ثورة الشيخ سعيد بيران خطوات كردية لم تكتمل

تحليل: د. سحر حسن أحمد

ليست أهمية الثورات مرهونة دائماً بنتائجها النهائية، فبعضها يظل حاضراً في الذاكرة التاريخية بما تركه من آثار سياسية واجتماعية تجاوزت حدود زمنه، وبما أثاره من تساؤلات استمرت لعقود طويلة. وفي هذا السياق، تُمثل انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925م واحدة من أبرز المحطات المفصلية المعقدة في التاريخ الكردي الحديث، نظراً لما حملته من دلالات عميقة أسهمت في تشكيل طبيعة العلاقة بين الدولة التركية الحديثة والمجتمع الكردي خلال العقود اللاحقة.

جاءت هذه الانتفاضة في مرحلة اتسمت بتحولات سياسية واجتماعية عميقة أعقبت انهيار الدولة العثمانية وظهور الجمهورية التركية الحديثة التى سعت إلى التخلي عن تعهداتها مع الكرد شركاء حرب الاستقلال وبناء نظام سياسي مركزي قائم على أسس قومية أحاديية مختلفة عما عرفته المنطقة لقرون طويلة. وقد انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة على المناطق الكردية التي وجدت نفسها أمام واقع سياسي واجتماعي جديد عمّا كانوا يتطلعون إليه بعد الحرب العالمية الأولى 1914- 1918م. وقد حمل هذا الوضع الجديد تغيرات مست جوانب الهوية واللغة والبنية التقليدية والإدارية للمجتمع، الأمر الذي أسهم في تصاعد حالة الاحتقان والتوتر.

وفى ظل هذا المناخ المضطرب، برز الشيخ سعيد بيران بوصفه شخصية دينية واجتماعية ذات تأثير واسع، قاد حركة سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكبر التحديات التي واجهت الدولة التركية في سنواتها الأولى. ولم تكن الانتفاضة مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل مثلت تداخلاً معقداً بين الأبعاد السياسية والقومية والدينية والاجتماعية، وعكست حالة الرفض المتزايدة تجاه السياسات الجديدة الموجهة ضد الكرد ومحاولات إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف.

ورغم اتساع نطاق الانتفاضة وانتشارها في عدد من المناطق الكردية، فإنها انتهت بالفشل خلال فترة قصيرة نتيجة مجموعة من العوامل المتشابكة، تمثلت في ضعف التنظيم والتنسيق، والانقسامات الداخلية، ومحدودية الإمكانات العسكرية، إلى جانب التفوق العسكري للطرف الآخر، فضلاً عن الظروف الإقليمية والدولية التي لم تكن مواتية لنجاح الحركة وبل كانت مساندة وداعمة لتركيا.

ولا تقتصر أهمية دراسة انتفاضة 1925م على استعراض أحداث تاريخية مضت، بل تتجاوز ذلك إلى فهم مرحلة كاملة من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة، وما نتج عنها من آثار طويلة المدى انعكست على مسار القضية الكردية والعلاقات الكردية–التركية. ولذلك، بقيت هذه الانتفاضة رغم انتهائها عسكرياً واحدة من أكثر الأحداث تأثيراً وإثارة للنقاش في تاريخ المنطقة الحديث.

الشيخ سعيد بيران: النشأة والمكانة التاريخية

قبل الخوض في غمار تلك الانتفاضة لابد من التعريف بشخصية قائدها ودوره في الحياة السياسية والاجتماعية الكردية، إذ ارتبط اسمه بإحدى أهم المحطات في تاريخ الحركة الكردية الحديثة. ويُعد الشيخ سعيد بيران (1865-1925م) من أبرز الشخصيات الكردية التي ظهرت خلال الربع الأول من القرن العشرين، لما جمعه من نفوذ ديني واجتماعي وسياسي جعل منه رمزًا مؤثرًا في المجتمع الكردي.

وُلد الشيخ سعيد نحو عام 1865م في قرية بيران التابعة لمنطقة بالو شمال كردستان(شرقي الأناضول)، ونشأ في أسرة دينية معروفة ارتبطت بالطريقة النقشبندية، التي كانت تتمتع بمكانة كبيرة بين الكرد آنذاك. وقد تلقى تعليمه في المدارس الدينية التقليدية المنتشرة في المنطقة، فدرس العلوم الشرعية والفقه الإسلامي واللغة العربية والعلوم الدينية المتعارف عليها في ذلك العصر، قبل أن يتولى لاحقًا مشيخة الطريقة النقشبندية، ليُصبح أحد أبرز رجال الدين وأكثرهم تأثيرًا في المناطق الكردية بشرق الأناضول.

وقد أسهمت مكانته الدينية في توسيع دائرة نفوذه الاجتماعي، إذ امتد تأثيره إلى عدد كبير من الأتباع والمريدين المنتشرين في مختلف المناطق الكردية، الأمر الذي جعله من أبرز القيادات الدينية والاجتماعية في زمانه. ومع انهيار الدولة العثمانية وظهور التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، تجاوز دور الشيخ سعيد المجال الديني البحت، وأصبح فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا مؤثرًا في الأحداث التي شهدتها كردستان تركيا خلال عشرينيات القرن العشرين.

وقد اكتسب الشيخ سعيد مكانة خاصة في التاريخ الكردي لكونه جمع بين الزعامة الدينية والنفوذ الاجتماعي والحضور السياسي، وهو ما جعل تقييم شخصيته محل اختلاف بين الباحثين والمؤرخين. فبينما يرى بعضهم أنه كان قائدًا قوميًا كرديًا سعى إلى الدفاع عن حقوق شعبه ومواجهة سياسات التتريك، يرى آخرون أن الدافع الديني كان العامل الأساسي في تحركاته السياسية، خاصة في ظل معارضته للسياسات العلمانية التي انتهجتها الجمهورية التركية الناشئة. ومع ذلك، فإن أغلب الدراسات الحديثة تميل إلى اعتبار شخصيته نتاجًا لتداخل العاملين القومي والديني معًا، في سياق تاريخي معقد شهد تحولات عميقة في بنية الدولة والمجتمع.

انتهت حياة الشيخ سعيد بعد فشل الثورة التي قادها عام 1925م، إذ اعتقلته السلطات التركية وقدّمته للمحاكمة أمام محاكم الاستقلال في آمد/ دياربكر، قبل أن يُنفذ فيه حكم الإعدام مع عدد من رفاقه في يونيو 1925م. إلا أن إعدامه لم يؤد إلى غياب تأثيره، بل تحول إلى أحد أبرز رموز المقاومة الكردية في القرن العشرين، وظلت ذكراه حاضرة في الوعي السياسي والقومي الكردي حتى اليوم.

كردستان بين المطرقة والسندان

لفهم ثورة الشيخ سعيد فهماً صحيحاً، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي سبقها بعدة عقود، لأن الثورة لم تكن حدثًا معزولًا أو وليد الصدفة أو حتى وليد الظروف الآنية، وإنما جاءت نتيجة تراكمات سياسية وقومية واجتماعية امتدت منذ أواخر القرن التاسع عشر.

فكانت ثورة الشيخ عبيد الله النهري عام 1880م إحدى أهم المحطات المبكرة في تاريخ الحركة الكردية. فقد تجاوزت هذه الثورة الإطار التقليدي للانتفاضات العشائرية التي كانت تندلع بين الحين والآخر ضد السلطات المركزية، وطرحت للمرة الأولى مطالب سياسية تتعلق بحقوق الكرد وإدارة شؤونهم والاعتراف بخصوصيتهم القومية والثقافية. وقد استند الشيخ النهري إلى مكانته الدينية بوصفه أحد شيوخ الطريقة النقشبندية، واستطاع من خلال نفوذه الروحي والعشائري أن يحشد أعدادًا كبيرة من الأتباع والمؤيدين. غير أن أهمية حركته لم تكن مقتصرة على بعدها الديني، بل تمثلت أيضًا في الخطاب السياسي الذي تبناه، والذي أكد فيه أن الكرد يُشكلون شعبًا متميزًا له لغته ومصالحه الخاصة، ومن ثم يستحقون الاعتراف بحقوقهم السياسية والإدارية.

ولهذا السبب يرى عدد من الباحثين، وفي مقدمتهم المؤرخ الأمريكي روبرت أولسون، أن ثورة الشيخ النهري تُمثل البداية الفعلية للحركة القومية الكردية الحديثة، وأنها وضعت الأُسس الفكرية والسياسية التي ستستند إليها الحركات الكردية اللاحقة. ومن هذا المنظور، فإن ثورة الشيخ سعيد بيران لا يُمكن فهمها بمعزل عن هذا الإرث التاريخي، بل تُمثل امتدادًا لمسار طويل من السعي الكردي نحو الاعتراف بالهوية القومية والحصول على قدر من الحكم الذاتي أو الحقوق السياسية والثقافية.

الكرد بين معاهدتي سيفر ولوزان

شهدت السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية تحولات كبرى أثرت بصورة مباشرة في مستقبل الكرد. فمع هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى بدأت القوى المنتصرة في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتقاسم أراضي الإمبراطورية العثمانية المنهارة.

وفي هذا السياق ظهرت لأول مرة إمكانية قيام كيان كردي مستقل، إذ تضمنّت معاهدة سيفر 1920م موادًا تناولت مستقبل المناطق الكردية. فقد نصت المادتان (62) و(64) على إمكانية إجراء استفتاء في المناطق الكردية لتحديد رغبة سكانها في الاستقلال، وذلك تحت إشراف عصبة الأمم. وقد أثارت هذه البنود آمالًا واسعة لدى النخب الكردية التي اعتقدت أن اللحظة التاريخية قد أصبحت مواتية لتحقيق حلم الدولة الكردية.

غير أن هذه الآمال لم تدم طويلًا. فقد نجح مصطفى كمال أتاتورك1881- 1938م في قيادة الحركة القومية التركية، وتمكن من تحقيق انتصارات عسكرية مهمة ضد القوات اليونانية والأرمنية والفرنسية، الأمر الذي أدى إلى تغيير موازين القوى بصورة كاملة.

ونتيجة لذلك أُلغيت عمليًا الترتيبات التي جاءت بها معاهدة سيفر في عام 1923م التي اعترفت بقيام الجمهورية التركية الجديدة دون أي إشارة إلى الحقوق القومية الكردية أو مشروع الدولة الكردية المستقلة. وبذلك وجد الكرد أنفسهم أمام واقع سياسي جديد أنهى رسميًا الآمال التي ارتبطت بمعاهدة سيفر.

وقد مثّلت معاهدة لوزان نقطة تحول حاسمة في تاريخ القضية الكردية؛ إذ انتقل الكرد من مرحلة انتظار الاعتراف الدولي بحقوقهم إلى مرحلة مواجهة دولة قومية جديدة تسعى إلى بناء هوية وطنية أحادية تقوم على القومية التركية. ومن هنا بدأت تتشكل ملامح التوتر الذي سيقود لاحقًا إلى اندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران.

قيام الجمهورية التركية وبداية التحول الكبير

شكّل إعلان الجمهورية التركية في 29 أكتوبر 1923م نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة عمومًا، وفي تاريخ الكرد خصوصاً. فقد شارك الكثير منهم إلى جانب الأتراك خلال حرب الاستقلال التركية استنادًا إلى الخطاب الذي كان يؤكد وحدة المسلمين والشراكة بين مختلف شعوب الأناضول في بناء الدولة الجديدة.

إلا أن التطورات اللاحقة كشفت أن المشروع السياسي الذي تبنته النخبة الحاكمة في أنقرة كان مختلفًا عن تلك التوقعات. فقد اتجهت الجمهورية الجديدة إلى بناء دولة قومية شديدة المركزية ترتكز على الهوية التركية باعتبارها الهوية الوحيدة للدولة والمجتمع، وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى الكرد الذين كانوا يأملون في الحصول على قدر من الاعتراف بخصوصيتهم القومية والثقافية.

ومع تثبيت أركان الجمهورية، شرعت حكومة أتاتورك في تنفيذ سلسلة من الإصلاحات السياسية والإدارية الهادفة إلى تعزيز سلطة الدولة المركزية وتوحيد الهوية الوطنية بشكل قسري، وهي السياسات التي ستؤدي لاحقًا إلى تصاعد التوتر بين الدولة التركية والمجتمع الكردي، وتمهد الطريق لاندلاع واحدة من أهم الثورات الكردية في التاريخ الحديث.

إلغاء الخلافة وسياسات التتريك والمركزية

مثّل إلغاء الخلافة الإسلامية في 3 مارس/آذار 1924م أحد أبرز التحولات السياسية في تاريخ الجمهورية التركية الناشئة، ولم يكن مجرد إجراء دستوري أو إداري محدود، بل جاء ضمن مشروع شامل قاده أتاتورك لإعادة بناء الدولة التركية على أسس قومية وعلمانية حديثة. وقد أنهى هذا القرار مؤسسة ظلت طوال قرون تُمثل رمزًا للوحدة الإسلامية في إطار الدولة العثمانية، الأمر الذي ترك آثارًا عميقة في المجتمعات الإسلامية عامة، وفي المجتمع الكردي خاصة.

وقد اكتسب قرار إلغاء الخلافة أهمية استثنائية داخل المناطق الكردية، لأن كثيرًا من القيادات الدينية الكردية كانت تنظر إلى الخلافة بوصفها إطارًا جامعًا للمسلمين يعلو على الانتماءات القومية والعرقية. كما ارتبطت شرعية العديد من الزعامات الدينية والعشائرية الكردية بالنظام السياسي والاجتماعي الذي تشكل في ظل الدولة العثمانية، ولذلك اعتُبر إلغاء الخلافة إيذانًا بانتهاء مرحلة تاريخية كاملة وبداية مرحلة جديدة تتسم بسيطرة الدولة القومية المركزية الأحادية.

ولم يقتصر الأمر على إلغاء الخلافة وحده، بل رافقه تنفيذ سلسلة من الإصلاحات السياسية والإدارية والثقافية التي استهدفت إعادة تشكيل المجتمع والدولة. فقد أُغلقت المدارس الدينية والمحاكم الشرعية، وأُضعفت الطرق الصوفية، وتراجعت المكانة التقليدية للقيادات الدينية، في إطار سياسة قيل أنها هدفت إلى فصل الدين عن مؤسسات الدولة وإحلال نموذج علماني حديث محل البنية التقليدية التي كانت سائدة في العهد العثماني.

وفي الوقت نفسه، تبنت الحكومة التركية سياسة مركزية صارمة هدفت إلى إخضاع جميع مناطق البلاد بالقوة لسلطة أنقرة بصورة مباشرة. ورأت النخبة الكمالية أن بناء دولة قومية حديثة يقتضي القضاء على مراكز النفوذ المحلية، سواء كانت عشائرية أو دينية أو إقليمية، واستبدالها بجهاز إداري واحد يخضع للحكومة المركزية.

وقد انعكست هذه السياسات بصورة مباشرة على المناطق الكردية، حيث جرى تقليص صلاحيات الزعامات التقليدية التي كانت تتمتع بنفوذ واسع خلال العهد العثماني، كما أُلغيت أشكال الحكم المحلي والإداري التي كانت تمنح الكرد قدرًا من الاستقلال النسبي في إدارة شؤونهم. وأدى ذلك إلى تزايد الشعور بالقلق والاستياء بين قطاعات واسعة من المجتمع الكردي التي رأت في هذه الإجراءات تهديدًا مباشرًا لمكانتها الاجتماعية والثقافية.

سياسات التتريك وإنكار الهوية الكردية

إلى جانب المركزية الإدارية، شرعت الجمهورية التركية في تطبيق سياسة هدفت إلى ترسيخ الهوية التركية باعتبارها الهوية الرسمية الوحيدة للدولة. وأصبح مفهوم «الأمة التركية» الركيزة الأساسية للمشروع السياسي الجديد، في حين تعرضت الهويات القومية الأخرى وفي مقدمتها الكردية، للتهميش والإنكار.

وفي هذا السياق، نص دستور عام 1924م على اعتبار جميع المواطنين الأتراك جزءًا من الأمة التركية، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو اللغوية. ومع مرور الوقت، بدأت الدولة تتبنى إجراءات أكثر وضوحًا لترسيخ هذه الرؤية، فجرى فرض اللغة التركية في مؤسسات التعليم والإدارة، وتقييد استخدام اللغة الكردية في المجال العام، كما تعرضت أسماء العديد من المدن والقرى الكردية للتغيير في إطار عملية أوسع هدفت إلى تعزيز الطابع التركي للدولة.

وقد اعتبر كثير من الكرد هذه السياسات محاولة لصهرهم وإذابتهم داخل الهوية التركية وإلغاء خصوصيتهم القومية والثقافية. كما أدت إلى تزايد الشعور بالاغتراب السياسي لدى قطاعات واسعة منهم، خاصة بعد أن كانوا يتوقعون الحصول على قدر من الاعتراف بحقوقهم بعد مشاركتهم في حرب الاستقلال التركية.

ويرى المؤرخ روبرت أولسون أن الكرد شعروا بخيبة أمل كبيرة نتيجة هذه التطورات، إذ كانوا يتوقعون أن تتيح الجمهورية الجديدة مساحة من التعددية والاعتراف بخصوصيتهم القومية، إلا أنهم وجدوا أنفسهم أمام مشروع سياسي يقوم على مركزية الدولة وإنكار التعدد القومي والثقافي، الأمر الذي أسهم في تصاعد مشاعر الاحتقان داخل المناطق الكردية خلال السنوات التي سبقت الثورة.

يولي المفكر عبد الله أوجلان أهمية كبيرة للمرحلة التي أعقبت تأسيس الجمهورية التركية؛ إذ يرى أنها شكلت نقطة البداية الحقيقية لتفاقم القضية الكردية في تركيا. ووفقًا لتحليله، فإن الدولة الجديدة تبنت مفهوم «الأمة الواحدة واللغة الواحدة»، وهو ما أدى إلى إنكار الوجود القومي للكرد وإقصائهم من المجالين السياسي والثقافي. كما أكد أن الجمهورية التركية الناشئة تعاملت مع التنوع القومي والثقافي بوصفه تهديدًا لوحدة الدولة، ولذلك سعت إلى دمج مختلف المكونات داخل إطار قومي واحد يقوم على الهوية التركية. ومن وجهة نظره، فإن هذا النهج لم يؤد إلى تحقيق الوحدة الوطنية بقدر ما أسهم في خلق أزمات قومية جديدة استمرت آثارها لعقود طويلة.

كما يرى أن السياسات المتبعة لم تقتصر على المجال الثقافي، بل شملت أيضًا إعادة هندسة البنية الاجتماعية والسياسية في المناطق الكردية من خلال إحكام السيطرة الإدارية والأمنية وتقليص دور القوى المحلية التقليدية. وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة مواتية لاندلاع سلسلة من الانتفاضات الكردية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، فكانت ثورة الشيخ سعيد أولى وأبرز هذه الانتفاضات.

ومن هذا المنطلق يعتبر أوجلان أن ثورة الشيخ سعيد جاءت تعبيرًا عن رفض قطاعات واسعة من المجتمع الكردي لسياسات الإنكار والتهميش والمركزية، حتى وإن اختلفت طبيعة المطالب التي حملتها الثورة بين البعدين القومي والديني.

جمعية آزادي وبدايات التنظيم السياسي الكردي

أدت التحولات السياسية التي أعقبت انهيار الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية إلى بروز جيل جديد من النخب الكردية أدرك أن مواجهة التحديات الجديدة تتطلب الانتقال من الانتفاضات العشائرية إلى العمل السياسي المنظم. وفي هذا السياق تأسست جمعية “آزادي (Azadî) ” التي عُرفت أيضًا باسم «جمعية الحرية»، لتُصبح أحد أهم التنظيمات السياسية الكردية السرية في عشرينيات القرن المنصرم.

تأسست الجمعية عام 1923م على يد مجموعة من الضباط والمثقفين والزعماء الكرد الذين سبق لهم الخدمة في الجيش العثماني، وكان من أبرزهم خالد بك جبران (خالد جبراني) ويوسف زايا بك وعدد من الشخصيات الكردية البارزة في آمد/دياربكر وبدليس وأرضروم وغيرها من المدن الكردية.

وجاء تأسيس الجمعية نتيجة تزايد الشعور بالإحباط من السياسات التي انتهجتها الجمهورية التركية تجاه الكرد، ولا سيما بعد تراجع الوعود التي طُرحت خلال حرب الاستقلال بشأن الشراكة بين الأتراك والكرد في بناء الدولة الجديدة. وسعت الجمعية إلى بناء شبكة تنظيمية سرية ضمت ضباطًا سابقين وشيوخًا دينيين وزعماء عشائر ومثقفين، بهدف توحيد الجهود الكردية وتجاوز الانقسامات القبلية التقليدية. وقد مثّل هذا التوجه تطورًا مهمًا في تاريخ الحركة الكردية، إذ انتقل النشاط السياسي من نطاق التحركات المحلية والعشائرية إلى محاولة تأسيس تنظيم سياسي ذي رؤية أوسع وأكثر شمولًا.

وكان خالد جبران من أبرز الشخصيات التي عملت على توسيع نفوذ الجمعية، إذ أقام علاقات واسعة مع الزعامات العشائرية والدينية في مختلف المناطق الكردية، واستطاع استقطاب عدد من الشخصيات المؤثرة، وفي مقدمتها الشيخ سعيد بيران الذي كان يتمتع بنفوذ كبير في كردستان تركيا.

أهداف جمعية آزادي

تمثلت الأهداف الأساسية للجمعية في الدفاع عن الحقوق القومية والثقافية للأكراد، والعمل على وقف سياسات التتريك، ورفض مشاريع الترحيل القسري، ومواجهة التهميش السياسي والاقتصادي الذي كانت تعاني منه المناطق الكردية. كما سعت إلى حماية اللغة والثقافة الكردية والتأكيد على خصوصية الهوية الكردية في مواجهة الخطاب الرسمي للدولة.

لم تكن الجمعية مجرد تنظيم سري محدود النشاط، بل مثلّت محاولة جادة لبناء حركة سياسية كردية حديثة تجمع بين البعد القومي والتنظيمي. وفي هذا الإطار يشير الدكتور محمد رفعت الإمام إلى أن النخب الكردية، وخاصة الضباط السابقين والمثقفين وشيوخ الطرق الصوفية، أدركت أن التحولات التي شهدتها تركيا بعد إلغاء السلطنة والخلافة تتطلب أشكالًا جديدة من العمل السياسي تتجاوز الإطار العشائري التقليدي.

أما عبد الله أوجلان فيرى أن جمعية آزادي مثلت خطوة مهمة نحو التنظيم السياسي الحديث، لكنها ظلت أسيرة التوازنات العشائرية والدينية السائدة آنذاك، وهو ما حدّ من قدرتها على التحول إلى حركة وطنية حديثة ذات برنامج سياسي شامل. ويعتبر أن الحركة الكردية في تلك المرحلة كانت تعيش حالة انتقالية بين الولاءات التقليدية ومتطلبات التنظيم السياسي الحديث، وهو ما انعكس لاحقًا على مسار ثورة الشيخ سعيد نفسها.

وعلى الرغم من قصر عمر الجمعية، فإنها أدت دورًا محوريًا في تهيئة الأرضية الفكرية والتنظيمية للثورة. إذ نجحت لأول مرة في جمع شخصيات كردية من خلفيات اجتماعية وسياسية متنوعة داخل إطار تنظيمي واحد نسبيًا، وأسهمت في بلورة مشروع سياسي كردي أكثر وضوحًا وتنظيمًا من الحركات السابقة.

غير أن السلطات التركية تمكنت من كشف نشاط الجمعية واعتقال عدد من قياداتها البارزين، الأمر الذي أدى إلى إضعاف بنيتها التنظيمية ودفع ما تبقى من قياداتها إلى التفكير في التعجيل بإطلاق الانتفاضة قبل اكتمال الاستعدادات اللازمة. ومع اعتقال خالد جبران ويوسف زايا، انتقلت القيادة الفعلية للحركة تدريجيًا إلى الشيخ سعيد بيران، الذي أصبح الشخصية المحورية في المرحلة التي سبقت اندلاع الثورة.

أسباب الثورة وظروف اندلاعها

إذا كان فهم الظروف التاريخية والسياسية التي سبقت ثورة الشيخ سعيد ضروريًا لفهم سياقها العام، فإن دراسة أسباب اندلاعها تُمثل المدخل الأساسي لفهم طبيعتها وأهدافها. فالثورات الكبرى لا تنشأ عادة نتيجة سبب واحد، بل تكون حصيلة تفاعل مجموعة من العوامل السياسية والقومية والدينية والاجتماعية والاقتصادية التي تتراكم عبر الزمن حتى تصل إلى نقطة الانفجار. ومن هذا المنطلق، فإن اختزال ثورة الشيخ سعيد في كونها ثورة دينية فقط أو حركة قومية خالصة أو مجرد تمرد عشائري لا يعكس حقيقة طبيعتها المعقدة، إذ كانت نتاج تداخل عدة عوامل أسهمت مجتمعة في إشعال شرارتها.

أولاً: العامل الديني وسياسات العلمنة

كان العامل الديني من أبرز العوامل التي أسهمت في اندلاع الثورة. فبعد تأسيس الجمهورية التركية شرع مصطفى كمال أتاتورك في تنفيذ برنامج واسع من الإصلاحات العلمانية شمل إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924م، وإغلاق المدارس الدينية والمحاكم الشرعية، وتقليص دور الطرق الصوفية والمؤسسات الدينية في الحياة العامة.

وقد أثارت هذه الإجراءات استياءً واسعًا بين قطاعات كبيرة من المجتمع الكردي المحافظ، الذي كان ينظر إلى الإسلام بوصفه عنصرًا أساسيًا في هويته الاجتماعية والثقافية. كما رأت القيادات الدينية الكردية في تلك الإصلاحات تهديدًا مباشرًا لمكانتها التقليدية ونفوذها الاجتماعي. ولذلك رفع الشيخ سعيد شعار الدفاع عن الإسلام، وأكد في خطاباته أن مقاومة السياسات الكمالية تُمثل واجبًا دينيًا إلى جانب كونها دفاعًا عن حقوق الكرد. غير أن البعد الديني لم يكن منفصلًا عن بقية العوامل، بل تداخل مع الاعتبارات القومية والسياسية، وهو ما يفسر قدرة الشيخ سعيد على حشد أعداد كبيرة من الأنصار حول مشروع الثورة.

ثانيًا: العامل القومي وسياسات التتريك

لعبت السياسات القومية التي انتهجتها الجمهورية التركية دورًا مهمًا في تصاعد التوتر داخل المناطق الكردية. فقد تبنت الدولة الجديدة رؤية تقوم على اعتبار جميع المواطنين جزءًا من الأمة التركية، ورفضت الاعتراف بوجود قوميات أخرى داخل حدودها.

وفي إطار هذه السياسة فُرضت اللغة التركية في مؤسسات الدولة والتعليم، وتعرضت اللغة الكردية لقيود متزايدة، كما جرى تغيير أسماء عدد من المدن والقرى الكردية واستبدالها بأسماء تركية. وقد اعتبر الكرد هذه الإجراءات محاولة لمحو هويتهم القومية وطمس خصوصيتهم الثقافية.

وكان كثير من الكرد يشعرون بخيبة أمل كبيرة نتيجة التناقض بين الوعود التي قُدمت لهم خلال حرب الاستقلال التركية وبين السياسات التي طُبقت بعد قيام الجمهورية. ولذلك أصبحت الثورة بالنسبة لقطاعات واسعة منهم وسيلة للاحتجاج على سياسة الإنكار القومي والمطالبة بالاعتراف بحقوقهم الثقافية والسياسية.

ثالثًا: العامل الاجتماعي والصراع على النفوذ

شهد المجتمع الكردي خلال تلك المرحلة تغيرات اجتماعية عميقة نتيجة السياسات المركزية التي اتبعتها الدولة التركية. فقد كانت البنية الاجتماعية في كردستان تعتمد على تحالف تقليدي بين الزعامات الدينية والعشائرية وكبار ملاك الأراضي، وهو النظام الذي منح تلك الفئات نفوذًا واسعًا خلال العهد العثماني.

ومع قيام الجمهورية سعت الحكومة إلى تفكيك هذه البنية التقليدية وإخضاع المناطق الكردية لسلطة الدولة المركزية، الأمر الذي أدى إلى تراجع نفوذ المشايخ والأغوات والزعماء المحليين. وقد رأت هذه الفئات في سياسات أنقرة تهديدًا مباشرًا لمكانتها الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك انخرط عدد كبير منها في دعم الثورة.

وفي المقابل، لم يُشارك جميع الكرد في الانتفاضة بالدرجة نفسها، إذ كانت هناك فئات اجتماعية وعشائرية متحفظة تجاهها، كما أن بعض الجماعات العلوية الكردية لم تنظر بعين الرضا إلى قيادة النقشبندية للثورة، الأمر الذي أسهم لاحقًا في إضعافها.

رابعًا: الأوضاع الاقتصادية

عانت المناطق الكردية في شمال كردستان أو شرق الأناضول من حالة من التهميش الاقتصادي المزمن خلال أواخر العهد العثماني والسنوات الأولى للجمهورية التركية. فقد اعتمد الاقتصاد المحلي بصورة رئيسة على الزراعة التقليدية وتربية المواشي، في حين كانت معدلات الاستثمار الحكومي في المنطقة محدودة للغاية.

كما واجه الفلاحون الكرد أعباء ضريبية متزايدة، في الوقت الذي كانت فيه الأراضي الزراعية الخصبة خاضعة لسيطرة كبار ملاك الأراضي. وقد أسهمت هذه الأوضاع في خلق حالة من السخط الاجتماعي والاقتصادي، جعلت قطاعات واسعة من السكان أكثر استعدادًا لتأييد أي حركة احتجاجية ضد السلطة المركزية.

خامسًا: الخوف من التهجير والقمع

كان للأحداث التي شهدتها الأناضول خلال السنوات الأخيرة من الدولة العثمانية أثر كبير في تشكيل الوعي السياسي الكردي. فقد تابع الكرد ما تعرض له الأرمن والآشوريون من عمليات تهجير واسعة خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها، الأمر الذي أثار مخاوف من إمكانية تعرضهم لإجراءات مشابهة في المستقبل.

ورغم أن الحكومة التركية لم تتبنَّ في تلك المرحلة سياسة إبادة جماعية بحق الكرد، فإن الإجراءات الأمنية المشددة وسياسات المركزية والتضييق الثقافي عززت الشعور بالقلق والخوف داخل المجتمع الكردي، وساهمت في تغذية الرغبة في المقاومة.

سادسًا: الدور البريطاني والعامل الدولي

يُعد الدور البريطاني من أكثر الجوانب إثارة للجدل في تاريخ ثورة الشيخ سعيد. فخلال السنوات التي سبقت اندلاع الثورة كانت بريطانيا تتابع النشاط السياسي الكردي عن كثب، خاصة في ظل النزاع القائم مع تركيا حول مستقبل ولاية الموصل الغنية بالنفط.

وقد أشارت بعض المصادر إلى وجود اتصالات بين شخصيات كردية وقادة جمعية آزادي من جهة، والسلطات البريطانية من جهة أخرى. كما انتشرت بين بعض الأوساط الكردية قناعة بأن بريطانيا قد تدعم أي حركة من شأنها إضعاف تركيا وإجبارها على التخلي عن مطالبها في الموصل.

غير أن هذه التوقعات لم تتحول إلى دعم عملي عندما اندلعت الثورة. فقد فضّلت بريطانيا الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع تركيا، واكتفت بحماية مواقعها ومصالحها في العراق دون تقديم أي دعم عسكري أو سياسي فعلي للثوار. بيد أن هذه المواقف أسهمت في خلق آمال مبالغ فيها لدى بعض القيادات الكردية، ثم تحولت لاحقًا إلى عامل من عوامل الإحباط والعزلة السياسية التي واجهتها الثورة.

من التخطيط للانتفاضة إلى حادثة بيران

في ظل هذه الظروف المتشابكة بدأت جمعية آزادي العمل على الإعداد لانتفاضة واسعة في كردستان تركيا. وبعد سلسلة من الاجتماعات السرية تقرر أن تنطلق الثورة في عيد نوروز، الموافق 21 مارس/آذار 1925م، وذلك بهدف توفير الوقت الكافي لاستكمال الاستعدادات العسكرية والسياسية وتنسيق الجهود بين مختلف المناطق.

وخلال الأشهر الأخيرة من عام 1924م قام علي رضا، نجل الشيخ سعيد، بالتنقل بين عدد من المناطق الكردية من أجل مناقشة خطط الانتفاضة وتذليل العقبات التي قد تعترضها. وكان من أبرز هذه العقبات الخلافات القائمة بين بعض القبائل السنية والعلوية، حيث رفضت عدة عشائر علوية المشاركة في الثورة، معتبرة إياها حركة ذات طابع ديني سني أكثر من كونها مشروعًا قوميًّا جامعًا لجميع الكرد. وحاول الشيخ سعيد إقناع تلك العشائر بالمشاركة في الحراك المناهض للحكومة التركية، إلا أن جهوده لم تحقق النتائج المرجوة، وهو ما سيُؤثر لاحقًا في حجم المشاركة الشعبية في الثورة.

حادثة بيران: الشرارة الأولى للثورة

على الرغم من أن قادة الحركة الكردية كانوا يخططون لتأجيل الانتفاضة حتى مارس 1925م، فإن الأحداث تسارعت بصورة غير متوقعة بسبب ما عُرف لاحقًا بـ”حادثة بيران “.

ففي 8 فبراير/شباط 1925م كان الشيخ سعيد يقوم بجولة في عدد من المناطق الكردية بهدف حشد التأييد للانتفاضة المرتقبة. وأثناء وجوده في قرية بيران برفقة مجموعة من أتباعه، وصلت قوة تركية بهدف اعتقال عدد من الناشطين الكرد الذين لجؤوا إلى حمايته. تدخل الشيخ سعيد محاولًا منع اعتقالهم، إلا أن القوة التركية أصرت على تنفيذ مهمتها. وسرعان ما تطور الموقف إلى اشتباك مسلح قُتل خلاله عدد من الجنود الأتراك وأُسر آخرون، الأمر الذي أدى إلى انتشار الخبر كالنار في الهشيم في مختلف المناطق الكردية.

وأمام هذا التطور لم يُعد بالإمكان تأجيل الانتفاضة، فاعتُبرت حادثة بيران الشرارة الأولى التي أطلقت الثورة قبل موعدها المقرر بأكثر من أربعين يومًا. وبذلك دخلت الحركة الكردية مرحلة المواجهة المفتوحة مع الدولة التركية، وبدأت واحدة من أهم ثورات الكرد خلال القرن العشرين.

اتساع الثورة وانتشارها في المناطق الكردية

أدى اندلاع الاشتباكات في بيران إلى تسارع الأحداث بصورة لم تكن متوقعة حتى لدى قادة الحركة الكردية أنفسهم. فبعد إعلان الثورة رسميًا، بدأت القبائل والقوى المؤيدة للشيخ سعيد بالتحرك في عدد من المناطق الكردية، وسرعان ما اتسع نطاق العمليات العسكرية ليشمل أجزاء واسعة من شرق الأناضول.

وفي الأيام الأولى للانتفاضة، قامت مجموعات من رجال قبيلة مباشرتي بقيادة جبرانلي حليم، وبدعم مباشر من الشيخ سعيد، بمهاجمة بعض مراكز الدرك التركية والاستيلاء على ما فيها من أسلحة وذخائر. كما انضمت قبائل أخرى إلى الثورة، وتمكن الثوار من السيطرة على عدد من المناطق والطرق الحيوية، الأمر الذي أدى إلى اضطراب خطوط الاتصال بين الولايات الشرقية والحكومة المركزية في أنقرة.

وفي 11 فبراير/شباط 1925م أخذت الثورة طابعًا أكثر تنظيمًا، حيث تمكن الثوار من بسط نفوذهم على عدد من المناطق الكردية، وشُكلت إدارات محلية في بعض المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة. كما عمل قادة الثورة على تنظيم الشؤون الإدارية والعسكرية في المناطق التي سيطروا عليها، في محاولة لإظهار قدرتهم على إدارة الأوضاع ميدانيًا.

وخلال الأسابيع الأولى حققت الثورة تقدمًا ملحوظًا، وتمكن المقاتلون الكرد من السيطرة على عدد من المراكز الإدارية المهمة وقطع بعض طرق المواصلات وخطوط البرق والاتصالات التي تربط الولايات الشرقية بالعاصمة أنقرة. كما نجحوا في توسيع نطاق العمليات العسكرية ليشمل مناطق دياربكر وموش وبتليس وسعرد وأطراف حصن كيفا وجزيرة ابن عمر وغيرها من المناطق الكردية.

وقد ساعدت المكانة الدينية والاجتماعية للشيخ سعيد في استقطاب أعداد متزايدة من المؤيدين، كما أسهمت حالة السخط المتزايدة تجاه سياسات الجمهورية التركية في توفير قاعدة شعبية واسعة للثورة خلال أيامها الأولى.

بيان الشيخ سعيد وأهداف الثورة

مع اتساع رقعة الانتفاضة، سعى الشيخ سعيد إلى توضيح أهداف الحركة وتبرير أسبابها أمام السكان المحليين. وفي 17 فبراير/شباط 1925م أصدر بيانًا أعلن فيه أن الثورة جاءت دفاعًا عن الدين ورفضًا للسياسات التي انتهجتها الحكومة الكمالية، داعيًا المسلمين من الكرد والعرب والأتراك إلى الوقوف في وجه ما وصفه بالسياسات المناهضة للإسلام. وقد عكس هذا البيان الطبيعة المركبة للثورة، إذ جمع بين الخطاب الديني والخطاب السياسي والقومي في آن واحد. فمن جهة ركّز على الدفاع عن الإسلام بعد إلغاء الخلافة والإصلاحات العلمانية، ومن جهة أخرى عبّر عن رفض السياسات التي استهدفت الهوية الكردية ومؤسساتها التقليدية.

ولهذا السبب اختلف الباحثون في تفسير أهداف الثورة؛ فبعضهم رأى فيها حركة دينية محافظة هدفت إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الإسلامية، بينما اعتبرها آخرون حركة قومية كردية سعت إلى مواجهة سياسات التتريك والمركزية. أما اتجاه ثالث فيرى أن الثورة كانت مزيجًا من هذين البعدين، وأنها عكست حالة التداخل بين الدين والقومية في المجتمع الكردي خلال تلك المرحلة.

ديار بكر: الهدف الاستراتيجي للثورة

على الرغم من النجاحات التي حققها الثوار في بدايات الانتفاضة، فإن القيادة الكردية كانت تدرك أن نجاح الثورة يتوقف إلى حد كبير على السيطرة على مدينة آمد (دياربكر)، التي كانت تُعد المركز الإداري والعسكري الأهم في المنطقة. فقد كانت دياربكر تتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، كما أنها تُمثل مركزًا إداريًا وعسكريًا رئيسيًا للدولة التركية في شرق الأناضول. وكان الاستيلاء عليها من شأنه أن يوفر للثورة قاعدة سياسية وعسكرية قوية، ويمنحها شرعية أكبر أمام السكان المحليين وربما أمام القوى الدولية.

لذلك اتجهت قوات الشيخ سعيد نحو المدينة، وتمكنت من فرض حصار عليها استمر عدة أسابيع. غير أن هذا الحصار واجه صعوبات كبيرة منذ بدايته، إذ كانت المدينة محصنة بصورة جيدة وتضم حامية عسكرية قوية تتمتع بأسلحة حديثة وإمدادات منتظمة.

كما افتقر الثوار إلى المدفعية الثقيلة والخبرة العسكرية اللازمة لاقتحام مدينة محصنة بهذا الحجم. ومع مرور الوقت بدأت نقاط الضعف تظهر بصورة متزايدة داخل صفوفهم، خاصة مع صعوبة المحافظة على خطوط الإمداد وتنسيق العمليات بين الجبهات المختلفة. ورغم استمرار الحصار لأكثر من خمسين يومًا، فإن الثوار فشلوا في تحقيق هدفهم الرئيسي المتمثل في السيطرة على المدينة. وقد مثّل هذا الإخفاق نقطة تحول حاسمة في مسار الثورة، إذ انتقلت المبادرة تدريجيًا من أيدي الثوار إلى القوات الحكومية.

رد فعل الحكومة التركية

أدركت حكومة أنقرة منذ الأيام الأولى أن الثورة تُشكل أخطر تحدٍّ تواجهه الجمهورية التركية منذ تأسيسها. ولذلك تعاملت معها بوصفها تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة واستقرارها، واتخذت سلسلة من الإجراءات الاستثنائية لمواجهتها. فقد أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في الولايات الشرقية، وبدأت بحشد قوات كبيرة من الجيش لإرسالها إلى مناطق العمليات. كما سعت إلى إحكام السيطرة على شبكات المواصلات والاتصالات ومنع امتداد الثورة إلى مناطق أخرى.

وفي الوقت نفسه أطلقت الحكومة حملة سياسية وإعلامية هدفت إلى تصوير الانتفاضة بوصفها تمردًا رجعيًا يهدد الجمهورية والإصلاحات الحديثة، وذلك بهدف حشد التأييد الشعبي لعمليات القمع التي كانت تستعد لتنفيذها.

قانون الحفاظ على النظام ومحاكم الاستقلال

في إطار مواجهة الثورة أصدرت الحكومة التركية ما عُرف بـ”قانون الحفاظ على النظام” (Takrir-i  Sükûn Kanunu)، وهو أحد أهم القوانين الاستثنائية في تاريخ الجمهورية التركية المبكر. وقد منح هذا القانون السلطات صلاحيات واسعة للتعامل مع أي نشاط يُنظر إليه بوصفه تهديدًا للأمن أو للنظام العام. كما سمح للحكومة بإغلاق الجمعيات والصحف والتنظيمات السياسية، واعتقال الأشخاص المشتبه في دعمهم للثورة دون قيود قانونية كبيرة.

وإلى جانب ذلك أعيد تفعيل محاكم الاستقلال، وهي محاكم استثنائية مُنحت صلاحيات واسعة لمحاكمة المشاركين في الثورة أو المتهمين بدعمها. وقد لعبت هذه المحاكم دورًا محوريًا في قمع الحركة الكردية خلال تلك المرحلة، وأصبحت إحدى الأدوات الرئيسة التي استخدمتها الدولة لترسيخ سلطتها في المناطق الكردية.

استعادة الجيش التركي زمام المبادرة

بعد فشل الثوار في السيطرة على دياربكر، بدأت موازين القوى تميل تدريجيًا لصالح الحكومة التركية. فقد تمكن الترك من إعادة تنظيم قواتهم، واستفادو من تفوقهم في العدد والتسليح والتنظيم. وفي حين كان الثوار يعتمدون أساسًا على المقاتلين القبليين والأسلحة الخفيفة، امتلكت القوات الحكومية جيشًا نظاميًا حديثًا خرج حديثًا من حرب الاستقلال التركية ويتمتع بخبرة قتالية كبيرة. كما امتلكت الدولة وسائل لوجستية متطورة مقارنة بالإمكانات المحدودة للثوار.

وبدأت القوات التركية تنفيذ سلسلة من الهجمات المضادة الواسعة النطاق، مستهدفةً المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة الثوار. ومع مرور الوقت نجحت في استعادة العديد من المواقع المهمة وقطع خطوط الاتصال بين القوى المتمردة، الأمر الذي أدى إلى إضعاف قدرتها على التنسيق والمقاومة. كما ساعدت الانقسامات العشائرية وضعف القيادة العسكرية الموحدة ونقص الذخائر والإمدادات على تسريع تراجع الثورة. فبعد أن كانت المبادرة بيد الثوار خلال الأسابيع الأولى، أصبحت القوات الحكومية هي الطرف المسيطر على مجريات الأحداث.

وبحلول أواخر مارس ومطلع أبريل 1925م بدأت الثورة تدخل مرحلة التراجع العسكري الواضح، لتبدأ معها المرحلة الأخيرة من الصراع التي ستنتهي باعتقال الشيخ سعيد والقضاء على الانتفاضة بصورة كاملة.

أسباب فشل الثورة

رغم النجاحات الأولية التي حققتها ثورة الشيخ سعيد بيران واتساع رقعتها الجغرافية خلال الأسابيع الأولى من اندلاعها، فإنها انتهت خلال فترة قصيرة نسبيًا بالفشل العسكري والسياسي. ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تفاعلت معًا وأدت إلى إضعاف قدرة الثورة على الاستمرار في مواجهة الدولة التركية الحديثة.

أولاً: العوامل الداخلية

اعتقال قيادات جمعية آزادي

شكّل اعتقال خالد بك جبران، رئيس جمعية آزادي، ونائبه يوسف زايا في أواخر عام 1924م ضربة قاسمة للحركة الكردية قبل اندلاع الثورة. فقد كان الرجلان من أبرز القيادات السياسية والعسكرية القادرة على التخطيط والتنظيم، وأدى غيابهما إلى فقدان الحركة جانبًا مهمًا من خبرتها التنظيمية والعسكرية. وعندما انتقلت القيادة الفعلية إلى الشيخ سعيد بيران، أصبح العبء الأكبر يقع على عاتقه. ورغم ما كان يتمتع به من نفوذ ديني واجتماعي واسع، فإنه لم يمتلك الخبرة العسكرية والتنظيمية الكافية لإدارة ثورة واسعة النطاق تواجه جيشًا نظاميًا حديثًا، وهو ما انعكس على أداء الحركة خلال مراحلها اللاحقة.

اندلاع الثورة قبل موعدها

كانت الخطة الأصلية التي وضعتها جمعية آزادي تقضي بإطلاق الانتفاضة في عيد نوروز يوم 21 مارس/آذار 1925م، بعد استكمال الاستعدادات العسكرية والسياسية والتنظيمية. إلا أن حادثة بيران في 8 فبراير/شباط 1925م أجبرت القيادة على إعلان الثورة قبل أكثر من أربعين يومًا من الموعد المحدد. وقد أدى هذا التطور إلى دخول الثورة مرحلة المواجهة قبل اكتمال تجهيزاتها، الأمر الذي حرمها من فرصة توسيع قاعدة التأييد الشعبي، وتنظيم خطوط الإمداد، وتنسيق العمل بين مختلف المناطق المشاركة.

ضعف القيادة العسكرية والتنسيق الميداني

افتقرت الثورة إلى قيادة عسكرية موحدة تُدير مختلف الجبهات بصورة فعالة. فقد كانت القوات المشاركة تتكون في معظمها من تشكيلات عشائرية ومحلية تعمل بصورة شبه مستقلة، الأمر الذي أدى إلى ضعف التنسيق بين المناطق المختلفة. كما واجهت القيادة صعوبات كبيرة في إدارة العمليات العسكرية على مساحة جغرافية واسعة، خاصة في ظل محدودية وسائل الاتصال والنقل المتاحة آنذاك. وأدى ذلك إلى صعوبة توحيد الخطط العسكرية وتنسيق التحركات بين المقاتلين.

الانقسامات العشائرية والمذهبية

لم يُشارك جميع الكرد في الثورة بالدرجة نفسها، بل بقيت بعض العشائر على الحياد، في حين انحازت عشائر أخرى إلى جانب الحكومة التركية. وكانت القبائل الزازية السنية تُمثل العمود الفقري للثورة، بينما رفضت بعض القبائل الزازية العلوية المشاركة فيها، ومن أبرزها قبيلتا خورماك (Xormak) وهيركي (Herkî).  كما امتنعت عشائر علوية أخرى عن الانضمام إلى الحركة بسبب مخاوفها من هيمنة القيادات النقشبندية السنية عليها. وقد أسهم هذا الانقسام في الحد من قدرة الثورة على التحول إلى حركة كردية جامعة تشمل مختلف الفئات الاجتماعية والمذهبية داخل المجتمع الكردي.

نقص السلاح والذخيرة

اعتمد الثوار بصورة رئيسية على الأسلحة الخفيفة التقليدية، في حين افتقروا إلى المدفعية والأسلحة الثقيلة اللازمة لمواجهة الجيش التركي أو اقتحام المدن المحصنة مثل دياربكر. كما عانوا من نقص الذخائر ووسائل النقل والإمداد، الأمر الذي جعل قدرتهم على مواصلة العمليات العسكرية محدودة مع مرور الوقت، خاصة بعد طول أمد المواجهات واتساع رقعة القتال.

غياب برنامج سياسي موحد

لم يكن جميع المشاركين في الثورة يتبنون الأهداف نفسها. فقد انخرط بعضهم بدوافع دينية مرتبطة بإلغاء الخلافة وسياسات العلمنة، بينما ركز آخرون على المطالب القومية الكردية، في حين شاركت بعض الزعامات العشائرية دفاعًا عن مصالحها التقليدية. وقد أدى هذا التباين في الأهداف إلى غياب رؤية سياسية موحدة يمكن أن تشكل أساسًا متماسكًا للحركة، وهو ما انعكس على قدرتها في كسب تأييد أوسع داخل المجتمع الكردي وخارجه.

ثانيًا: العوامل الخارجية

التفوق العسكري للدولة التركية

مثّل التفوق العسكري التركي العامل الأكثر تأثيرًا في حسم الصراع. فقد امتلكت الجمهورية التركية جيشًا نظاميًا حديثًا خرج منتصرًا من حرب الاستقلال ويتمتع بخبرة قتالية وتنظيمية كبيرة. وتفاوتت التقديرات بشأن حجم القوات التي حشدتها الحكومة لقمع الثورة، إلا أن أغلب الدراسات تشير إلى أنها تجاوزت بأضعاف عدد المقاتلين الكرد الذين قُدر عددهم بنحو خمسة عشر ألف مقاتل في أفضل الأحوال. كما استخدمت الحكومة المدفعية الثقيلة والطيران العسكري، الذي لعب دورًا مهمًا في قصف مواقع الثوار ومناطق تمركزهم، وخاصة في مناطق بالو وبينغول والمناطق الجبلية المحيطة بها.

غياب الدعم الدولي

على الرغم من الآمال التي علّقها بعض القادة الكرد على إمكانية الحصول على دعم خارجي، فإن الثورة بقيت معزولة على المستوى الدولي. فلم تحصل على اعتراف سياسي أو دعم عسكري من أي قوة كبرى، الأمر الذي جعلها تواجه الدولة التركية بمفردها. وقد أدى هذا العزل الدولي إلى حرمان الثورة من مصادر السلاح والتمويل والمساندة الدبلوماسية التي كان يمكن أن تساعدها على الاستمرار لفترة أطول.

الظروف الإقليمية والدولية

شهدت المنطقة خلال عشرينيات القرن العشرين مرحلة إعادة ترتيب واسعة للحدود والنظم السياسية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى. وكانت القوى الكبرى، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، حريصة على تحقيق قدر من الاستقرار السياسي في الشرق الأوسط، أكثر من اهتمامها بدعم حركات انفصالية جديدة. ولهذا فضلت تلك القوى الحفاظ على علاقاتها مع الحكومة التركية بدلاً من الانخراط في دعم الثورة الكردية.

الموقف البريطاني وقضية الموصل

يُعد الموقف البريطاني من ثورة الشيخ سعيد من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الحركة الكردية. فقد كانت بريطانيا تتابع تطورات القضية الكردية عن كثب، خاصة في ظل النزاع القائم بينها وبين تركيا حول مستقبل ولاية الموصل. وتكشف الوثائق البريطانية التي تناولها روبرت أولسون أن المسؤولين البريطانيين كانوا على علم بالنشاط القومي الكردي، وأنهم حافظوا على اتصالات مع بعض الشخصيات الكردية دون أن يقدموا التزامات واضحة بدعمها. وعندما اندلعت الثورة في فبراير 1925م، امتنعت بريطانيا عن تقديم أي مساعدة عسكرية أو سياسية للثوار، كما اتخذت إجراءات لمنع المتطوعين الكرد الموجودين في العراق من عبور الحدود للانضمام إلى قوات الشيخ سعيد.

ولا غرو أن بريطانيا استخدمت القضية الكردية كورقة ضغط في مفاوضاتها مع تركيا بشأن الموصل، لكنها تخلت عن الحركة الكردية عندما تعارضت مطالبها مع مصالحها الاستراتيجية .وقد انتهى النزاع حول الموصل بقرار عصبة الأمم في ديسمبر 1925م القاضي بإبقائها ضمن العراق الخاضع للانتداب البريطاني، ثم جرى تثبيت ذلك رسميًا في الاتفاقية التركية البريطانية الموقعة في 5 يونيو 1926م. ونتيجة لذلك تراجعت بصورة كبيرة فرص قيام كيان كردي مستقل في المنطقة.

ويرى أوجلان أن القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها بريطانيا، أسهمت بصورة غير مباشرة في إضعاف الحركة القومية الكردية، من خلال توظيف القضية الكردية لخدمة مصالحها الإقليمية دون تبني مشروع حقيقي لدعم الحقوق القومية للأكراد.

اعتقال الشيخ سعيد ومحاكمته

مع تراجع الثورة عسكريًا خلال أبريل/نيسان 1925م، كثفت القوات التركية عملياتها العسكرية والأمنية ضد المقاتلين الكرد. واعتمدت الحكومة سياسة تقوم على القضاء الكامل على الحركة وتجريد السكان من السلاح وإحكام السيطرة على المناطق الكردية. وفي 21 أبريل/نيسان 1925م تمكنت القوات التركية من إلقاء القبض على الشيخ سعيد وعدد من أبرز مساعديه أثناء محاولتهم إعادة تنظيم صفوفهم. وأدى اعتقاله إلى توجيه ضربة قاصمة للثورة، إذ فقدت رمزها الأبرز وقائدها الفعلي.

ونُقل الشيخ سعيد إلى دياربكر، حيث مثل أمام محكمة الاستقلال التي وجهت إليه عدة تهم، من بينها التمرد على الدولة، ومحاولة فصل جزء من الأراضي التركية، والسعي إلى إقامة كيان كردي مستقل، واستغلال الدين لأغراض سياسية. وقد جرت المحاكمة في ظل ظروف استثنائية، وانتهت بإصدار حكم الإعدام بحق الشيخ سعيد وتسعة وأربعين من رفاقه.

إعدام الشيخ سعيد ونهاية الثورة

في 29 يونيو/حزيران 1925م نُفذ حكم الإعدام في الشيخ سعيد وعدد من قادة الانتفاضة في مدينة آمد (دياربكر). وقد تحولت الساعات الأخيرة من حياته إلى جزء من الذاكرة التاريخية الكردية، حيث نُقلت عنه كلمات تؤكد تمسكه بقضيته واستعداده للتضحية بنفسه من أجل شعبه. وبإعدام الشيخ سعيد انتهت الثورة عسكريًا، إلا أن آثارها السياسية والفكرية استمرت لعقود طويلة، وأصبحت إحدى المحطات المركزية في تاريخ القضية الكردية الحديثة.

نتائج الثورة وآثارها على المجتمع الكردي

لم يؤدِّ القضاء على ثورة الشيخ سعيد إلى إنهاء القضية الكردية، بل فتح مرحلة جديدة اتسمت بتشديد سياسات الدولة التركية تجاه المناطق الكردية. فقد اعتبرت الحكومة أن الثورة كشفت حجم التحدي الذي تُمثله الحركة الكردية للمشروع القومي التركي، ولذلك اتجهت إلى اتخاذ إجراءات أمنية وإدارية أكثر صرامة لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتفاضات مستقبلاً.

ومن أبرز هذه الإجراءات سياسة التهجير القسري، إذ نُقلت أعداد كبيرة من العائلات الكردية من مناطقها الأصلية في شرق الأناضول إلى مناطق متفرقة في غرب تركيا، بهدف تفكيك الروابط العشائرية والاجتماعية التي كانت تشكل قاعدة للحركات الاحتجاجية. كما فرضت السلطات رقابة أمنية مشددة على المناطق الكردية، واستمرت الأحكام العرفية لفترات طويلة، الأمر الذي حدّ من النشاط السياسي والاجتماعي في تلك المناطق.

وعلى الصعيد الثقافي، ازدادت القيود المفروضة على اللغة الكردية، وتم توسيع سياسات التتريك التي استهدفت دمج الكرد داخل الهوية القومية التركية. وشملت هذه السياسات تغيير أسماء العديد من القرى والمدن والمعالم الجغرافية الكردية، إضافة إلى تعزيز استخدام اللغة التركية في المؤسسات التعليمية والإدارية.

وتشير بعض التقديرات إلى أن العمليات العسكرية التي رافقت قمع الثورة أدت إلى تدمير مئات القرى وإحراق آلاف المنازل، فضلاً عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين والعسكريين. كما شهدت السنوات اللاحقة موجات متتالية من الاعتقالات والمحاكمات والترحيل، الأمر الذي ترك آثارًا عميقة في الذاكرة الجماعية الكردية.

ورغم أن الدولة التركية نجحت في القضاء على الثورة عسكريًا، فإنها لم تتمكن من إنهاء المطالب الكردية أو إزالة أسباب التوتر بين الدولة والمجتمع الكردي. بل إن كثيرًا من الباحثين يرون أن السياسات التي أعقبت الثورة أسهمت في تعميق الشعور القومي الكردي، وأدت إلى ظهور حركات وانتفاضات جديدة خلال العقود اللاحقة.

حظيت ثورة الشيخ سعيد بمكانة خاصة في كتابات عبد الله أوجلان، الذي تناولها في إطار تحليله لتطور القضية الكردية وتاريخ الحركة التحررية الكردية. ويرى أوجلان أن الثورة جاءت نتيجة طبيعية لسياسات الإنكار والتهميش التي تعرض لها الكرد بعد تأسيس الجمهورية التركية، وأنها مثّلت محاولة للدفاع عن الوجود الكردي في مواجهة مشروع الدولة القومية المركزية.

إلا أن أوجلان لا ينظر إلى الثورة بوصفها تجربة ناجحة بصورة كاملة، بل يعتقد أنها عكست حدود المرحلة التاريخية التي نشأت فيها. فبحسب رأيه، كانت الحركة الكردية في عشرينيات القرن العشرين ما تزال محكومة بالبنى العشائرية والدينية التقليدية، ولم تتمكن من بناء مشروع سياسي حديث قادر على استيعاب مختلف مكونات المجتمع الكردي.

كما يرى أن الاعتماد على الزعامات التقليدية والعشائرية والدينية حدّ من قدرة الثورة على التحول إلى حركة ديمقراطية شاملة، وأسهم في ضعفها أمام الدولة المركزية الحديثة. ولذلك يعتبر أن الثورة، رغم أهميتها التاريخية، كشفت الحاجة إلى تطوير أشكال جديدة من التنظيم السياسي تتجاوز الأطر التقليدية التي حكمت المجتمع الكردي خلال تلك المرحلة. ومع ذلك، يؤكد أن ثورة الشيخ سعيد أسهمت في الحفاظ على الوعي القومي الكردي ومنعت اندثار القضية الكردية، إذ أصبحت جزءًا من الذاكرة السياسية للشعب الكردي ومصدرًا للإلهام بالنسبة للحركات اللاحقة.

من الثورة المسلحة إلى مفهوم الأمة الديمقراطية

في إطار مراجعته لتجارب الحركات القومية والثورات المسلحة، طرح أوجلان رؤية مختلفة لمعالجة القضية الكردية تقوم على مفهوم «الأمة الديمقراطية» الذي يُعد أحد المفاهيم المركزية في مشروعه الفكري المعاصر.

وينطلق هذا المفهوم من نقد نموذج الدولة القومية الذي يرى أوجلان أنه كان سببًا رئيسيًا في نشوء الصراعات القومية والإثنية في الشرق الأوسط. فالدولة القومية، بحسب تحليله، تسعى إلى فرض هوية واحدة على مجتمعات متعددة القوميات والثقافات، وهو ما يؤدي إلى تهميش المجموعات الأخرى وإقصائها.

ولذلك يدعو إلى نموذج بديل يقوم على الاعتراف بالتعددية الثقافية والقومية والدينية داخل المجتمع الواحد، بحيث تتمكن مختلف الشعوب من الحفاظ على هوياتها وحقوقها دون الحاجة إلى إنشاء دول قومية منفصلة.

وفي هذا الإطار يطرح أوجلان مفهوم «الأمة الديمقراطية» باعتباره صيغة للتعايش المشترك تقوم على الإدارة الذاتية المحلية والمشاركة الديمقراطية واحترام التنوع الثقافي. ويرى أن حل القضية الكردية لا يكمن بالضرورة في إقامة دولة قومية مستقلة، وإنما في بناء نظام ديمقراطي يعترف بالهوية الكردية ويضمن حقوقها السياسية والثقافية ضمن إطار أوسع من التعايش بين الشعوب.

الاندماج الديمقراطي بديلاً عن الصراع المسلح

يُمثل مفهوم «الاندماج الديمقراطي» امتدادًا عمليًا لفكرة الأمة الديمقراطية. فبدلًا من السعي إلى الانفصال أو تأسيس دولة قومية مستقلة، يدعو أوجلان إلى دمج الكرد داخل الدولة التركية على أساس الاعتراف المتبادل والحقوق الديمقراطية.

ومن وجهة نظره، فإن تجربة القرن العشرين أثبتت محدودية فعالية الثورات المسلحة التقليدية في مواجهة الدول القومية الحديثة. ولذلك فإن الحل يكمن في بناء مؤسسات ديمقراطية محلية، وتعزيز المشاركة السياسية، وضمان الحقوق اللغوية والثقافية، وتطوير أشكال جديدة من التنظيم المجتمعي بعيدًا عن منطق الصراع العسكري. كما يرى أن كثيرًا من المآسي التي شهدتها المنطقة كان يمكن تجنبها لو أُتيحت للشعوب آليات ديمقراطية حقيقية للتعبير عن مطالبها وتسوية خلافاتها. ومن هذا المنطلق يفسر ثورة الشيخ سعيد بوصفها نتيجة لغياب الحلول السياسية السلمية في تلك المرحلة التاريخية.

رمزية 29 يونيه: من الشيخ سعيد إلى أوجلان

من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الذاكرة السياسية الكردية ذلك التوافق الزمني بين إعدام الشيخ سعيد بيران عام 1925م والحكم بالإعدام على عبد الله أوجلان في 29 يونيو/حزيران 1999م، أي بعد أربعة وسبعين عامًا تقريبًا من إعدام الشيخ سعيد.

وقد رأى كثير من الكرد في هذا التوافق دلالة رمزية على استمرارية القضية الكردية عبر الأجيال المختلفة.  فالشيخ سعيد يُمثل مرحلة الثورات التقليدية ذات الطابع الديني والقومي، في حين يُمثل أوجلان مرحلة جديدة من النضال السياسي والفكري الذي يركز على الديمقراطية والاعتراف المتبادل والحلول السلمية.

ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية بين الرجلين، فإن كليهما ارتبط بمحاولة معالجة القضية الكردية في عصره. فالشيخ سعيد اختار طريق الانتفاضة المسلحة في ظل غياب البدائل السياسية، بينما اتجه أوجلان في كتاباته اللاحقة إلى الدعوة للحل الديمقراطي والاندماج السياسي.

كما أن الحكم الصادر بحق أوجلان لم يُنفذ في النهاية، إذ خُفف إلى السجن المؤبد بعد الضغوط الأوروبية المرتبطة بمساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وإلغاء عقوبة الإعدام. وقد أتاح ذلك له مواصلة تطوير مشروعه الفكري المتعلق بالأمة الديمقراطية والكونفدرالية الديمقراطية والحل السلمي للقضية الكردية.

الخاتمة

تُعد ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م إحدى أهم المحطات في تاريخ الحركة الكردية الحديثة، لأنها مثّلت أول مواجهة واسعة النطاق بين الجمهورية التركية الناشئة والحركة القومية الكردية. وقد جاءت الثورة نتيجة تراكم مجموعة من العوامل السياسية والقومية والدينية والاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت بعد انهيار الدولة العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية.

ورغم أن الثورة انتهت بالفشل العسكري نتيجة التفوق العسكري التركي والانقسامات الداخلية وغياب الدعم الدولي، فإن آثارها تجاوزت حدود زمنها المباشر، إذ أسهمت في ترسيخ الوعي القومي الكردي وتحويل القضية الكردية إلى أحد أبرز ملفات الشرق الأوسط المعاصر. كما شكلت نقطة انطلاق لسلسلة من الحركات والانتفاضات التي شهدتها المناطق الكردية خلال العقود اللاحقة.

وقد اختلفت تفسيرات الباحثين لطبيعة الثورة؛ فبعضهم ركز على بعدها الديني المرتبط بإلغاء الخلافة وسياسات العلمنة، بينما رأى آخرون أنها كانت تعبيرًا عن تطلعات قومية كردية في مواجهة سياسات التتريك والمركزية. إلا أن القراءة التاريخية الشاملة تُظهر أنها كانت نتاج تفاعل هذين البعدين معًا في سياق سياسي معقد شهد تحولات جذرية في بنية الدولة والمجتمع.

وفي الوقت الذي مثّلت فيه الثورة نموذجًا لمرحلة النضال المسلح التقليدي، قدم عبد الله أوجلان لاحقًا رؤية مختلفة تقوم على مفاهيم الأمة الديمقراطية والاندماج الديمقراطي والحل السلمي. ومن ثم فإن تطور القضية الكردية من ثورة الشيخ سعيد إلى أفكار أوجلان يعكس انتقال الحركة الكردية من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة البحث عن صيغ سياسية وديمقراطية أكثر قدرة على معالجة التعددية القومية والثقافية داخل المنطقة.

وبذلك تبقى ثورة الشيخ سعيد بيران حدثًا مفصليًا في التاريخ الكردي الحديث، ليس فقط بسبب ما انتهت إليه من نتائج، وإنما أيضًا لما تركته من أثر عميق في تشكيل الوعي السياسي الكردي واستمرار البحث عن الحرية والاعتراف والعدالة عبر الأجيال المتعاقبة.

المصادر

  1. أحمد إبراهيم الشريف، هل سمعت عن الشيخ سعيد بيران الكردي الثائر الذي أعدمته تركيا عام 1925م؟، اليوم السابع، 30 يونيو 2019م.
  2. أحمد تاج الدين، القضية الكردية: دراسة تاريخية وسياسية، دار المدى، دمشق، 2001م.
  3. أحمد عبد المعطي، مع مرور 100 عام على انتفاضته.. ما هي قصة الشيخ سعيد بيران؟، المبادرة، 27 يونيو 2025م.
  4. أوجلان، عبد الله، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الأول: أزمة الحضارة وحل الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط، ترجمة زاخور شيار، ط2، مطبعة داتا سكرين، 2018م.
  5. ــــــــــــ، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الخامس: القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية، ترجمة زاخور شيار، ط2، مطبعة داتا سكرين، 2018م.
  6. أوجلان، عبد الله. الكونفدرالية الديمقراطية. كولونيا، ألمانيا: منشورات المبادرة الدولية (International Initiative Edition)، 2011م.
  7. إبراهيم الداقوقى، أكراد تركيا ، دار المدى ، 2013م.
  8. خديدا شيخ خلف، نبذة حول الثورة الكردية عام 1925 وزعيمها الشيخ سعيد بيران، مركز لالش الثقافي والاجتماعي، 14 فبراير 2014م.
  9. د. محمد رفعت الإمام، مئوية الشيخ سعيد بيران 1925–2025م، مركز آتون للدراسات، 2025م.
  10. ــــــــــــ، المقاومة حياة وثقافة: استمرارية النضال الكردي من الشيخ سعيد إلى المفكر أوجلان 1925–2025م، مركز آتون للدراسات، 28 يونيو 2025م.
  11. محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور حتى الآن، ترجمة محمد علي عوني، مطبعة السعادة، مصر، 1939م.
  12. كمال مظهر أحمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، ترجمة محمد الملا عبد الكريم.
  13. خليل كالو، بانوراما انتفاضة الشيخ سعيد بيران 1925، وكالة هاوار للأنباء، 28 يونيه 2024م. https://hawarnews.com/ar/
  14. روبرت أولسون: تاريخ الكفاح القومي الكردي، بيروت، 2013.
  15. خالد عقلان، الجذور التاريخية للقضية الكردية، المعهد المصرى للدراسات الاستراتيجية 18 مايو 2017م.

ثانياً: المصادر الأجنبية

  1. Bozarslan, Hamit. Kurdish Nationalism and Political Islam in Turkey. London: Routledge, 2004.
  2. Eagleton, William Jr. The Kurdish Republic of 1946. London: Oxford University Press, 1963.
  3. Jwaideh, Wadie. The Kurdish National Movement: Its Origins and Development. Syracuse: Syracuse University Press, 2006.
  4. Kendal, Nezan (ed.). The Kurds: A Contemporary Overview. London: Routledge, 1992.
  5. Lewis, Bernard. The Emergence of Modern Turkey. 2nd ed. London: Oxford University Press, 1961.
  6. McDowall, David. A Modern History of the Kurds. 3rd ed. London: I.B. Tauris, 2004.
  7. Olson, Robert. The Emergence of Kurdish Nationalism and the Sheikh Said Rebellion, 1880–1925. Austin: University of Texas Press, 1989.
  8. Van Bruinessen, Martin. Agha, Shaikh and State: The Social and Political Structures of Kurdistan. London: Zed Books, 1992.
  9. Zürcher, Erik J. Turkey: A Modern History. 3rd ed. London: I.B. Tauris, 2004.

Exit mobile version