تحليل: د. عزة محمود
في الجغرافيا التي أنهكتها كثرة الدم، تُولد أحيانًا رموز لا تحمل السلاح، لكنها تهزم العنف بصبرٍ عجيب، وفي جنوب شرق تركيا “شمال كُردستان” وتحديدًا بالمناطق ذات الغالبية الكُردية؛ حيث تشابكت الجبال مع الحكايات القديمة؛ وحيث صار الحزن جزءً من الملامح اليومية، خرجت نساء كُرديات بثياب بسيطة وقلوب مُثقلة بالفقد، لكنهن حملن شيئًا أكثر خطورة من البنادق؛ ألا وهي “الذاكرة”.
هؤلاء هنّ “أمهات السلام الكُرديات”، النساء اللواتي وقفن في وجه النسيان، لا بوصفهن ناشطات سياسيات فحسب؛ بل بوصفهن ضميرًا أخلاقيًا لشعبٍ خاض معركة طويلة من أجل أن يُعترف بلغته، واسمه، وثقافته، وحقه في أن يكون مختلفًا دون أن يُعاقب على اختلافه.
ويمكننا القول من موقع الرؤية الحدثية للموقف أن “حركة أمهات السلام” تبدو كـ تجربة إنسانية شديدة الخصوصية داخل المشهد الشرق أوسطي، لأنها لم تنشأ من رحم الأيديولوجيا التقليدية؛ بقدر ما خرجت من عُمق مأساة اجتماعية عاشها المجتمع الكُردي لعقودٍ طويلة. فهذه الحركة ليست مجرد إطار احتجاجي نسوي، بل تنظيم مجتمعي أخلاقي استطاع أن يحوّل الألم الفردي إلى مشروع جماعي للدفاع عن السلام والهُوية والعيش المشترك.
كيف تشكلت حركة أمهات السلام الكُرديات:
تشكلت الحركة تحديدًا في عام 1995م، ثم امتد نشاطها للمناطق الكردية الأخرى في سوريا مثلاً، خلال سنوات الصراع العنيف بين الدولة التركية والحركة الكُردية المسلحة؛ حيث انطلقت من تجمعات الأمهات الكُرديات اللاتي وجدن أنفسهن أمام واقع الفقد اليومي لأبنائهن بين قتيل، ومفقود، ومعتقل، ومُهجّر، ومن هنا تشكل وعيهن الجمعي بأن استمرار الحرب يعني تدمير النسيج الاجتماعي بأكمله، لذلك تمحور الهدف الرئيس للحركة حول إنهاء العنف والحروب، وإسكات لغة السلاح، والدفاع عن المعتقلين في القضية الكُردية بتنظيم المسيرات السلمية، وتوثيق قصص المعاناة في السجون، ورفع الأصوات سلميًا للمطالبة بالحرية والعدالة.
وقد تشكلت النواة الأولى للحركة في عدة مدن كُردية؛ كـ ديار بكر”آمد”، وان، وماردين؛ واسطنبول؛ حيث كانت العائلات الكُردية تحت تأثير العمليات العسكرية وحالات الطوارئ.
ومع اتساع دائرة العنف خلال التسعينيات – كما أشرنا آنفًا – بدأت الحركة في اتخاذ طابعًا أكثر تنظيمًا، بوصفها حركة نسوية تدعو لإنهاء الصراع عبر الحلول السياسية والحوار الديمقراطي، بدلًا من المواجهة المسلحة، استنادًا لرمزية الأمومة وهذا الأمر هو الذي دفع بالكثير من الأمهات التركيات للانضمام للحركة إيمانًا منهن بصدق القضية الأمومية الأخلاقية.
وتشير التقارير والعديد من الفعاليات المجتمعية والصحف الكردية، أن حركة أمهات السلام منذ تأسيسها عام 1995م وحتى اليوم قامت بحوالي 920 فعالية مجتمعية مدنية، والعديد من الحملات الواسعة للمطالبة بالسلام وحقوق الإنسان على مدار ثلاثة عقود تقريبًا، وخاصةً بعد أن تحولت من مبادرة إلى جمعية في عام 1999م ، كما استطاعت التنسيق مع العديد من منظمات المجتمع المدني الكُردية والتركية، خاصةً في الفترات التي شهدت مبادرات للحوار بين تركيا والكُرد، وقد ازدادت فاعلية الحركة خلال مرحلة “عملية السلام” بين عامي 2013م و2015م؛ حيث لعبت الأمهات دورًا فاعلًا في دعم خطاب السلام ومنع عودة الحرب، وذلك من خلال الاعتصامات السلمية، المسيرات الجماهيرية، المؤتمرات النسوية والحقوقية، البيانات الصحفية، حملات التضامن، زيارات السجون وعائلات المفقودين، مبادرات السلام والحوار الديمقراطي، فعاليات يوم المرأة العالمي، ويوم السلام العالمي….وغيرها ولعل ما يميز هذه الأمهات -أيضاً- هو ذلك الحجاب الأبيض الذي يرتدينه، والذي يشير إلى السلام، والنور، والهدوء المتصالح، والأمل في الحياة.
موقف تركيا من حركة أمهات السلام:
إن موقف تركيا من حركة أمهات السلام الكُرديات لا يختلف عن موقفها من كل ما يرتبط بالقضية الكُردية ذاتها، فلطالما كان موقفها متأرجحًا بين الاعتراف والاختلاف، وذلك بسبب ارتباط القضية الكُردية لديها بملف أمني وسياسي شديد الحساسية، لذلك نجد من المنظور الرسمي أنها لا تعترف بالحركة كتنظيم سياسي مستقل، بينما تتعامل معها في إطار النشاط الاجتماعي السلمي، كما أنها تنظر بحذر شديد لأي حركة تنشط في فضاء الصراع الكُردي – التركي، ولذلك تقف دائما موقف المنح أو المنع خاصة في فترات التوتر الأمني.
ولكن رغم ما تبديه تركيا من محاولات الإقناع بأنها ليست ضد الحركة النسوية، إلا أن محاولات الحداثة القومية الصلبة في المنطقة أن تصنع شعوبًا متشابهة، متجانسة، تتكلم اللغة نفسها وتردد الرواية نفسها، هذا من وجهة النظر الحيادية يُعد هو السبب الذي دفع بأمهات السلام أن يقفن ضد هذا التصور الأحادي للإنسان؛ فالهُويات ليست خطرًا حين يُعترف بها؛ بل تصبح خطرًا حين تُقمع، والقمع لا يصنع الوحدة؛ إنه يصنع جروحًا مؤجلة.
ويتضح للجميع أن المرأة والأم الكُردية قد أيقنت أن الدفاع عن الهُوية لا يعني كراهية الآخر؛ بل يعني رفض الذوبان القسري؛ فالهُوية الحقيقية لا تُبنى على إنكار الآخرين، وإنما على الاعتراف بالنفس. ولهذا لم تكن “أمهات السلام” يدعين إلى حرب إثنية، ولكن كانت دعوتهن إلى عدالة ثقافية وإنسانية؛ حيث يستطيع الكًردي أن يتكلم لغته دون خوف، ودون أن يُتهم، وأن يسمّي أبناءه بأسماء أجداده دون أن يشعر بأنه يرتكب جريمة.
في العُمق، نرى أن قضية أمهات السلام تقودنا لأن نطرح سؤالًا فلسفيًا عن معنى الإنسان نفسه، هل يحق للدولة أن تُعيد تشكيل ذاكرة الشعوب وفق نموذج واحد؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش بلا جذور لُغوية وثقافية؟ إن اقتلاع الهُوية يُشبه اقتلاع شجرة من تربتها، ثم انتظارها أن تزهر في الهواء، ولكن.. هيهات.
لكن المُدهش أن الأمهات لم يحملن خطابًا انتقاميًا رغم كل هذا الفقد والقهر، وهذا ما منح حركتهن بُعدًا أخلاقيًا استثنائيًا من وجهة نظر الجميع؛ فالأم التي فقدت ابنها كانت تستطيع أن تُطالب بالمزيد من الدم، لكنها اختارت أن تطالب بالمزيد من الحياة. هنا تحديدًا تتجلى عبقرية الأمومة؛ إنها القوة الوحيدة القادرة على تحويل الألم إلى معنى.
ومن خلال ما نلمسه من معاناة أمهات السلام نتساءل كيف يمكن إرضاءهن؛ فالأمر لا يُمكن أن يُفهم بوصفه مسألة رمزية أو تعاطف مع القضية فحسب؛ بل هو في جوهره مرتبط بالعديد من المطالب الحقوقية والإنسانية المشروعة، والتي تمسّ جذور الصراع ذاته، فالأمهات لا يُطالبن بامتيازات بقدر ما يطالبن بمعالجة الأسباب التي صنعت الألم الذي عشنه لسنوات وسنوات، وإذا تمثلنا موقفهن فإن أهم ما يمكن المطالبة به هو الوقف الدائم للعنف، والضمان الحقيقي للعدالة، وإطلاق سراح المعتقلين، والاعتراف بالهُوية الكُردية، وفتح حوار سياسي شامل يضم كافة الأطراف، وخلاصة القول في ذلك؛ أن إرضاء أمهات السلام لا يتحقق بإجراء واحد، بل عبر مشروع شامل للسلام خاليًا من نوازع التجاهل والإنكاروالمصالح الفردية.
أهمية تنظيم أمهات السلام الكُرديات في مرحلة السلام والمجتمع الديمقراطي:
ثمة مفارقة عميقة في تجربة أمهات السلام؛ فهن نساء خرجن من قلب مجتمع شرقي تقليدي، لكنهن قدمن واحدة من أكثر الحركات الإنسانية حداثة في المنطقة، لم يحتجن إلى نظريات معقدة كي يفهمن حقوق الإنسان؛ فقد علّمتهن الأمومة ذلك بالفطرة، حين تبكي أم على ابنها، فإنها تتجاوز القوميات والأيديولوجيات كلها، وتصبح صوتًا إنسانيًا خالصًا.
لذلك تكمن أهمية تنظيم “أمهات السلام الكُرديات” في مرحلة السلام وبناء المجتمع الديمقراطي في كونه يمثل قوة أخلاقية ومجتمعية قادرة على تحويل ذاكرة الحروب المؤلمة إلى مشروع إنساني للحياة والتعايش المشترك، لأن رسالة أمهات السلام قامت على فكرة جوهرية تؤمن بأن الألم الإنساني مشترك، ولا يمكن بناء مستقبل مستقر بدون حوار متبادل.
ومن المتوقع أن أهمية التنظيم في مرحلة السلام تكمن في عدة نقاط من أهمها:
ترسيخ ثقافة السلام المجتمعي؛ حيث تبقى آثار الحروب حاضرة في الوعي الجمعي لسنوات طويلة، ومن ثم يحمل التنظيم على عاتقه ترميم الثقة بين جميع الأطراف.
إعادة بناء جسور التواصل داخل المجتمع، عبر خطاب إنساني يتجاوز لغة الحروب والصراعات ويتجاوز آثار الانقسام والكراهية.
تعزيز دور المرأة في المجال العام، وإفساح المجال لمشاركتها في صنع السلام، وكسر احتكار المجال السياسي، وتعزيز مفهوم المواطنة المتساوية.
دعم مفهوم المجتمع الديمقراطي، من خلال الاعتراف بالتعددية الثقافية، والقومية، والدينية، وحق الأمهات في الدفاع عن اللغة والهُوية الكُردية.
حماية الذاكرة الجماعية من التحول للكراهية، وذلك بمحاولة الأمهات لترسيخ الذاكرة الإنسانية التي تدعو لعدم تكرار المأساة، وتلك هي أسمى أهداف الحركة النسوية.
خلق مساحة للمجتمع المدني، كي يلعب دورًا حقيقيًا قي صناعة المستقبل؛ حيث تمثل الحركة صوتًا شعبيًا مستقلًا بعيدًا تمام البعد عن أي استقطاب حزبي.
معرفة مصير أبنائهن المفقودين من التسعينات ومع حالة حرب الدولة التركية ضد الشعب الكردي إلى اليوم.
وفي النهاية نقول: ربما لم تمتلك أمهات السلام الكُرديات سلطة سياسية، ولم يكن لديهن جيش أو ثروة أو إعلام ضخم، لكنهن امتلكن شيئًا أبقى من كل ذلك؛ ألا وهي “الشرعية الأخلاقية”، فحين تقف أم في وجه آلة الحرب، فإنها لا تدافع عن ابنها فقط، بل تدافع عن الفكرة الأكثر إنسانية في هذا العالم، “أن الحياة تستحق أن تُعاش بلا خوف” وأن الهُوية ليست تُهمة، وأن السلام ليس استسلامًا، بل انتصار الروح على الخراب.
لقد حاولت الحروب الطويلة أن تجعل المجتمع يتقبل الفقد كأمر يومي، لكن الأمهات رفضن ذلك، رفضن أن يتحول الغياب إلى رقم في نشرات الأخبار، كل ابن بالنسبة لهن كان عالمًا كاملًا، وكل مفقود كان تاريخًا صغيرًا انقطع فجأة؛ ولذلك كنّ يُرددن دائمًا – أن السلام ليس شعارًا سياسيًا – بل حق الأمهات الطبيعي في ألا يدفنَّ أبناءهن.
فحينما قالت ميسر أكداغ – إحدى عضوات تجمع أمهات السلام الكُرديات – “إن حماية السلام تعني حماية مستقبل حر ومتساوٍ والحفاظ على الحياة” لم تكن تطلق شعارًا سياسيًا عابرًا؛ بل كانت تختصر فلسفة أمهات عرفن أن الحرب تقتل معنى الغد في قلوب الشعوب، كما أن مطالبات الأمهات – واللاتي مثلتهن “هوري أكار” – ناشطة بحركة أمهات السلام (Bariş Anneleri) – في لقاءاتهن مع حزب الشعب الجمهوري، وحزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية – بفتح باب الحوار وإزالة العوائق أمام نداءهن للسلام، وتطبيق “حق الأمل” الذي نادى به القائد عبد الله أوجلان Abdulla öcalan لم يكن ذلك مطلبًا سياسيًا فحسب؛ بل خطوة أخلاقية وإنسانية في المقام الأول.
كما لم تكن كلمات ” نزهات تكه” – ناشطة كُردية عُرفت بدورها في الدفاع عن قضايا السلام والهُوية الكُردية في باكور كُردستان جنوب شرق تركيا – مجرد تصريح سياسي، بل صرخة أم تحمل بقلبها خرائط الألم الكُردي كله؛ فحديثها عن السلام نبع من قلب شعبٍ أنهكته المنافي والحروب، وحين أشارت لمبادرة القائد “أوجلان” بدا الأمر وكأنها تستدعي حلمًا قديمًا حاولت البنادق دفنه مرارًا، لكنه ظل ينبت من تحت الركام، كما أن حديثها عن انتفاضة “آمد” كان كنهرٍ من الأصوات تتدفق لتسعى للحرية.
وفي العُمق، كانت معركة أمهات السلام معركة ضد النسيان؛ فالسلطات قد تملك الإعلام، وقد تملك المؤسسات، لكن الأم تملك شيئًا أخطر؛ إنها الذاكرة العاطفية، والذاكرة العاطفية أكثر قوة من الخوف، لأنها تُورّث من جيل إلى جيل؛ لهذا ظلّت القضية الكُردية حيّة رغم عقود طويلة من الإنكار والقمع؛ لأن الأمهات كنّ ينقلن الحكاية إلى الأطفال كما يُنقل الماء في مواسم الجفاف. إن صورة الأم الكُردية وهي تقف في وجه العنف تختصر تناقض الشرق كله؛ منطقة تبحث عن السلام لكنها لا تجد طريقه، وتبحث عن الاعتراف لكنها تخشى الاختلاف؛ ولهذا تبدو أمهات السلام كأنهن يقدمن درسًا إنسانيًا يتجاوز القضية الكُردية ذاتها، لا يمكن بناء وطن مستقر على إنكار هُوية شعب، ولا يمكن تحقيق السلام عبر إسكات الذاكرة، لقد أثبت التاريخ أن الهُوية المقموعة لا تختفي، بل تتحول إلى جرح مفتوح، وكل جرح يُمنع من الكلام يتحول مع الزمن إلى غضب، أما الاعتراف، فهو بداية الشفاء الممكن؛ لذلك كانت الأمهات يُطالبن بالسلام لا بوصفه هدنة عسكرية فقط؛ بل باعتباره اعترافًا متبادلًا بالإنسانية والكرامة والحق في الاختلاف.
وهنا تبلغ القضية ذروتها الأخلاقية، أن تطالب أم مكلومة بالسلام بدل الانتقام، تلك لحظة نادرة من السمو الإنساني؛ لأن الإنسان حين يُجرح يميل غالبًا إلى الكراهية، لكن “أمهات السلام” حاولن تحويل الألم إلى قوة أخلاقية تدافع عن المستقبل لا عن الثأر.
ومن المنظور الإيجابي لتجربة “أمهات السلام الكُرديات” نستشف أن تلك التجربة تحمل دلالة أوسع تتجاوز الأبناء المفقودين والقضية الكُردية ذاتها؛ إذ تؤكد أن السلام المستدام لا يُبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية والعسكرية، بل عبر قُوى اجتماعية قادرة على معالجة الذاكرة بتحقيق العدالة وحماية الإنسان والتاريخ والكرامة، لذلك نرى ونلمس بوضوح أن الكيان الأمومي المتمثل في أمهات السلام قد تحول إلى فعل مقاومة مدنية، بل وقوة تاريخية تدافع عن المجتمع الديمقراطي في مواجهة العنف والانقسام.



