متابعات

تأثير التحالف الهندي ـ الإسرائيلي على الشرق الأوسط وآسيا

تحليل فتحي محمود ..
تشكل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الحالية إلى إسرائيل نقطة تحول جديدة، تتضمن اتفاقيات ملموسة وتعاون أعمق في الأشهر والسنوات القادمة، فالعلاقات الإسرائيلية-الهندية، التي بدأت دبلوماسياً عام 1992 ثم ازدهرت تحت قيادة مودي-نتنياهو، أصبحت نموذجاً لشراكة استراتيجية مبنية على الثقة المتبادلة، الابتكار، والمصالح المشتركة، مما يجعل الهند وإسرائيل شريكين أساسيين في خريطة التحالفات الدولية المستقبلية.

هذه الزيارة ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل خطوة عملية نحو “شراكة استراتيجية شاملة” جديدة، تجعل الهند لاعباً مركزياً جديداً في الشرق الأوسط، يُسرّع عملية ربط آسيا بالشرق الأوسط، ويدعم الهند في إعادة تشكيل التوازنات في آسيا، لكنه يختبر قدرة الدول العربية على التوازن بين مصالحها الاقتصادية مع الهند وموقفها من القضية الفلسطينية.

وتعد هذه الزيارة هي الثانية لمودي إلى إسرائيل (بعد زيارته التاريخية الأولى عام 2017)، بدعوة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وسط حفاوة كبيرة، مع مراسم ترحيب رسمية وحضن دافئ يعكس الصداقة الشخصية القوية بين الرجلين، وأوضحت أن التعاون الدفاعي والتجاري هوعمود الشراكة بين البلدين، حيث أصبحت إسرائيل أحد أكبر موردي الأسلحة للهند (ثاني أكبر مورد بعد فرنسا)، فقد اشترت الهند أسلحة إسرائيلية بقيمة عشرات المليارات من الدولارات في السنوات الأخيرة، بما في ذلك أنظمة دفاع جوي، صواريخ، طائرات بدون طيار، وأنظمة رادار. 

الهند تحافظ على سياسة “توازن” تقليدية: تدعم حل الدولتين وعلاقات قوية مع الدول العربية والخليجية (شريكها التجاري الأكبر) وإيران، لكنها تحت حكم مودي رفعت مستوى العلاقات مع إسرائيل علناً وبشكل استراتيجي، وقد أظهرت الزيارة أولوية “المصالح الوطنية” (الدفاع، التكنولوجيا، الطاقة، الأمن) على الاعتبارات السياسية الداخلية، رغم انتقادات المعارضة الهندية التي ترى فيها “تخلياً عن القضية الفلسطينية”.

وفى خطابه أمام الكنيست أكد مودي على أن العلاقات حيوية وموثوقة في مجالي التجارة والأمن، ودعا إلى “تعزيزها أكثر” في مجالات الذكاء الاصطناعي، الحوسبة، الدفاع، والابتكار، لكن اللافت للنظر أنه أدان الإرهاب بشدة قائلاً: “الإرهاب في أي مكان يهدد السلام في كل مكان”، وأعرب عن تضامن الهند الكامل مع إسرائيل بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، مع سياسة “صفر تسامح” بدون معايير مزدوجة.

وبذلك مثلت الزيارة ترقية نوعية للشراكة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992، وعكست التقارب الشخصي بين مودي ونتنياهو، والتحول الاستراتيجي في السياسة الخارجية الهندية نحو التركيز على المصالح الأمنية والتكنولوجية، فالهند بحاجة لتكنولوجيا دفاعية متقدمة، وطموح إسرائيل لأسواق كبيرة مثل الهند (1.4 مليار نسمة)، بالإضافة إلى مواجهة تحديات مشتركة مثل الإرهاب والابتكار في عالم غير مستقر.

ويعد اتفاق التجارة الحرة  بين الهند وإسرائيل من أهم التطورات الاقتصادية في العلاقات الثنائية، وتسعى المفاوضات إلى اتفاق طموح يُلغي أو يخفض الرسوم الجمركية بشكل كبير، ويُقلل الحواجز غير الجمركية، ويُعزز الوصول إلى الأسواق في قطاعات متعددة، ويأتي بعد توقيع اتفاقية الاستثمار الثنائية في سبتمبر 2025، ويُمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الشراكة الاقتصادية، ويبلغ حجم التجارة الثنائية حاليا حوالي 3.62 مليار دولار فقط (صادرات هندية ~2.14 مليار، واردات ~1.48 مليار)، وهي منخفضة نسبياً مقارنة بالإمكانيات،  ويُتوقع أن يرفعها الاتفاق بشكل كبير (بعض التقديرات تشير إلى مضاعفة أو أكثر في السنوات القادمة) من خلال توفير اليقين والتنبؤ للأعمال، بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة ، والاستفادة من التكامل الاقتصادى فالهند تمتلك سوقاً هائلاً (1.4 مليار نسمة) وإنتاجاً رخيصاً في الصناعات، بينما إسرائيل “قوة ابتكار” في التكنولوجيا المتقدمة، والاتفاق يُفتح أبواباً لتبادل الخبرات والمنتجات دون عوائق، و يساعد الهند في تنويع شركائها التجاريين بعيداً عن الاعتماد على الصين أو الغرب، ويُعزز إسرائيل نفاذها إلى أسواق آسيا الكبرى.

الشرق الأوسط

ينعكس التحالف الهندي-الإسرائيلي على أوضاع الشرق الأوسط بطريقة مزدوجة: تعزيز للشراكات الاستراتيجية والاقتصادية في بعض الجوانب، مع زيادة التوترات والانقسامات في جوانب أخرى، ويندرج التحالف ضمن رؤية نتنياهو لـ”سداسي التحالفات” الذي يضع الهند في قلبه إلى جانب اليونان وقبرص ودول عربية/أفريقية/آسيوية غير محددة، لمواجهة “المحور الشيعي الراديكالي” (إيران وحلفاؤها) و”المحور السني الراديكالي الناشئ” (السعودية وتركيا وقطر ومصر وباكستان حسب وصفه)، أي أنها محاولة لإعادة رسم توازنات المنطقة، في الوقت نفسه يعتبر الخبراء إطار I2U2 (الهند + إسرائيل + الإمارات + الولايات المتحدة) نموذجاً ناجحاً للتعاون العملي في الذكاء الاصطناعي والمياه والزراعة والطاقة، ويُوسع الشراكة إلى دول عربية (الإمارات) دون الدخول في الصراعات السياسية، وهذا يُعزز الاستقرار الاقتصادي ويفتح أبواباً لاستثمارات هندية ضخمة في المنطقة،

إلى جانب مشروع IMEC (الممر الاقتصادي) الذى يربط الهند بإسرائيل عبر الخليج والأردن، مما يُحتمل أن يُسرّع التكامل الاقتصادي بين إسرائيل ودول عربية، رغم تعثره بسبب غزة.

ومن جانب آخر تحولت الهند تحت حكم مودي، من دعم تقليدي قوي لفلسطين (حل الدولتين) إلى “واقعية استراتيجية” تفضل التكنولوجيا والدفاع الإسرائيلي، مع تقليل الانتقادات لإسرائيل في غزة، وحتى الآن لا يوجد أي رد فعل عربى على التحالف الهندى الإسرائيلي، بل تعاون مستمر من جانب دول الخليج عبر I2U2 واتفاقيات استراتيجية حديثة مع الهند، لأن الدول الخليجية ترى في الهند شريكاً اقتصادياً لا غنى عنه، والهند تتبع سياسة “توازن استراتيجي” ناجحة نسبياً، حيث تعزز الشراكة مع إسرائيل في الدفاع والتكنولوجيا دون قطع أو تدهور كبير في علاقاتها مع الدول العربية، بل في بعض الحالات تتعزز تلك العلاقات بالتوازي.

الإمارات وقّعت في يناير 2026 اتفاقيات دفاعية وتجارية كبيرة مع الهند (بما في ذلك صفقة غاز طبيعي مسال بـ3 مليارات دولار)، وهي جزء من إطار I2U2 (الهند + إسرائيل + الإمارات + الولايات المتحدة)، الذي يُرى كمنصة تعاون اقتصادي مشتركة تجمع إسرائيل مع دول عربية.

والسعودية علاقاتها مع الهند قوية جداً (طاقة، عمالة، استثمارات)، والهند بدأت مفاوضات اتفاق تجارة حرة مع مجلس التعاون الخليجي، مع حجم تجارة يتجاوز 178 مليار دولار سنوياً.

لكن بعض الدول العربية الأخرى لديها قلق غير معلن من أي “محور هندي-إسرائيلي” يتجاهل القضية الفلسطينية، رغم أن الهند وقّعت قبل الزيارة بياناً مشتركاً مع 100 دولة يدين التوسع الإسرائيلي في الضفة، في إشارة توازن واضحة، في منطقة مشتعلة تحاول فيها الهند الإبحار وسط التوترات، فهي لا تختار معسكراً بل تُوسع خياراتها: دفاع وتكنولوجيا مع إسرائيل، طاقة وعمالة مع الخليج، موانئ مع إيران (تشابهار)، والنتيجة دفع للتكامل الاقتصادي والتكنولوجي  مع العرب وإسرائيل يمكن أن يُخفف التوترات طويل الأمد، لكنه ُيعمق الانقسامات الأمنية (خاصة مع إيران) ويُضعف الموقف الفلسطيني.

انقسامات في آسيا

تداعيات التحالف الهندي-الإسرائيلي على أوضاع قارة آسيا كبيرة ومتعددة الأبعاد، وسط إعلان بنيامين نتنياهو عن “سداسي التحالفات” الذي يضع الهند في قلبه، يُعزز هذا التحالف – الذي يركز على الدفاع والتكنولوجيا والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي – دور الهند كلاعب مركزي في إعادة رسم توازنات آسيا، لكنه يُعمق الانقسامات الجيوسياسية بين معسكر “الهند-إسرائيل-الولايات المتحدة” مقابل محور “الصين-باكستان-إيران-تركيا”، والنتيجة: توازن قوى جديد يُسرّع “الآسيوية” للمنطقة مع مخاطر سباق تسلح وتوترات إقليمية.

ويُعزز التحالف قدرات الهند العسكرية بشكل كبير ضد باكستان، حيث تستخدم الهند تقنيات إسرائيلية (طائرات بدون طيار، صواريخ، أنظمة دفاع جوي) في الصراع الجوي عام 2025 (عملية “سندور”)، وباكستان تُصنف ضمن “المحور السني الراديكالي الناشئ” في رؤية نتنياهو (مع تركيا والسعودية)، ولذلك فإن مجلس الشيوخ الباكستاني أصدر قراراً يدين “سداسي التحالفات” كتهديد للاستقرار الإقليمي، ويدفع ذلك الدبلوماسية الباكستانية نحو تعزيز التحالف مع الصين وتركيا وإيران، وتزيد التوترات في كشمير، وإعادة تشكيل التوازن الأمني في جنوب آسيا لصالح الهند.

كما يُضعف التحالف الهندى مع إسرائيل العلاقات الهندية-الإيرانية، وقد أوقفت الهند واردات النفط الإيراني، وصادرت ناقلات نفط مرتبطة بإيران، وسحبت جزئياً من ميناء تشابهار بضغط أمريكي، وإيران ترى هذا التحالف جزءاً من حصار أمريكي-إسرائيلي-هندي.

ويُقدم التحالف بديلاً استراتيجياً لـ”الحزام والطريق” الصيني، عبر التعاون بين قدرات التصنيع الهندية والتكنولوجيا الإسرائيلية، مما يُقلل الاعتماد على الصين، ولهذا ترى فيه الصين حصاراً محتملاً يمتد من المحيط الهندي إلى غرب آسيا، خاصة مع ربط “سداسي التحالفات” بـQuad (الهند-أمريكا-اليابان-أستراليا).

كما ان جنوب شرق آسيا (فيتنام، الفلبين، إندونيسيا) يمكن ان يكون لديه فرص اقتصادية ودفاعية للهند وإسرائيل ضد النفوذ الصيني، لكن دولاً إسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا قد تشعر بتوتر بسبب الموقف من القضية الفلسطينية.

سداسي التحالفات

خطة إسرائيل للدخول في تحالفات جديدة هي “سداسي التحالفات” ، وهي رؤية استراتيجية أعلنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسمياً في 22 فبراير 2026 خلال اجتماع الحكومة، وارتبطت مباشرة بزيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، هذه الخطة ليست تحالفاً عسكرياً رسمياً مثل الناتو، بل منظومة تعاونية سداسية (ستة أضلاع) غير رسمية تركز على التنسيق في مجالات الأمن والاقتصاد والدبلوماسية، مع إسرائيل في المركز، وإعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية لإسرائيل في ظل عزلتها النسبية بعد حرب غزة.

مكونات “سداسي التحالفات” (الأضلاع الستة الرئيسية) التي وصفها نتنياهو بـ”منظومة كاملة أشبه بسداسي تحالفات حول الشرق الأوسط أو داخله”، تضم: إسرائيل (المركز)، والهند (الضلع الآسيوي الكبير)، واليونان وقبرص (دول البحر المتوسط )، ودول عربية (غير محددة)، ودول أفريقية (غير محددة، لكن زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هيرتسوج إلى إثيوبيا في 25 فبراير 2026 تشير إلى إمكانية انضمامها)، ودول آسيوية أخرى.

وقد حدد نتنياهو حدد الهدف بوضوح: “إنشاء محور دول ترى العالم بنفس الطريقة، وتواجه التحديات والأهداف المشتركة ضد المحاور الراديكالية: المحور الشيعي الراديكالي (الذي ضربناه بقوة)، والمحور السني الراديكالي الناشئ.”، من خلال تعزيز التعاون في الاستخبارات والأمن والدفاع، الابتكار (ذكاء اصطناعي، حوسبة كمومية)، الاقتصاد والاتصالية والبنية التحتية، وإثبات أن إسرائيل “ليست معزولة” رغم الضغوط الدولية، وبديل عن التطبيع مع السعودية المتعثر بسبب غزة، وتعزيز صورة نتنياهو كـ”رجل الدولة” قبل الانتخابات الإسرائيلية، وتحويل إسرائيل إلى معبر لوجستي بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.

الخلاصة: خطة “سداسي التحالفات” هي محاولة نتنياهو لتحويل إسرائيل من دولة محاصرة إلى مركز تحالفات آسيوية-متوسطية-أفريقية، بهدف مواجهة إيران والقوى الإسلامية الراديكالية، مع التركيز الأكبر على الهند كـ”نجمة” التحالف، والنتائج الملموسة ستظهر في الأشهر القادمة من خلال اتفاقيات الدفاع والتجارة، لكن النجاح يعتمد على قدرة إسرائيل على جذب دول عربية وأفريقية دون إثارة غضب الشارع الإسلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى