أخـوة شعـوب الشرق الأوسط من الملة العثمانية إلى الأمـة الديمقراطيــة: ظـل الماضـي علـى الحاضــر وآفاق المستقبل

دراسات :
- تم تحديثه في

تحليل: د. محمد رفعت الإمــام

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

  • بدعوة كريمة من اتحاد ميزوبوتاميا للدراسات الإسلامية، شاركتُ في المؤتمر الدولي الذي انعقد في آمد – ديار بكر خلال يوميّ 20 و 21 يونية 2026 بعنوان “الإسلام الديمقراطي: الإخلاص في العقيدة والحرية في المجتمع”. وقد ضجت قاعة بلدية آمد- ديار بكر بالتصفيق العالي والمتحمس عندما قدمتُ تحية خاصة إلى أمهات وأخوات شهداء الحقوق السليبة. وضجت القاعة أيضًا عندما قمتُ بتقديم تحية من ابن النيل والحضارة والأزهر إلى القائد والمناضل والمفكر عبد الله أوجلان الجبل الكردي صاحب مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي. وعندما علم احفاد الشيخ سعيد بيران أنني ألفتُ كتابًا عن جدهم، انهالوا عليَّ شكرًا وثناءً وكادوا أن يحملونني من فوق الأرض على أعناقهم.
  • ويُسعدني بهذه المناسبة وفي الذكرى 101 لاستشهاد الشيخ سعيد ورفاقه في 29 يونية 2026 أن أُقدم دراسة عن تجارب أخوة الشعوب في منطقة الشرق الأوسط لاسيما النطاقات الملتهبة في الهضبتين الأناضولية والإيرانية والقوقاز وميزوبوتاميا وبلاد الشام.
  • يُعتبر الشرق الأوسط مهد الإنسان والمدنية والحضارات الكبرى. ويتميز بثراء وتنوع وتعدد بشري: سومريون وميديون ومصريون وأكراد وفرس وعرب وأتراك وأرمن وأروام وتركمان وجراكسة وآشوريون وسريان ودروز وعلويون وغيرهم. وعلى امتداد التاريخ الحديث والمعاصر، تنازعت هذه الشعوب وتحاربت، وصاغت مشروعات “أخوة” مُسيسة ومؤدلجة لصالح الأخ – الطرف الأقوى على حساب الإخوة الصغار – الضعاف.
  • ويُركز هذا البحث على رصد حصاد تجارب “أخوة الشعوب” في التاريخ الحديث والمعاصر لتقديم خزان خبرة لبناء أخوة شعوب عصرية وتُناسب القرن الحادي والعشرين وتتفادى كل آثام وآلام تجارب مشروعات الأخوة خلال الخمسة قرون الماضية.

    1. تجربة أخوة الشعوب في نظام الملل العثماني   1453-1839
    • نظمت الإدارة العثمانية رعايا الدولة العلية غير المسلمين في هياكل إدارية شبه مستقلة تُسمى “ملل” Millets تحل محل حكومة الدولة المركزية وتُمثل بؤرة التمركز الإجتماعي. وقد اعترف السلطان بملل: الروم الأرثوذكس (1453) والأرمن الأرثوذكس (1461) واليهود (1461) والكاثوليك (1831) والبروتستانت (1850). وكان رئيس الملة (البطريرك أو الحاخام) مسئولاً عن إدارة الكنيسة والمدارس والمؤسسات الخيرية والأحوال الشخصية شريطة دفع الجزية والتبعية للسلطان.على هذا النحو، لم تسعى الدولة العثمانية إلى صهر “أهل الذمة” في بنية الإسلام السُني. ولكن نظام الملل جعل للمسلم “اليد العليا والطولى” على الذمي الذي احتل المرتبة الأدنى. ولا تُعد أخوة نظام الملل مساواة حقيقية، بل نظام “تعايش” تراتبي. ولا يهم الدولة ما تُؤمن به طالما “تدفع” و “تُطيع”. ورغم هذا، خلق نظام الملل سلامًا دينيًا في الشرق الأوسط لأربعة قرون أفضل من أوربا التي شهدت حروبًا دينية على مدار القرنين السادس عشر والسابع عشر.وباختصار، لم يكن نظام الملل تعايشًا أو أخوة شعوب، بل إدارة إمبراطورية متعددة الأعراق وليس مشروعًا أخلاقيًا حتى مع بقية مكونات الدولة المسلمين.اعتبر الأتراك أنفسهم في نظام الملل “الملة الحاكمة” رغم أن الدولة “عثمانية” وليست “تركية”. فقد احتكروا 90% من مناصب الدولة العليا (سلاطين، صدور عظام، ولاة، قضاة عسكر)، وجعلوا التركية لغة الحكم والعربية لغة الدين. ونظروا إلى بقية الشعوب على أنهم “ملل محمية” تحت سيادة الأتراك المسلمين السُنة. وهكذا، اعتبر الأتراك أنفسهم أساس الدولة العثمانية، وباقي الشعوب “زينة المبنى”. قد تزول الزينة، ولكن يبقى الأساس. والخلاصة: أتراك يحكمون والباقي يُطيعون ويدفعون. وعندما طلب الباقون” حكمًا ذاتيًا “، ماتت أخوة نظام الملل. ولم يكن الأكراد ملة منفصلة، بل كانوا ضمن الملة الإسلامية السُنية مع الأتراك والعرب. وخلال نظام الملل، حكم الأمراء الأكراد الإقطاعيون إمارات شبه مستقلة (بوتان، بيتليس، هكاري) مقابل جبابة وقوات مسلحة للدولة. كان الأكراد حُراس الحدود. وعندما تمركزت الدولة، دمرت الإمارات الكردية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر. وكان العرب المسلمون رعايا من الدرجة الثانية في نظام الملل العثماني، فقد اندرجوا ضمن ملة الإسلام السُني مع الأتراك “الحكام” والأكراد “حُراس الحدود”. وتولى العرب مناصب القضاة المحليين فقط. ورغم أن العربية لغة القرآن، فلم تكن لغة رسمية، وفرضوا عليهم التركية. وعلى النقيض من رؤية الأتراك للأكراد والعرب وأهل الذمة آنفة الذكر، فقد نظر الأتراك إلى الفرس على أنهم الروافض الأعداء لأنهم شيعة، وحسب تأويل فقهاء السُنة كفار. وقُبيل معركة تشالديران 1514، صدرت فتاوى سُنية بالجهاد ضد الكُفار التي تسببت في قتل 40 ألف علوي (شيعي) في الأناضول بتهمة “موالاة الفرس”. ورسَّمت معاهدة قصر شرين 1639 حدود الإسلام “الصحيح”. وقام الأكراد السُنة بحراسة الحدود ضد فارس الشيعية. وباستمرار، أفتى شيوخ السلطان السُني بأن قتال الرافضة أولى من قتال الكُفار. ولهذا صار أي شيعي عثماني (علوي، بكتاشي، عربي) موالي للفرس وطابور خامس ومتهمًا بالعمالة لهم حتى عام 1923.
    •  وعلى هذا النحو، استحال تأسيس أخوة شعوب بين الأتراك والفرس. وفقًا للمعتقدات العثمانية: نحن سُنة وهم شيعة، نحن أتراك وهم فُرس. نحن الخلافة وهم الزنادقة.

2- أخوة الشعوب في عهد التنظيمات “العثمنة”  1839 – 1877

  • عندما ضعفت الدولة العثمانية، سعت لإنقاذ نفسها في مطلع القرن التاسع عشر بتطبيق بعض برامج الإصلاحات على غرار النموذج الأوروبي فيما عُرف بـ “عهد التنظيمات الخيرية”. وقد بدأت هذه الإصلاحات بخط شريف كولخانة 1839 وخط همايون 1856 مرورًا بقانونيّ الولايات 1864 والجنسية العثمانية 1869 وانتهاءً بالمشروطية “الدستور ومجلس المبعوثان” 1876-1877.
  • وبموجب هذه القوانين، تساوي نظريًا جميع أبناء الدولة العثمانية أمام القانون، فلا فرق بين مسلم وذمي، وأُلغيت الجزية وتساوى المسلمون والمسيحيون في دفع الضرائب ودخول الجيش وتقّلُد المناصب. وصار جميع مواليد الدولة عثمانيين الجنسية.
  • ورغم بريق القوانين، فقد وُلِدت “العثمنة” ميتة. فقد امتعض المسلمون من قوانين العثمنة لأنها ساوتهم بـ “الكُفار”. واشتكى المسيحيون بأن الولاة المسلمين لا يُنفذونها. وفي الواقع، لا يُمكن بناء أخوة شعوب مع عقليات تعتقد أن الله أعطاها “اليد العليا والطولى “على الآخرين. واضطر الأتراك قبول العثمنة على مضض من منطلق ترقية الشعوب الأخرى إلى مستواهم، وليس نزولاً منهم إلى مستواهم. باختصار: تعني الأخوة العثمانية في المنظور التركي “رحمة التركي”؛ الراحم كبير والمرحوم صغير.
  • وقد منحت العثمنة للأكراد هوية بلا مواطنة وحتمية تعلُّم التركية بدلاً من الكردية. وعندما فشلت العثمنة (1877م)، شكل منهم السلطان عبد الحميد الثني الفيالق الحميدية (1891)، ومنحهم هوية إسلامية بلا مواطنة كردية. والحصاد: قتل 300 ألف مسيحي أرمني وشيعي من أعداء السلطان السُني، خلق عداوة أرمنية كردية، تكريس صورة بربرية الأكراد في الغرب.
  • ولم يكن العرب أفضل حالاً من الأكراد في أخوة الشعوب بمفهوم العثمنة. إذ صار العرب عثمانيون، فُرِضت عليهم التركية لغة رسمية. وعندما طالب العرب بأن تكون العربية لغة رسمية في الولايات العربية، اتهمتهم الدولة بـ “الانفصالية” عنها. ولاريب أن العثمنة فشلت في الولايات العربية لأنها فرضت عليهم التتريك الثقافي.
  • وخلال فترة التنظيمات، صدَّرت النخبة العثمانية الحاكمة صورة “فارس النموذج الاستبدادي المتخلف” مقابل نموذجها المتحضر على الطراز الأوروبي. وهكذا، صارت أخوة العثمنة في عداوة مع الجار الفارسي الشيعي القاجاري. وردًا على كبرياء الأتراك على الفُرس، وصف الأخيرون الأتراك الجُدد بـ ” بدو ترك”، وانتقدوا قتلهم الشيعة. وباختصار: اتخذ منظرو التنظيمات الفُرس بمثابة فزاعة وإنذار حتى يقبل العثمانيون الأوربة ولا يظلوا كالفُرس ضعفاء ومنقسمين ومستعمرين. لهذا، كانت العثمنة خداعًا متبادلاً بين النخبة العثمانية والرعية لإسكات أوربا. وسعت العثمنة إلى خلق أمة عثمانية من أعلى القمة، بينما تُصنع الأمم من أسفل، وبذلك ظل الرعايا: أتراك، أكراد، عرب، أروام، أرمن. ولا يُمكن إقامة عثمنة بلا عثمانيين. وحتى برلمان 1876-1877، يُوصف بأنه مسرحية عبقرية، ثم قفل السلطان المسرح، وسجن الممثلين. اختار عبد الحميد الثاني الاستبداد، واغتال العثمنة. وحسب أوجلان: لا أخوة بدون ديمقراطية.

3- أخوة الشعوب في مشروع اتحاد العناصر   1908-1918

رفعت جمعية الاتحاد والترقي شعار: حرية، مساواة، أخوة، عدالة اجتماعية. وفعلاً، نجحت مكوَّنات الدولة العثمانية في إسقاط الاستبداد الحميدي وإعادة العمل بالدستور رافعين شعار: نحكم كلنا معًا ضد أوربا. وعلى مدار شهر عسل (يولية – ديسمبر 1908)، تعانق الأرمن والأروام، البلغار والأتراك، الأكراد والعرب. والعكس.

فشلت أخوة الشعوب في اتحاد العناصر بسبب انتفاضات ألبانيا واليمن (1911) وحروب البلقان (1912-1913). وعندما قام الثلاثي الاتحادي أنور باشا وطلعت باشا وجمال باشا بانقلاب 1913 وشكلوا ديكتاتورية عسكرية حاكمة، انتهت العثمنة للأبد وتفكك اتحاد العناصر، ووُلِدت الطورانية؛ تتريك جميع عناصر الدولة.

  • انتهت أخوة شعوب الاتحاديين بإبادة الأرمن في عام 1915. هكذا، انتهت الأخوة بالمذابح حسب رؤية أوجلان. وقد كانت أخوة الاتحاديين تكتيكية لنزع سلاح الأقليات أثناء سيطرتهم على مقاليد السلطة. وعندما تمكنوا من حكم البلاد، أماطوا اللثام عن وجههم الطوراني السافر، وأضاعوا آخر فرصة ممكنة لتأسيس هوية عثمانية مدنية. وقد فشلت أخوة الاتحاديين لأن الأخ الأكبر قرر قتل إخوته الصغار. وكان الثمن إبادة الأغيار.
  • كان الأتراك في مشروع اتحاد العناصر بمثابة “العنصر الحاكم”. وحتى تكون الأناضول لتركيا، أباد الأتراك الاتحاديون: 1.5 مليون أرمني، 750 ألف رومي، 300 ألف سرياني. وهكذا، تحولت الأخوة إلى مقبرة، ورأها الأتراك فرصة لتتريك الشعوب الأخرى. وعندما رفضت هذه الشعوب التتريك، أبادهم الأخ الأكبر. وحسب ضياء جوك ألب الآمدي صائغ الأيدولوجية الطورانية: التركي هو أساس وسقف البناء العثماني. الأرمني حجر، العربي باب، الرومي شباك. إذا الحجر خرب نرميه، لكن يبقى الأساس “التركي”.
  • خدع الاتحاديون الأكراد بأنهم أخوة. وحسب قول أنور باشا لوفد عشائر بيتليس: الكردي والتركي عينًا الإسلام. هل العين تُعادي العين؟ نحن إخوة. ولهذا، يجب ألا تقولوا “نحن أكراد” بل عثمانيين مسلمين. وبعد عام 1913، بلور ضياء جوك ألب الأيديولوجية الطورانية: في الدولة أمة واحدة؛ الأمة التركية. أما العربية والكردية والألبانية فهي لهجات للتركية. لا تُوجد أمة اسمها أكراد. فالكردي هو تركي جبلي ابتعد عن الحضارة فأفسد لغته. وبذلك، أنتم إخوة إذا أنكرتم أمهاتكم الكردية.
  • في 2 مايو 1916، أرسل طلعت باشا وزير الداخلية أمرًا سريًا إلى حكام الولايات الشرقية “كردستان”: شتتوا الأكراد بحيث لا تخطر كلمة كردستان على بالهم بعد نصف قرن. هذا شرط اتحاد العناصر. وبعد نجاح الاتحاديين في التخلُّص من المسألة الأرمنية باستخدام الأكراد (1915)، قرر الاتحاديون في عام 1916 التخلُّص من الأكراد باعتبارهم الخطر القادم على مشروع الطورانية. وارتكب الأتراك الاتحاديون مذابح ديرسيم وبيتليس في عام 1916، وأبادوا 300 ألف كردي. وقد أسست برقية طلعت لأيديولوجية “أتراك الجبل” في عام 1930على يدي عصمت إينونو. وتنفيذًا لقرار طلعت، هجَّرت السلطات قسريًا 136.084 كردي من آمد – دياربكر خارج الولاية، هلك منهم 40% في الطرق.
  • وأرسلت الداخلية العثمانية أوامرها بعدم استخدام كلمتيّ كرد أو كردستان في المكاتبات الرسمية، واستخدموا بدلاً منها شرق الأناضول والقبائل الشرقية. والتأكيد على حل المسألة الكردية حتى لا تكون “مصيبة” على رؤوس الأتراك بعد نصف قرن حسب تصريحات كاظم قرة بكير.
  • هكذا بدأت إبادة الأكراد ثقافيًا قبل التطهير العرقي من الأرض: الأخ قطع لسان أخيه. ورسخ الاتحاديون قاعدة “اتحاد العناصر” عن طريق “الصهر” وفقًا لأوجلان. والعنصر “الشعب” الرافض يكون خائنًا. بمعنى آخر، حتى يكون الأكراد إخوة يجب أن ينتحروا عرقيًا. إما أن تعيش تركيًا أو تُقتل كرديًا، لا يُوجد طريق ثالث.
  • وقد اعتبر الاتحاديون العرب خونة، وفرضوا عليهم اللغة التركية رسميًا بحجة أن لغة القرآن لا تكفي. والحصاد: مذابح 6 مايو 1916 في دمشق وبيروت بتهمة المطالبة باللامركزية. ومن المفارقات الغريبة، نظر الأتراك الاتحاديون إلى الفُرس على أنهم “عنصر آري شقيق”، وأنهما أبناء عمومة، وعدوهما المشترك العرب الساميين والأرمن المسيحيين. وطلبوا منهم التحالف معهم ضد الأعداء روسيا وبريطانيا. بيد أن الفُرس ترددوا بسبب “تعصب الأتراك السُنة”. وعندما احتل الأتراك الاتحاديون أورميا (1915)، تسببت الأخوة الآرية في إبادة مائة ألف مسيحي لتكون أقصر وأدمى تحالف.

4- إخوة الشعوب في الجمهورية التركيــة   1923-2023

  • لم تعترف الجمهورية بالشعوب، اعترفت فقط بمواطنين. وفقًا للماة 18، دستور 1924، يُطلق على سكان تركيا أتراكًا بصفتهم مواطنين بلا تمييز ديني أو عرقي. وفي الخطاب التاريخي لأتاتورك (1930) قال: الشعب الذي أسس الجمهورية التركية يُسمى “الأمة التركية”. وقد نص قانون التوطين الصادر في عام 1934 على عدم توطين غير المرتبطين بالثقافة التركية. وقد استُخدِم هذا القانون لتهجير الأكراد والعرب.
  • استخدم الأتراك الكماليون “الصهر” بدلاً من الأخوة. وثمن المواطنة أن تُصبح تركيًا. فلم يعد يُوجد في الجمهورية أكراد، عرب، جراكسة، تركمان. وتأسسَّت عقيدة أتاتوركية بأن أخوة الشعوب تعني الاعتراف بوجود شعوب أخرى غير الأتراك، وهذا الاعتراف يُؤدى إلى التقسيم.
  • صار الكرد يتكلمون التركية وممنوع الكردية، وسُميت جبال كردستان بجبال طوروس الشرقية وقاطنيها أتراك الجبل. وبعد إخماد ثورات الشيخ سعيد بيران (1925) وأرارات (1930) وديرسيم (1937)، لم يعد هناك مسألة كردية، وتجريم استخدام كلمة كرد وكردستان. وحسب إحصاء 1965، صفر أكراد في تركيا.
  • تنطبق نفس القواعد وتلك الآليات على العرب، فلا يوجد عرب، بل يُوجد أتراك جنوبيون، أتراك هاتايلي وماردين وأورفا وأضنة. وقد تم صهرهم قسريًا، ومنعت أنقرة استخدام الأسماء العربية وحولت المسميات إلى التركية. ووفقًا للإحصاءات الرسمية، صفر عرب، إنهم أتراك الجنوب كما أن الأكراد أتراك الشرق والجبل.
  • قننت جمهورية أتاتورك تجريم شعار “أخوة الشعوب” لدرجة إعدام كل من نطق كلمة كردستان أو الأمة الكردية. وقد أدانت المادة 42 من قانون الجنايات التركي (القديم) الأكراد والعرب بتهمة الدعاية لخلق أقليات داخل الأمة التركية. وأدانتهم المادة 301 من القانون الجديد بتهمة “إهانة القومية التركية”. وأدانهم قانون مكافحة الإرهاب بتهمة استخدام شعار “أخوة الشعوب” والدعاية لتنظيم إرهابي (PKK).
  • حكمت محكمة أمن الدولة العليا بأنقرة على 12 طالبًا بتهمة رفع شعار “أخوة الشعوب” Halkarin Kardeslige حيث يوجد في تركيا “أمة واحدة، هي الأمة التركية. ويحمل تعبير شعوب هدفًا تقسيميًا”.
  • ورغم أن رئاسة أركان الجيش التركي قد أقرت في 2007 بأن “أخوة الشعوب” تُعد إستراتيجية PKK لهدم بنية الدولة الموحدة حيث لا تُوجد شعوب في تركيا وتوجد أمة تركية فقط، فقد شهدت بدايات القرن الحادي والعشرين تحولاً تكتيكيًا في مفهوم “الأخوة” مع صعود حزب العدالة والتنمية عندما رفع شعار: “أخوة ألف سنة”.
  • ولا يعني شعار العدالة والتنمية “أخوة الشعوب”، بل إخوة في الإسلام منذ معركة ملاذكرد 1071. وحدث انفتاح محدود بظهور قناة TRT كردي 2009، وTRT 2010 عربي، “العرب إخوتنا في الدين”. وأثناء المفاوضات مع أوجلان (2013-2015)، تم السماح باستخدام تعبير “أخوة الشعوب”. وبعد فشل المفاوضات، عادت الدولة التركية لخطاب أتاتورك: أمة واحدة، علم واحد، وطن واحد Tek Millet, Tet Bayurak, Tek vatan.

وأصبح شعار “أخوة الشعوب” محظورًا، ويعني الانضمام إلى منظمة إرهابية، واعتقال ومقاضاة من يقوله.

  • على هذا النحو سابق الإيضاح، لا تقبل الدولة القومية التركية بوجود “أخوة”، وخشى مؤسسو الدولة من عُقدة تقسيم سيفر 1920. أي حديث عن شعوب، يُعيد صدمة 1920. ولذا، آثرت الدولة إستراتيجية “الصهر” أو الحرب ضد الفيدرالية. ومن يرفع شعار أخوة الشعوب، يُعلن الحرب ضد الدولة. ولا ينسجم الحمض النووي للجمهورية التركية مع أخوة الشعوب.
  • وبنظرة طائر بانورامية على شبكة أخوة الشعوب في تجارب خمسة قرون ماضية، نلاحظ الآتي:
  • الأتراك:
  • لهم اليد العليا والطولى ورأس الحكم في نظام الملل العثماني، والأخ الكبير المتفضَّل في العثمنة، والعنصر القائد في اتحاد العناصر، والمالك الوحيد في الجمهورية والباقي مستأجرين. والحصاد: إبادة الأرمن والأكراد والعرب. ورفع الأتراك شعار: إما نكون أسيادًا أو جناة. وفي جميع مشروعات الأخوة، رأي الأتراك أنفسهم “فوق” الجميع، وتحولت الأخوة إلى إبادة ومقابر.
  • الأكــراد:
  • حجر الزاوية في كل مشروعات الأخوة العثمانية والتركية. كل الأطراف وظفتهم وجندتهم، وعندما فشلوا، اتهموهم بالخيانة.
  • كان الأكراد الطُعم والضحية دائمًا.

3 – العــرب:

  • الشريك المنسي والأغلبية الصامتة والخونة عندما طالبوا بحقوقهم.
  • الفُـــرس:
    • روافض مجوس وعدو ديني وجودي في نظام الملل، متخلفون في العثمنة، إخوة آريون في النظام الطوراني، جيران نُحارب الأكراد معًا في الجمهورية.
    • تركيا وإيران إخوة فقط ضد الأكراد والعرب. ولا يُمكن أن يكون الجميع إخوة.
    • هكذا، ارتبطت مشروعات الأخوة بضعف الدولة. وعندما تقوى الدولة، تدوس على الأخوة. وبقيام الحروب، تُلغى الأخُوة. وكانت الأخوة زمن الإمبراطورية العثمانية لإنقاذها، وفي زمن الجمهورية التركية لدفن العثمانية. وأسس الأتراك العثمانيون قاعدة أن أخوة الشعوب تعني تضحية الأكراد بذبح أعداء الأتراك، وأسس الأتراك القوميون قاعدة الأخوة تعني أن تصير تركيًا. وعندما طالب الأكراد بحقوقهم تحولوا إلى خونة وأعداء الدولة. وتحولت الأخوة إلى إرهاب.
  • هذا هو حصاد تجارب خمسة قرون لخلق أخوة شعوب في بؤرة الشرق الأوسط. والسؤال: ما المخرج؟ وما هو الحل؟

5- الطريق إلى أمة ديمـقـراطيــة

  • بادئ ذي بدء، يجب الإقرار بأن أخوة الشعوب “فريضة دينية”، ولكنها تحولت إلى شعار سياسي، استخدمه كل دين، وخانته كل دولة.
  • رغم وجود نصوص “أخوة شاملة” في كتب الأديان السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن، فقد اتسم التطبيق بـ “أخوة ضيقة”. ويُعد هذا التناقض السبب المحوري للدم في الشرق الأوسط. واقتصر التفسير اليهودي على اليهود فقط دون الأغيار، وتركز المفهوم المسيحي على الطائفة فقط، واقتصر التفسير الإسلامي على أهل السُنة والجماعة فقط.
  • وقد استخدمت الدولة العثمانية “أخوة الإيمان” الإسلامي السُني ضد الأعداء الشيعة والمسيحيين. وبذا، تعني الأخوة الولاء السياسي للسلطة الحاكمة. ومن خرج عن بيت الطاعة السُني، يُهدر دمه. وفي المقابل، رفع الفرس “أخوة أهل البيت” بمثابة سلاح ضد السُنة. وبين الهلالين السُني والشيعي، صار وضع أهل الذمة معضلة في أخوة الشعوب قياسًا إلى قاعدة فقهية سُنية: مَنْ لم يكن من أهل ملتنا، فليس أخًا لنا في الدين (ابن تيمية).
  • وعندما انهارت “أخوة الإيمان” في توحيد الشعوب، حدث فراغ روحي شغله صعود القوميات المتطرفة (الكمالية، البعث العربي). والحصاد: مذابح وتهجير قسري وتطهير عرقي.
  • وفي الوقت الراهن، ثمة صراع بين الإسلاميين والعلمانيين بخصوص أخوية الشعوب. يرى الإخوان وحماس وحزب الله الأخوة لأهل القبلة فقط. ويعتبرون أهل الذمة “مواطنين” وليسوا “إخوة”. ويرى العلمانيون أخوة المواطنة بلا دين، وتبقى الدولة سُنية أو علوية سرًا. وبذلك، فالأخوة بلا قداسة تعني عقدًا اجتماعيًا هشًا. والحصاد: صهر ومذابح.
  • في الواقع، تستلزم وحدانية الله وحدة الشعوب. واختزال الدين، كل الأديان، في مذهب، والقومية في دولة يُمزق الإيمان والشعب معًا وفقًا لأوجلان.
  • أثبتت الخبرات التاريخية أن كل أخوة مشروطة ومن أعلى، ماتت. ويجب أن تُبني الأخوة من أسفل. والأخوة التي تحتاج إلى دولة تحميها، تموت مع زوال الدولة. والأخوة الناتجة عن عدو، تموت مع سقوط العدو. لذلك، يجب بناء أخوة شعوب على رباعي أعمدة بدون مساومات.
  • الاعتراف المتبادل، وليس تسامح، يُقره دستور، وتكون الأعراق شعوب مؤسِسَّة في الحقوق والتاريخ والجغرافيا.
  • اللامركزية الجذرية لأن الدولة القومية قتلت كل مشروع أخوة.
  • العدالة الانتقالية وتوبة علنية، فلا تُقام أخوة على جثث.
  • قداسة الحياة ويكون السلاح في أياد المجتمع لأن جيوش الدولة قامت بإبادات الشرق الأوسط.
  • وفي هذا السياق، نتطلع إلى خريطة أخوة شعوب بعيدًا عن تقسيم الخرائط وحدود الدم والتركيز على توزيع الصلاحيات. وتطبيق سياسات التعاونيات الاقتصادية حتى لا تكون هناك حروب بسبب النفط والغاز والموارد. ودينيًا، الله واحد، لكنه خلق شعوبًا وقبائل عديدة. ولذا، يجب على هؤلاء الشعوب أن يتعارفوا على حب الله وفي الله. ويجب أن نتخلص من عُقدة سيفر 1920 ومظلومية الضحايا (الأرمن) وصراعات النفط والمياه.
  • ولإحراز أخوة شعوب صحية وفطرية ومستدامة، لابد من مراعاة سُباعية وصايا حتى لا تموت هذه الأخوة كسابقاتها:
  • لا تطلب من الآخر أن ينسى، بل يُسامح بعد العدالة.
  • لا تبني أخوة على فزاعات العدو الإسرائيلي أو الأمريكي أو الإيراني لأن العدو هو الاستبداد.
  • اللغة مقدسة، وكل طفل يجب أن يتعلم لغته الأمن ولغة جاره.
  • الأرض ليست ملكًا للدولة، بل ملكًا لأهلها، فلا مصادرة، ولا تهجير، ولا استيطان.
  • لا تخلط العلاقة مع الله ومع الشعوب، فالعلاقة مع الله رأسية، والعلاقة مع الناس أفقية.
  • تسليح الأمهات، لأنهن إذا قُلن “كفى “حرباً، وقف القتال.
  • البكاء المشترك قبل كتابة الدستور الجديد في أيام 24 أبريل عند مقابر الأرمن، وفي 4 مايو عند ضريح ديرسيم و16 مارس في حلبجة.
  • وفي أخوة الشعوب على هذه القواعد، لم تعد الأخوة منحة من السلطة، بل حق يُولد مع الإنسان. ولم تُعد المساواة حبرًا على ورق، بل صارت السلطة والأسلحة في أياد المجتمع. ولم يعد النسيان شرطًا، بل التذَّكُر شرطًا. ولم تعد هناك لغة واحدة مقدسة، بل كل اللغات مقدسة. ولم يعد العدو الخارجي يُوحدنا، بل العدل الداخلي يُوحدنا.
  • لاريب أننا جميعًا نُمثل أحفاد الجناة والضحايا. ويجب أن نتحد معًا على عدم توريث أبنائنا وأحفادنا “ثأرًا دمويًا” أو علمًا أُحاديًا أو قبرًا جماعيًا جديدًا. والتاريخ شاهد، والشعوب أقوى من جلاديها وأطول عمرًا منهم. ونحلم بأمة ديمقراطية، فلا عثمنة، ولا تتريك وتعريب وتفريس.
  • مصــادر الــدراســـة:
  • أحمد عبد الرحيم مصطفى: في أصول التاريخ العثماني، الطبعة الثالثة، دار الشروق، القاهرة، 1998.
  • أحمد محمد أحمد: أكراد الدولة العثمانية 1880-1923، أربيل، 2009
  • أحمد محمود الخليل: الشخصية الكوردية، أربيل.
  • جلال طالباني: كردستان والحركة القومية الكردية، الطبعة الثالثة، السليمانية، 2022.
  • س س جافان: كردستان، أمة مقسمة في الشرق الأوسط، 1963.
  • سليم قيعين: الدستور والأحرار، المطبعة العمومية، القاهرة، 1908.
  • عبد الرحمن قاسملو: كردستان والأكراد، دراسة سياسية واقتصادية، بيروت، 1970.
  • محمد فريد: تاريخ الدولة العلية العثمانية، الطبعة الثانية، مكتبة الآداب، القاهرة، 2009.
  • محمد رفعت الإمام: القضية الأرمنية في الدولة العثمانية 1878-1923، القاهرة، 2000.
  • محمد رفعت الإمام: الأرمن والغرب والإسلام، القاهرة، 2008.
  • محمد رفعت الإمام: مئوية ثورة الشيخ سعيد بيران، مركز آتون للدراسات، القاهرة، 2025.
  • محمد رفعت الإمام: الجبل الكردي: نضالات الهوية ما قبل الإبادة، صراعات الأمرا – المشايخ والشهات والسلاطين 1514-1914، المحروسة، القاهرة، 2026.
  • Lewis, Bernard. The Emergence of Modern Turkey, London, 1988.
  • Soane, E, B: To Mersopotamia and Kurdistan, London, Shaw: History of Othoman Empire and Modern Turkey, 2 vols, London, 1988.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

الحلف في الزمن العاصف .. الناتو من الصعود للعجز

تحليل: د. أحمد محمد إنبيوه عادة ما تكون الانقطاعات الكبرى في تاريخ الإنسانية فترة مواتية لإعادة التأويل الراديكالي لبعض الثوابت.

Read More...

الانبهار بوصفه رؤية شعرية: قراءة أدبية وفلسفية في ديوان «انبهارات» للشاعر شيركو بيكه س

تحليل: د. عزة محمود الشريف مقدمة يُعد شيركو بيكه س (1940- 2013م) أحد أبرز رواد الشعر الكُردي الحديث، وأحد أهم المجددين

Read More...

من التوعية إلى الترند: كيف أعادت الخوارزميات تشكيل أولويات الإعلام العربي؟

تحليل: أ.د. سوزان القليني لم يعد المشهد الإعلامي العربي اليوم كما كان قبل سنوات قليلة فالإعلام الذي ارتبط طويلا بوظائف

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل