تراجع قاعدة “نتنياهو” الشعبية وصعود منافسيه

متابعات :
- تم تحديثه في

تحليل: د. فرناز عطية

مع قرب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقرر إجراءها  بحلول 27 أكتوبر 2026، والتي من المتوقع أن يتم تقديم موعدها في منتصف سبتمبر 2026، ففي 20 مايو 2026 صادق الكنيست بالقراءة الأولى بأغلبية ساحقة على مشروع قانون حل نفسه، إلا أن تمرير القانون يتعين التصويت عليه بثلاث قراءات كي يصبح نافذًا، بحسب القانون الإسرائيلي، وفي هذه الأثناء شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية تراجعًا ملحوظا في شعبية “بنيامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي، وتآكل وضعه السياسي، فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة، تراجعًا كبيرًا في تأييده “نتنياهو”، وحزبه “الليكود” الذي هبط إلى أدنى مستوى له منذ أغسطس 2025، مقابل صعود منافسين بارزين.

استطلاعات تؤكد انخفاض شعبية “نتنياهو”:

بحسب استطلاع رأي أجرته مختبرات “أجام” التابعة للجامعة العبرية في إسرائيل في مايو 2026، فإن سكان الشمال وهم الأكثر عرضة لصواريخ حزب الله تخلوا عن حزب “الليكود” بزعامة “نتنياهو” بصورة أسرع من الناخبين في مناطق أخرى، ويوجهون إليه انتقادات أشد على خلفية الحرب في لبنان، كذلك يظهر الاستطلاع ​كيف أن “نتنياهو” أصبح محاصرًا بشكل متزايد بين الاعتبارات الانتخابية الداخلية والجهود الدبلوماسية لحلفائه في واشنطن، وطبقًا لاستطلاع آخر نشرته صحيفة “معاريف الإسرائيلية”، يوم الجمعة 12/6/2026، خسر حزب الليكود 3 مقاعد مقارنة باستطلاع سابق، ليتراجع إلى 22 مقعدًا في الكنيست (البرلمان) المؤلف من 120 مقعدًا، ويُعد هذا الرقم الأدنى للحزب منذ نحو عام، وهذه تعد المرة الأولى التي يتفوق فيها “غادي آيزنكوت” زعيم حزب “يشار” ورئيس الأركان الأسبق، على “نتنياهو”  رئيس الوزراء الحالي في استطلاع للرأي أجرته القناة 12 الإسرائيلية الخاصة، باعتبار الأول الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة مع اقتراب الانتخابات المقبلة، فوفق نتائج الاستطلاع ، حصل الأول على 38% من تأييد المشاركين مقابل 35% فقط للأخير.

أسباب انخفاض شعبية “بن يامين نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلي:

  1. حرب لبنان والحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية

بعد فشل تل أبيب في فصل الصراع في الساحة اللبنانية عن الصراع على الساحة الإيرانية، لاسيما مع الاختلاف في رؤية كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بشأن استمرار الحرب مع إيران، وما يحدثه ذلك من صدام بين “نتنياهو” و”ترامب”، فمن مبدأ أمريكا أولاً تتقاطع مصلحة كلا الطرفين بشأن الموقف من استمرار الحرب مع إيران، إضافة إلى موقف سكان مستوطنات الشمال الذين تحملوا أعباء الحرب من تهجير، ونزوح، وعدم حسم الحرب حتى الآن، وهو ما يثير حفيظة الأوساط اليمينية، ويؤثر على الائتلافه الحاكم سلبًا، ويجعله أمام أزمة تتمثل في افتقاره للأغلبية اللازمة لضمان الفوز بولاية جديدة، وعلى الجانب الآخر نجد أن حجم الخسائر البشرية التي تكبدتها إسرائيل في الحرب الإيرانية، والتي أعلنت عنها السلطات والتقارير الإسرائيلية، وتمثلت في مقتل 60 إسرائيلياً وإصابة أكثر من 4000 آخرين بجروح متفاوتة نتيجة الهجمات الصاروخية الإيرانية والاشتباكات المرتبطة بها، بالإضافة لحالة الهلع وعدم الاستقرار التي أثارت غضب المواطنين الإسرائيليين فجرت غضبًا عارمًا تجاه حكومة “نتنياهو”.   

  • الخسائر الاقتصادية

بسبب قرارات وسياسة “نتنياهو” وائتلافه الحاكم الذي تسبب في دخول إسرائيل في مجموعة حروب متلاحقة ومنها من اشتعل في نفس الوقت، فقد أدى هذا للإضرار بالاقتصاد الإسرائيلي بشكل كبير، فقد أعلن بنك إسرائيل، في أواخر شهر مارس 2026 عن تقديراته لخسائر الاقتصاد الإسرائيلي جراء الحرب على غزة، فذكر أن قيمتها بلغت أكثر من 169 مليار دولارًا، خلال الفترة من أكتوبر 2023 وحتى نهاية العام 2025، كما أكد البنك أن كل مواطن إسرائيلي خسر 35 ألف شيكلاً، ما يعادل 11 ألفاً و250 دولاراً تقريباً، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025، وأن أكثر من نصف تكاليف الحرب تم تمويلها بالقروض.

كما يقدر تقرير البنك الخسارة التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، جراء حرب غزة، بحوالي 177 مليار شيكل (ما يعادل 57 مليار دولار تقريباً) منذ أكتوبر 2023،  وقد أوضح أن هذا الرقم منفصل عن التكلفة المباشرة للحرب في الميزانية الإسرائيلية، والتي تقدر بحوالي 350 مليار شيكلاً (أي ما يزيد عن 112 مليار دولارًا ) للفترة من 2023 إلى 2026، وقد أكد التقرير أن ما أنفقته إسرائيل على وزارة الدفاع والخدمة الاحتياطية والتعويضات وإعادة التأهيل بلغ 350مليار شيكلاً، بينما 177 مليار شيكلاً هي خسائر الإنتاج الذي توقف في إسرائيل بسبب الحرب، وذكر التقرير أنه في نهاية عام 2025، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.9%، وهو تحسن عن النمو الذي بلغ 1% فقط في العام 2024، لكنه لا يزال أقل من معدل النمو الطبيعي للاقتصاد الإسرائيلي قبل الحرب.

وبالنسبة للأثر الاقتصادي لعملية “زئير الأسد” التي شنتها إسرائيل على إيران ولبنان؛ فقد كشفت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية إلى تكبد الاقتصاد الإسرائيلي انكماشاً اقتصادياً ملحوظاً، حيث تشير تقارير إلى انكماش بنحو 3.3% دولارًا، وتتضمن التداعيات ضغوطاً مالية ضخمة، وإغلاقاً للمؤسسات، واضطرابات مباشرة في الأسواق المالية نتيجة تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وتتلخص أبرز التداعيات والتأثيرات في النقاط التالية:

  • خسائر مالية مباشرة: فقد أعلنت وزارة المالية الإسرائيلية أن الأضرار قد تتجاوز خسائر أسبوعية بقيمة 9 مليارات شيكل (نحو 2.93 مليار دولارًا) بسبب القيود المفروضة على حركة العمالة والتراجع حاد في القوى العاملة والنشاط الاقتصادي المدني واستدعاء قوات الاحتياط وإغلاق المدارس.
  • ارتفاع الإنفاق العسكري: استمرار العمليات العسكرية وغاراتها المتبادلة، والتي أضحت عبئاً ثقيلاً على الموازنة العامة، مما أدى إلى اتساع مستويات العجز العام .
  • ضغوط على العملة وثقة المستثمرين: تأثرت البورصة والأسواق المالية بشكل حاد وتراجعت ثقة المستثمرين، إلى جانب الضغوط الكبيرة على العملة المحلية (الشيكل) نتيجة تراجع التدفقات الاستثمارية.
  • التضخم والسياسة النقدية: دفعت تداعيات الصراع بنك إسرائيل إلى اتخاذ قرارات بتخفيض أسعار الفائدة في محاولة لدعم الاقتصاد والحد من الانكماش، رغم المخاوف التضخمية المصاحبة.
  • تراجع الإنتاجية وسوق العمل: أدى استدعاء مئات الآلاف من جنود الاحتياط والتوترات الأمنية إلى شلل جزئي في العديد من القطاعات الحيوية وتراجع إنتاجية العمل.
  • تهاوي الأسواق والاستثمار: شهدت البورصة تقلبات حادة مع هروب الاستثمارات قصيرة الأجل، إضافة إلى ضغوط متزايدة على العملة المحلية.
  • تهديد التصنيف الائتماني: حذرت وكالة ستاندرد آند بورز أنها قد تقدم على خفض تصنيف إسرائيل الائتماني مجددًا من إيه إلى إيه سالب، إذا استمرّت الحرب مع إيران وتحوّلت إلى نزاع طويل الأمد.
  • الائتلاف الحاكم على المحك: يشهد الإئتلاف الحاكم توترات تؤدي إلى تصدع في المستقبل القريب في هذا الإئتلاف بين “نتنياهو” زعيم الائتلاف والأحزاب اليمينية بين الحين ولآخر، لاسيما على خلفية قانون مشروع “قانون الخدمة العسكرية” المثير للجدل، والذي يمنح المتدينين”الحريديم” إعفاءات من الخدمة العسكرية، هذا إلى جانب رغبة اليمينيين في حسم قضايا نزع سلاح حماس وحزب الله وإنهاء القوى الإيرانية في المنطقة والقضاء على النظام الإيراني.

ويخشى كذلك أعضاء الحزب الحاكم ” الليكود ” حاليًا في تحوّل أصوات الناخبين إلى الكتلة الأخرى، على الرغم من أن بعض مسؤولي الليكود بدؤا يلاحظون تحوّلًا طفيفًا للأصوات لصالح “آيزنكوت”، الذي برز مؤخرًا كأكبر تهديد انتخابي يواجه “نتنياهو” بدعم قوي من المعارضة واليسار، بل إن الخوف الأكبر ينصبّ على احتمال عزوف ناخبيهم عن التصويت يوم الانتخابات، لاسيما بعد طرح فكرة إلغاء الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود لصالح تشكيل لجنة خاصة لاختيار مرشحي الحزب للكنيست – وهي خطوة يعتقد البعض أن “نتنياهو” كان يهدف إلى استغلالها لتأمين المزيد من المقاعد المحجوزة لمرشحيه – والذي يركز حاليًا بدوره على إيجاد مرشحين لهذه المقاعد من أجل حشد الناخبين وتحفيزهم يوم الانتخابات.

  • الاستقطاب الداخلي: الاحتجاجات الداخلية التي بدأت وتستمر حتى الآن ضد حكومة “نتنياهو” منذ وصوله للسلطة، وسعيه لتطبيق ماعرف بـ”خطة الإصلاح الشاملة” للحكومة، واستهدف تعديل النظام القضائي، وإصدار قانون “المعقولية القضائية”، في يوليو 2023 ، وهو قانوناً يمنع المحكمة العليا من استخدام “حجة المعقولية” لإلغاء قرارات الحكومة أو الوزراء، مما عد تراجعًا ديمقراطيًا، وقد ألغته المحكمة العليا الإسرائيلية في 1 يناير 2024، هذا إلى جانب الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي بين اليسار واليمين والعلمانيين والمتدينين مما يؤثر سلبًا على تماسك المجتمع، ووحدة الدولة وأمنها، لاسيما مع شراهة أعضاء اليمين المتشدد وتنافسهم على السلطة والحقائب الوزارية الرئيسة للسيطرة على مفاصل الدولة، وسماح نتنياهو بذلك، مع عدم أداء معظمهم للخدمة العسكرية وانخراطهم في المدارس التوراتية، على النقيض من العلمانيين الذين يؤدون العمل العسكري لسنوات.
  • الفساد وتغليب المصالح الشخصية: حيث يعمل “نتنياهو” على تسير شئون الدولة بما يخدم مصالحه الشخصية، لاسيما في إفلاته من تهم الفساد والاحتيال المنسوبة إليه.

ويحاول “نتنياهو” وأنصاره أن يوجدوا مخرجًا لهذا التهاوي لشعبيته، حيث يعمل خارجيًا على شن هجوم على جنوب لبنان أو على إيران وهو ما يتعارض مع إرادة وموقف الجانب الأمريكي، أو داخليًا من خلال البدء في زيادة الهجمات ضد خصمه الانتخابي ” آيزنكوت”، أو استخدام آلية التصعيد للخطاب المعادي للنظام القضائي، وقد يتحقق ذلك، من خلال انتهاك أمر محتمل صادر عن المحكمة العليا بشأن إعادة التصويت على منصب “مراقب الدولة”، والذي انتهى باختيار محامي نتنياهو الشخصي لمنصب “مراقب الدولة”، وقد شاب التزويرٌ هذا التصويت بسبب توجيهٍ يُلزم النواب بتوثيق تصويتهم لصالح مرشح رئيس الوزراء، هذا إلى جانب بدء مسؤولي حزب الليكود في طرح خطة مضمونها أنه في حال فاز “آيزنكوت”، سيقترح الليكود تشكيل حكومة تناوبية مع “نتنياهو”، على أن يتولى الأخير منصب رئيس الوزراء أولًا، ومن ثم في يوليو 2028، مع انتهاء ولاية الرئيس “إسحاق هرتسوغ”، سينتقل “نتنياهو” إلى هذا المنصب، ويصبح “آيزنكوت” رئيسًا للوزراء، ولكن هذا المخطط غير مقبول لدى مستشاري “آيزنكوت”.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

الحلف في الزمن العاصف .. الناتو من الصعود للعجز

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه عادة ما تكون الانقطاعات الكبرى في تاريخ الإنسانية فترة مواتية لإعادة التأويل الراديكالي لبعض الثوابت.

Read More...

الانبهار بوصفه رؤية شعرية: قراءة أدبية وفلسفية في ديوان «انبهارات» للشاعر شيركو بيكه س

تحليل: د. عزة محمود الشريف مقدمة يُعد شيركو بيكه س (1940- 2013م) أحد أبرز رواد الشعر الكُردي الحديث، وأحد أهم المجددين

Read More...

من التوعية إلى الترند: كيف أعادت الخوارزميات تشكيل أولويات الإعلام العربي؟

تحليل: أ.د. سوزان القليني لم يعد المشهد الإعلامي العربي اليوم كما كان قبل سنوات قليلة فالإعلام الذي ارتبط طويلا بوظائف

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل