صراع الحوثي: هل تدخل المنطقة عصر الأحلاف الأمنية الجديدة؟

متابعات :
- تم تحديثه في

تحليل: الباحث/ محمد صابر

في السابع من أغسطس 2026 وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع، وهو اتفاق بُني على اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين الرياض وإسلام آباد الموقعة في سبتمبر 2025، وأُعلن اسمه المتداول “تحالف مكة الدفاعي” عقب اجتماع لكبار المسؤولين في إسطنبول في الحادي والثلاثين من أغسطس. وبعد أقل من شهرين، وفي الخامس من أكتوبر الجاري، أعلنت الدول الثلاث تفعيل “إجراءات الردع” والنشر السريع لقوات تركية وباكستانية في المملكة، في أول استخدام عملي للاتفاق، وذلك بعدما سيطر “الحوثي” في سبتمبر على ميناء المخا ومناطق قرب باب المندب، وأطلق هجمات على مطاري جازان ونجران ومنشآت نفطية، مع إنذارات امتدت إلى مكة وجدة والطائف، قبل أن تعلن الحكومة اليمنية المدعومة سعوديًا في الرابع والخامس من أكتوبر استعادة “المخا” ومواقع قرب المضيق، وهو ما تنفيه الجماعة.

بالتالي، باتت أزمة الحوثي والسعودية تجري داخل حرب إقليمية أوسع اندلعت في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران، وتعثرت فيها “مذكرة إسلام آباد” التي وُقعت في منتصف يونيو برعاية باكستانية وقطرية، إذ انهارت الهدنة خلال أسابيع وعاد تبادل الضربات بين واشنطن وطهران مطلع سبتمبر. وفي هذا المسرح تتقاطع حسابات السعودية وتركيا وباكستان ومصر وإسرائيل والولايات المتحدة وإيران والقرن الأفريقي وقناة السويس، بينما تتزايد تساؤلات دول الخليج حول جدوى الاعتماد على واشنطن وحدها ضامنًا للأمن.

وتأسيسًا على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى قراءة انتقال أمن البحر الأحمر من أزمة ملاحة إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن في الممر؛ وتحليل صعود التحالفات الإقليمية الجديدة وحدود قدرتها على تحويل النصوص إلى التزامات ميدانية، وموقع مصر وإسرائيل والقرن الأفريقي في خريطة الاستقطاب؛ واستشراف مستقبل باب المندب بين منطق الردع الإقليمي ومنطق التدويل؛ وصولًا إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة، تدور في سياق الاحتواء، أو حرب إقليمية محدودة، أو إعادة تشكيل أمني دائم.

إعادة تعريف الأمن:

بدأت أزمة البحر الأحمر باستهداف “الحوثي” للسفن في أكتوبر 2023، وتوقفت الهجمات مع بدء خطة غزة في العاشر من أكتوبر 2025، ثم استؤنفت ضد إسرائيل في 28 مارس 2026، وضد السعودية في 13 يوليو 2026 في سياق حرب إيران. وقد قام التعامل الدولي مع الأزمة منذ ديسمبر 2023 على عمليات متعددة الجنسيات مثل “حارس الازدهار” ثم “أسبيدس” الأوروبية، وعلى ضربات محدودة لمواقع الجماعة، أي على منطق تأمين الملاحة التجارية بوصفها المصلحة المشتركة. غير أن هذا المنطق يتراجع اليوم لصالح قراءة ترى في البحر الأحمر “متصلًا أمنيًا متكاملًا” يربط الخليج وباب المندب والقرن الأفريقي والمتوسط، بدل اعتباره ممرًا تجاريًا تحميه أساطيل خارجية.

ويفسر هذا التحول ما فرضته حرب إيران من وقائع؛ فمع تعطل مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب، صار البحر الأحمر، ولاسيما ميناء ينبع، المنفذ البديل لصادرات الطاقة السعودية، وبذلك انتقل تهديد “الحوثي” لباب المندب من تعطيل سلاسل التجارة العالمية إلى تهديد مباشر لشريان المملكة الاقتصادي. وتكتسب العملية البرية الحوثية في سبتمبر دلالتها من هذه النقطة، فقد سعت، بحسب التوصيفات المتداولة للأزمة، إلى السيطرة على المضيق ذاته، وهو انتقال من “إنكار الاستخدام” إلى محاولة التموضع الجغرافي الدائم. وعلى الجانب المصري، تراجعت إيرادات قناة السويس من نحو 10.25 مليار دولار عام 2023 إلى نحو 3.99 مليار دولار عام 2024، ما جعل أمن الممر مسألة تتصل بالاستقرار المالي لمصر وليس بالسيادة وحدها.

وفي الوقت ذاته تتجه الرياض إلى تنويع شركائها دون الاستغناء عن الشريك الأمريكي؛ فقد وافقت واشنطن في 16 يوليو الماضي على صفقات سلاح للمملكة بنحو ملياري دولار، وتعمل وحدات بريطانية من منظومة “سكاي سابر” داخل المملكة منذ بداية العام، وجاء اتفاق مكة ليضيف طبقة ثالثة قوامها شريكان مسلمان، أحدهما يملك أكبر جيش في حلف الناتو بعد الجيش الأمريكي، والآخر هو القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي. وهذا ما يصفه بعض المحللين بـ “التنويع دون الإحلال”، أي بناء شبكة ضمانات متراكبة بدل استبدال ضامن بآخر.

صعود التحالفات الإقليمية:

يقدم اتفاق مكة نموذجًا لتحالف يجمع بين رأس المال السعودي والصناعات العسكرية التركية والثقل البشري والنووي الباكستاني، فقد تلقت باكستان بعد توقيع اتفاقية سبتمبر 2025 دعمًا نقديًا سعوديًا بنحو ثلاثة مليارات دولار في أبريل 2026، فيما تتقدم مفاوضات مشاركة الرياض في برنامج المقاتلة التركية “قاآن”. ويضم التحالف نحو 1.4 مليون جندي عامل، ويتضمن إطارًا للتصنيع الدفاعي المشترك ونقل التكنولوجيا وتنسيق الاستخبارات إلى جانب بند الدفاع المتبادل. بيد أن قيمته الفعلية ما زالت موضع اختبار؛ ففي أغسطس، ومع بدء الهجمات الحوثية، لم تتحرك أنقرة وإسلام آباد، وأكد مسؤولون من البلدين لوكالة “أسوشيتد برس” إنهما لم يتلقيا طلبًا سعوديًا للدعم، ولم تساند باكستان الرياض في المرحلة الأولى من حرب إيران رغم اتفاقية سبتمبر 2025، وتراجع وزير دفاعها عن تصريح أولي بإتاحة القدرات النووية.

ثم جاء إعلان الخامس من أكتوبر ليغير الصورة جزئيًا، لكنه يحمل حدوده؛ فباكستان لا تعلن تفاصيل انتشارها، ويقول وزير دفاعها إن بلاده وتركيا تقدمان بالفعل دعمًا في “دور مساند” يشمل الاستطلاع، ولم يصدق البرلمان التركي على الاتفاق بعد. كما تحد من تماسك التحالف اختلاف خرائط التهديد بين أعضائه، والتنافس على زعامة العالم السني، وعلاقات أنقرة وإسلام آباد المعقدة مع طهران، إذ تؤدي الدولتان دور الوسيط في مسار الحرب مع إيران، وهو دور يصعب الاحتفاظ به إذا تحول التحالف إلى تكتل معادٍ لإيران صراحة.

وتبرز مصر بوصفها الغائب الحاضر في هذه المعادلة؛ فهي شريك في آلية رباعية غير رسمية تضم السعودية وتركيا وباكستان، لكنها بقيت خارج الاتفاق التأسيسي، وأعلن الرئيس التركي إن انضمامها “ممكن”. كما نقل موقع “ميدل إيست آي” عن مصادر سعودية أن الرياض لم تفضل انضمامها “في الوقت الحالي”، فيما أشار وزير الخارجية المصري إلى متطلبات دستورية، إذ تقيد المادة 152 من الدستور إرسال قوات إلى الخارج بمشاورة مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي مجلس النواب. وتضيف قراءات إسرائيلية وغربية عوامل أخرى، منها التعارض الظاهر بين بند الدفاع الجماعي ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ومعاهدة الدفاع المصرية مع الإمارات التي يستبعدها الحلف الجديد، وحرص القاهرة على الحفاظ على هامش الحركة بين المعسكرات.

وعلى الجانب المقابل تتشكل شبكة موازية في القرن الأفريقي؛ فبعد اعتراف إسرائيل بإقليم “أرض الصومال” في 26 ديسمبر 2025، تحدثت تقارير عن “محور بربرة” يضم إسرائيل والإمارات وإثيوبيا، يقابله “محور مقديشو” الذي يضم الصومال وتركيا ومصر والسعودية، وعززت أنقرة وجودها العسكري في الصومال بمقاتلات في مارس 2026. وتنظر تل أبيب إلى اتفاق مكة بقلق، إذ نقلت “يديعوت أحرونوت” عن مسؤول إسرائيلي وصفه بأنه موجه ضد إسرائيل ولن يفاجئه انضمام مصر إليه، بينما يوصي معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بتجنب معارضته علنًا حتى لا يزداد تماسكًا، مع مواصلة التقارب مع الرياض والحفاظ على قنوات مفتوحة مع أنقرة. ويكشف هذا الاصطفاف أن الأحلاف الجديدة تتشكل بوصفها شبكات متقاطعة ومتنافسة، لا كتلًا مغلقة تقابل بعضها بعضًا.

مستقبل باب المندب:

يتنازع مستقبل المضيق منطقان؛ الأول إقليمي يقوم على أن أمن الممر شأن الدول المشاطئة وحلفائها المباشرين، وهو ما تدافع عنه القاهرة حين تقصر ترتيبات أمن البحر الأحمر على الدول المطلة عليه، وما يترجمه اتفاق مكة عمليًا بنشر قوات حليفة في المملكة، ويدعمه الهجوم المضاد الذي أطلقته الحكومة اليمنية بإسناد جوي سعودي من الخامس من أكتوبر، وأعلنت فيه أن هدفه استعادة المناطق التي تسيطر عليها الجماعة وصولًا إلى صنعاء. أما الثاني فمنطق التدويل، الذي يرى المضيق ممرًا عالميًا تتشارك في حمايته أطراف عدة، وتتجسد ملامحه في اتساع الحضور الأجنبي من القواعد في جيبوتي إلى مساعي إسرائيل لتثبيت موطئ قدم في بربرة على بعد نحو 550 كيلومترًا من صنعاء.

وتزيد المعطيات الحالية من صعوبة الجمع بين المنطقين؛ فالانتشار التركي والباكستاني يجري داخل الأراضي السعودية لا في اليمن، ولا يعالج جوهر المشكلة على الساحل الغربي اليمني، فيما تنشغل الولايات المتحدة بحرب إيران وبتكلفة الطاقة قبيل انتخابات التجديد النصفي، ويفتح اعتماد الرياض على قوى متعددة الباب أمام تنافس هذه القوى في الممر نفسه، كما يظهر في الصدام التركي الإسرائيلي في سوريا والصومال. ويعني ذلك أن الردع الإقليمي يظل ناقصًا ما لم يقترن بترتيبات تضبط التنافس الدولي، وأن التدويل الكامل قد يحول الممر إلى ساحة تنافس مفتوحة بدلًا من أن يؤمنه.

ويظل المسار الأرجح خلال الأشهر المقبلة محكومًا بمجموعة متغيرات، من أبرزها مسار التفاوض الأمريكي الإيراني بعد انهيار هدنة يونيو، ونتيجة المعركة على الساحل الغربي اليمني، ودرجة انتقال الدعم التركي والباكستاني من الاستطلاع والانتشار الدفاعي إلى مشاركة قتالية فعلية. وفي ذلك السياق تتوزع الاحتمالات على ثلاثة سيناريوهات:

(١) نجاح الاحتواء: تنجح الوساطة الباكستانية والقطرية والعمانية في إحياء مذكرة إسلام آباد، وتتراجع حدة الهجمات الحوثية على السعودية مقابل ضغط سياسي على الجماعة، ويتحول اتفاق مكة إلى أداة ردع رمزية وصناعية أكثر منه تحالفًا قتاليًا. ويتيح هذا السيناريو لأنقرة وإسلام آباد الحفاظ على دوريهما وسيطين، لكنه يبقى هشًا لأن مصادر التوتر لم تُعالج، وفي مقدمتها سلاح الجماعة وإمدادها الخارجي وسيطرتها على مناطق مطلة على المضيق.

(٢) حرب إقليمية محدودة: تستمر المواجهة بين الجماعة والحكومة اليمنية مع إسناد جوي سعودي، وتتسع الضربات المتبادلة، وتنخرط قوات تركية وباكستانية في مهام دفاع جوي وحماية منشآت داخل المملكة، من دون الدخول في معارك برية في اليمن. وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع الراهن، ويحمل خطر الانزلاق إذا أصابت الهجمات هدفًا يوقع خسائر كبيرة، أو إذا اتسع تبادل الضربات بين واشنطن وطهران ليشمل الممر.

(٣) إعادة تشكيل أمني دائم: يتحول اتفاق مكة إلى هيكل ثابت بأمانة عامة وتدريبات مشتركة وقدرات متكاملة، وتنضم إليه دول جديدة قد تكون مصر أولها، وتقابله شبكة إسرائيلية إماراتية إثيوبية في القرن الأفريقي، فينقسم الإقليم إلى منظومتين متنافستين تتقاطعان في باب المندب. ولكن يتطلب هذا السيناريو تصديقًا برلمانيًا تركيًا، وحلًا للتحفظات المصرية، وقدرة على إدارة الخلافات الخليجية الداخلية، وهي شروط لم تتحقق بعد.

وختامًا، يمكن القول إن المنطقة تدخل بالفعل مرحلة الأحلاف الأمنية الجديدة، لكنها مرحلة انتقالية تتقدم فيها الرمزية السياسية على القدرة الميدانية؛ إذ لم يثبت اتفاق مكة بعد أنه تحالف قتالي متماسك، ولم تحسم القوى المتنافسة في القرن الأفريقي موقعها، ولم تتبلور بعد بنية بديلة تجمع بين أمن الدول المشاطئة والتزامات القوى الدولية. وطالما ظل سلاح الحوثي وإمداده خارج أي ترتيب سياسي مُلزم، وبقي البحر الأحمر ورقة في صراع واشنطن وطهران، فإن أي تحالف جديد سيُقاس بقدرته على ردع الهجمات وليس بعدد الموقعين عليه، وسيبقى باب المندب مؤشرًا على ما إذا كانت هذه التحالفات ستنتج استقرارًا أم استقطابًا أوسع.

يمكنك أيضا قراءة هذه المواضيع!

منتدى أتون الثقافي يناقش تأثير التكنولوجيا في تطور الجريمة بالمجتمع

نظّم منتدى أتون الثقافي، مساء السبت 17 أكتوبر 2026، ندوة بعنوان "التكنولوجيا وتطور الجريمة في المجتمع"، بمشاركة عدد من

Read More...

مركز آتون للدراسات يناقش تجليات التفاعل الدولي والإقليمي مع الكرد

عقد مركز آتون للدراسات، أمس الاثنين 12 أكتوبر، ندوة بعنوان "تجليات التفاعل الدولي والإقليمي مع الكرد"، بمشاركة عدد من

Read More...

الذكاء الاصطناعي بين النعمة والنقمة.. ندوة بمنتدى آتون الثقافي تناقش مستقبل البشرية

ناقش منتدى آتون الثقافي تأثيرات الذكاء الاصطناعي على مستقبل البشرية، خلال ندوة فكرية عُقدت مساء السبت 10 أكتوبر، تحت

Read More...

أضف تعليق:

بريدك الإلكتروني لن يتم نشره

قائمة الموبايل