تحليل: أ.د. سوزان القليني
لم تعد المؤسسات الإعلامية اليوم تعمل في البيئة نفسها التي تشكلت فيها معظم معايير اختيار قياداتها. فالإعلام الذي كان يعتمد لعقود على مؤسسات مستقرة، ودورات إنتاج واضحة، وجمهور شبه مضمون، ونماذج اقتصادية يمكن توقعها، أصبح يعمل داخل بيئة شديدة السيولة تتغير فيها التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، وتتبدل عادات الجمهور، وتتصاعد المنافسة مع المنصات الرقمية وصناع المحتوى، بينما يفرض الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة تتعلق بالإنتاج والتحقق والمصداقية والأخلاقيات ومستقبل الوظائف الإعلامية.
وسط هذه التحولات يبرز سؤال ربما يكون أكثر أهمية من سؤال: ماذا ننتج من محتوى؟ وهو: من يقود المؤسسات التي تنتج هذا المحتوى؟
فجودة الإعلام لا تنفصل عن جودة قيادته. والمؤسسة التي تمتلك تقنيات حديثة وتمويلا جيدا وكوادر مهنية، لكنها تفتقد قيادة تمتلك الرؤية والقدرة على اتخاذ القرار وإدارة التحول، قد تجد نفسها عاجزة عن مواكبة بيئة إعلامية تتغير كل يوم.
من هنا يصبح اختيار القيادات الإعلامية قضية تتجاوز الإجراءات الإدارية إلى قضية تتعلق بمستقبل المؤسسة الإعلامية ذاتها.
عندما تتحول الخبرة إلى شرط غير كاف
لا يمكن التقليل من قيمة الخبرة المهنية. فسنوات العمل تمنح الإعلامي معرفة متراكمة بطبيعة المهنة، وفهما للمؤسسة والجمهور، وقدرة على التعامل مع كثير من المواقف المهنية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول سنوات الخبرة من عنصر ضمن عناصر الاختيار إلى المعيار الحاسم للاختيار.
فالنجاح كصحفي أو مذيع أو منتج أو مدير تحرير لا يعني بالضرورة النجاح في قيادة مؤسسة إعلامية كاملة.
القيادة مستوى مختلف من المسؤولية، لأنها لا تتعلق فقط بإتقان المهنة، وإنما بالقدرة على إدارة البشر والموارد والتغيير والأزمات، وصياغة الرؤية، واتخاذ القرارات، وبناء فرق العمل، والتعامل مع التكنولوجيا والأسواق والجمهور.
ولهذا فإن السؤال الصحيح لم يعد كم عاما أمضى المرشح في المؤسسة؟ وإنما: ماذا يستطيع أن يفعل بالمؤسسة خلال الأعوام المقبلة؟
وهنا ننتقل من مفهوم (الخبرة المتراكمة) إلى مفهوم أكثر أهمية هو (القدرة المستقبلية).
الأقدمية ليست استراتيجية
في بعض البيئات المؤسسية ما زالت الأقدمية تحظى بثقل كبير في الوصول إلى المواقع القيادية. وقد تكون لها قيمتها باعتبارها مؤشرا على الخبرة والاستمرارية، لكنها لا ينبغي أن تتحول تلقائيا إلى شهادة صلاحية للقيادة.
فالمؤسسات الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى الشخص الذي أمضى أطول مدة داخلها، وإنما إلى الشخص الأكثر قدرة على فهم ما يحدث خارجها، والأقدر على إعدادها لما سيحدث غدا.
وقد يكون أحد أخطر أنماط الإدارة هو أن يقود المستقبل شخص يستخدم أدوات الماضي وحدها.
فالتحولات التي تواجه الإعلام لم تعد تدريجية. نحن أمام بيئة تتغير فيها خوارزميات الوصول إلى الجمهور، وتتطور أدوات إنتاج المحتوى، وتتبدل مصادر الإيرادات، وتظهر منصات جديدة، وتتغير العلاقة بين المؤسسة والمتلقي.
ولذلك فإن القيادة الإعلامية مطالبة بأن تكون قادرة على استشراف المستقبل وليس فقط إدارة الحاضر.
القيادة الإعلامية في زمن الذكاء الاصطناعي
أضاف الذكاء الاصطناعي بعدا جديدا تماما لمفهوم الكفاءة القيادية.
فالقائد الإعلامي لم يعد مطالبا بأن يكون خبيرا تقنيا أو مبرمجا، لكنه لم يعد يستطيع كذلك أن يكون بعيدا عن فهم التكنولوجيا التي تعيد تشكيل مؤسسته.
فالذكاء الاصطناعي يدخل اليوم في عمليات جمع المعلومات، وتحليل البيانات، وإنتاج النصوص والصور والفيديو، والترجمة، والتخصيص، وتحليل الجمهور، وإدارة الأرشيف، ومكافحة المعلومات المضللة.
وهذا يعني أن القرار المتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد قرارا تقنيا فقط، بل أصبح قرارا تحريريا وإداريا وأخلاقيا واقتصاديا في الوقت نفسه.
ومن هنا تظهر مجموعة جديدة من الأسئلة التي ينبغي أن توجه للمرشح لأي موقع قيادي إعلامي: ما رؤيته لاستخدام الذكاء الاصطناعي؟ كيف سيحافظ على العنصر البشري؟ ما سياسات التحقق التي سيطبقها؟ كيف سيحمي حقوق الملكية الفكرية والخصوصية؟ وكيف سيضمن ألا تتحول التكنولوجيا من أداة لتطوير الإعلام إلى مصدر جديد لفقدان الثقة فيه؟
هذه الأسئلة لم تكن جزءا من اختبارات اختيار القيادات الإعلامية قبل سنوات قليلة، لكنها أصبحت اليوم من صميم الكفاءة القيادية.
إدارة الثقة قبل إدارة المحتوى
التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام المعاصر ربما لا يكون نقص المحتوى، بل نقص الثقة.
فالجمهور يعيش وسط تدفق غير مسبوق للمعلومات والأخبار والتعليقات والصور ومقاطع الفيديو، ولم تعد المؤسسة الإعلامية تحتكر صناعة الخبر أو تفسيره.
وفي هذه البيئة تصبح الثقة أهم أصول المؤسسة الإعلامية.
فالقائد الإعلامي الكفء لا يسأل فقط: كم عدد المشاهدات؟ بل يسأل أيضا: ما درجة ثقة الجمهور في المحتوى؟ وما نسبة الخطأ؟ وكيف يتم التصحيح؟ وهل يستطيع الجمهور التمييز بين الخبر والرأي والإعلان؟ وهل توجد قواعد واضحة للتعامل مع المصادر والمعلومات المضللة والمحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟
إن المؤسسة التي تحقق انتشارا كبيرا وتفقد مصداقيتها قد تربح معركة الأرقام وتخسر معركة البقاء.
ولذلك ينبغي أن تدخل القدرة على بناء الثقة وحماية المصداقية ضمن المعايير الأساسية لتقييم القيادة الإعلامية.
القائد ليس نجم المؤسسة
هناك فارق جوهري بين أن يكون القائد الإعلامي ناجحا في بناء صورته الشخصية، وأن يكون ناجحا في بناء المؤسسة.
فالقيادة الحقيقية لا تقاس بحجم ظهور القائد، وإنما بحجم القدرات التي يخلقها داخل مؤسسته.
هل يبني صفا ثانيا من القيادات؟ هل يمنح الشباب فرصا حقيقية؟ هل توجد آلية لاكتشاف المواهب؟ هل يستطيع تكوين فرق عمل متعددة التخصصات؟ وهل تستمر المؤسسة في الأداء بالكفاءة نفسها في غيابه؟
هذه الأسئلة مهمة لأن المؤسسات التي ترتبط بشخص واحد تصبح أكثر هشاشة، بينما المؤسسات التي تعتمد على منظومة قيادية قادرة على إنتاج قيادات جديدة تكون أكثر استدامة.
ومن ثم فإن أحد معايير نجاح القائد يجب أن يكون قدرته على صناعة قيادات أخرى، لا احتكار القيادة.
من الاختيار بالانطباع إلى الاختيار بالدليل
ربما حان الوقت لأن تنتقل المؤسسات الإعلامية من نموذج الاختيار القائم على السيرة الذاتية والانطباعات العامة إلى نموذج أكثر موضوعية يعتمد على الأدلة والنتائج القابلة للقياس.
فالمرشح للقيادة يمكن أن يقدم تصورا استراتيجيا للمؤسسة، لكن الأهم هو اختبار قدرته على تحويل هذا التصور إلى أهداف ومؤشرات أداء.
ويمكن أن تتضمن عملية الاختيار عرض خطة للمائة يوم الأولى، وتصورا للتحول الرقمي، وخطة لإدارة أزمة افتراضية، ورؤية لتطوير الموارد البشرية، وسياسة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وآليات لقياس ثقة الجمهور.
بهذه الطريقة لا نختبر قدرة المرشح على الحديث عن القيادة، وإنما قدرته على ممارستها قبل أن يتولى المنصب.
كما ينبغي ألا تنتهي عملية التقييم بمجرد التعيين. فالمنصب القيادي ليس شهادة دائمة بالكفاءة، بل مسؤولية يفترض أن تخضع لمراجعة دورية وفق مؤشرات معلنة ومحددة.
نحو نموذج جديد للكفاءة القيادية الإعلامية
في ضوء هذه التحولات، أقترح إطارا يمكن تسميته: (نموذج القليني للكفاءة القيادية الإعلامية)، وهو نموذج يقوم على الانتقال من سؤال (من الأحق بالمنصب؟) إلى سؤال أكثر موضوعية: (من الأكثر قدرة على تحقيق متطلبات المنصب ومستقبل المؤسسة؟).
Elkalliny Media Leadership Competency Model (EMLC)
أولا: الرؤية الاستراتيجية واستشراف المستقبل
قدرة المرشح على قراءة تحولات الصناعة الإعلامية، وتحديد موقع المؤسسة مستقبلا، وتحويل الرؤية إلى أهداف قابلة للتنفيذ.
ثانيا: الكفاءة المهنية والتحريرية
فهم المعايير المهنية والأخلاقية، وإدراك طبيعة العمل الإعلامي، والقدرة على حماية استقلال القرار المهني وجودة المحتوى.
ثالثا: القيادة البشرية وبناء الصف الثاني
قدرة القائد على إدارة المواهب، وتحفيز فرق العمل، وإدارة الخلافات، وتمكين الشباب، وصناعة قيادات مستقبلية.
رابعا: الجاهزية الرقمية والذكاء الاصطناعي
فهم التحول الرقمي، وتوظيف البيانات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، مع إدراك مخاطرها المهنية والأخلاقية.
خامسا: إدارة الأزمات والقرار
القدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وإدارة المخاطر، والاستجابة للأزمات المهنية والمؤسسية، والتعامل مع المعلومات في الظروف الاستثنائية.
سادسا: الثقة والمصداقية والمسؤولية المجتمعية
قدرة القيادة على حماية سمعة المؤسسة، وتعزيز ثقة الجمهور، واحترام التنوع، ووضع آليات واضحة للمساءلة والتصحيح.
سابعا: الكفاءة الاقتصادية والاستدامة المؤسسية
امتلاك فهم لاقتصاديات الإعلام، وتنويع مصادر الدخل، وكفاءة إدارة الموارد دون التضحية بالمعايير المهنية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه الأبعاد باعتبارها قائمة نظرية، بل يمكن تحويلها إلى مصفوفة تقييم رقمية تستخدم في الاختيار والمفاضلة والتقييم الدوري للقيادات، بحيث يكون لكل بعد وزن محدد ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
من إدارة المؤسسة إلى صناعة مستقبلها
إن إعادة التفكير في اختيار القيادات الإعلامية ليست مسألة إدارية، بل ضرورة تفرضها التحولات العميقة التي تشهدها صناعة الإعلام.
فالمؤسسات لا تتغير بمجرد شراء أحدث الكاميرات، أو إنشاء منصات رقمية، أو استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. التحول الحقيقي يبدأ عندما توجد قيادة تعرف لماذا تستخدم هذه الأدوات، وإلى أين تريد أن تصل بالمؤسسة من خلالها.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من ثقافة شغل المنصب إلى ثقافة استحقاق المسؤولية، ومن الأقدمية وحدها إلى الكفاءة، ومن الانطباع إلى القياس، ومن إدارة اليوم إلى صناعة الغد.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي قرار باختيار قيادة إعلامية جديدة ليس: من يملك أطول سيرة ذاتية؟ ولا: من يعرف المؤسسة منذ سنوات أكثر؟
بل سؤال واحد أكثر صعوبة وأكثر عدلا:
من يمتلك الرؤية والكفاءة والنزاهة والقدرة على أن يترك المؤسسة بعد انتهاء مهمته أقوى مما كانت عليه قبل أن يتولى قيادتها؟
عندها فقط يصبح اختيار القيادة جزءا من استراتيجية تطوير الإعلام، وليس مجرد قرار لشغل مقعد شاغر.
أ.د. سوزان القليني
أستاذ الإعلام والاتصال



