تحليل:الباحث محمد صابر
لم يعد النظام الدولي يتحرك وفق المنطق الذي ساد بعد نهاية الحرب الباردة، حين كانت القوى الكبرى تسعى إلى فرض تسويات سياسية شاملة وإنهاء النزاعات عبر اتفاقات دائمة، فالتطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالحرب في غزة، والأزمة السورية، ووصولًا إلى التصعيد المتكرر حول البرنامج النووي الإيراني، كشفت تحولًا جوهريًا في فلسفة إدارة الأزمات الدولية، إذ لم يعد الهدف هو إنهاء الصراع، وإنما احتواؤه ومنع انهياره الكامل بما يحافظ على توازنات القوى القائمة دون تحمل تكلفة الحل النهائي.
يعكس هذا التحول مدى تعقيد الصراعات، كما يكشف أيضًا تراجع قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها بصورة منفردة، في ظل صعود قوى إقليمية أكثر استقلالية، وتزايد الانقسام داخل المؤسسات الدولية، وتضارب المصالح بين الفاعلين الدوليين. فقد أصبحت إدارة الصراع خيارًا أقل كلفة سياسيًا وعسكريًا من الدخول في تسويات قد تعيد رسم موازين القوى بصورة لا ترغب بها الأطراف المختلفة.
وبناءً على ذلك، يسعى هذا التحليل إلى تفكيك هذه الظاهرة من خلال ثلاثة محاور مترابطة؛ الأول يتناول أسباب تراجع قدرة القوى الكبرى على فرض الحلول السياسية، والثاني يناقش التحول من صناعة السلام إلى إدارة التوترات الممتدة، بينما يستشرف المحور الثالث انعكاسات هذا التحول على مستقبل الشرق الأوسط واحتمالات استمرار عصر الصراعات المفتوحة.
تراجع فرض الحلول:
شهد النظام الدولي خلال العقد الأخير تحولًا واضحًا من الأحادية القطبية إلى بيئة أكثر تعددية وتنافسًا، وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على إدارة الأزمات الدولية، فالولايات المتحدة لم تعد تمتلك القدرة أو الرغبة في تحمل كلفة فرض التسويات كما حدث في تسعينيات القرن الماضي، بينما أصبحت روسيا والصين أكثر استعدادًا لاستخدام أدوات القوة والدبلوماسية لتعطيل أي ترتيبات لا تتوافق مع مصالحهما، وأدى هذا التوازن الجديد إلى تراجع فعالية مجلس الأمن، وارتفاع معدلات استخدام حق النقض، وتحول العديد من الملفات إلى ساحات تنافس بدلاً من كونها ملفات قابلة للحل.
ومن جهة أخرى، أصبحت الحروب الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا بسبب تشابك الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين داخل النزاع الواحد، إذ لم يظل الصراع في سوريا بين الحكومة والمعارضة فقط، بل أصبح يضم روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل وقوى محلية متعددة، والأمر ذاته يتكرر في غزة ولبنان واليمن، حيث تتداخل الحسابات الأمنية والعسكرية مع المصالح الإقليمية والدولية، مما يجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة من مجرد إدارة الاشتباكات ومنع توسعها.
إلى جانب التعقيد العسكري، ساهمت الاعتبارات الاقتصادية والسياسية الداخلية في تقليص رغبة القوى الكبرى في خوض مشاريع سلام طويلة ومكلفة، فالأزمات الاقتصادية والتضخم والانقسامات السياسية داخل الديمقراطيات الغربية، دفعت الحكومات إلى تجنب الانخراط المباشر في عمليات إعادة بناء الدول أو فرض تسويات تحتاج سنوات من الالتزام المالي والعسكري تجاهها، وهو ما جعل سياسة الاحتواء أقل تكلفة وأكثر قبولًا داخليًا.
ونتيجة لذلك، يتراجع اليوم مفهوم “حل النزاعات” لصالح مفهوم “إدارة النزاعات”، حيث أصبح الهدف الأساسي هو منع انهيار التوازنات القائمة، وتقليل احتمالات التصعيد، والحفاظ على خطوط الاتصال بين الأطراف المتحاربة – حتى وإن بقيت جذور الصراع دون معالجة حقيقية – وهو ما يجعل الهدن المؤقتة، وترتيبات خفض التصعيد، واتفاقات وقف إطلاق النار المحدودة، أدوات لإبقاء الصراع تحت السيطرة وليس لإنهائه، وهو ما يفسر استمرار العديد من الأزمات الدولية لسنوات طويلة دون الوصول إلى تسويات سياسية مستدامة. ويعكس ذلك أزمة أعمق في بنية النظام الدولي، تتمثل في تراجع قدرة القوى الكبرى على إنتاج توافقات شاملة، مقابل تصاعد أولويات إدارة المخاطر والمحافظة على توازنات النفوذ، حتى وإن كان الثمن هو ترسيخ ما يمكن تسميته بـ “السلام الهش” أو “الاستقرار المؤقت” الذي يمنع الانفجار، لكنه لا يصنع سلامًا دائمًا.
إدارة التوتر:
أصبحت إدارة التوترات استراتيجية دولية متكررة في معظم الأزمات المعاصرة، حيث تتجنب القوى الكبرى الوصول إلى حسم كامل، وتفضل حالة الحفاظ على مستوى معين من الصراع المُدار نسبيًا، يسمح بإدارة النفوذ وتجنب المواجهة المباشرة. ويمكن تفسير هذا التحول من خلال خمسة أبعاد رئيسية:
(1) الحرب بلا حسم: ففي أوكرانيا وغزة على وجه الخصوص لم يعد الهدف المعلن هو إنهاء الحرب سريعًا، بل منع أحد الطرفين من تحقيق انتصار كاسح يغير ميزان القوى الإقليمي أو الدولي، لذلك يستمر الدعم العسكري والضغوط الدبلوماسية بالتوازي، بما قد يسمح باستمرار الصراع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، ودون الوصول إلى تسوية نهائية أو هزيمة كاملة لأي طرف من الأطراف.
(2) فرض الهدن المؤقتة: فبدلاً من الاتفاقات الدائمة أصبحت الهدن الإنسانية ووقف إطلاق النار المؤقت أدوات أكثر حضورًا من اتفاقيات السلام الشاملة، إذ أنه في غزة على سبيل المثال تتكرر الهدن لتبادل الأسرى وإدخال المساعدات، بينما تتوقف العمليات في سوريا عبر تفاهمات ميدانية مؤقتة، دون وجود مشروع سياسي قادر على إنهاء النزاع بصورة نهائية.
(٣) الردع وإدارة التصعيد: تركز القوى الدولية على منع توسع الحروب أكثر من إنهائها، ويتجلى ذلك بوضوح في إدارة المواجهات بين إيران وإسرائيل، أو بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة في العراق وسوريا، حيث استخدمت الضربات المحدودة والرسائل العسكرية للحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
(٤) توظيف الصراعات في إعادة تشكيل النفوذ: لم تعد النزاعات مجرد أزمات أمنية، بل أنها أصبحت أدوات لإعادة توزيع النفوذ، فروسيا تستخدم الحرب الأوكرانية لتعزيز موقعها الدولي، بينما توظف الولايات المتحدة تحالفاتها العسكرية لإعادة ترتيب أولويات الأمن الأوروبي والشرق الأوسط، في حين تستثمر الصين في الأبعاد الاقتصادية والدبلوماسية دون الانخراط العسكري المباشر بالأزمات.
(٥) تراجع دور المؤسسات الدولية: لقد باتت الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية أكثر قدرة على إدارة المساعدات الإنسانية منها على فرض التسويات السياسية، وذلك نتيجة الانقسامات داخل مجلس الأمن وتعارض مصالح القوى الكبرى، وهو ما جعل الوساطات الدولية تقتصر غالبًا على احتواء الأزمات بدلاً من حلها.
عصر الصراعات المفتوحة:
يشكل دخول الشرق الأوسط في مرحلة الصراعات الممتدة استمرار لحالة عدم اليقين الأمني لفترة طويلة، فالقضايا المرتبطة بغزة ولبنان والعراق واليمن وحتى سوريا لن تُحسم نهائيًا قريبًا، بل يبدو أنها قد تظل مرشحة لدورات متكررة من التصعيد والتهدئة، بما يفرض ضغوطًا مستمرة على الدول والمؤسسات الأمنية والاقتصادية.
من الناحية الاقتصادية، تؤدي الصراعات المفتوحة إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار والتأمين والنقل والطاقة، وتحد من قدرة الحكومات على تنفيذ برامج التنمية طويلة الأجل، كما أن استمرار التوترات يرفع مستويات الإنفاق العسكري على حساب الإنفاق التنموي، ويزيد من هشاشة الاقتصادات الإقليمية أمام الصدمات الخارجية. أما سياسيًا، ستزداد أهمية القوى الإقليمية باعتبارها أطرافًا رئيسية في إدارة الأزمات، وليس مجرد أطراف تتلقى قرارات القوى الكبرى، ومن المتوقع أن تستمر دول مثل تركيا وإيران وإسرائيل ودول الخليج في لعب أدوار أكثر استقلالية، مع توسع حضور الصين وروسيا في الملفات الاقتصادية والأمنية، بما يعكس انتقال النظام الدولي إلى مرحلة أكثر تعددية وأقل قدرة على إنتاج تسويات شاملة.
بالتالي، تكشف الصراعات الممتدة في غزة وأوكرانيا وسوريا والملف النووي الإيراني عن تحول عميق في طبيعة النظام الدولي؛ إذ لم تعد القوى الكبرى تسعى إلى إنهاء النزاعات بقدر ما أصبحت تديرها ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل وتحافظ على توازنات النفوذ. ويعكس هذا التحول تراجع القدرة على فرض الحلول، وتعقد بنية الصراعات، وارتفاع تكلفة التسويات النهائية.
وفي الشرق الأوسط، يعني استمرار هذا النهج أن المنطقة قد تدخل مرحلة طويلة من ما يمكن وصفه بـ “الاستقرار الهش”، حيث تتكرر الهدن والتفاهمات المؤقتة دون معالجة جذور الأزمات، ما يمنح فرصة لقدرة الدول على بناء مؤسسات قوية، وتنويع شراكاتها، وتعزيز مرونتها الاقتصادية والأمنية، العامل الحاسم في التكيف مع عصر الصراعات المفتوحة، في ظل نظام دولي بات أكثر ميلًا لإدارة الأزمات منه إلى إنهائها.
وختامًا، يمكن القول إن التحدي الرئيسي أمام المجتمع الدولي لم يعد يتمثل في كيفية إنهاء الصراعات، بل أصبح مرتبطًا بكيفية منعها من الخروج عن السيطرة، حيث أن التنافس بين القوى الكبرى وتعقد بنية النزاعات وتزايد أدوار الفاعلين الإقليميين، جميعها عوامل دفعت النظام الدولي إلى تبني منطق “إدارة الأزمات” بدلًا من “صناعة السلام”.



