، وقد أدّى دوراً حيوياً في الحفاظ على الهوية والتاريخ الكرديَّين عبر قرون، إذ نشأ من مشهد يتسم بتأثيرات لغوية وثقافية متنوعة وتطوّر عاكساً صراعات الكرد وتطلعاتهم وتجاربهم. غير أن هذه الصياغة المعتدلة تُخفّف من حدّة الحقيقة الأعمق؛ ففي الحالة الكردية لم يكن الشعر مجرد عاكس للهوية بل كان حافظها الوحيد في مراحل طويلة كانت فيها كل وسائل الحفظ الأخرى — الكتابة الرسمية، المدرسة، الوثيقة، الأرشيف — إما محظورةً أو في يد الآخر. الأبحاث الأكاديمية التي تدرس دور الشعر الكردي الكلاسيكي والشفهي — كأداءات الدنبيج والفلكلور — تُقدّمها بوصفها آليات للمرونة الثقافية، تشمل ممارسات جمع التقاليد الشفهية الكردية وأرشفتها بوصفها جزءاً من جهود إحياء اللغة، وكيف تُعزّز الروايات الشعرية الذاكرة التاريخية الكردية ومعرفتها الأصلية وهويتها الاجتماعية-السياسية في سياقات القمع والاستيعاب القسري. لكن حقيقة ربما تكون المعادلة الوجودية كالتالي، شعب يُحظر عليه الكتابة لا يختفي بل يتحوّل إلى صوت، ويُودع هذا الصوت في الشعر والأغنية كل ما لا يستطيع كتابته، وينقله جيلاً بعد جيل في ذاكرة جسدية لا يستطيع قرار سياسي أن يصادرها. تقليد الدنبيج هو التربة التي تتجذّر فيها كل أشكال الثقافة الكردية؛ الهوية والأدب واللغة والموسيقى والشعر والمقاومة والبقاء. وحين تكون التربة هي الشعر لا الوثيقة، تكون طبيعة الذاكرة الجمعية مختلفة جذرياً: إنها ذاكرة مُغنّاة لا مكتوبة، مُجسَّدة لا مؤرشَفة، تُنقَل بالصوت والحضور لا بالطباعة والتوزيع. وهذه الذاكرة المغنّاة — على هشاشتها الظاهرية — أثبتت صلابةً استثنائية في مواجهة القمع: لأن ما يسكن في الصوت البشري وفي الجسد الذاكِر لا يُمكن حرقه كالكتب ولا مصادرته كالمطابع.
تقليد الدنبيج هو أسلوب لإعادة تمثيل التاريخ الشفهي بين الكرد الكرمانجيين، وأطروحة “عالم عبر الكلمات” تُحلّل دنبيجي في سياق الذاكرة الجمعية، مُؤكّدةً أنه وسيلة للحفاظ على عدد كبير من الروايات في الذاكرة الجمعية ونقل التاريخ عبر الأجيال. وتبدأ بمناقشة نظرية حول محوّ الأمية ودور القراءة والكتابة في المجتمعات، ما يُمهّد لتحليل الصلة بين الأمية والثقافة الشفهية لدى الكرد الكرمانجيين. هذا التأطير الأكاديمي يكشف معضلة حقيقية: الانتقال من الذاكرة الشفهية إلى الكتابة ليس مجرد تحوّل تقني بل هو تحوّل في طبيعة ما يُحفَظ وكيف يُحفَظ وما يُفقَد في عملية الحفظ. الدنبيج يُنقل ما لا تستطيع الكتابة الإمساك به: نبرة الصوت وصمتاته، والجسد المُؤدّي، والجمهور المُستجيب، والمعنى الذي ينبثق في اللحظة بين الصوت والأذن. حين انتقل الشعر الكردي من الصوت إلى الكتابة المعيارية في العشرينيات والثلاثينيات، كسب شيئاً ثميناً — الاستمرارية عبر المكان والزمن والإذعان للمعايير المرعية، لكنه خاطر بفقدان شيء آخر، تلك الطاقة الحيّة الآنية التي هي جوهر الشعر الشفهي. أنشطة توثيق الفلكلور الكردي ويمكن النظر إليها بوصفها مقاومةً سياسيةً وثقافيةً للسياسة الرسمية للدولة التي لا تزال لا تعترف بالهوية الكردية جزءاً من التراث “الوطني”، بينما يُدرج الفنانون الأتراك الأغاني الكردية ويُرجونها إلى “التراث التركي” متجاهلين أصلها. وهذا التصادم بين الذاكرة الشفهية الكردية والتمثيل الرسمي للتراث يُضيء ما هو أعمق من النزاع الثقافي: إنه نزاع على من يملك الحق في تسمية الماضي وتعريفه ونقله. الشعر الكردي في أشكاله الشفهية والمكتوبة معاً هو المساحة التي يمارس فيها الكردي هذه الملكية دون إذن أحد — لأن الصوت البشري والكلمة المكتوبة في المجلة والديوان تتجاوزان سلطة الدولة بطبيعتهما، وتُؤدّيان معاً وظيفة الأرشيف الحيّ الذي لا يُوجَد مكافئه في أيّ وثيقة رسمية. في أوقات القمع الثقافي والسياسي، أصبح الدنبيج رمزاً للمقاومة — فالأغاني كانت صوتاً للصامتين، تحتفي بالهوية الكردية وتتحدّى محاولات قمعها. وحين جاء جيل كوران ووهبي ليُحوّل هذا الصوت المقاوِم إلى نظام كتابي معياري وجمالية شعرية مدوّنة، كان يُضيف طبقةً جديدة من الحماية لما حفظه الشعر الشفهي قروناً، إنه ينقل الذاكرة من الصوت الفاني إلى الكلمة الباقية، دون أن يُفقدها — في أفضل لحظاته — نبضها الحيّ الأصلي.
كوران تيمةً في الفضاء الثقافي الكردي
ما يجعل كوران تيمةً مركزيةً في الفضاء الثقافي الكردي لا يكمن فقط في ديوانه وقصائده — وإن كانت تلك الديوان والقصائد تكفي وحدها لترسيخ المكانة — بل يكمن في طبيعة الأثر الذي خلّفه؛ أثر يعمل في الغالب بصورة غير مباشرة، كأرضية جمالية لا يراها من يقف عليها لأنه صار يظنّها بديهيةً لا اختياراً. الكتّاب الكرد المعاصرون كمهمد أوزون يُوظّفون الدنبيج وتقاليد القصّ الشفهي وسيطاً في روائعهم ليجسروا بين التقليد الشفهي والأدب المكتوب — وهذا الجسر بالضبط هو ما بناه كوران في الشعر قبل أن يبنيه غيره في الرواية: الجسر بين الجذر الشعبي الشفهي والشكل الأدبي المكتوب المعاصر. وحين تُطرح اليوم مسألة “الشعر الكردي الحديث” في الأوساط الأكاديمية أو في المشهد الثقافي الكردي، فإن كوران لا يُذكر اسمه دائماً — أحياناً يُستحضر فعلاً كمرجع، وأحياناً كثيرة تُستعمَل جماليته ومفاهيمه دون أن يُسمَّى — لأن ما فعله تحوّل ببطء من ابتكار شخصي إلى مناخ ثقافي، والمناخ لا يُسأل عن مصدره. الروايات الشعرية تُعزّز الذاكرة التاريخية الكردية ومعرفتها الأصلية وهويتها الاجتماعية-السياسية في سياقات القمع — وكوران هو من أعطى هذه الروايات بُعدها الجمالي الحديث الذي جعلها قابلة للتداول في زمن القومية المدوّنة لا في زمن القبيلة الشفهية وحدها. أثره غير المباشر في بناء السردية الكردية يتجلّى في ثلاث مسارات متوازية لا تنتهي: المسار الأول هو ما فعله بتعريف الشاعر الكردي لنفسه — بعد كوران صار الشاعر الكردي يتخيّل نفسه وارثاً لتقليد جمالي حديث لا مجرد خادم لقضية، وهذا التخيّل الذاتي للشاعر يُؤثّر بصورة حاسمة في ما يكتبه وكيف يكتبه. المسار الثاني هو ما فعله بتعريف القارئ الكردي لتجربته — بعد كوران صار مشروعاً للكردي أن يقرأ شعراً يتحدث عن حبّه وخسارته الشخصية دون أن يشعر بأنه يهجر قضيته، بل العكس: صار الشعور الشخصي العميق مدخلاً إلى الانتماء الجماعي الأعمق. والمسار الثالث — الأشد خفاءً والأكثر ديمومةً — هو ما فعله كوران بالجغرافيا العاطفية للوطن الكردي: بعد قصائده صار كل جبل وكل نهر وكل فصل مناخي في كردستان يحمل بُعداً شعرياً مُكتسَباً، بمعنى أن من يُشاهد جبال هورامان اليوم — ولو لم يقرأ كوران قط — يُشاهدها عبر طبقة جمالية ترسّخت في المخيال الكردي الجمعي من خلال ما أسّسه كوران وما بنى عليه من جاء بعده. وهذا بالضبط ما تعنيه “التيمة المركزية” في الفضاء الثقافي: ليست الموضوع الذي يُذكر دائماً بل البنية غير المرئية التي تُنظّم ما يُرى وما يُشعَر به وما يُتذكَّر — والتيمة التي تعمل بصمت هي الأكثر عمقاً وأطول بقاءً من تلك التي تُعلن عن نفسها صراحةً.
وُلد عبد الله سليمان كوران عام ١٩٠٤ في حلبجة، وتلقّى تعليمه في المدارس المحلية ثم في المعهد التربوي في كركوك، حيث واصل بعدها تثقيف نفسه بتعلّم لغات جديدة ودراسة الأدبين التركي والغربي. غير أن الأقدار عجّلت به نحو العمل: حين مات أبوه وأخوه الأكبر اضطر إلى ترك الدراسة وعمل معلماً لسنوات في منطقة هورامان — وهذا المكان بالذات، هورامان، سيصبح لاحقاً أحد روافد شعره الأعمق، مصدراً للصور الجبلية والطبيعية التي ستُميّز أسلوبه عن سائر أسلوب شعرائه. كان كوران ابناً لعائلة أرستقراطية سابقة، وهو ما يُضيف إلى سيرته طبقةً اجتماعية لافتة: رجل من أصل طبقي رفيع يختار الانحياز إلى الفقراء والمهمّشين، ويتحوّل في منتصف حياته إلى صوت الطبقة العاملة الكردية. هذا التحوّل ليس تناقضاً بل هو في جوهره اتساق داخلي عميق: فمن يُدرك من مكان الامتياز ما يعانيه المحروم يملك طاقة نقدية مضاعفة لا يملكها من وُلد في الفقر ولم يعرف غيره. اشترك كوران في قضايا سياسية واجتماعية جذرية في ثلاثينيات القرن العشرين، وظلّ يُعتقَل بصورة متكررة حتى ثورة الرابع عشر من يوليو ١٩٥٨. أنشطته السياسية وآراؤه أفضت إلى اعتقاله ثلاث مرات وقضاء سنوات في السجن، قبل أن يُطلَق سراحه إثر ثورة ١٩٥٨ ويُحتفى به بطلاً. وحين جاءت السنوات الأخيرة من حياته، كان محرراً نشيطاً في الأسبوعية جين (الحياة) في مطلع الخمسينيات، التي حوّلها من مجلة ثقافية إلى صوت مناضل عن فقراء المجتمع الكردي، ثم أصبح رئيساً لتحرير مجلة شفق في مطلع ١٩٥٩، وعُيِّن محاضراً في قسم اللغة والأدب الكرديين بجامعة بغداد خريف ١٩٦٠. وفي الثامن عشر من نوفمبر ١٩٦٢ مات بالسرطان في السليمانية — ولم يكن قد تجاوز الثامنة والخمسين.
ولفهم ما فعله كوران لا بد من تصوّر الفضاء الشعري الكردي قبله بوضوح. الحداثة الشعرية الكردية كانت استجابةً جمالية لمجيء الحداثة وتداعياتها الاجتماعية-السياسية كالقومية في المجتمع الكردي. التقليد الأدبي الكردي نما في ظل رعاية الإمارات الكردية شبه المستقلة في الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية على بنية متعددة اللهجات، وطوّرت كل من الهورامية والكرمانجية والسورانية تقاليد أدبية متوازية منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر. هذا التقليد الكلاسيكي كان يشتغل بعروض الشعر العربي وبمعجم ثقيل بالموروث الصوفي والتذلل الغزلي والمديح، أي أن الشعر الكردي كان يتكلم بلغة الكلاسيكية الإسلامية أكثر مما يتكلم بصوته الخاص. وبعد الحرب العالمية الأولى و”روح تقرير المصير” التي أعقبتها، كان طبيعياً أن يسير الشعر الكردي في مجرى التيار السياسي، إذ وجد الشعراء الأصغر سناً أن ثمة أشياء يريدون قولها لا يمكن التعبير عنها داخل الإطار الكلاسيكي. وكانت البذور الأولى للتجديد قد بُذرت من قبل كوران: الطليعة كانت الشاعر والمفكر الكردي شيخ نوري شيخ صالح الذي أدخل شكل المقطع إلى الشعر الكردي الرسمي، وهو شكل كان سمةً شائعة في الأدب الشعبي الكردي. وأدّى كل من رشيد نجيب وعبد الرحمن باقي نفوس دوراً مؤسسياً مبكراً في هذه الحركة. لكن هؤلاء جميعاً بقوا في منطقة الانتقال، يحوّلون الأشكال التقليدية دون تجاوزها جذرياً. كوران هو من أتمّ القطيعة وجعلها مدرسة.
حاول كوران تقليل التأثريات الخارجية على شعره، ومنحه شكلاً وإيقاعاً ولغةً ومضموناً مستنداً إلى الواقع الكردي والثقافة الكردية والطبيعة والتقاليد الشعبية الكردية. استُبدل عروض الشعر العربي الذي هيمن على الشعر في الشرق بأكمله، بأنماط من الأغاني الشعبية الكردية القديمة، ونُقِّيت المفردات من العربية وسائر اللغات. وهذا ليس مجرد تغيير شكلي بل هو إعلان استقلال جمالي: الشعر الكردي لن يستعير موسيقاه من الآخرين بعد اليوم، بل سيستمد نبضه من الموسيقى الشعبية التي حفظتها ذاكرة هورامان والجبال والغناء النسائي المجهول الاسم. ويذهب الباحث ضاهر لطيف كريم في أطروحته المقارنة بين الشعر الحر العربي والكردي إلى أن كوران هو من “واصل الأسلوب الجديد وطوّره” وأنه “حرّر الشعر الكردي من تبعيته الكاملة للشعر العربي والفارسي ومنحه هويةً خاصة به”. هذه العبارة — “هويةً خاصة به” — هي المفتاح: كوران لم يكتفِ بتجديد الشكل بل أعاد تعريف ما يعنيه أن تكون القصيدة كردية. الكردية قبله كانت تعرّف شعرها بمرجعيات خارجية — الموروث العربي، الصوفية الفارسية، العروض الكلاسيكي — وبعده صار الشعر الكردي يعرّف نفسه بنفسه: بجبله وامرأته وخسارته وطبيعته الداخلية. كما أدخل كوران الشعر المرسَل وقصيدة النثر وأنماطاً جديدة للقافية، وفي أعمال كـ”آوات دور” (الشوق البعيد، ١٩٥٠) هجر العروض الكلاسيكي كلياً. وهذا الهجر الكلي ليس مجرد خيار إيقاعي بل قرار في فلسفة الوجود الشعري: العروض الكلاسيكي هو بنية ذاكرة اللغة العربية وتاريخها الصرفي والعروضي — والتخلي عنه يعني التخلي عن التبعية الموسيقية العميقة، لأن الإيقاع ليس زينة في الشعر بل هو بنيته اللا واعية.
مرّ كوران في مسيرته الأدبية بثلاثة أطوار متمايزة تبدو واضحةً في المضمون والشكل معاً. الطور الأول كلاسيكي يسير فيه على خطى أسلافه. ثم الطور الرومانسي حيث المرأة والطبيعة الموضوعان المهيمنان، وفيه بدأ تحويل الأنماط التقليدية. ومن سمات هذا الطور أن كوران يرى المرأة في الطبيعة والطبيعة في المرأة. وفي سنواته الناضجة تحوّل نحو الشعر الحر تعبيراً عن التزامه السياسي بنضال شعبه وكفاح الطبقة العاملة. هذه الأطوار الثلاثة ليست مجرد تطور تقني بل هي خريطة لكيفية تحوّل وعي شاعر في عالم يتغير حوله بسرعة: من التسليم بالموروث، إلى اكتشاف الذات عبر الطبيعة والمرأة، إلى الانخراط في السياسي بوصفه ضرورة وجودية لا إضافة طارئة. كوران، أبو الحداثة الكردية، كتب أيضاً قصائد رومانسية على نهج شيلي — والآباء المؤسسون للحداثة ليسوا بالضرورة حداثيين، ومع ذلك في شعر كوران تتجلى كل أوجه تفكيك الصورة الشعرية التي صارت سمة الشعر الكردي المعاصر. غير أن في هذا المسار نقطة مضيئة ونقطة تستحق المساءلة معاً، في السنوات الأخيرة من كتابته يلاحظ كيف أن النزعة السياسية المتصاعدة تتغلب في نهاية المطاف على الجوانب الجمالية في شعره وتُضعفها. هذا التوتر — بين الشعري والسياسي — ليس خاصاً بكوران بل هو معضلة كل شاعر يعيش في لحظة قمع حاد، أن تبقى أمينًا للقصيدة بما هي قصيدة، أو أن تُسخّرها لمطلب اللحظة. كوران لم يُفلح دائماً في الإمساك بالتوازن، وهذا الفشل الجزئي هو شهادة صادقة على القسوة التي عاش فيها لا على قصوره الشعري.
المواضيع المهيمنة في شعر كوران هي مثاله للحرية وحبه لكردستان وللمرأة وللطبيعة، وطريقته في تصوير الطبيعة فريدة داخل الأدب الكردي. ومن خلالها يكشف كوران عن ألفة مع كبار شعراء الحداثة الأوروبيين. هذه الملاحظة عن الطبيعة تستحق التأمل: حين يكتب شاعر كردي عن الجبل والثلج والنهر، ليس فعله مجرد وصف مكاني بل هو بناء لمرجعية هوياتية. الجغرافيا الكردية — بجبالها وأنهارها وسهولها — هي الوطن الوحيد غير القابل للمصادرة حين تُصادَر الدولة، ولهذا يصبح التغنّي بها فعلاً سياسياً عميقاً يرتدي ثوب الجماليات. والمرأة عند كوران لا تُقرأ خارج هذا الإطار: لشعره جذور في هورامان، الأرض والناس والثقافة، التي أمدّته بخلفية قوية وموارد لفظية للانطلاق في هذه المغامرة الجسورة. وهذه الخلفية يلخّصها كوران في تعبير واحد: “الحب الكردستاني”. المرأة إذن جزء من هذا “الحب الكردستاني” الشامل — لا وجوداً مستقلاً منفصلاً بل حضوراً يمثّل كل ما هو حيّ وجميل وقابل للفقدان. وهذا يُفسّر لماذا كتب كوران عن قتل الشرف بشجاعة نادرة في زمنه: فضح في شعره الرقيق والمبتكر التمييز الجنسي ضد المرأة وخاصةً قتل الشرف، وأدانه إدانةً قاطعة في قصيدته بردة نوسيك (شاهد القبر). من يرى في المرأة تجسيداً للحياة لا يستطيع إلا أن يرى في قتلها جريمةً وجودية.
مقاربات شعرية ووجدان وذاكرة ممتدة
ثمة دراسة مقارنة للشعر الحر في العربية والكردية بالنظر إلى المسيرتين الأدبيتين للسيّاب وكوران، وهذه المقارنة تكشف شيئاً مدهشاً: أن الشعر العربي الحديث والشعر الكردي الحديث كانا يخوضان في الوقت ذاته تقريباً المعركة ذاتها — معركة الانعتاق من العروض الكلاسيكي نحو الشعر الحر — وإن كانا ينطلقان من سياقات مختلفة جذرياً. السيّاب كان ينعتق من موروث شعري لغته الأم وكانت اللغة العربية تملكه، أما كوران فكان ينعتق من موروث أجنبي طغى على لغته من الخارج. الفرق بين الحالتين جوهري: الأولى هي ثورة داخل البيت، والثانية هي استرداد البيت من مستعمِريه. كما لا يُفهم كوران كاملاً إلا في علاقته بتوفيق بوهبي؛ إذ يمثّلان وجهَي عملة واحدة في مشروع بناء الهوية اللغوية الكردية. وهبي أسّس للغة بوصفها موضوع علم — نحواً ومعجماً وأبجدية. كوران أسّس للغة بوصفها فضاءً جمالياً حياً. بذل كوران جهداً كبيراً في خلق لغة أدبية كردية موحّدة عبر دمج اللهجتين الكرمانجية والسورانية — وفي هذا تقاطع مباشر مع هموم وهبي التقنينية. لكنّ كوران كان يقترب من مشكلة اللهجات من الجهة الأخرى: لا من الوصف الأكاديمي بل من الممارسة الشعرية الحية. وكأن وهبي يبني الأساس وكوران يُشيّد البناء الذي يسكنه الناس. ربما كان نجاح مشروع كوران، لأنه تمكّن في حياة إبداعية قصيرة نسبياً من تأسيس المدرسة الجديدة للشعر الكردي، وسرعان ما انضم إليه كوكبة من الشعراء — دلدار، وكمال مكري، وجمال شاربازيري، وديلان، وبختيار زيور، وأحمد هردي، وإبراهيم أحمد — أضافوا ألحاناً خالدة إلى تقليد الشعر الكردي الجديد. ويظهر أثره حتى في جيل الثمانينيات والتسعينيات: الشاعر قوبادي جليزادة يتأثر تأثراً واضحاً بطريقة كوران في تصوير الطبيعة، وبيَّن أن أسلوبه في رؤية الجمال في الطبيعة صار مرجعاً جمالياً لجيل كامل من الشعراء الكرد. وهذا الاستمرار الجيلي هو معيار النجاح الحقيقي للمدرسة الشعرية: ليس أن يُقلَّد أسلوبها — التقليد يموت مع الموضة — بل أن تُرسَّخ رؤيتها للعالم في الوجدان الجمعي حتى تصبح أفقاً لا يُرى لأنه صار البيئة ذاتها التي يعيش فيها الخلف.
كانت العلاقة بين كوران وتوفيق وهبي علاقة تكامل بنيوي عميق لا يُوضَّح دائماً بالكفاية في الكتابة الأكاديمية التي تميل إلى دراسة كل منهما في عزلة. وهبي وضع الكردية على طاولة العلم، وكوران وضعها على شفتَي القارئ العادي — والفعلان لا يكتمل أحدهما دون الآخر. وهبي أثبت أن الكردية لغة، وكوران أثبت أن هذه اللغة تستطيع أن تقول ما لا تقوله اللغات الأخرى بالطريقة ذاتها. التقنين بلا جماليات يُنتج معجماً في أرفف المكتبات، والجماليات بلا تقنين تُنتج شعراً جميلاً لا يجد أبجديةً ثابتة يُكتب بها. ما أنجزه الرجلان معاً — دون تنسيق صريح، بل من تجاور موضوعي في الهموم والزمن — هو ما يشبه التأسيس المزدوج: أساس علمي وبناء جمالي فوقه، ولا يقف أحدهما وحده. والتفصيل الدقيق الذي يكشف عمق هذا التكامل هو الإيقاع؛ وهبي عمل على توصيف النظام الصوتي للكردية وتمثيله الكتابي، وكوران عمل على إطلاق هذا النظام الصوتي في قصائد يسمعها الناس ويحفظونها. وهبي جعل الصوت الكردي قابلاً للكتابة، وكوران جعل الكتابة الكردية قابلة للسماع من جديد. في هذه الحلقة — صوت يُكتب ويُسمع ثانيةً — تكمن البنية الكاملة للثقافة المتجذّرة، تلك الثقافة التي تحيا في البُعدين معاً: في العين التي تقرأ وفي الأذن التي تسمع، في النحو الذي يُقنّن وفي الأغنية التي تتجاوز كل تقنين.
وحين يُقرأ كوران بعيون تعرف أحمد خاني، يبدو وكأن بينهما حواراً صامتاً عبر القرون. خاني في القرن السابع عشر قال إن الكرد “يستحقون” — وهو كلام في الهوية الجماعية بلسان الشاعر-المفكر الذي يتكلم بضمير “نحن” عن شعبه. كوران في القرن العشرين قال إن الكردي “يشعر” — وهو كلام في الداخلية الفردية بلسان الشاعر الذي يتكلم بضمير “أنا” عن نفسه وعبرها عن الجميع. هذا الانتقال من “نحن نستحق” إلى “أنا أشعر” ليس تراجعاً عن الجماعي نحو الخاص بل هو النضج الطبيعي للسردية الجمعية: السردية التي تنضج تُعطي أعضاء الجماعة حق التجربة الفردية الكاملة دون أن تشترط عليهم تذويبها في خطاب جمعي. كتب خاني ملحمة — الشكل الشعري الذي يُخاطب الجماعة ويُغذّي وعيها بماضيها. كوران كتب قصيدة غنائية — الشكل الذي يُخاطب الفرد في لحظته الراهنة. وبين الملحمة والأغنية الغنائية يقع كل تاريخ السردية الكردية: من الذاكرة الجمعية الكبرى التي يُؤسّسها خاني، إلى اللحظة الحية المُعاشة يومياً التي يُضيئها كوران. ومن يملك كلا البُعدين — الذاكرة والحاضر، الملحمة والأغنية — يملك ثقافةً كاملة. كوران أضاف إلى التراث الكردي هذا البُعد الثاني الذي كان ناقصاً: الشعر بوصفه تجربة حياتية لا وثيقة هوية فحسب. كما يمكن القول، إن العلاقة بين كوران وبيشيكجي غير مباشرة لكنها بنيوية كذلك، فكلاهما يعمل على تفكيك الإنكار من موقع مختلف. بيشيكجي — العالم الاجتماعي التركي الذي سُجن سبعة عشر عاماً بسبب كتاباته عن الكرد — يفكّك الإنكار بالدليل الأكاديمي: يُثبت بالأرقام والوقائع أن “المسألة الكردية” حقيقة لا اختراع، وأن كردستان “مستعمرة دولية” لا مجرد خريطة جغرافية متنازع عليها. أما كوران فيفكّك الإنكار بطريقة أعمق وأشد إيلاماً للمُنكِر: يُثبت أن الكردي لا يحتاج إلى اعتراف أحد كي يُحبّ ويُفقد ويُبدع. الإنسان الذي يشعر ويُعبّر عن شعوره بجماليات راسخة لا يحتاج دولةً تُثبت وجوده. وهذا التفكيك الجمالي للإنكار أشد خطراً على المُنكِر من التفكيك الأكاديمي، لأنه لا يُخاطب المنطق وحده بل يُخاطب الوجدان الإنساني المشترك الذي لا يستطيع أن يُنكر أن من يُحبّ ويُبدع لا يمكن أن يكون “غير موجود”.
ولهذا لا يمكن أن يُقرأ كوران في عزلة عن محيطه الإقليمي. في الزمن الذي كان يثوّر فيه الشعر الكردي — الثلاثينيات والأربعينيات — كانت الحداثة الشعرية تضرب أمواجها في أكثر من فضاء عربي وإيراني في الوقت ذاته؛ نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب في العراق يُؤسّسان للشعر العربي الحر، ونيما يوشيج في إيران يكسر العروض الفارسي الكلاسيكي. والمفاجئ والمُثير أن هذه الثورات الثلاث — الكردية والعربية والفارسية — حدثت في تزامن لافت دون تنسيق صريح فيما بينها، مما يُشير إلى أن اللحظة التاريخية ذاتها كانت تطرح السؤال ذاته على شعراء يكتبون بلغات مختلفة، كيف تُعبّر الحداثة عن نفسها بأدوات لغوية ورثت موروثاً كلاسيكياً ثقيلاً؟ لكن الفارق الجوهري بين الحالة الكردية وشقيقتيها العربية والفارسية هو ما أشرنا إليه: السيّاب ونازك ونيما كانوا يثوّرون داخل تقليد تحميه دولة، أما كوران فكان يثوّر ويُأسّس في الوقت ذاته — وهذا الفارق يجعل إنجازه أكثر استنزافاً وأكثر قيمةً في آن. وثمة تناص بالمعنى الدقيق بين كوران والسيّاب تحديداً يستحق الوقوف عنده: كلاهما كتب قصائد تجعل الأرض التي نشأ فيها الشاعر — بصور السيّاب في البصرة، وجبال هورامان عند كوران — مرجعاً وجودياً لا مجرد خلفية جغرافية. كلاهما رأى في الطبيعة المحلية المُعاشة مادةً شعريةً كافية للتعبير عن أشد الأسئلة الوجودية إلحاحاً. وكلاهما استخدم الأسطورة — الرافدينية عند السيّاب، والكردية الشعبية عند كوران — لمقاربة الراهن السياسي والإنساني. هذه المقارنة ليست للتقليل من أي منهما بل للكشف عن ظاهرة تستحق البحث: أن الحداثة الشعرية في المشرق العربي والكردي والفارسي خرجت من رحم تجربة واحدة — تجربة الانهيار التركي-العثماني وإعادة رسم المنطقة — وإن كانت مسارات الشعراء ومصائرهم قد اختلفت اختلافاً جذرياً بحسب اللغة التي كتبوا بها وما تعنيه تلك اللغة في الخريطة السياسية الجديدة.
يُقدّم كوران درساً نظرياً بالغ الأهمية لأي باحث يشتغل على علاقة الجماليات بالهوية؛ أن الحرية الشعرية الحقيقية لا تعني الانفصال عن الجماعة بل هي أعمق أشكال الانتماء إليها. حين كسر كوران العروض الكلاسيكي واستعاض عنه بالأغنية الشعبية، لم يكن يكسر تقليداً فحسب بل كان يعود إلى منبع أعمق: منبع الشفهية الكردية التي حفظت الهوية حين كانت الكتابة محظورة. إنه يُعيد إلى اللغة الكردية المكتوبة جذرها الشعبي الذي كاد يُنسى تحت طبقات الاستعارة الكلاسيكية. اسم الأنطولوجيا “الوردة النازفة” مستمدّ من قصيدته التي تحمل الاسم ذاته، وهو في الوقت نفسه برنامج لأسلوبه الشعري: بكلمات وصور غير مألوفة بل مزعجة، يخوض الكفاح ضد القمع السياسي والاجتماعي. الوردة النازفة — لا الوردة الجميلة — هي صورة كوران المركزية، وفيها كل شيء: الجمال والجرح في آن، الحياة والدم معاً، الكردية التي لا تبكي جرحها بل تُحوّله جمالاً وشعراً وهوية مستمرة. وما يُميّز كوران جمالياً عن سائر شعراء جيله ليس فقط كسر العروض — فهذا أنجزه غيره أيضاً — بل طريقة بناء الصورة الشعرية ذاتها. كوران يستعيد الأساطير الكردية الشعبية في شعره لكنه يوظّفها توظيفاً جديداً: لا للزينة البلاغية كما كان الشعر الكلاسيكي يفعل، بل لتصوير الصراع السياسي الراهن بين القامعين والمقهورين. هذه المسافة بين الاستخدام القديم والاستخدام الجديد للأسطورة هي بالضبط مسافة الحداثة: الحداثة لا تُلغي الموروث بل تُعيد توظيفه في خدمة الحاضر.
يجد كوران في الطبيعة موارد لا تنضب للتحمّل والاستمرار. وهكذا تصبح “الطبيعة الكلاسيكية” عنده واعيةً بحدودها ذاتها. هذه الجملة تستحق التأمل الطويل: الطبيعة عند كوران ليست خلفيةً جمالية بل شريكٌ في الوجود، وحين يكتب عن الشلال لا يصفه بل يتحاور معه. الشلال يجري ويجري حين تنضب الدموع — أي أن الطبيعة هي الشاهد الأبدي الذي لا يُرهَق ولا يُقمَع، وهذا الشاهد الأبدي يُعطي الشاعر ما لا تستطيع السياسة منحه: الإحساس بالاستمرارية فوق الكارثة. ومن أعماق الفضاء الرومانسي قصيدته الطويلة “گهشت له ههوراَمان” (رحلة إلى هورامان) التي تفيض بوصف الطبيعة في أبهى صورها. ثم بعد الحرب العالمية الثانية يسود عمله نبرة واقعية وتطغى على شعره الموضوعات الاجتماعية. ومن أبرز ما خلّفه في هذه المرحلة القصيدة الكلاسيكية الكردية الحديثة “گولی خۆناوی” (الوردة النازفة، ١٩٥٠)، وهي دراما شعرية عن حب مأساوي في عالم ظالم. وهذا الانتقال من رحلة هورامان إلى الوردة النازفة هو مسار وعي كامل: من الطبيعة بوصفها ملجأً، إلى الطبيعة بوصفها جرحاً — أي من الشعر الذي يهرب إلى الجمال، إلى الشعر الذي يُخترق بالجمال ولا يستطيع تجنّب الدم.
ومن أكثر ما يُفاجئ الباحث في كوران اكتشافه أن ثورته الشعرية لم تأتِ من أوروبا مباشرةً — رغم اطلاعه الواسع على الحداثة الأوروبية — بل جاءت من عمق التراث الكردي الشفهي الذي كاد يُنسى تحت ثقل الموروث الكلاسيكي المكتوب. كوران، مفارقةً جميلة، اكتشف أن الحداثة الشعرية القادمة من أوروبا عبر تركيا لا تُضيف شيئاً جديداً إلى ما هو موجود أصلاً في التراث الكردي الشعبي: التنوع الإيقاعي الغني الذي كان يستخدمه الرجال والنساء الكرد العاديون منذ مئات السنين للتعبير عن تجاربهم ومشاعرهم. فما كان يُسمّى “حداثةً” في الشعر الأوروبي كان موجوداً أصلاً في الأغنية الجبلية الكردية، في مراثي النساء، في الأهازيج الريفية التي لم تُكتب قط. كوران أدرك هذا واستثمره: الحداثة ليست استيراداً بل استرجاع لما طُمس. لهذا الاكتشاف دلالة نظرية بالغة الأهمية لأي باحث يشتغل على علاقة الحداثة بالتراث في السياق غير الغربي: الحداثة الجمالية لا تعني بالضرورة القطيعة مع الجذر الشعبي، بل قد تعني — كما في حالة كوران — أن الجذر الشعبي نفسه كان دائماً أكثر حداثةً مما أوهمنا إياه التقليد المكتوب المُهيمن.
وقبل الدخول في تفاصيل ما فعله كوران بالمخيال الكردي، لا بد من وقفة مفاهيمية سريعة؛ المخيال الجمعي ليس مجموع الصور التي يحملها أفراد مجموعة ما، بل هو البنية اللاواعية التي تُنظّم هذه الصور وتُقرّر ما هو قابل للتخيّل وما هو خارج دائرة التخيّل. وهذا التمييز حاسم لفهم دور الشاعر: الشاعر لا يصف المخيال بل يبنيه، لأنه هو من يُقرّر — بالصورة والإيقاع والاستعارة — ما يمكن للجماعة أن تتخيّله عن نفسها. الشعر الكردي بوصفه الجنس الأدبي الأقدم والأغلب لا يزال يؤدي دوراً تأسيسياً في الهوية الثقافية والسياسية الكردية، وكان جزءاً فاعلاً في الانتفاضات والثورات، وموقعاً نشطاً للمقاومة والتذكّر. لكن كوران لم يكتفِ بأن يكون شاعر المقاومة — بل أسّس للبنية المخيالية التي جعلت المقاومة نفسها قابلة للتخيّل بصيغة إنسانية لا بيانية فحسب. والمفارقة الكبرى، كوران فعل ذلك في لحظة كانت فيها أداة التخيّل الجماعي الأكثر حداثةً — الطباعة وانتشار الصحافة — محدودة النطاق في الفضاء الكردي. بالنظر إلى ارتفاع نسب الأمية وشحّ القرّاء والصعوبات الاقتصادية والسياسية للطباعة بالكردية، يكون من الخطأ اعتبار وسائط الطباعة العامل المحوري في بناء الوعي القومي الكردي على الطريقة الأندرسونية الكلاسيكية. أي أن النموذج الذي يُقدّمه بينيديكت أندرسون عن “الجماعات المُتخيَّلة” التي تنشأ عبر الطباعة لا ينطبق على الحالة الكردية انطباقاً مباشراً — لأن الطباعة لم تكن الوسيط الأوسع انتشاراً. الوسيط الأوسع كان الشعر المسموع والأغنية والمذاع — وهنا بالضبط يكتسب كوران مكانته الاستثنائية: إنه يبني المخيال الجمعي عبر الوسيط الذي كان فعلاً يصل إلى الجميع.
ما أقل ما يُقال في دراسات الشعر الكردي، إن كوران حين استبدل عروض الشعر العربي بالأوزان الشعبية الكردية لم يُغيّر شكلاً بل غيّر نوع الذاكرة التي ينطوي عليها الشعر. العروض العربي ذاكرة مكتسبة — تتعلّمها، تُتقنها، تُمارسها. الوزن الشعبي الكردي ذاكرة جسدية — تحملها في طريقة مشيك وأنفاسك وفي الأهازيج التي سمعتها قبل أن تتعلم القراءة. حين يكتب كوران بالوزن الشعبي، فإن القصيدة لا تحتاج إلى قارئ متعلم كي تُستقبَل — تحتاج فقط إلى جسد كردي يحمل إيقاعات اللغة في عضلاته وذاكرته السمعية قبل الكتابة. صار التخلي عن عروض الشعر العربي واعتماد الوزن المقطعي، المؤشر الأكثر وضوحاً للشعر الحديث، وأُعلن عنه بوصفه الوزن “الوطني” — أي أن الاختيار الإيقاعي كان في الوقت نفسه إعلاناً هوياتياً صريحاً. لكن ما لم يُقَل بالكفاية هو أن هذا الإعلان لم يكن تجريداً فكرياً — كان شيئاً يُسمع ويُشعَر به في الجسد. الكردي الذي يسمع قصيدة كوران لأول مرة يُدرك بأذنيه قبل عقله أن هذا الشعر ينبع من مكان مألوف — من تلك الأغنية التي سمعها أمه تُغنّيها، من ذلك الإيقاع الذي يسكن المقطع الكردي في تضاريسه الصوتية الأعمق. وهذه الألفة الإيقاعية هي اللحظة الأولى لبناء المخيال، أن تشعر أن هذا الشعر لك قبل أن تفهم لماذا.
المكانة التي تحتلها الأرض الكردية والهوية الكردية في الخطاب الروائي الكردي تُبنى كرمز وكفضاء جغرافي في الوقت ذاته، وتتشكّل من خلال موضوعات الترحيل والخسارة للتاريخ الفردي والجماعي معاً. كوران يؤسّس لهذه الثنائية في الشعر قبل أن تُرسّخها الرواية: كردستان عنده ليست إحداثيات جغرافية بل مشهد داخلي، وعالم عاطفي، ومرجعية وجودية. حين يصف جبل بير مكرون أو سهول هورامان أو أنهار السليمانية، فهو لا يكتب وصفاً طبيعياً بل يُرسم خريطة مخيالية: خريطة تُخبر الكردي أين يقع قلبه حين تُسرَق منه الخريطة السياسية. وهذا التأسيس المخيالي للجغرافيا له أثر عميق في السردية الجمعية: فالشعب الذي يفتقر إلى دولة يفتقر بالضرورة إلى جغرافيا رسمية معترف بها — أي أن كردستان لا توجد في أي أطلس دولي بالشكل الذي يتخيّله الكرد. كوران يُعوّض هذا الغياب الخرائطي بغنى مخيالي مضاعف: يُقيم كردستان في المخيال الشعري بصورة أكثر حضوراً وحيوية مما قد تُقيمها خريطة رسمية باردة. وهذا المخيال الجغرافي الشعري هو الموطن الأول للسردية الجمعية الكردية — لأن السردية تحتاج دائماً إلى مكان تبدأ منه، ومكان كوران موجود في الوجدان لا في المعاهدات. يُجسّد كوران وجيره شيخموس سيجروكسين الانخراط الإنساني الراديكالي ومناهضة العنصرية والاستعمار في شعرهما — وهو ما يمكن قراءته في سياق الكتابة ما بعد الاستعمارية. وقصيدتاهما في رثاء بول روبسون نموذج على موقفهما الإنساني الراديكالي المناهض للاستعمار والعنصرية، إذ ربطا نضال الكردي بنضال الزنجي الأمريكي في إطار تضامن عابر للحدود. هذه اللفتة — الربط بين الكردي المقهور والأسود المقهور — ليست مجرد موقف سياسي بل هي لحظة في بناء المخيال: تلك اللحظة التي يرى فيها الكردي نفسه جزءاً من إنسانية مشتركة تتجاوز محليّته المحاصرة، ويُدرك أن آلامه ليست استثناء بل نمط عالمي من الظلم يستحق التضامن. وهذا البُعد تحديداً هو ما يجعل شعر كوران أكبر من أن يكون “شعراً قومياً” بالمعنى الضيّق. الشعر القومي يُغذّي الهوية بتغذية الفارق بين “نحن” و”هم”. كوران يُغذّي الهوية الكردية من الداخل بتوسيع دائرة التعاطف حتى تشمل المقهور في كل مكان — وهذا التوسيع لا يُذيب الهوية الكردية بل يُعمّقها: الكردي الذي يرثي روبسون يُدرك أن كُرديّته ليست سجناً بل موقفاً وجودياً في مواجهة اللاعدالة الكونية.
وثمة بُعد مُغفَل في دراسات كوران هو إسهامه في تأسيس المسرح الكردي. كوران هو من استخدم مصطلح “شانو” (teatro/مسرح) في قصيدته “جيلوي شانو” (مجد الدراما)، وبحسب الباحث بيرباڵ فإن توظيفه لهذا المصطلح جذب الكتّاب الكرد الذين واصلوا استخدامه في منشوراتهم. هذا التفصيل الصغير ينطوي على دلالة كبرى: كوران لم يُسمِّ المسرح فحسب بل منحه شرعيةً أدبيةً كردية. والمسرح — بخلاف الشعر — يبني المخيال في الفضاء العام المرئي الجماعي: الجمهور يرى معاً ويشعر معاً ويتذكر معاً. وحين يُشرعن كوران المسرح بمصطلح كردي مشتق، فهو يُوسّع دائرة بناء المخيال من الأذن إلى العين، ومن الفردي المُستمِع إلى الجماعي المُشاهِد.
ويمكن قراءة السردية الجمعية الكردية التي أسهم كوران في بنائها، بوصفها تقوم على أربعة أعمدة مترابطة. العمود الأول هو الجرح بوصفه هوية لا ضعفاً. شعر كوران يتعامل مع الآلهة والتساؤل عن غياب العناية الإلهية في مواجهة المعاناة الكردية والحرمان التاريخي، مستخدماً اللغة الكردية والتعبير الشعري أدواتٍ حيويةً للتفاوض حول الصدمة الجماعية وتأكيد الهوية والتخريب الإيديولوجي في الأطر السياسية القمعية. الجرح هنا ليس موضوعاً للبكاء بل للتأمل والتفسير والمواجهة — وهذا التحويل للألم من شكوى إلى موقف فلسفي هو بالضبط ما يُميّز السردية الجمعية الناضجة عن خطاب الضحية. أما العمود الثاني، هو التواصل بين الأجيال عبر الصورة الشعرية. كوران هو الشاعر الأكثر تأثيراً وشهرةً في الشعر الكردي المعاصر في القرن العشرين، وما جعله يحتفظ بجمهوره ويستقطب جمهوراً جديداً أنه لم يتوقف عن الكتابة قط — حين كان أقرانه يُعلّقون أقلامهم مؤقتاً أو نهائياً. هذا الاستمرار في الإنتاج بنى علاقة عميقة بين كوران وأجيال متعاقبة من القرّاء: كل جيل وجد في شعره ما يُخاطبه لأن كوران كان دائماً في حوار مع لحظته دون أن يُقيَّد بها. العمود الثالث هو بناء الجغرافيا العاطفية للوطن. كردستان بوصفها وطناً تُبنى في الخطاب الروائي والشعري الكردي كرمز وكفضاء جغرافي في الوقت ذاته، من خلال موضوعات الترحيل والخسارة. كوران هو أحد المؤسّسين الكبار لهذه الجغرافيا العاطفية — الوطن الذي لا يحتاج إلى اعتراف دولي لأنه موجود في الصورة الشعرية التي تسكن في الذاكرة. أما العمود الرابع هو الفرد الكردي بوصفه موضوعاً شعرياً مستقلاً. ما أضافه كوران إلى السردية الجمعية الكردية هو أنه أعطى الفرد الكردي حقّ أن يُحزن ويُحبّ ويُفرح ويُيأس بصفته فرداً لا ممثّلاً لقضية. في شعر كوران كقصيدة “الرغبة” يصف الكآبة التي تنتاب المرء في الوحدة والعزلة ثم يتحوّل إلى وصف بهجة إيجاد الروح الشقيقة — وهذه الحركة بين اليأس والفرح هي حركة إنسانية كاملة لا حركة نضالية وحدها. الكردي الذي يقرأ كوران يرى نفسه إنساناً كاملاً بحبه وخسارته وطبيعته وهشاشته — لا مجرد حامل هوية مُهدَّدة. وهذه الرؤية الكاملة للذات هي شرط أي سردية جمعية حقيقية: أن تُعطي أعضاء الجماعة حق كامل الإنسانية لا مجرد حق الانتساب.
حقيقة لم يبنِ كوران مخيالاً للكرد فحسب، بل أسهم في بناء الكردي القارئ نفسه بوصفه ذاتاً ثقافية واعية بنفسها. في المدارس الكردية التي أُسِّست في السليمانية شكّلت الطباعة والتعليم بيئةً جديدة أتاحت للشعراء الكرد تطوير هويتهم بوصفهم كتّاباً وتصوّر دورهم في المجتمع، وكان الكتّاب يستجيبون لتوقعات ناشئة من قرّاء جدد. كوران في هذا الإطار ليس فقط شاعراً يُنتج نصاً بل فاعلاً في بناء العلاقة بين النص وجمهوره — علاقة يُعرِّف فيها الجمهور الكردي نفسه جزئياً من خلال كونه جمهوراً يقرأ كوران. والجمهور الذي يتعرّف على نفسه من خلال ما يقرأه هو في طور تكوين هويته الثقافية الحديثة. وفي التقييم الأخير والأعمق لدور كوران في المخيال الجمعي الكردي، لا بد من مواجهة مفارقة صريحة: كوران بنى مخيالاً جمعياً لشعب لم يكن يملك دولة تحمي هذا المخيال وتُؤسسن انتشاره. غياب الوحدة السياسية والقومية لم يُشكّل فقط الطابع المُجزَّأ للخطاب الروائي الكردي، بل أجبر كثيراً من المثقفين الكرد على الاختيار بين التهجير والكتابة بلغات الدولة الرسمية. وقد اختار كوران الكتابة بالكردية رغم ذلك — وهذا الاختيار هو في جوهره رهان على المستقبل: رهان بأن ما يُبنى في المخيال قبل أن تكون الدولة موجودة سيُيسّر قيام الدولة حين تصبح الشروط ممكنة، أو سيجعل غيابها أقل فداحةً لأن الشعب سيظل يحمل مخيالاً عن نفسه يكفيه للبقاء. ومن ثم كان الشعر الكردي كان موقعاً نشطاً للمقاومة والتذكّر.
كوران.. والأثر الحي
ثمة نوع نادر من الأفراد تتطابق فيهم اللحظة التاريخية مع الموهبة الشخصية تطابقاً يجعل من المستحيل الفصل بين ما هو شخصي وما هو تاريخي في إنجازهم. عبد الله كوران واحد من هؤلاء النادرين — لكن بطريقة مختلفة عن نظائره في الفضاءات الثقافية الأخرى: فالتطابق بين الشاعر ولحظته لم يأتِ من وفرة الشروط بل من شحّها. في الفضاءات التي تملك دولة ومؤسسات وأكاديميات، يُصبح الشاعر المؤسِّس لحظةً في سلسلة متصلة. في الفضاء الكردي، يُصبح الشاعر المؤسِّس أحياناً السلسلة كلها — لأنه يحمل على عاتقه وحده ما تحمله في سياقات أخرى مؤسسات ومدارس وأجيال منظّمة. كوران كان يعرف هذا الثقل ولم يتراجع أمامه، وهذا الاختيار الصامت بالاستمرار هو ربما أهم ما يُقدّمه للخيال الكردي: نموذج في التحمّل الخلاق الذي لا يُفضي إلى الاستشهاد الدرامي بل إلى القصيدة بعد القصيدة، والمجلة بعد المجلة، والجيل بعد الجيل. لكن هذا التحمّل لم يكن بلا ثمن. كوران دفع ثمنه سجناً وملاحقةً وعزلةً إلى أن جاءت ثورة ١٩٥٨ لتُطلق سراحه ويُحتفى به بطلاً في سنواته الأخيرة. والاحتفاء المتأخر هو دائماً شكل من أشكال المرارة الهادئة: أن تنال الاعتراف حين يضيق الوقت. وهبي مات في منفى لندن، وكوران مات بالسرطان في الثامنة والخمسين. الفضاء الثقافي الكردي لم يكن رحيماً ببنّائيه — وهذا بالضبط ما يجعل ما بنوه أكثر قيمةً، لأنه بُني رغم اللارحمة لا بسببها.
ما بقي من كوران ليس شعره فحسب — والشعر يبقى بالطبع — بل ما بقي هو نمط تفكير عن علاقة الجمال بالمقاومة، ونموذج في كيفية بناء مخيال جمعي دون أن تملك الدولة التي تُشرعن هذا البناء وتُموّله. هذا النموذج يظل حياً وفاعلاً في الفضاء الكردي المعاصر بأشكال متجددة. في السينما، حين يصوّر قيادي الجبال الكردية بتلك الكثافة البصرية الشعرية الخاصة، فهو يتكئ — ربما دون أن يعلم — على الجغرافيا العاطفية التي أسّسها كوران في الشعر: جبل يحمل ذاكرة الشعب وليس مجرد خلفية مكانية. حين يقرأ شيركو بيكهس قصيدة، فهو يقف على أرضية أسّسها كوران بكسر العروض الكلاسيكي وفتح الكردية على إيقاعاتها الداخلية. وحين تُغنّي فنانة كردية في أي بقعة من بقاع التشتت الجغرافي الكردي أغنيةً تستعيد صوراً طبيعية من كردستان، فهي تُعيد إنتاج ما علّمه كوران: أن الأرض المفقودة تُسترَد أولاً في الصوت وفي الصورة قبل أن تُسترَد في الخريطة.
وعلى المستوى الأكاديمي، ثمة تنامٍ ملحوظ في الاهتمام بالأدب الكردي في الجامعات الغربية — وإن كان لا يزال هامشياً — وكوران هو المدخل الأكثر شيوعاً في المقررات التي تتناول الأدب الشرق أوسطي الحديث. وهذا الحضور الأكاديمي ليس رفاهية ثقافية بل هو بالضبط ما كان يسعى إليه وهبي بالمعجم وإدمندز: إدخال الفضاء الثقافي الكردي إلى الأرشيف الإنساني الذي لا تستطيع الدول سحبه. كوران دخل هذا الأرشيف بالقصيدة كما دخله وهبي بالمعجم، وكلا الدخولين يُضيف طبقةً من الشرعية المعرفية التي تجعل إنكار الهوية الكردية أمراً أكثر تكلفةً وأقل مصداقية مع الزمن. إن المثال الذي يُقدّمه كوران ليس مثال الشهيد الأسطوري ولا مثال المنفيّ الدرامي — وهذا بالضبط ما يجعله أكثر قابلية للتكرار والاستثمار. كوران لم يمت في المعركة ولم يُعدم على المشنقة — عاش حياةً طويلة نسبياً حافلةً بالعمل والسجن والنشر والتعليم والتحرير وبناء مؤسسات ثقافية صغيرة، ومات بالسرطان كالناس العاديين. وهذه العاديّة في المصير، مقرونةً بالاستثنائية في الإنجاز، هي بالضبط المثال الذي يحتاجه الخيال الثقافي الكردي المعاصر: مثال يقول إن التغيير الثقافي الحقيقي لا يشترط الموت البطولي بل الحياة المُنتِجة الصابرة.
كذا المثال الذي يُقدّمه كوران أيضاً هو في العلاقة بين الجمال والسياسة. الفضاء الكردي المعاصر — بحراراته السياسية المستمرة وتعقيداته الجيوسياسية التي لا تنتهي — يواجه دائماً الإغراء ذاته؛ أن يُسخّر الفن والشعر والسينما للحجة السياسية المباشرة. كوران يُقدّم درساً مضاداً: القصيدة الجميلة تقاوم أكثر من البيان الحماسي لأنها تسكن في ذاكرة القارئ وعاطفته لا في قناعته الفكرية فحسب. ما يسكن في العاطفة لا يُنسى بتغيير الموقف السياسي، وما يسكن في الذاكرة الجمالية يظل حياً حتى في أحلك لحظات اليأس من السياسة. والمثال الأعمق والأكثر راهنية هو في سؤال التعدد اللغوي الداخلي. الكردية اليوم تواجه في إقليم كردستان العراق سؤالاً لم يُحسم: كيف تُوحَّد ثقافة تكتب بلهجتين كبيرتين؟ كوران لم يُجِب على هذا السؤال إجابةً نهائية — لكنه أرسى مبدأً عملياً يُمكن استثماره: الجمالية الكافية قادرة على تجاوز الحواجز اللهجية. قصيدة جميلة تجد قراءها عبر الحدود اللهجية — والتجربة الإنسانية الصادقة لا تحتاج إلى ترجمة بقدر ما تحتاج إلى عين قارئة مُستعدة للانفتاح. وهذا المبدأ — أن الجمال يُوحِّد ما تُفرّقه السياسة — هو ربما أكثر ما يبقى من كوران فاعلاً ونافعاً في الفضاء الكردي المعاصر.
كوران في نهاية المطاف ليس ملكاً للفضاء الكردي وحده. كل ما فعله — من تحويل الإيقاع الشعبي إلى معيار أدبي، إلى بناء مخيال جغرافي للوطن المفقود، إلى رؤية الفرد الكاملة داخل السردية الجماعية — هو درس نظري بالغ الأهمية لأي باحث يُقارب علاقة الثقافة بالهشاشة في السياقات غير الغربية. الدرس الأول: الحداثة الجمالية لا تعني بالضرورة الاستيراد من المركز. وهذه مسألة ذات صدى مباشر في بحثك عن السينما المصرية والحداثة البصرية — فالحداثة التي وصفها والتر بنيامين حين رأى السينما للمرة الأولى في باريس ليست الحداثة الوحيدة الممكنة؛ هناك حداثات جمالية تنبثق من داخل التراث الشعبي المحلي وتُجاوب أسئلة اللحظة بأدوات متجذّرة لا مستوردة. الدرس الثاني: المخيال الجمعي يُبنى قبل الدولة ويستمر بعدها. وهذا يُقدّم بديلاً نظرياً لمقاربة بينيديكت أندرسون التي تجعل “الجماعات المُتخيَّلة” مشروطةً بالطباعة والدولة. في الحالة الكردية — كما ربما في حالات أخرى كثيرة لم تُدرَس بالكفاية — المخيال الجمعي يسبق الدولة ويُهيّئ الشروط الروحية والجمالية لاحتمالها حين تأتي، أو للصمود في غيابها حين تغيب. الدرس الثالث — والأكثر شخصيةً وإنسانية — هو أن الشاعر الذي يمنح شعبه حق أن يُحبّ ويُبدع ويُحزن بوصفه إنساناً كاملاً لا مجرد حامل هوية، يُقدّم للسردية الجمعية ما لا تستطيع أي وثيقة سياسية تقديمه: يُقدّم الكرامة. كرامة الوجود قبل كرامة الاعتراف. وهذه الكرامة المُسبَقة — الكرامة التي لا تنتظر إذن أحد — هي في جوهرها الرسالة التي بقيت من كوران وستبقى طالما هناك كردي يُحبّ ويُبدع ويتذكّر.
عبد الله كوران لم يكن شاعراً يكتب قصائد بقدر ما كان حدثاً ثقافياً يُعيد تعريف ما تستطيع اللغة الكردية أن تكونه. في لحظة كانت فيها الكردية محاصرةً بين إنكار الدول وهشاشة التقنين وثقل الموروث الكلاسيكي الأجنبي، وقف كوران وفعل شيئاً يبدو بسيطاً وهو في حقيقته عملية معقدة إلى حد الإعجاز: أعاد اللغة إلى منبعها الشعبي العميق ليُثبت أن هذا المنبع ذاته كان دائماً أكثر حداثةً مما أوهمنا إياه الموروث المكتوب المُهيمن. حين كسر العروض العربي واستبدله بإيقاعات الأغنية الجبلية الكردية، لم يكن يستورد الحداثة من أوروبا بل كان يستعيدها من الذاكرة الشعبية الكردية التي لم تنتظر أبداً إذن الكلاسيكيات الأجنبية كي تُعبّر عن الحب والفقد والجمال والجرح. وفي هذه الاستعادة يكمن الدرس الأعمق الذي يُقدّمه للخيال الثقافي الكردي ولكل خيال ثقافي يعمل في ظروف الهشاشة: أن الجذر الشعبي ليس نقطة البداية التي نتجاوزها نحو الحداثة، بل هو الحداثة ذاتها حين يُقرأ بعيون قادرة على رؤية ما هو موجود بدلاً من البحث عما يُستورد. غير أن الأثر الأعمق لكوران في السردية الجمعية الكردية لا يكمن فيما قاله بل فيما أتاحه. قبل كوران كان الشعر الكردي يُخاطب الجماعة بضمير “نحن” — نحن نستحق، نحن نُقاوم، نحن نتذكر — وهو خطاب ضروري لكنه لا يكتمل وحده، لأن الجماعة التي لا تسمح لأفرادها بقول “أنا” جماعة تحمل هشاشة وجودية في صميمها. كوران أضاف “أنا” إلى السردية الكردية: “أنا” التي تُحبّ امرأةً بعينها وتبكي جبلاً بعينه وتشعر بالكآبة في العزلة وتفرح باللقاء. هذه “الأنا” ليست تراجعاً عن الجماعي بل هي تعميقه — لأن الجماعة التي تتسع لأفرادها الكاملين بحبهم وخسارتهم وهشاشتهم هي وحدها الجماعة القادرة على الصمود الحقيقي. وهبي أعطى الكردي هوية موثّقة بالمعجم والنحو، وكوران أعطاه حق التجربة الإنسانية الكاملة داخل هذه الهوية — وبين الهويتين يقع الفرق بين الانتماء المُثبَت والانتماء المُعاش، والسردية الجمعية لا تصمد إلا حين تجمع بين البُعدين معاً.
وكوران اليوم — بعد أكثر من ستة عقود على رحيله — لا يُقرأ بالمعنى الأكاديمي الضيّق بقدر ما يُمارَس بالمعنى الوجودي الواسع: في كل قصيدة كردية تجعل من الجبل مرجعاً عاطفياً لا خلفيةً مكانية، وفي كل أغنية تحمل إيقاع الأهازيج الشعبية إلى الفضاء المدوني، وفي كل كاميرا كردية ترى في الطبيعة المحلية مادةً شعريةً لا ديكوراً. ما بناه كوران ليس تقليداً أدبياً يُتَّبع بل مخيالاً يُسكَن — أي تلك البنية اللاواعية التي تُقرّر ما يمكن للكردي أن يتخيّله عن نفسه وعن وطنه وعن حقه في الجمال رغم الجرح. وهذا المخيال المُسكَن هو أطول عمراً من أي إنجاز سياسي ومن أي دولة تُبنى وتنهار، لأنه لا يعيش في المؤسسة بل في الوجدان — وما يعيش في الوجدان لا تملكه أي قوة الحق في سحبه. كوران في نهاية كل شيء هو الدليل الأجمل على أن الشعب الذي يُبدع يرفض في عمقه الأخير أن يُمحى — ليس لأنه يملك جيشاً أو دولة أو معاهدة، بل لأنه يملك قصيدة يتذكّرها ويُرددها ويُورثها، وأن هذا التوريث الجمالي هو في نهاية المطاف أمتن ما يبنيه إنسان في مواجهة محاولات إمحائه.
للمزيد يمكن الرجوع إلى :
سماح عادل: عبد الله كوران.. الشاعر الأستاذ الذي جدد في الشعر الكردي، https://kitabat.com/cultural/عبد-الله-كوران-الشاعر-الأستاذ-الذي-جدد/
نبيل عبد الأمير الربيعي: عبد الله كوران والانقلاب في الشعر الكردي، https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=251829
Abdullah Goran, https://medium.com/@govarikurdi/abdullah-goran-8b2c7dfe3fd7
Bleeding Rose (English) – Modern Kurdish Poetry, https://www.ifkurds.de/en/component/k2/item/130-eng-bleeding-rose-goran.html
bocheńska, j. (2025). heritageization of kurdish oral traditions. in: saloul, i., baillie, b. (eds) the palgrave encyclopedia of cultural heritage and conflict. palgrave macmillan, cham. https://doi.org/10.1007/978-3-030-61493-5_131-1
Dimitri Bettoni: The Kurdish Storytellers, https://www.balcanicaucaso.org/en/cp_article/the-kurdish-storytellers/
Hawzhin Azeez: The Dengbêj: Keepers of Kurdish Memory & History, https://nlka.net/eng/the-dengbej-keepers-of-kurdish-memory-and-history/
ghaderi f. a history of kurdish poetry. in: bozarslan h, gunes c, yadirgi v, eds. the cambridge history of the kurds. cambridge university press; 2021:707-728.
Gérard H. Gautier: Dirêjî Kurdî : a lexicographic environment for Kurdish language using 4th Dimension, 5th International Conference and Exhibition on Multilingual Computing (ICEMCO) London, UK, April 1996, https://hal.science/hal-00676294/document
Ernest n. Mccarus: a kurdish grammar descriptive analysis of the kurdish of sulaimaniya, iraq, American Council of Learned Societies, New York, 1958
Metin Yuksel: TAWFIQ WAHBI AND THE REFORM OF THE KURDISH LANGUAGE IN CONTACT ZONES, https://aror.orient.cas.cz/index.php/ArOr/article/view/616
“My Poetry Depicts You” Offers a Lens on Modern Kurdish Poetry, https://en.majalla.com/node/102571/“my-poetry-depicts-you”-offers-a-lens-on-modern-kurdish-poetry%C2%A0
Rafiq Salih: Lion of Language: Taufiq Wahby, https://kurdistanchronicle.com/babat/3694
Keith Hitchins: GORĀN, ʿABD-ALLĀH SOLAYMĀN. Encyclopaedia Iranica. Published December 15, 2002. https://doi.org/10.1163/2330-4804_EIRO_COM_2332
K.Chronicle: The Poetry of Qubadi Jalizada, https://kurdistanchronicle.com/babat/3188
keith hitchins: gorān, ʿabd-allāh solaymān, https://www.iranicaonline.org/articles/goran-2/
Farangis Ghaderi: Poetics of modernity and nationalism: Revisiting the emergence of modern Kurdish poetry, Literature Compass. 2022;19:e1267, https://doi.org/10.1111/lic3.12675
Patrick MacManus: Our Kurdish poets, https://kurdistantribune.com/ourkurdishpoets/
Sayid Resul Darati: A World through Words Dengbêjî, Kilam and Collective Memory, phd Universität Göttingen, 2023
Joanna Bocheńska: From Dengbêj to Modern Writer Heritagization of the Kurdish Oral Tradition and Revitalization of the Kurdish Language in the Works of Mehmed Uzun and Mehmet Dicle, Iranian Studies (2022), 55, 899–927, https://www.cambridge.org/core/services/aop-cambridge-core/content/view/0F3BA0717D881D70DE8923CF6CAE4099/S0021086222000019a.pdf
Thea derks: conductor ed spanjaard saves Henriette Bosmans cello concertos from oblivion https://theaderks.wordpress.com/2026/04/30/conductor-ed-spanjaard-saves-henriette-bosmans-cello-concertos-from-oblivion/



